القضاء والمحاكم
الفصيلة: الفنون والاقتصاد والعالم · 384 مادة
مواد هذا المحور
حدث
سرية كرز بن جابر لقتل البجليين الذين قتلوا يساراً
نحو 627 م · نحو 6 هـيرويه ابن هشام عن بعض أهل العلم عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن: أصاب النبي في غزوة محارب وبني ثعلبة عبداً يقال له يسار فجعله في لقاحه ترعى بناحية الجماء؛ فقدم نفر من قيس كبّة من بجيلة فاستوبؤوا وطحلوا، فأمرهم النبي أن يخرجوا إلى اللقاح فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحّوا عدوا على يسار فذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح؛ فبعث النبي في آثارهم كرز بن جابر فلحقهم وأتى بهم النبي مرجعه من غزوة ذي قرد، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.غزوة ابن أبي حدرد بطن إضم ومقتل عامر بن الأضبط
نحو 629 م · نحو 8 هـسرية بعثها النبي قبل الفتح إلى إضم في نفر فيهم أبو قتادة ومحلّم بن جثامة؛ مرّ بهم عامر بن الأضبط الأشجعي فسلّم بتحية الإسلام، فحمل عليه محلّم فقتله لشيء كان بينهما وأخذ بعيره ومتاعه، فنزلت فيهم آية النساء 94 بحسب ابن أبي حدرد؛ ثم اختصم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في دمه عند النبي بحنين فقُبلت الدية، ودعا النبي على محلّم ثلاثاً: اللهم لا تغفر لمحلّم.قضاء علي في الأربعة الذين تدافعوا عند زبية الأسد
631 م · 10 هـبينما كان علي في اليمن، سقط أربعة رجال في زبية حفرها قوم للأسد فتعلق بعضهم ببعض، فجرحهم الأسد وماتوا، فأخرج أولياؤهم السلاح؛ فقضى علي بأن للأول ربع الدية، وللثاني ثلثها، وللثالث نصفها، وللرابع الدية كاملة، فأبوا أن يرضوا، فأُحيلت الخصومة إلى النبي.قضاء علي في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد
631 م · 10 هـوقع ثلاثة من الرجال على امرأة في طهر واحد في اليمن، فسألهم علي اثنين اثنين هل يقران بالولد، فأبيا، ثم أقرع بينهم، فألحق الولد بمن صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية؛ فضحك النبي فرحاً بتوفيق علي للصواب ولم ينكره، ويحتمل الكتاب أن يكون ذلك قبل إسلامهم.خطبة عمر الجمعة في آية الرجم وبيعة أبي بكر
نحو 12 يونيو 632 م · نحو ربيع الأول 11 هـفي أول جمعة بعد الوفاة قام عمر فذكر آية الرجم التي كانت من كتاب الله فقرأها ووعاها ورُجم بعد النبي، وخشي أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله؛ ثم قال إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، ومن بايع رجلاً عن غير مشورة فلا بيعة له ولا للذي بايعه.مشورة علي لعمر في القضاء
بين 634 و644 م · 13 هـفي خلافة عمر أشار علي مراراً بتصويب الأحكام: منع رجم امرأة مبتلاة بالجنون، وسأل عمر عن سلطانه على ما في بطن حامل اعترفت بالفجور، وكشف بالتجربة كذب امرأة ادعت أن شاباً راودها، وردّ نكاحاً في العدة إلى السنة. وتذكر الرواية أن عمر قال: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.تولية علي أبناء العباس وابن أبي بكر الولايات
بين 656 و661 مولّى علي بن أبي طالب على الأمصار عدداً من أبناء عمّه العباس بن عبد المطلب: عبد الله على البصرة، وعبيد الله على اليمن والبحرين، وقثم على مكة والطائف، وتمام على المدينة، ومعهم محمد بن أبي بكر ربيبه على مصر. ويعرض الصلابي هذه التولية ضمن قائمة من واحد وأربعين والياً، ويرى أن عليّاً وعثمان قدّما الأقارب إذا ثبتت كفاءتهم، لا لمجرد القرابة.علي يجلد النجاشي الحارثي الشاعر لشربه الخمر في رمضان
بين 656 و661 مشرب النجاشي الحارثي الشاعر الخمر في رمضان، فضربه علي ثمانين جلدة ثم حبسه، ثم أخرجه في الغد فضربه عشرين أخرى وقال له إنما جلدتك لجرأتك على الله وإفطارك في رمضان. ويذكر الكتاب هذا مثالاً على تعزير علي بالحبس بعد الحد.علي يفرج عن رجلين اعترفا بقتل واحد ويدفع الدية من بيت المال
بين 656 و661 مأُتي علي برجل بيده سكين ملطخة بدم، وبين يديه قتيل، فاعترف بالقتل ثم ظهر رجل آخر فاعترف هو أيضاً، فسأل علي كلاً منهما، فروى كل واحد قصته، ثم قال الحسن الحكم فيهما: إن كان قد قتل نفساً فقد أحيا نفساً. فخلى علي سبيلهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال، ويرى الصلابي أن علياً ربما فعل ذلك بعد أن أسقط أولياء القتيل حقهم بالقصاص.أحكام علي في عقوبة المرتد والزنديق وطرق قتلهم
بين 656 و661 مقال علي: يُستتاب المرتد ثلاثاً فإن عاد وإلا قُتل، وروي عنه في الزنديق قولان، وفي المرأة المرتدة قولان. وينقل الصلابي أن علياً قتل المرتدين بالسيف، وبالضرب حتى الموت، وبالإحراق بعد القتل، كما في قصة المستورد العجلي، وأنه أحرق السبئية.قضاء علي في الصفعة على الدرهم المغموز بالكوفة
بين 656 و661 مباع رجل شاة إلى آخر بشرط ألا يعطيه درهماً مغموزاً أو محذّقاً، فأعطاه درهماً مغموزاً، فرده البائع، فلطمه المشتري. رفع الأمر إلى علي في السوق، فقضى أن يجلس اللاطم، وخيّر الملطوم بين القصاص والعفو، فلما جاز الرجل قال علي: «يا معشر المسلمين خذوه»، فحُمل على ظهر رجل وضُرب خمس عشرة درة، وقال: «هذا نكال لما انتهكت من حرمته».حكم علي بجلد شراحة ورجمها بعد اعترافها بالزنا
بين 656 و661 مأقرّت شراحة بالزنا وكان بها حمل، فجلدها علي يوم الخميس مائة جلدة ورجمها يوم الجمعة، وقال إن الرجم سنة سنها رسول الله، وإن أول من يرجم عند الاعتراف الإمام. ويعرض الصلابي الحكم بوصفه قضاء لعلي، ويذكر أن الجمع بين الجلد والرجم مختلف فيه بين الفقهاء.مراقبة علي لولاته: المفتشون والشكاوى والتأديب
بين 656 و661 مكان علي يتابع ولاته بعدة وسائل: يبعث مفتشين يسألون الناس عن الولاة، ويتلقى تقارير سرية، ويفتح الباب لكل شكوى، ويكتب إليهم بالنصيحة والتوجيه. وقد أدّب واليا بالحبس والضرب بالدرة بعد ثبوت التهمة، ويقول إذا بلغته شكوى: «اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك».توقيع القادر بإلزام أهل الذمة تغيير اللباس
نحو أبريل 1038 م · رجب 429 هـفي سلخ رجب سنة تسع وعشرين وأربعمائة جُمع الأشراف والقضاة والشهود والفقهاء والوجوه إلى بيت النوبة، واستُدعي جاثليق النصارى ورأس جالوت اليهود، وخرج توقيع الخليفة في أمر العيار وإلزام أهل الذمة إياه: تليت القراءة التي تذكر أن الخلفاء الراشدين فرضوا على أهل الذمة حدودًا معقودة على الاستشعار والإخبات والاستكانة والتفرد عن المسلمين، وأن هذه الطائفة لما تطرّق عليها الإغفال تشبّهت بالمسلمين في زيّهم، فرأى أمير المؤمنين الإيعاز إلى جميع أهل الذمة بتغيير اللباس الظاهر مما يُعرفون به عند المشاهدة.فتنة لقب شاهنشاه الأعظم ملك الملوك
نحو أغسطس 1038 م · رمضان 429 هـفي رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة استُقرئ في إضافة «شاهنشاه الأعظم ملك الملوك» إلى ألقاب جلال الدولة، فأمر الخليفة بأن يُخطب له بها، فأنكر العامة ورموا الخطيب بالآجر ووقعت فتنة. وكتب الخليفة إلى الفقهاء، فأجاز أبو عبد الله الصيمري الحنفي إطلاقها لجواز تفاضل الملوك، وأجاز أبو الطيب الطبري على قياس «قاضي القضاة»، وكتب التميمي نحو ذلك، وامتنع قاضي القضاة الماوردي من الجواز فانقطع عن خدمة جلال الدولة، ثم استدعاه الملك بكرة يوم العيد على وجل فقال له: إني لأتحقق أنك لو حابيت أحدًا لحابيتني، وما حملك على مخالفتي إلا الدين وقد قرّبك ذلك مني وزاد محلك في قلبي.
مؤلَّف
عهد النبي إلى عمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن
كتاب عهد كتبه النبي لعمرو بن حزم حين بعثه إلى بني الحارث بن كعب: يأمره بتقوى الله والأخذ بالحق وتبشير الناس وتعليم القرآن وألا يمس القرآن إلا طاهر، واللين في الحق والشدة في الظلم، وتعليم معالم الحج (الحج الأكبر والأصغر وهو العمرة)، والنهي عن الصلاة في ثوب واحد صغير وعن الاحتباء المكشوف وعن عقص الشعر وعن الدعاء إلى القبائل والعشائر عند الهيج، والأمر بإسباغ الوضوء ومواقيت الصلوات الخمس والجمعة والغسل لها، وخمس المغانم، وفرائض الصدقة في الزرع والإبل والبقر والغنم، وحكم من أسلم من اليهود والنصارى ومن بقي على دينه وعليه دينار وافٍ على كل حالم أو عوضه ثياباً.حديث الخصال الخمس
كلمة للنبي إلى المهاجرين يرويها عبد الله بن عمر في خبر بعث عبد الرحمن بن عوف: خمس خصال يستعيذ بالله أن تدركهم: ظهور الفاحشة فيظهر الطاعون، ونقص المكيال فيأتي الجدب وجور السلطان، ومنع الزكاة فيُمنع القطر، ونقض العهد فيُسلّط العدو، وترك الحكم بكتاب الله فيكون البأس بينهم.
شخصية
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
694 م · 75 هـالعالم والمحدّث والقاضي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري الشعباني، يُلقّب في المشرق الإفريقي، وروى الحديث وتولّى القضاء.أبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني
نحو 877 م · 264 هـأبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى الهمذاني (264–350هـ)، قاضي القضاة ببغداد؛ غلب عليه في ابتداء أمره علم التصوف والميل إلى أهل الزهد، ثم خرج من بلده فلقي العلماء وعُني بفهم القرآن وكتب الحديث وتفقه على مذهب الشافعي، فقلّده الأمير أبو القاسم ابن أبي الساج الحكم بمراغة وجميع آذربيجان، ثم تقلد همذان، وعاد إلى بغداد فتقلد أعمالاً جليلة بالكوفة وديار مضر والأهواز وإمامة الجبل وقطعة من السواد، حتى ولي قضاء القضاة في رجب سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وتوفي في ربيع الآخر سنة خمسين وثلثمائة ودفن في داره بسوق يحيى.أبو محمد عبد الله الأصيلي
936 م · 324 هـالمحدث والفقيه المالكي القاضي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي الأندلسي، من كبار أصحاب الحديث والفقه، نشأ بأصيلا قرب طنجة ثم عاد إلى الأندلس.أبو علي الطبري صاحب المحرر
الحسين بن القاسم أبو علي الطبري الفقيه الشافعي (ت 350هـ)؛ درس على أبي علي بن أبي هريرة وبرع في العلم وسكن بغداد، وصنّف كتاب «المحرر» وهو أول كتاب صُنّف في الخلاف، وصنّف كتاب «الإفصاح» في المذهب وكتاباً في الجدل وكتاباً في أصول الفقه، وتوفي ببغداد سنة خمسين وثلثمائة.ابن الطبري المروزي قاضي خراسان
أحمد بن الحسين بن علي أبو حامد المروزي المعروف بابن الطبري (ت 377هـ)؛ كان أبوه من أهل همذان، وسمع من جماعة من المحدثين وكان أحد العباد المجتهدين والعلماء المتقنين حافظاً للحديث بصيراً بالأثر، ورد بغداد في حداثته فتفقه بها ودرس على أبي الحسن الكرخي مذهب أبي حنيفة، ثم عاد إلى خراسان فولي بها قضاء القضاة وصنّف الكتب والتاريخ، ثم دخل بغداد وقد علت سنّه فحدّث بها وكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، ووثّقه البرقاني؛ توفي بمرو في صفر سنة سبع وسبعين وبعضهم يقول سنة ثلاث وسبعين.الخليل بن أحمد القاضي
الخليل بن أحمد القاضي (ت 378هـ)، شيخ أهل الرأي في عصره؛ كان متقدماً في علم الفقه والوعظ، وسمع الحديث من محمد بن إسحاق بن خزيمة وأقرانه وسمع بالعراق البغوي وابن صاعد وأقرانهما، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.أبو عبد الله الحسن بن حامد الوراق الحنبلي
الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله الوراق البغدادي الحنبلي، مدرس أصحاب الإمام أحمد وفقيههم وإمامهم في زمانه، وشيخ القاضي أبي يعلى ابن الفراء الذي تخرج عليه ونقل مذهبه. له المصنفات الكبار في المذهب والخلاف والأصول، منها كتاب الجامع نحو أربعمائة جزء وكتاب تهذيب الأجوبة وشرح أصول الدين، وكان حسن الفتوى والتدريس. توفي في طريق مكة منصرفاً من الحج في واقصة ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة ودُفن هناك.أبو الأصبغ عيسى بن سهل
1022 م · 413 هـالفقيه المالكي القرطبي القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي، اشتهر بالفتاوى في النوازل، وأثنى عليه الأئمة بغزارة علمه وحسن خصاله.تاج الدين عبد الوهاب بن عربشاه
بين 1410 و1411 م · 813 هـقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن المؤرخ شهاب الدين ابن عربشاه الحنفي، ولد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة؛ كان في ابتداء أمره شاهداً وبلغ في صناعة الشهادة غاية الدهاء، وكان فقيراً فحصلت له ثروة وجاه، ونظم في مذهب الحنفية كتاباً كبيراً، وولى قضاء قضاة دمشق في رجب سنة أربع وثمانين وثمانمائة ثم عزل في شوال سنة خمس وتسعين، فسافر إلى مصر فولي مشيخة الصرغتمشية بها إلى أن توفي في خامس عشر رجب سنة إحدى وتسعمائة.شهاب الدين ابن عبية المقدسي
نحو يناير 1429 م · 12 ربيع الأول 831 هـالقاضي شهاب الدين أحمد بن عبية المقدسي الأثري الشافعي نزيل دمشق، ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة واشتغل بالقدس وحصل، وولي قضاء بيت المقدس وامتحن بسبب القمامة — الكنيسة المشهورة التي أُشير إلى هدمها — إذ عاقبه السلطان قايتباي هو وعالم القدس البرهان الأنصاري وغيرهم بسبب هدم الكنيسة حتى حملوا إليه وضُرب بعضهم بين يديه، وشُنّع عليه في ذلك؛ ثم رحل إلى دمشق وقطن بها ووعظ وذكّر الناس، وكان إماماً علماً، ومن شعره في ناعورة: «وناعورةٍ أنتِ فقلتُ لها اقصري أنينكِ هذا زادٌ لاقلبٍ في الحزنِ»؛ توفي بدمشق ليلة السبت ثالث جمادى الأولى سنة خمس وتسعمائة ودفن بباب الصغير شمالي.برهان الدين بن أبي شريف المقدسي
بين 1429 و1430 م · 833 هـشيخ مشايخ الإسلام ومرجع الخاص والعام؛ ولد بالقدس سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وأخذ عن أخيه الكمال ثم رحل إلى القاهرة فأخذ الفقه عن العلم البلقيني والشمس القاياتي والأصول عن الجلال المحلي والحديث عن شيخ الإسلام ابن حجر، وتزوج ابنة قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي وناب عنه. فُوّض إليه قضاء مصر في تاسع عشر ذي الحجة سنة ست وتسعمائة وبقي فيه إلى سنة عشر فعُزل بابن الفرفور، ثم أنعم عليه الغوري بمشيخة قبته قبالة مدرسته الغورية. وفي سنة تسع عشرة أفتى بصحة رجوع رجل وامرأة عن إقرارهما بالزنا فغضب السلطان وأمر بضربهما حتى ماتا تحت الضرب وشنقهما على بابه وعزله مع القضاة الأربعة؛ فلزم بيته والناس يقصدونه ويتقوت من مصبنة له بالقدس ولا يأكل من معاليم المشيخة شيئاً، وكان الناس يقولون إن جميع ما وقع للغوري بسِرّ الشيخ. له شرح المنهاج في أربع مجلدات كبار وشرح الحاوي وكتاب في آيات الناسخ والمنسوخ. توفي فجر الجمعة ليومين من المحرم سنة ثلاث وعشرين ودُفن غربي ضريح الإمام الشافعي.شمس الدين ابن جماعة الكناني
نحو نوفمبر 1429 م · صفر 833 هـقاضي القضاة شمس الدين أبو البقاء محمد بن جماعة الكناني المقدسي الشافعي، ولد في أواخر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالقدس ونشأ بها واشتغل في صغره على جده، وأذن له تقي الدين بن قاضي شهبة بالإفتاء والتدريس مشافهة حين قدم إلى القدس، وتعيّن في حياة والده وجده وولي تدريس الصلاحية عن جده فباشره أحسن مباشرة وحضره الأعيان، وجمع له في صفر سنة اثنتين وسبعين بين قضاء القضاة وتدريس الصلاحية وخطابة الأقصى، ولم يلتمس على القضاء ولا الدرهم الواحد حتى تنزّه عن معالم الانتظار ما يستحقه شرعاً، ثم صُرف عن القضاء والتدريس بالعز الكناني فانقطع في منزله بالمسجد الأقصى يفتي ويدرّس؛ وله من المؤلفات شرح على جمع الجوامع سماه بالنجم اللامع وتعليق على الروضة إلى آثناء الحيض في مجلدات وتعليق على المنهاج في مجلدات والدر النظيم في أخبار موسى؛ توفي بالقدس في حدود سنة إحدى وتسعمائة.البرهان ابن عون الحنفي
بين 1432 و1433 م · 836 هـشيخ المشايخ برهان الدين ابن عون المعري الدمشقي الحنفي مفتيهم، ولد سنة ست وثلاثين وثمانمائة، واشتغل على الشمس السعدي والبكري وسمع على السخاوي، وكان ممن اقتبس من آداب شيخنا أحمد بن قدس سمته ووقاره وشيء من فضائله بشدة تأدبه به وكثرة مصاحبته له وملازمته إياه؛ توفي قبلي باب الفراديس إلى الجنوب سنة ست عشرة وتسعمائة.تقي الدين ابن قاضي عجلون
نحو يناير 1438 م · شعبان 841 هـتقي الدين ابن قاضي عجلون الدمشقي الشافعي؛ ولد بدمشق في شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده وأخيه شيخ الإسلام نجم الدين وشيخ الإسلام زين الدين خطاب وسمع على أبي الحسن بن بردس والحافظ ابن ناصر الدين وأخذ عن ابن حجر مكاتبة وعن صالح البلقيني والجلال المحلي، وكان أفقه أهل زمانه ودرّس بالجامع الأموي والشامية البرانية والعمرية وبالقاهرة، وألف منسكاً وكتابه إعلام النعيه مما زاد على المنهاج، وانتهت إليه مشيخة الإسلام ورياسة الشافعية ببلاد الشام بل وبغيرها من بلاد الإسلام. ولما ألف البقاعي كتابه في الرد على حجة الإسلام الغزالي وبالغ في الإنكار على ابن العربي كان الشيخ تقي الدين من أشد الناس عليه وهجره. وامتُحن في أيام الغوري بسبب فتياه في واقعة ابن محيي الدين الأسلمي فطُلب إلى القاهرة وغُرّم أموالاً كثيرة حتى باع أكثر كتبه، وانتهى الأمر على العمل بفتياه وإعادة التربة المهدومة كما كانت. توفي ضحوة يوم الاثنين حادي عشر رمضان ودُفن بمقبرة باب الصغير.شهاب الدين ابن الفرفور
نحو ديسمبر 1448 م · شوال 852 هـقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الفرفور الدمشقي الشافعي، ولد في نصف شوال سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وأخذ عن البرهان الباعوني وأبي القاسم بن الشيخ خليل والنجم بن قاضي عجلون والشمس السعدي وأبي المحاسن بن شاهين وغيرهم وبرع وتميز على أقرانه، وكان جامعاً بين العلم والرياسة والكرم وحسن العشرة بحيث قال الحمَوي إنه خاتم رؤساء الدنيا على الإطلاق وسلطان الفقهاء والرؤساء؛ ولى قضاء قضاة الشافعية بدمشق ثم جُمع له بينه وبين قضاء مصر يوم الخميس رابع ربيع الأول، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة.الدلجي العثماني
نحو 1456 م · 860 هـشمس الدين محمد الدلجي العثماني الشافعي؛ ولد سنة ستين وثمانمائة بدلجة وحفظ القرآن بها ثم دخل القاهرة فقرأ التنبيه وغيره على علمائها، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها نحو ثلاثين سنة وأخذ عن البرهان البقاعي والحافظ برهان الدين الناجي والقطب الخيضري والقاضي ناصر الدين بن زريق الحتيلي والإمام المحدث شمس الدين السخاوي، وسافر إلى بلاد الروم واجتمع بسلطانها أبي يزيد وحج من بلاد الشام ثم عاد إلى القاهرة؛ وكتب شرحاً على الخزرجية وشرحاً على الأربعين النواوية وشرحاً على الشفا للقاضي عياض وشرحاً على المنفرجة، واختصر المنهاج والمقاصد وسماه مقاصد المقاصد وشرحه، وأخذ عنه جماعة منهم النجم الغيطي؛ توفي بالقاهرة.قطب الدين بن سلطان
نحو 24 نوفمبر 1465 م · 12 ربيع الأول 870 هـقطب الدين أبو عبد الله محمد بن سلطان الدمشقي الصالحي الحنفي، شيخ الإسلام مفتي بلاد الشام؛ ولد ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة وأخذ عن القاضي عبد البر بن الشحنة وغيره، وولي تدريس القصاعية المختصة بالحنفية وتدريس الظاهرية التي هي مسكنه والنظر عليها وله تدريس في الجامع الأموي وغير ذلك من المناصب العلية، وولي القضاء بمصر في زمن الغوري نيابة عن شيخه ابن الشحنة؛ وكفّ بصره من بعد مع بقاء جمال عينيه بحيث يظن أنهما بصيرتان، وكان حسن الوجه والذات جليل المقدار مهيباً معظماً نافذ الكلمة عند الدولة يردون الأمراء إليه في الفتوى ماسك زمام الفقهاء، وكان يملي من يكتب الجواب على الأسئلة التي ترفع إليه واتخذ خاتماً منقوشاً يختم به على الفتوى خوفاً من التلبيس عليه، وكان يقول بتحريم القهوة وصنّف مؤلفاً في الفقه ورسالة في تحريم الأفيون والبرق اللامع في المنع من البركة في الجامع؛ توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة ودُفن داخل تربة القلندرية من باب الصغير.الطنبداوي البكري الصديقي
نحو 1466 م · نحو 870 هـشهاب الدين أحمد الطيب الطنبداوي البكري الصديقي الشافعي، شيخ الإسلام الحبر الإمام العارف القانت الأوّاه؛ ولد بعد السبعين وثمانمائة تقريباً وتفقه بالنور السمهودي والقاضي أحمد المزجد وغيرهما، وكان في أهل عصره بمنزلة الشمس من النجوم وتميز في معرفة المنطق والمفهوم، وكان شديد التصلب في الدين والصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يقول لتلميذه ابن زياد: أنتم نفعكم أحد المزجد ونحن بلحظه ولفظه؛ وأخذ عنه خلق منهم شيخ الإسلام ابن زياد والحافظ شهاب الدين أحمد الخزرجي وعبد الملك بن النقيب وصالح الماري، وانتهت إليه رياسة الفتوى والتدريس وانتفع به الخاص والعام؛ ومن مصنفاته فتاوى مشهورة عليها الاعتماد بزبيد وشرح التنبيه في أربع مجلدات وحاشية مفيدة على العباب. وقال الشيخ صالح النماري: من عجيب ما سمعته منه أنه قال طالعت جميع الإيضاح شرح الحاوي للناشري في ليلة واحدة وهو مجلدان ضخمان وعلّقت من كل باب فائدة وهذا خرق عادة، وقال الخولاني: سمعته يقول كانت الفوائد التي كتبتها تلك الليلة ثلاثة كراريس، وكان مفرط الذكاء يحفظ الإرشاد.الطيب بن عفيف الدين المخرمة العدني
نحو 8 يناير 1466 م · 12 ربيع الآخر 870 هـالطيب بن عفيف الدين مخرمة العدني الشافعي الإمام العلامة المحدث؛ ولد بعدن ليلة الأحد ثاني عشر ربيع الثاني سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ عن والده وعن الفقيه محمد بن أحمد فضل وانتفع به كثيراً ولازمه، وتفنن في العلوم وبرع وتصدر للفتوى والاشتغال، وكان من أصح الناس ذهناً وأذكاهم قريحة وأقربهم فهماً وأحسنهم تدريساً حتى يذكر أنه لم ير مثله في حسن التدريس وحل المشكلات في الفقه، وصار في آخره عمدة الفتوى بعدن وكان يقول إني أقرئ أربعة عشر علماً، وولي القضاء بعدن؛ ومن مؤلفاته شرح صحيح مسلم وأسماء رجال مسلم وتاريخ مطول مرتب على الطبقات والسنن ابتدأ به من أول الهجرة وكتاب في النسبة إلى البلدان مفيد جداً؛ توفي بعدن في سادس المحرم ودُفن في قبر جده لأمه القاضي العلامة محمد بن مسعود أبي شكيل بوصية في قبة الشيخ جوهر.عبد الرحمن بن زياد مفتي زبيد
نحو يوليو 1494 م · رجب 900 هـأبو الضياء عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد العكي المقصري الزبيدي الشافعي مذهباً الأشعري معتقداً الحكمي خرقة اليافعي تصوفاً — وفي ذلك يقول: «أنا شافعي في الفروع ويافعي — في التصوف أشعري المعتقد»؛ ولد في رجب سنة تسعمائة وحفظ القرآن والإشارة وأخذ عن محمد موسى الضباعي وأحمد المزجد وتلميذه الطنبذاوي وبه تخرج وانتفع، وأخذ التفسير والحديث والسير عن الحافظ وجيه الدين بن الديبع والفرائض عن الغريب الحتقي والأصول عن جمال الدين يحيى قبيب والعربية عن محمد مفضل اللحاني، وجد واجتهد حتى صار عيناً من أعيان الزمان وقصدته الفتاوى من شاسع البلاد، واشتغل بالإفتاء من وفاة شيخه الطنبذاوي سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان من الفقر على جانب عظيم بحيث كان يصبح وليس عنده قوت يومه حتى اتفق أن زوجته وضعت وليس عنده شيء حتى عجز عن المصباح فباتوا كذلك؛ وفي سنة أربع وستين نزل في عينيه ما كفّ بصره فاحتسب ورضي وقال مرحباً بموهبة الله، وجاءه قداح فقال له أنا أصلح بصرك وقال بعض أهل الثروة وأنا أنفق عليك وعلى عيالك مدة ذلك فامتنع وقال: شيء ألبسنيه الله لا أتسبب في إبطاله، ومع ذلك كان على عادته من التدريس والإفتاء والتصنيف؛ ومن مصنفاته: إثبات رفع اليدين عند الإحرام والركوع والاعتدال والقيام من الركعتين، وكتاب فتح المبين في أحكام تبرع المدين والمقالة الناصعة والذيل والخلاصة — وهذه الكتب الثلاثة صنفها بسبب ما وقع بينه وبين ابن حجر في عدم بطلان تبرع المدين — وكتاب النخبة في الأخوة والصحبة، والأدلة الواضحة في الجهر بالبسملة وأنها من الفاتحة، وإقامة البرهان على كمية التراويح في رمضان، وكشف الغمة عن حكم المقبوض عما في الذمة، ولون الملك فيه موقوفاً عند الأئمة، ومزيل العناء في أحكام الغناء، وسمط اللآل في كتب الأعمال، وكشف النقاب عن أحكام الحراب؛ وتوفي بزبيد ليلة الأحد حادي عشر رجب.الملا حسن الساموني
الملا حسن بن عبد الصمد الساموني؛ قال في الشقائق كان عالماً فاضلاً محباً للفقراء والمساكين ومريد المشايخ المتصوفة، قرأ على علماء الروم ثم وصل إلى خدمة الملا خسرو وحصل جميع العلوم أصليها وفرعيها وعقليها وشرعيها، ثم صار مدرساً ببعض المدارس ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثمان، ثم صار معلماً للسلطان محمد خان الفاتح، ثم جعله قاضياً بالعسكر المنصور ثم قاضياً بمدينة قسطنطينية، وكان مرضي السيرة محمود الطريقة في قضائه سليم الطبع قوي الإسلام متشرعاً متورعاً، وكتب بخطه كثيراً، توفي سنة إحدى وتسعمائة.مصلح الدين القسطلاني الرومي
مصلح الدين مصطفى القسطلاني الرومي الحنفي من موالي الروم؛ قرأ على موالي الروم وخدم الملا خضر بك ودرّس في بعض المدارس، ولما بناها السلطان محمد خان أعطاه واحدة من المدارس الثمان بالقسطنطينية، وكان لا يفتر عن الاشتغال والدرس وكان يدّعي أنه لو أُعطي المدارس الثمان كلها لقدر أن يدرّس في كل واحدة منها كل يوم ثلاثة دروس؛ ثم ولى قضاء بروسا ثلاث مرات ثم قضاء أدرنة كذلك ثم القسطنطينية كذلك ثم ولاه السلطان محمد قضاء العسكر، وكان لا يداري الناس ويتكلم بالحق على كل حال فضاق الأمر على الوزير محمد باشا القرماني حتى قسم قضاء العسكر بين روم إيلي وأناضول، فلما مات السلطان محمد وتولى ولده بايزيد خان عزل القسطلاني وعيّن له على اليوم مائة درهم؛ قال في الكواكب السائرة كان القسطلاني يداوم أكل الحشيش والكيف وكان مع ذلك ذكياً فائقاً للعلوم حديد المحاضرة، وأُخبر عن نفسه أنه طالع الشفاء لابن سينا في ليالٍ، ولم يهتم بأمر التصنيف لاشتغاله بالدرس والقضاء لكنه كتب حواشي على شرح العقائد ورسالة ذكر فيها سبع إشكالات وحواشي على المقدمات الأربع التي أبدعها صدر الشريعة وردّ فيها على حواشي الملا علي العربي؛ توفي في هذه السنة بالقسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري.غرس الدين خليل الفراديسي
غرس الدين أبو القاسم خليل بن خليل الفراديسي الصالحي الحنبلي؛ قال ابن طولون حفظ القرآن ثم قرأ المحرر للمجد بن تيمية وأخذ عن النظام بن مفلح والشرف بزيد والشيخ صفي الدين، ولازم القاضي ناصر الدين بن زريق وأكثر من الأخذ عنه، ثم أقبل على الشهادة والمباشرة لأوقاف مدرسة أبي عمر وغيرها، وأجاز لابن طولون وكتبوا عنه؛ وتوفي في محبس قرتباي الأحمر أمير الأمراء بدمشق سنة أربع وتسعمائة.ابن حجر الهيتمي
نحو ديسمبر 1503 م · رجب 909 هـشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، الإمام العلامة البحر الزاخر؛ ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة بمحلة أبي الهيثم من إقليم الغريسة بمصر، ومات أبوه وهو صغير فكفله الإمامان شمس الدين بن أبي الجمائل وشمس الدين الشناوي، ونقله الشناوي إلى مقام سيدي أحمد البدوي ثم إلى جامع الأزهر سنة أربع وعشرين فأخذ عن علماء مصر منهم القاضي زكريا وعبد الحق السنباطي والسمهودي والرملي والطبلاوي واللقاني وأذنوا له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين، وقدم مكة سنة ثلاث وثلاثين فحج وجاور ثم نزع سنة أربعين فجاور بمكة يدرس ويفتي ويؤلف؛ ومن مؤلفاته شرح المشكاة وشرح المنهاج وشرحان على الإرشاد وشرح الهمزية البوصيرية وشرح الأربعين النووية والصواعق المحرقة وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع والزواجر عن اقتراف الكبائر ونصيحة الملوك وشرح العباب المسمى بالإيضاح وتحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات ومناقب أبي حنيفة؛ وكان شيخ الإسلام خاتمة العلماء الأعلام إمام الحرمين؛ توفي بمكة في رجب ودُفن بالمعلاة في تربة الطبريين.برهان الحسيني نقيب دمشق
الأمير برهان الدين الحسيني العلوي نقيب الأشراف بدمشق؛ كان مقدماً بالبيت النبوي على عادة الحكومة، أعقّهُ رجل حين أراد حبسه أمر فأطلقه السلطان قايتباي وبطل قوله بحصانه وذلك قيد من القيد التي تحلق الرقاب لأهل البيت؛ حج ولزم الأوقاف والقضاء والنيابة عدة مرات وحج بالمحمل سنة تسع عشرة.شهاب الدين ابن العسكري
شهاب الدين أحمد بن العسكري الصالحي الدمشقي الحنبلي مفتي الحنابلة بها؛ كان صالحاً ديناً زاهداً مباركاً يكتب على الفتاوى كتابة عنائية، ولم يكن له في زمانه نظير في العلم والتواضع والتقشف على طريقة السلف، منقطعاً عن الناس قليل المخالطة لهم؛ ألّف كتاباً في الفقه جمع فيه بين المقنع والتنقيح، مات قبل تمامه في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وتسعمائة.إبراهيم الدميري قاضي المالكية
قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم الدميري المالكي؛ تحصّل بحده وولي قضاء قضاة المالكية بالقاهرة وجاور الشيخ أحمد بن المرغي في الزعفران، ومات — كما ذكر الكواكب — لما كان في وعظة ليلة الاثنين للسلطان الغوري في رمضان غصب إبراهيم الدميري على الوعظ أمامه، مات يوم الأربعاء ثالث عشر رمضان سنة ثلاث عشرة وتسعمائة وصلى عليه الغوري.برهان الدين ابن مفلح المفتي
شيخ المشايخ البرهان ابن مفلح الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق؛ توفي بميدعة يوم الأحد سادس عشر شعبان سنة سبع عشرة وتسعمائة، قال ابن الشهنا: كان أستاذاً للعلم في العراق وكان مكثراً فيه لا يهمه فيه كثير.علي القتالي زاده القاضي الشاعر
نحو 1512 م · 918 هـالمولى علي القتالي زاده؛ قال في الكواكب: كان من القضاة الفضلاء الشعراء الظرفاء، ولد سنة ثمان عشرة وتسعمائة، وخالف في مسألة الضرب بالمشباب وألّف فيه كتاباً، وكان له في حياة أبي السعود صيت جميل، وكان شاعراً حسن الذوق جميل الأدب له قصيدة «الطريد إلى الله ملتجي حرمه» شملت الفنون؛ وقُتل بالطلسم في أنطاكية وقيل سقاه زوجته شيئاً في مرهقه فمات في سابع رمضان.عبد البر ابن الشحنة
قاضي القضاة بهاء الدين عبد البر ابن الشحنة الحنفي؛ ولي قضاء حلب ثم نقل إلى قضاء القاهرة الحنفي، وكان من جلساء السلطان قانصوه الغوري وظرفائه حتى هجاه بعض الشعراء فيه، وكان محباً للعلم والعلماء؛ توفي سنة إحدى وعشرين وتسعمائة.أحمد المنوفي المالكي
شهاب الدين أحمد المنوفي المالكي؛ كان من أئمة الصلاح على ما ترجمه به المناوي في نفائسه، وتولى قضاء مدينة منوف ثلاثاً وثلاثين سنة فما أصابت جوراً وقُتل أحداً ولا ارتفعت بثكلها فاطمة، وولي قضاء القاهرة قبل وفاته وما قدر فيها لشيء وعدته المنية؛ توفي ليلة الجمعة سلخ ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وتسعمائة.ابن السمديسي
شمس الدين ابن السمديسي المصري الشافعي؛ كان قاضياً بالنيابة في القاهرة، واشتغل وناب في القضاء وكان بيته مأوى للطلاب؛ توفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.أحمد باشا بن خضر بك
أحمد باشا بن خضر بك؛ قرأ على الشيخ محمد بن عبد الكريم بن غرسان ثم على الأمير التوسي والمولى سنان الدين والمولى محيي الدين القرشي، ونظر في كتب معتبرة وصارت له ملكة في الفقه والعلوم الحكيمة والنظرية ودرّس بمدارس بروسا وتدرج في التدريس، وتولى إفتاء بروسا حتى صار يعرف في العصر بالمولى أحمد باشا — وكان من عادته الحضور للدروس كل يوم عصراً — وتولى القضاء في عدة مواضع ببروسا وغيرها، وحكى جدي أنه كان رجلاً واسعاً مثالاً يقصده الفقراء والناس لما فيه من الحلم والعطية وحسن الإجابة، وأنشأ عدة أوقاف وفوائد؛ توفي في سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة.إسماعيل النابلسي مفتي دمشق
نحو 1530 م · 937 هـبدر الدين إسماعيل بن أحمد النابلسي الشافعي مفتي الشام؛ ولد سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بدمشق ونشأ يتيم الأب طالباً للعلم وسمع الحديث على الشيخ نصر الحموي ومحيي الدين النحاس وغيرهما وقرأ على الزكريا وأخذ عن البقاعي وقاضي زادة وابن طولون والصفدي والملا عبد القادر البغدادي والشيخ إبراهيم بن بنت عون، وصار يدرّس في السادسة عشرة من عمره بمدرسة الطرائفية، ولم يزل مجتهداً في طلب العلم والاشتغال به حتى برع في فنون كثيرة كالنحو واللغة والفقه والأصول وعلم الكلام والطب والفرائض والعروض، وأجازه الشيخ أبو الحسن البكري ووقف في نهار يناير على منصب الإفتاء بدمشق وقام به أحسن قيام، وتولى في آخر عمره مشيخة التدريس بالظاهرية وجمع بينها وبين الإفتاء؛ وكان نزيهاً عن الاستيلاء من المكاسب والرشوة وجعل الاستعلاء في طلبته وسكناه على سطح داره، ومن تصانيفه شرح العقيدة النسفية وشرح ألفية العراقي والمستقصى منه في اختلاف الأئمة الثلاثة وعقد فهرسه؛ وعزله الخادم مراد بيك عن الإفتاء سنة ثلاثة وتسعين، وتوفي يوم السبت ثالث عشر محرم ودُفن عند أستاذه ملا عبد القادر البغدادي.ابن كمال باشا
شمس الدين أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا، العلامة الأوحد المحقق الفهامة؛ كان جده من أمراء الدولة العثمانية واشتغل هو بالعلم وهو شاب ثم أُلحق بالعسكر، وحكى عن نفسه أنه كان مع السلطان بايزيد في سفر فرأى المولى لطفي رثّ الهيئة يتصدر على أمير عظيم فقيل له: العلماء معظمون لعلمهم فتعلق قلبه بالعلم. ثم ترقى في المناصب حتى صار مفتياً بالقسطنطينية بعد وفاة المولى علي الجمالي وبقي على منصب الإفتاء إلى وفاته. كان يشتغل ليلاً ونهاراً ولا يفتر قلمه، وعدد رسائله قريب من مائة رسالة في المباحث المهمة الغامضة؛ وله تفسير لطيف قريب من التمام اختطفته المنية، وحواشٍ على الكشاف، وشرح بعض الهداية، ومتن في الفقه، وكتاب تجريد التجريد في علم الكلام وشرحه، وحواشٍ على شرح المفتاح والتلويح وعلى تهافت خواجه زاده. توفي سنة أربعين وتسعمائة.قرا أوغلي قاضي دمشق
المولى قرا أوغلي الحنفي أحد موالي الروم؛ قال صاحب الشقائق: كان من عتقاء السيد إبراهيم الأماسي فقرأ على مولاه المذكور ثم درس ببعض نواحي أماسية ثم بمدرسة أماسية ثم بأبي أيوب الأنصاري ثم بإحدى الثمانية ثم أُعطي قضاء دمشق ودخلها سنة أربعين وهو شيخ كبير، وكان الغالب عليه محبة الصوفية والفقراء ونادى بدمشق أن لا تخرج امرأة ولا طفلة إلى الأسواق، وكان محباً للعلماء وقوراً صاحب شيبة حسنة صحيح العقيدة محمود الطريقة أديباً لبيباً؛ وقال ابن طولون بعد أن وصفه بالعلامة: وكان منور الشيبة محباً للصالحين غير أن فوق يده أيدياً فكان ذلك يمنعه من سماع كلمته ونفوذ أمره؛ وتوفي وهو قاضٍ بدمشق يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة ودُفن بباب الصغير عند سيدي بلال.بديع بن الضياء قاضي مكة
بديع بن الضياء قاضي مكة المشرفة وشيخ الحرم بها؛ قال ابن طولون: كان من أهل الفضل والرياسة قدم دمشق ثم سافر إلى مصر فبلغه تولية قضاء مكة للشيخ زين الدين عبد اللطيف بن أبي كثير فرجع إلى دمشق وأقام بها مدة، ثم سافر إلى الروم سنة إحدى وأربعين بعد أن حضر عند الشيخ علي الكيزواني تجاه مسجد العفيف بالصالحية وسمع المولد وشرب هو والشيخ علي وجماعته القهوة المتخذة من البن — ولا أعلم أنها شربت في بلدنا هذه يعني دمشق قبل ذلك؛ فلما وصل القاضي بديع إلى الروم أعيد إليه قضاء جدة ثم رجع فتوفي بمدينة بدليس من أطراف ديار بكر.سعدي جلبي
المولى سعد الدين عيسى بن أميز خان الحنفي المعروف بسعدي جلبي، أحد موالي الروم المشهورين بالعلم والدين والرياسة؛ كان أصله من ولاية قسطموني ثم دخل القسطنطينية مع والده ونشأ في طلب العلم ووصل إلى خدمة الساموني، ثم صار مدرساً بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية ثم سلطانية بروسا ثم صار قاضياً بالقسطنطينية ثم عُزل وأعيد إلى إحدى الثمان ثم صار مفتياً مدة طويلة؛ قال في الشقائق كان فائقاً على أقرانه في تدريسه وفي قضائه مرضي السيرة محمود الطريقة دقيق الافتعال مقبول الجواب مبتدئاً إلى الصواب طاهر اللسان لا يذكر أحداً إلا بخير، وكان قوي الحفظ جداً، وله رسائل وتعليقات وكتب حواشٍ مفيدة على تفسير البيضاوي متداولة بين العلماء وشرح مختصر مفيد للهداية، وبنى داراً للقراء بقرب داره بالقسطنطينية؛ توفي عند صلاة الجمعة ثاني عيد الفطر بعلة النقرس وأقيم مفتياً عوضه جاوي زاده.شمس الدين التونسي مغوش
شمس الدين محمد التونسي المالكي الملقب بمغوش، الإمام المحقق المدقق العلامة؛ اشتغل على علماء المغرب وسمع الصحيحين والموطأ والترمذي والشفاء، وولي قضاء عسكر تونس ثم قدم من طريق البحر إلى القسطنطينية في دولة السلطان سليمان فعظّمه وأكرم مثواه ورتّب له علوقة حسنة وشاع فضله بين أكابرها وأخذ عنه جماعة من أعيانها حتى قاضيا العسكر إذ ذاك، وأملى بها إمالي على شرح الشاطبية للجعبري؛ ثم استأذن في الرحلة إلى مصر معتذراً بعدم صبره على شتاء الروم فدخل حلب فانتدب للقراءة عليه جماعة منهم ابن الحنبلي، ثم دخل طرابلس ثم دمشق وانتفع به أهلها وشهدوا له بالعلم خصوصاً في التفسير والعربية والمنطق والكلام والعروض والقراءات والمعاني والبيان، وقرأ عليه العلاء بن عماد الدين في أوائل تفسير البيضاوي والقاضي معروف رسالة الوجود للسيد الشريف، وقرأ عليه الشهاب الطيبي في القراءات وأجازه إجازة حافلة. وكان دأبه الاستلقاء على القفا لحالة التدريس، وكان يطالع من حفظه كلما أراد من العلوم ولم يكن عنده كتاب ولا ورقة أصلاً، وكان يحفظ شرح التلخيص مع حواشيه وشرح الطوالع وشرح المواقف وشرح المطالع؛ وقال في الشقائق بالجملة فإنه كان من أعاجيب الدنيا. توفي في العشر الأواخر من شعبان بالقاهرة ودُفن بجوار الإمام الشافعي وكتب على قبره: يا من به في الأرض أنمار كل مغرس — ألا يا مالك القلنسوة — لئن أوحشت تونس بعد فقد أنت بمصر ملك الحسن تونس.المولى محمد بيك
المولى محيي الدين محمد بن عبد الله الحنفي الشهير بمحمد بيك؛ كان من مماليك السلطان أبي يزيد فرغب في العلم وترك طريق الإمارة وقرأ على جماعة منهم المولى مظفر الدين العجمي والمولى محيي الدين الفناري ثم خدم ابن كمال باشا وصار معيداً لدرسه، ثم تنقل في المدارس ثم اختلّ دماغه ثم بريء فسافر إلى مصر في البحر فأسرته النصارى فاشتراه بعض أصدقائه منهم، ثم عاد إلى قسطنطينية فأعطاه السلطان سليمان سلطانية بروسا ثم مدرسة أبي يزيد خان بأدرنة ثم قضاء دمشق فدخلها حادي عشر صفر سنة ست وأربعين وعُزل عنها في صفر سنة تسع وأربعين فعاد إلى الروم واختل مزاجه غاية الاختلال وأُعطي في أثناء المرض قضاء مصر فسافر إليها في أيام الشتاء فأدركته المنية في الطريق؛ وكان محباً للعلم وأهله وللصوفية وله مهارة في العلوم العقلية ومعرفة بالعلوم الرياضية وله تعليقات على بعض الكتب، وتوفي في بلدة كوتاهية.سعد بن الديل
سعد الدين سعد بن علي بن الديل الأنصاري الحلبي ثم الدمشقي الحنفي؛ قال ابن طولون: هو مدرس الماردانية بالجسر الأبيض بسفح قاسيون، اشتغل وحصل وبرع وتفقد وولي القضاء بحلب نيابة، ثم قدم دمشق ونزل بالخانقاه السميساطية، ونظم الشعر بالعربي والتركي والفارسي، ونظم قصيدة في قاضي دمشق السيد عربية ملمعة باللسانين وشكره عليها؛ توفي يوم السبت سلخ صفر سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة ووجد مرمياً على باب الخانقاه المذكورة تحت روشن خلوته بها وإبهاماه مربوطان وهو مختنوق ولم يُعلم له غريم، ودُفن بتربة باب الفراديس ولعله في عشر السبعين.موسى الحجاوي
شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي، الإمام العلامة مفتي الحنابلة بدمشق وشيخ الإسلام بها؛ كان إماماً بارعاً أصولياً فقيهاً محدثاً ورعاً، ومن تأليفه كتاب الإقناع جرّد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد — لم يؤلف أحد مؤلفاً مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل — ومنها شرح المفردات وشرح منظومة الآداب لابن مفلح وزاد المستقنع في اختصار المقنع وحاشية على الفروع وغير ذلك؛ توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الأول ودُفن بأسفل الروضة تجاه قبر المحقق من جهة الغرب يفصل بينهما الطريق.شمس الدين الجعفري التبريزي قاضي دمشق
قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عبد الأول السيد الشريف الحسيني الجعفري التبريزي الشافعي ثم الحنفي، صدر تبريز وأحد موالي الرومية المعروف بشيشلي أمير؛ اشتغل على والده وعلى مولانا محمد البرلسي الشافعي ودرس في حياة أبيه الدرس العام سنة ست عشرة، ثم دخل الروم وترقى في مدارسها إلى أن وصل إلى إحدى الثمان، ثم ولي قضاء حلب في أواخر سنة تسع وأربعين ثم قضاء دمشق فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين، ووافق القطب بن سلطان والشيخ يونس العيثاوي في القول بتحريم القهوة ونادى بإبطالها ثم عرض بإبطالها إلى السلطان سليمان فورد أمره بإبطالها في شوال سنة ثلاث وخمسين وأشهر النداء بذلك؛ وكان عالماً فصيحاً حسن الخط، وكان له ذؤابتان يخضبهما ولحيته بالسواد، وكان محمود السيرة له حرمة زائدة؛ وتوفي بالقسطنطينية.دادة خليفة مفتي حلب
برهان الدين إبراهيم بن بخشي الحنفي المشهور بدادة خليفة مفتي حلب؛ قيل كان في الأصل دباغاً فمنّ الله عليه بطلب العلم حتى صار من موالي الروم، وهو أول من درّس بمدرسة خضر باشا بحلب وأول من أفتى بها من الأروم؛ قال ابن الحنبلي محّنّاه فإذا هو متقن ذو حفظ مفرط، وذكر عن نفسه أنه كان بحيث لو توجه إلى حفظ التنويخ في شهر لحفظه إلا أنه واظب على صوم داود ثمان سنوات فاختلّ دماغه فقلّ حفظه، ولم يزل في حلب على جد في المطالعة وديانة في الفتوى حتى ولي منصب الإفتاء بإزنيق من بلاد الروم، وكان يقول: لو أُعطيت بقدر هذا البيت ياقوتاً ما حلت عن الشرع شبراً؛ وألف رسالة في تحريم اللواط وأخرى في أقسام أموال بيت المال وأحكامها ومصارفها وثالثة في تحريم الحشيش والبنج.ابن نجيم
الشيخ زين الدين بن إبراهيم المصري الحنفي، الإمام العالم العلامة البحر الفهامة وحيد دهره وفريد عصره، عمدة العلماء العاملين وقدوة الفضلاء الماهرين وختام المحققين والمفتين؛ أخذ عن العلامة قاسم بن قطلوبغا والبرهان الكركي والأمين بن عبد العال وغيرهم، وألف رسائل وحوادث ووقائع في فقه الحنفية من ابتداء أمره، وشرح الكنز وسماه بالبحر الرائق شرح كنز الدقائق وصل به إلى آخر كتاب الإجارة، وكتاب الأشباه والنظائر، وكتاب شرح المنار في الأصول، وكتاب لب الأصول مختصر تحرير الأصول لابن الهمام، وكتاب الفوائد الزينية في فقه الحنفية وصل فيها إلى ألف قاعدة وأكثر، وتعليق على الهداية وحاشية على جامع الفصولين وغير ذلك؛ توفي ضحى يوم الأربعاء من رجب سنة سبعين وتسعمائة.تاج الدين الهمداني
تاج الدين إبراهيم بن عبد الله الهمداني الحنفي؛ قال في العقد المنظوم: اشتغل بالعلوم وأفنى عنفوان شبابه في ذلك وتلقى من الأفاضل كالمولى صارم كوز وصار منه ملازماً، ثم تنقل في المدارس وكتب حاشية على صدر الشريعة ردّ فيها على المولى ابن كمال باشا في مواضع كثيرة، ثم كتب رسالة جمع فيها من مواضع رده عليه ستة عشر موضعاً وقال في أول ديباجتها: «اعلموا معاشر طلاب اليقين سلام عليكم لا بالتقي الجاهلين أن المختصر الذي سوده الحبر الفاضل والبحر الكامل الشهير بابن كمال باشا شرحه اعته وعمله بالإصلاح والإيضاح مع خروجه عن سنن الفلاح والصلاح باشتماله على تصرفات فاسدة واعتراضات غير واردة من السهو والزلل والخبط والخلل لإتيانه بما لا ينبغي وتحرزه عما ينبغي»، ثم كتب منها نسختين دفع إحداهما إلى الوزير محمد باشا الصوقي وكان ينتسب إليه والثانية إلى الوزير الكبير رستم باشا فلما أخذها طلب قراءتها فلما وصل إلى تشنيعه على المولى المزبور تغيّر غاية التغير بسبب أنه كان قرأ على المولى المزبور وكان ذلك سبباً لخوله، ثم تنبه له الدهر فولي المدارس إلى أن صار مفتياً بأماسية وكان بحر المعارف ولجة العلوم بارعاً في العلوم العقلية والنقلية خصوصاً الفقه، وأخذ عنه الأجلاء وكثر الازدحام عليه، وكتب حاشية على بعض المواضع من شرح المفتاح للسيد يرد فيها على ابن كمال باشا في المواضع التي يدعي التفرد فيها، وله شرح على متن المراح؛ وتوفي في أول الربيعين.الملا بستان قاضي عسكر الروملي والأناضول
الملا بستان؛ قال في الكواكب: وهو ممن شرف بالقضاء كلا العسكرين الروملي والأناضولي، وكان قاضي العسكر إذا توفي نُقل إلى مكانه من جمع الرويسين وأقسم بها الملوك، وقد شملت قضاء العسكرين وهما أربعة قضاة في نحو أحد عشر شهراً، وخالف هناك في مسألة الصفة والتأمات في الجهرية ووليها، ثم انتقل في العشر الأواخر من شهر رمضان ودُفن بأدرنة.عطاء الله أستاذ السلطان سليم الثاني
المولى عطاء الله مدرساً بإزنيق ثم بأدرنة ثم بالدر الأربعين منه إلى الستين منه إلى الثمانين ثم قاضي العسكر، وصار أستاذاً للسلطان سليم بن سليمان الذي هو الآن جالس على التخت، وتوفي بداية صفر.حميد أفندي مفتي التخت
المولى حميد أفندي مفتي التخت السلطاني بعد مولانا أبي السعود؛ قال في الكواكب: وكان من جملة الفضلاء الأدباء، وكان كثير الصدقة شديد النصرة للحق، وكان عليلاً إلى أن مات في بداية شعبان.الجيوي زاده مفتي التخت السلطاني
المولى محيي الدين محمد بن إلياس المعروف بجوي زاده الحنفي؛ قال في الكواكب: هو أحسن قضاة الدولة العثمانية وأعفّهم وأصلحهم سيرة، ترقّى في المدارس على عادة موالي الروم وولي قضاء دمشق فدخلها خامس عشر صفر سنة سبع وسبعين وتسعمائة وانفصل في ختام السنة عن قضاء دمشق وأعطي قضاء مصر ثم صار قاضياً بالعسكر وفي آخر أمره صار مفتياً بالتخت السلطاني؛ وكانت سيرته في قضائه في غاية الحسن بحيث يضرب بها المثل، وكان رسم الحجة في دمشق قبل ولايته أربع عشرة قطعة فجعله عشراً ورسم الصورة ثمان قطع فجعله ستاً، ولم يقبل من أحد هدية أيام قضائه، ولما انفصل عن دمشق أمر منادياً ينادي يوم الجمعة بالجامع الأموي أن قاضي القضاة عزل عن دمشق فمن أعطاه شيئاً أو أخذ منه أحد من جماعته شيئاً أو تعدى عليه أحد فليرفع قصته إليه ليرد إليه ما ابتزع منه، فرفعت الناس أصواتهم بالبكاء والدعاء له؛ وقرأ على الشيخ الوالد في أوائل الكتب الستة واستجازه وكان يفتخر بقراءته عليه وإجازته، وكان حليماً إلى الغاية إلا في أمر الدين ومصالح المسلمين فإنه كان صلباً يغضب لله وبالغ في ردع السياسة؛ ومات وهو مفتي التخت السلطاني ليلة الخميس سادس جمادى الآخرة.الملا أسد الشيرازي مفتي الشافعية بدمشق
الملا أسد بن الحسين الشيرازي الفارسي الشافعي مفتي الشافعية بدمشق؛ قدِم دمشق سنة أربع وستين وتسعمائة مع المنشي الملقب بشاه قلي والدي، وجاور بمسجد الشيخ رسلان عند خادمه شاكر أفندي لازماً للعبادة والزهد والعزلة وعدم الاختلاط مع الأشراف والرؤساء، فأعجب الشاميين وطلبتْه الأكابر والعلماء لكثرة معارفه ونزاهته، واتسق له الإفتاء في سنة خمس وسبعين؛ وكان يهذّب الناس بلسانه وقلمه وقالبه، وقد أفتى بجامع دمشق مدة طويلة بعد النابلسي ثم انقطع فأقام العلامة البعاني مكانه أياماً ثم رجع، وكان لا يأكل في مطعمه من مال الوقف أصلاً ولا يقبل الهدايا، وكان من أحسن الناس صورة وأبهمهم؛ توفي في جمادى الآخرة وصُلّي عليه بالجامع الأموي.عبد الخالق الوبري
عبد الخالق بن عبد الحميد بن عبد الله، أبو الفضل، الوبري الخوارزمي الضرير. فقيه حنفي وأصولي وأديب، وكان من رؤساء أصحاب أبي حنيفة وأئمتهم، وإليه الفتوى والتدريس بخوارزم، وحافظا للفقه والأشعار.عبد الرحمن الحائك التطاوني
عبد الرحمن الحائك، أبو زيد، التطاوني، الفقيه المحقق، أخذ عن الشيخ التاودي والشيخ البناني والشيخ جسوس وغيرهم، وعنه الشيخ الرهوني والشيخ المأمون إجلال الحسني قاضي تطاوين وغيرهما. كان حيا سنة 1220ه بحسب ما ذكر المدخل، وله «فتاوى غاية في التحرير».عبد الرحمن بن معاذ
عبد الرحمن بن معاذ بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد القرشي التيمي، قال البخاري وغيره إن له صحبة، ورُوي عنه حديث خطبة النبي بمنى، وعدّه ابن سعد فيمن شهد الفتح.أبو بكر البيضاوي الشافعي (محمد بن أحمد)
محمد بن أحمد بن العباس، أبو بكر البيضاوي الفارسي القاضي الشافعي، فقيه أديب، توفي سنة 468ه بحسب ما ذكر المدخل. من تصانيفه: التبصرة في فروع الفقه، والأدلة في تعليل مسائل التبصرة، والتذكرة في شرح مسائل التبصرة، والإرشاد في شرح كفاية الصيمري.أبو زكريا السراج (يحيى بن أحمد)
أبو زكريا يحيى بن أحمد بن محمد بن حسن السراج، الأندلسي الفاسي، فقيه محدث حافظ لغوي ناظم ناثر، توفي سنة 805ه بحسب ما ذكر المدخل. أخذ عن أبي البركات ابن الحاج البلفيقي وعن عبد النور وابن عباد وغيرهم، وانتهت إليه رياسة الحديث في وقته، وله فهرسة.أحمد بن عمر بن هلال
أحمد بن عمر بن هلال، أبو العباس، قاضي القضاة الربعي، فقيه قاض مشارك في علوم شتى. تفقه بفخر الدين ابن المخلطة، وأخذ عن سراج الدين بن عمر المراكشي وغيرهم. من تصانيفه «شرح ابن الحاجب الفرعي»، وشرحان على مختصره الأصلي، و«تفسير آية الكرسي». ويذكر الكتاب وفاته سنة 795 هـ.المتيطي (علي بن عبد الله)
علي بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد، أبو الحسن، الأنصاري المالكي المتيطي، نسبة إلى متيطة قرية بأحواز الجزيرة الخضراء، فقيه، قاض، ولي قضاء شريش، توفي سنة 570ه بحسب ما ذكر المدخل. من تصانيفه: النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام.القاسم بن عبد الرحمن المسعودي القاضي
القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن، المسعودي الكوفي القاضي، توفي سنة 120ه بحسب ما ذكر المدخل. روى عن أبيه وعن ابن عمر وجابر بن سمرة ومسروق وغيرهم، وكان على قضاء الكوفة ولا يأخذ على القضاء أجرا.التسولي علي بن عبد السلام
علي بن عبد السلام، أبو الحسن، التسولي المالكي، فقيه، توفي سنة 1258ه بحسب ما ذكر المدخل. من تصانيفه: البهجة في شرح التحفة في فروع الفقه المالكي، وحاشية على الزقاقية، وشرح الشامل.علي الطرابلسي
علي بن خليل علاء الدين أبو الحسن، الطرابلسي الحنفي، فقيه، ولي القضاء بالقدس. من تصانيفه معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، في القضاء على مذهب الحنفية. توفي سنة أربع وأربعين وثمانمائة بحسب الكتاب.علي بن محمد السمناني
علي بن محمد بن أحمد، أبو القاسم، الحلبي الحنفي السمناني، نسبة إلى سمان من بلاد قومس بين الدامغان وخوار الري. فقيه ومؤرخ، تفقه على قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الدامغاني، وقرأ الكلام والأصول على أبي علي محمد بن أحمد بن الوليد. من تصانيفه «روضة القضاة وطريق النجاة» و«سراج المصلي وشروط الصلاة» و«المسألة النظامية في الأشربة» و«كنز العلماء والمتعلمين في علم الشروط» و«الهادي إلى النظر في المسائل وطلب الدلائل» و«المرشد النظامي» و«العروة الوثقى في الشروط». ويذكر الكتاب وفاته سنة 499 هـ.علي بن موسى بن هارون
علي بن موسى بن هارون، أبو الحسن، المعروف بابن هارون الفقيه المفتي الفرضي، المالكي. لازم ابن غازي نحوا من تسع وعشرين سنة، وأخذ عن أبي العباس الونشريسي والقاضي المكناسي. وعنه عبد الواحد الونشريسي وعبد الوهاب الزقاق. ويذكر الكتاب وفاته سنة 951 هـ.علي بن ربيعة بن نضلة
علي بن ربيعة بن نضلة، أبو المغيرة، الكوفي البجلي، روى عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وغيرهم، وعنه الحكم بن عتبة وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي.أمير بادشاه (محمد أمين بن محمود)
محمد أمين بن محمود البخاري، المعروف بأمير بادشاه، مفسر أصولي، توفي سنة 987ه بحسب ما ذكر المدخل. من تصانيفه: تيسير التحرير، وتفسير سورة الفتح، ورسالة في الحج أن الحج المبرور يكفر الذنوب، ورسالة في تحقيق حرف «قد».إبراهيم الطرابلسي (برهان الدين)
إبراهيم بن موسى بن أبي بكر، برهان الدين الطرابلسي، فقيه حنفي، ولد في طرابلس الشام وأخذ بدمشق عن جماعة، ثم انتقل إلى القاهرة وتوفي بها. من تصانيفه: الإسعاف في أحكام الأوقاف، ومواهب الرحمن في مذهب النعمان، وشرحه المسمى البرهان.إبراهيم العقباني
إبراهيم بن قاسم بن سعيد بن محمد، أبو سالم، العقباني التلمساني المالكي، فقيه وقاض ومفتٍ وحافظ. تولى قضاء تلمسان، وأخذ عنه أحمد الونشريسي، ونقل عنه المازري في نوازله. ويذكر الكتاب وفاته سنة 880 هـ بحسب عنوان ترجمته.محمد بن العقباني
محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد، أبو عبد الله العقباني التلمساني، فقيه من أهل تلمسان، ولي فيها قضاء الجماعة. من تصانيفه تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر، وهو في الحسبة. توفي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة بحسب الكتاب.محمد إبراهيم الميداني الضرير
محمد بن إبراهيم، أبو بكر، الضرير الميداني، نسبة إلى ميدان بنيسابور، قال الذهبي إنه من أئمة الحنفية، وقال اللكنوي إنه شيخ كبير عارف بالمذهب. حدث عن أبي محمد المزني، وعنه ميمون بن علي الميموني، وله مناظرات مع أحمد بن نصر العياضي أخي أبي بكر العياضي.موسى بن إسحاق الأنصاري
قاضٍ من الأنصار، ذكر المسعودي أنه توفي في خلافة المقتدر سنة سبع وتسعين ومائتين، ودُفن في الجانب الشرقي، وكان من علماء الحديث وكبار أهل النقل.نجم الأئمة البارعي
نجم الأئمة البارعي، ويلقب بذلك لمن برع في نوع من العلم، كان إماما فاضلا فقيها واعظا. توفي بجرجانية خوارزم سنة خمس وأربعين وستمائة بحسب الكتاب.قوام الدين الكاكي
محمد بن محمد بن أحمد السنجاري الخجندي، المعروف بقوام الدين الكاكي. فقيه حنفي وأصولي، أخذ عن علاء الدين عبد العزيز البخاري، وقرأ عليه الهداية، وعن حسام الدين حسن السغناقي. قدم القاهرة، ثم أقام بجامع ماردين يفتي ويدرس إلى أن مات سنة تسع وأربعين وسبعمائة. من تصانيفه: معراج الدراية شرح الهداية، وجامع الأسرار في شرح المنار، وعيون المذاهب الكاملي، وبنيان الوصول في شرح الأصول للبزدوي.سعيد بن مزاحم الأموي
سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم الأموي، مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن أبيه، وعنه قتيبة بن سعيد، وأخرج له حديث هرش الكعبي.ابن معروف قاضي القضاة
ابن معروف، قاضي القضاة ببغداد في أواخر أيام الطائع لله؛ تقلّد قضاء القضاة في شعبان سنة ستين وثلثمائة بعد صرف أبي بكر بن سيار، وقُبض عليه يوم الاثنين لأربع بقين من صفر سنة تسع وستين وثلثمائة بأمر عضد الدولة وأُنفذ إلى القلعة بفارس، وقُلّد أبو سعد بشر بن الحسين ما كان إليه من قضاء القضاة، واحتُجّ عليه بالتقصير في حق عضد الدولة وبأنه ينفسح فيما لا ينبغي للقضاة مثله، فأجاب عن ذلك فلم يُلتفت إليه.يحيى بن عمر منقاري زاده
يحيى بن عمر، العلائي الرومي، المعروف بمنقاري زاده، مفسر مشارك في بعض العلوم، وقاض تركي، تصانيفه بالعربية، ينعت بشيخ الإسلام. أخذ فنون العلم بالروم عن أكابر علمائها، ومنهم عبد الرحيم المفتي. عُيّن قاضيا لمصر سنة 1064 هـ، ثم قاضيا لمكة، ودرّس في المدرسة السليمانية تفسير البيضاوي، ثم ولي قضاء القسطنطينية وقضاء العسكر، ونُقل إلى منصب الفتوى سنة 1073 هـ. من تصانيفه «حاشية على أنوار التنزيل» للبيضاوي و«رسالة الاتباع في مسألة الاستماع» و«الرسالة المنيرة لأهل البصيرة» و«الفتاوى». ويذكر الكتاب وفاته سنة 1088 هـ.
مفهوم
الأهلية
الأهلية لغة الصلاحية، وهي نوعان: أهلية وجوب، وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه، وأهلية أداء، وهي صلاحية صدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا. ومناطها الإنسان في أطواره: الجنين، ثم الطفولة، ثم التمييز، ثم البلوغ، ثم الرشد. وأهلية الوجوب تثبت كاملة منذ الولادة، وناقصة للجنين، وأهلية الأداء تكون قاصرة بالتمييز وكاملة بالبلوغ والعقل. وتتأثر الأهلية بعوارض سماوية كالجنون والعته والنوم والإغماء والمرض والرق والحيض والنفاس والموت، ومكتسبة كالجهل والسكر والهزل والسفه والسفر والخطأ والإكراه.الديمقراطية والشريعة — التوافق والتعارض
حلقة «الوسطية» عن الديمقراطية وعلاقتها بالإسلام. صوّت الجمهور: 16% يرونها متعارضة مع الشريعة و42% لا يرون تعارضاً و42% يرون التعارض جزئياً. وعلى نجاح مشاركة الإسلاميين: 40% ناجحة و60% فاشلة. ولخّص عزام التميمي المسألة بتفكيك الديمقراطية إلى شقٍّ إجرائي (انتخابات ورقابة وحقوق — لا إشكال فيه عندهم) وشقٍّ فلسفي تشريعي (موضع الخلاف)، مؤكداً أن لا فليسوفاً غربياً معترفاً به يجعل العلمانية شرطاً للديمقراطية.الفتوى على الفضائيات — نفعها وضررها
حلقة «الوسطية» عن فتوى الفضائيات التي لم تعد خاصة بالمستفتي بل يسمعها الملايين. صوّت الشباب على سبب اللجوء إليها: سهولة الحصول عليها أولاً، و35% للوصول إلى الأعلم، و20% لإجابات غير متشددة؛ وعلى مرجع الفتوى: 43% لعلماء البلد، و15% فقط لأعلم الفضائيات، و42% للهيئات والمجامع الفقهية؛ وعلى الحل: 39% لخيار و31% للاكتفاء بالفتوى الجماعية دون الاجتهاد الفردي.العلمانية والإسلام — صدام أم وئام
حلقة «الوسطية» عن العلمانية والإسلام. صوّت الشباب: 43% يستطيعون تعريف العلمانية و57% لا؛ وعلى انتشارها في العالم العربي: 24% ضعيف و42% متوسط والباقي قوي؛ وعلى إمكان الالتقاء: 65% يرون استحالة المعادلة وثلث يرونه ممكناً. وفرّق المتحاورون بين حدٍّ أدنى (فصل الدين عن السياسة) وحدٍّ أعلى (فصله عن الحياة كلها)، وبيّن عمر الشوبكي أن العلمانية ليست نموذجاً واحداً: الفرنسي (اللايكية) يمنع أي مظهر ديني في المؤسسات العامة، والأنجلوساكسوني يسمح بالمظهر الشخصي ويمنع تبنّي الدولة، والتركي كان أقساها تطبيقاً.الرجم
يثبت الشعراوي عقوبة الرجم على الثيب بفعل النبي الذي رجم ماعزاً والغامدية واليهودي واليهودية، ويرى أن الفعل نص عملي يُقدَّم على الاستدلال بظاهر لفظ «المحصنات»، وأن الحد على الأمة نصف حد الحرة لا يتجزأ في الرجم. ويعرض قول الخوارج، كما ينقله، بأن القرآن لا رجم فيه وأن المحصنات المتزوجات، ويرد عليه.التعريض بالخطبة في العدة
يقرر الشعراوي في تفسير آية 235 أن التعريض بالخطبة للمعتدّة جائز، وأن التصريح والمواعدة سراً ممنوعان، وأن عقدة النكاح لا تُعزم إلا بعد انتهاء العدة، فتمر بثلاث مراحل: التعريض، ثم العزم، ثم العقد.الأمان
الأمان في اللغة عدم توقع مكروه، وفي الاصطلاح رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو الغرم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام. ويفترق عن الهدنة والجزية في أن الهدنة والجزية لا يعقدهما إلا الإمام، والجزية مؤبدة، والأمان عقد غير لازم. وينعقد بكل لفظ صريح أو كناية، أو بالكتابة والإشارة المفهمة، ويصح من الإمام ومن آحاد المسلمين، ويشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ عند الجمهور.الأمانة
الأمانة ضد الخيانة، وتطلق على التكاليف الشرعية وعلى ما يعهد به إلى الإنسان من وديعة ومال وأهل. ويستعملها الفقهاء بمعنى الشيء الموجود عند الأمين، كالوديعة والعارية والمضاربة والرهن واللقطة، وبمعنى الصفة كالأمانة في بيع المرابحة والوصي والقاضي والشاهد. ويجب حفظ الأمانة وردها عند الطلب، ويجب الضمان بالجحود أو التعدي أو التفريط، ويسقط إذا تلفت دون تعد أو تفريط، ويعزر من يترك أداءها.أمارة
الأمارة لغة العلامة، وعند الأصوليين الدليل الظني، وهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ظني. ويفترق عن الدليل والعلامة والوصف المخيل والقرينة. ويأخذ الفقهاء بالأمارات في القبلة والبلوغ، وفي القضاء اختلفوا في الحكم بها، وقد استدل بعضهم بقصة قميص يوسف، واحتج آخرون بحديث لو كنت راجما أحدا بغير بينة.الأمن
الأمن ضد الخوف، وهو عدم توقع مكروه في الزمان الآتي. وهو من أهم ما تقوم عليه الحياة، ومن واجبات الإمام حفظ الدين والفصل في الخصومات وحماية البيضة وإقامة الحدود وتحصين الثغور. واتفق الفقهاء على أن أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه شرط في التكليف بالعبادات، فيسقط الاستقبال والجماعة والحج والجهاد والقصاص عند الخوف على النفس.الأمر
الأمر في اللغة يأتي بمعنى الشأن والحال، وبمعنى طلب الفعل وهو نقيض النهي. وصيغ الأمر الصريحة ثلاث: فعل الأمر، واسم فعل الأمر، والمضارع المقترن بلام الأمر، وله صيغ غير صريحة. وصيغة افعل عند الجمهور حقيقة في الوجوب، وعند غيرهم في الندب. ويقتضي الأمر الإجزاء عند امتثاله، ويرجح النهي على الأمر عند التعارض.أقل الجمع
أقل الجمع في الاصطلاح عدد الاثنين أو الثلاثة، والأكثر من الفقهاء والأصوليين على أنه ثلاثة. وفي الفرائض خالف الفرضيون في غير ابن عباس فجعلوا أقله اثنين، وكذلك في الوصية عند الحنفية، ويبنى الفقهاء أحكامهم في غير الميراث على أن أقله ثلاثة. وأثر ذلك في الأيمان والوقف والإقرار.أقل ما قيل
أقل ما قيل أصل أصولي: إذا اختلف الصحابة في مقدار على أقوال أُخذ بأقلها ما لم يدل دليل على الزيادة، كاختلافهم في دية اليهودي. ويقابله الأخذ بأكثر ما قيل. وأثبته الشافعي والباقلاني، ونفاه ابن حزم.العاقلة والديات
العاقلة عند المؤلف هم عصبة القاتل من جهة الأب من الرجال الأحرار البالغين، يتحملون دية القتيل خطأً ولو كان القاتل غنياً. فإن لم توجد عاقلة فالمولى عند الحنفية، ثم أهل الديوان، ثم بيت المال. والدية مئة من الإبل أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وتُقسط على ثلاث سنوات. وإن لم يُعرف القاتل أقسم خمسون من أهل المكان.أرض
الأرض الأصل فيها الطهارة، وتطهر من النجاسة المائعة بالغمر بالماء، وتطهر من النجاسة الجامدة بالإزالة. وتفصيل الصلاة عليها، وأحكام أرض العذاب من النهي عن الدخول بغير خشوع ومن الانتفاع بمائها، وأحكام الصلاة فيها.أرش
الأرش المال الواجب في الجناية على ما دون النفس، وقد يطلق على الدية. وقد قدّر الشارع في بعض الجراح مقادير معينة كما في كتاب النبي إلى أهل اليمن، وما لم يرد فيه نص ففيه حكومة عدل. وتختلف مقادير أرش المرأة والذمي بين المذاهب، فالحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة لهم تقديرات متفاوتة.العَوْل في الفرائض
العول عند المؤلف أن تزيد أنصبة أصحاب الفروض على الواحد الصحيح، فيُدخل النقص عليهم بالمحاصة عند القائلين به، ومثاله زوج وأختان شقيقتان فيكون المجموع 7/6. وروي عن ابن عباس ومن وافقه أنهم لا يقولون به ، ويرى المؤلف أن المذهبين قائمان على العول، لكن أحدهما يُدخل النقص على الجميع والآخر على بعضهم.الرقابة على المصارف
تقوم البنوك المركزية بالرقابة على المصارف بالسياسات النقدية والمصرفية، وتحديد نسب الاحتياطي والسيولة ومعدلات الفائدة والضمانات. ويعد المؤلف تراخي الرقابة والفساد الإداري من أسباب الأزمة، ويقترح رقابة داخلية وخارجية، لأن إفلاس بنك قد يجر بنوكاً أخرى.بيع المحرمات
تحريم بيع المحرمات في الحديث الخامس والأربعين من زيادات ابن رجب: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» — فيحرم بيع ما حرم أكله أو الانتفاع به على أصله، ويستدل على تسلسل التحريم إلى الثمن بقصة شحوم الميتة التي سأل عنها للطلاء والدهن والاستصباح فقال «لا هو حرام» وبقوله «قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» — فالقاعدة أن ما حرم عينه حرم ثمنه وتحويل صورته لا يحله (جامع العلوم والحكم ص 871). يعرض المؤلف حديث جابر في تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، وحكم شحوم الميتة في الطلي والإضاءة، ويعرض خلاف الفقهاء في بيع الزيت النجس، ويرى أن المنفعة المشروعة لها ثمن، وأن الحكم يحتاج إلى تحرير نقلي وعقلي دقيق.البينة واليمين في الخصومات
قاعدة الترافع التي أرساها حديث ابن عباس — الثالث والثلاثون من الأربعين — «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»: فلو أُعطي الناس بمجرد دعواهم لادعى بعضهم دماء وأموال بعض، فتعين أن يقوم البيِّنُ بالدليل على ما ادعاه، ويستحلف المنكر على نفي ما نسب إليه؛ وفي لفظ الصحيحين «ولكن اليمين على المدعى عليه» وقضى النبي بذلك في رواية نافع بن عمر الجمحي، وفي لفظ الإسماعيلي «البينة على الطالب واليمين على المطلوب»، وهي أصل نظام الإثبات في القضاء الإسلامي (جامع العلوم والحكم ص 684).الرضاعة والفصال
يعرض الشعراوي في تفسير آية الرضاع (البقرة 233) مدة الرضاعة وحقّ الرضيع على أبويه، ويجعل النفقة على الأب، ويعالج الفِصال بالتراضي والتشاور، ويرى أن الآية تحمي الطفل من أثر الطلاق.الدفع (في الفقه)
الدفع في اللغة التنحية والمماطلة والمحاجة عن الغير والرد، وفي الاصطلاح صرف الشيء قبل وروده، والفقهاء يستعملونه بمعنى الإعطاء والإخراج والأداء، وبمعنى الرد، وبمعنى اتقاء الشر ومنعه، وبمعنى رد خصومة المدعي وإبطال دعواه. والدفع أقوى من الرفع قاعدة فقهية ذكرها الزركشي، ومن أمثلتها أن الماء المستعمل إذا بلغ قلتين لا يعود طهورا في وجه.الدهري
الدهريون في الاصطلاح فرقة من الكفار ذهبت إلى قدم الدهر وإسناد الحوادث إليه، ومنكرة وجود الصانع المختار، وإنكار للآخرة والبعث والجزاء. ويفرق الفقهاء بينه وبين الزنديق والملحد والمنافق والمرتد، ويشترك هؤلاء جميعا معه في الكفر، وحكم الدهري الأصلي يتبع حاله من حرب أو أمان أو ذمة.الداخل في الفقه
الداخل في اصطلاح الفقهاء واضع اليد على العين المتنازع فيها بالفعل أو من ثبت تصرفه تصرف الملاك، ويقابله الخارج وهو من لا شيء في يده وينازع الداخل. والأصل في الدعوى أن الخارج هو المدعي والداخل هو المدعى عليه لأن الداخل لا يحتاج إلى الدعوى لوجود العين في يده. وفي دعوى الملك المطلق عند إقامة البينة من الطرفين يقضى ببينة الخارج عند الحنفية والمشهور عند الحنابلة وابن الماجشون من المالكية لأن بينة المدعي تفيد سببا لم يكن، بينما رجح الشافعية والمشهور عند المالكية ورواية عند الحنابلة بينة الداخل لترجحها باليد. وفي الملك المضاف إلى سبب تقدم بينة الداخل إن كان السبب غير قابل للتكرار كالنتاج باتفاق، فإن كان متكررا كالشراء رجح الحنفية الخارج إلا إن ادعيا الشراء من شخص واحد فرجح الداخل، وعند المالكية والشافعية يقدم الداخل في الأصح إلا إن ادعى الخارج الشراء من الداخل. وفي الملك المؤرخ يقدم الأسبق تاريخا عند الحنفية والمالكية ورواية للحنابلة، بينما يقدم الشافعية الداخل ولو تأخر تاريخه في المذهب ترجيحا لليد الحالية، وللحنابلة رواية بتقديم الخارج مطلقا.الدليل (في أصول الفقه)
الدليل في اللغة المرشد والكاشف، وفي الاصطلاح ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري ولو ظنا. الأدلة المتفق عليها في إثبات الأحكام أربعة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والمختلف فيها كثيرة. وتنقسم الأدلة السمعية من حيث الثبوت والدلالة إلى أربعة أقسام، ويرتب الحنفية على ذلك ثبوت الفرض والواجب والمستحب بقدر قوة الدليل.الدم (في الفقه)
الدم في الفقه هو السائل الأحمر الذي يجري في عروق الحيوان، ويطلقه الفقهاء أيضا على القصاص والهدي وعلى دم الحيض والاستحاضة والنفاس. اتفق الفقهاء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، واختلفوا في يسيره وفي تعريف اليسير. وتتوزع أحكامه على الوضوء والنجاسات والصلاة والحيض والصوم والإحرام والأطعمة والذكاة والعقيقة والقصاص.الدنانير
الدينار قطعة من الذهب مضروبة مقدرة بالمثقال، وهو عند الفقهاء مرادف للمثقال. والدينار الشرعي هو الذي ضربه عبد الملك بن مروان على أوزان الجاهلية، وزنه اثنان وعشرون قيراطا إلا حبة، وتعتمد عليه الأحكام المقدرة بالدينار كالزكاة والدية والسرقة. نصاب الذهب في الزكاة عشرون دينارا، وفيه ربع العشر إذا تم، والدية من الذهب ألف دينار على الرجل الحر المسلم، ونصاب القطع في السرقة ربع دينار عند الجمهور ودينار أو عشرة دراهم عند الحنفية.دار الإسلام
دار الإسلام في اصطلاح الفقهاء هي كل بقعة تكون أحكام الإسلام فيها ظاهرة. وإذا استولى الكفار على بقعة منها صار الجهاد فرض عين على أهل تلك الناحية رجالا ونساء ثم على من يليهم حتى يعم المسلمين كافة، ويجب على أهلها إظهار شعائر الإسلام كالجمعة والجماعات والعيدين والأذان فإن امتنعوا قوتلوا، ولا يدخلها حربي إلا بأمان أو إذن. واختلف الفقهاء في تحول دار الإسلام إلى دار كفر: فذهب الشافعية إلى أنها لا تصير دار كفر بحال ولو استولى عليها الكفار وأظهروا أحكامهم لخبر «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»؛ وذهب المالكية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد إلى أنها تصير دار كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها؛ وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تصير دار كفر إلا باجتماع ثلاثة شروط: ظهور أحكام الكفر، ومتاخمتها لدار الكفر، وألا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول، معتبرا مدار الحكم على الأمن والخوف. ويمنع غير المسلم من استيطان جزيرة العرب باتفاق لحديث «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وقصرها الشافعية والحنابلة على الحجاز لعدم إخراج الخلفاء لهم من اليمن وتيماء، بينما عممها غيرهم من عدن إلى ريف العراق. واللقيط الموجود فيها يحكم بإسلامه تبعا للدار، وليس لغير المسلم إحياء مواتها ولا تملك معادنها.الدار في الفقه
الدار في اللغة اسم جامع للعرصة والبناء والمحلة، وتطلق على موضع حلول القوم وعلى البلدة والصقع والقبائل مجازا، ومعناها الاصطلاحي يوافق اللغوي. وتتصل بها ألفاظ كـ(البيت) وهو مأوى الإنسان بالليل وبينهما عموم وخصوص وجهي، و(الحجرة) و(الغرفة) و(الخدر) و(المنزل) وهو دون الدار وفوق البيت، و(المخدع) للحرز. اتفق الفقهاء على أن العقد المطلق على الدار بيعا أو إجارة أو وصية أو وقفا يتناول الأرض والبناء وكل ما هو مثبت فيها كالأجنحة والرواشن والدرج المعقودة والأسقف والأبواب المنصوبة وغلقها المثبت والخوابي والأشجار الرطبة والبئر وحجر الرحى الأسفل الثابت، بخلاف المنقولات المنفصلة كالأثاث والفرش والستائر والرفوف غير المسمرة والأقفال والحبال والدلو والبكرة غير المركبة وحجر الرحى الأعلى المنفصل في وجه؛ إلا أن يشترط المتعاقدان شمولها أو يوقف الدار بما فيها فتدخل تبعا. وصحح الجمهور وقف علو الدار دون سفلها أو عكسه أو جعل وسطها مسجدا دون ذكر الاستطراق لأن ما جاز بيعه جاز وقفه، وخالف الحنفية في ذلك فمنعوا وقف جزء شائع أو مفرز دون استطراق.الدعوة (في الفقه)
الدعوة في الفقه تشمل ثلاثة معانٍ تعالجها الموسوعة: تبليغ الدين والدخول فيه، والمناداة وطلب الحضور، والطعام الذي يُدعى إليه. وتأخذ الدعوة حكم ما تدعو إليه؛ فدعوة الإسلام فرض لازم على المسلمين فرض كفاية على الراجح، وتجب الإجابة إلى ما يدعو إليه أمر واجب، وتكون مستحبة أو مباحة في أكثر دعوات الطعام، وتسقط الإجابة بأعذار وموانع معروفة.الدعوى (في القضاء)
الدعوى في الاصطلاح قول يطلب به الإنسان إثبات حق على الغير في مجلس القاضي أو المحكم، وأركانها عند الجمهور المدعي والمدعى عليه والمدعى به والقول الصادر عن المدعي، وتتنوع بحسب صحتها وبحسب نوع المدعى به، وتشترط لصحتها شروط في القول والخصوم والمدعى به، ويترتب عليها نظر القاضي وحضور الخصم والجواب عنها، وتنتهي غالبا بالحكم أو بالتنازل عنهاالدولة (في الفقه والسياسة الشرعية)
الدولة في الفقه تقوم على ثلاثة أركان هي الدار والرعية والمنعة (السيادة)، وتتألف من ولايات متعددة يتولاها الإمام الأعظم بالنيابة عن الأمة، ومنها ولاية العهد وأهل الحل والعقد والمحتسب والقضاء وبيت المال والوزارة وإمارة الحرب. وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز أن يكون في العالم إمامان في وقت واحد.الدياثة (في الفقه)
الدياثة في اللغة عدم الغيرة على الأهل والمحارم، والديوث من لا غيرة له على أهله، ومثله عند الفقهاء القرطبان والقرنان. الدياثة من الكبائر، وعدها الحديث في من لا يدخل الجنة، وإذا كانت عامة فهي من الإفساد في الأرض. وتتصل بها أحكام الطلاق، ويعزر من سب غيره بالديوث ولا يحد، وتسقط العدالة عند الشافعية والحنابلة.دين الله تعالى
دين الله هو حقوقه التي ثبتت في ذمة المكلف ولا مطالب لها من العباد، كالنذور والكفارات وزكاة الفطر والحج والصيام والصلاة إذا فات وقتها، ويجب قضاؤه. وتصير حقوق الله دينا في الذمة بخروج الوقت قبل الأداء، أو بإتلاف المال الواجب فيه، أو بالعجز عن الأداء وقت الوجوب على تفصيل. وتجوز النيابة في أدائه في الأموال باتفاق، وتختلف المذاهب في النيابة في العبادات البدنية بعد الموت. وتختلف المذاهب في تعلقه بتركة الميت وفي سقوطه بالحرج أو الردة أو الموت.الدين (في الفقه)
الدين في اصطلاح الفقهاء لزوم حق في الذمة، ويشمل المال وغيره كالصلاة الفائتة والزكاة، ويجب من سبب يقتضيه كالعقد أو الإتلاف أو الجناية أو الزكاة أو النفقة أو الأداء عن الغير. وتتعلق الديون بذمة المدين لا بأمواله، إلا ما استوثق منه بالرهن، أو ما تعلق بمال المفلس أو المريض مرض الموت أو التركة.الذبائح (في الفقه)
الذبح في الاصطلاح قطع الحلق أو اللبة، والذكاة أعم منه، فهي السبب الموصل لحل أكل الحيوان البري اختيارا أو اضطرارا. وتنقسم الذكاة إلى اختيارية بالذبح أو النحر، واضطرارية بالجرح عند العجز، وتختص ذكاة ما لا نفس له سائلة بخلاف، وتتبع ذكاة الجنين ذكاة أمه. ويشترط لصحة الذبح أن يكون المذبوح حيا وأن يزهق بالذبح، وألا يكون صيد حرم، وأن يكون الذابح عاقلا مسلما أو كتابيا، وأن تكون الآلة قاطعة. وتجب التسمية عند الجمهور مع القدرة والتذكر، وتختلف المذاهب في حكم الناسي والجاهل.الذهب (في الفقه)
الذهب معدن معروف. ويحرم على الرجال لبس الحلي من الذهب والتختم به إلا لضرورة كالأنف والسن، ويحل للنساء التحلي به، ويحرم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة، وتجب فيه الزكاة، ولا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا يدا بيد ومثلا بمثل. وتقطع اليد في سرقة ربع دينار فصاعدا عند الجمهور.الذم (في الفقه)
الذم خلاف المدح، ويكون بإلحاق الأذى بالغير كالقذف والسب والتعيير، وتدخل فيه أحكام الحد والتعزير. وذم الله ورسوله كفر، وإيذاء المؤمنين بالأقوال القبيحة حرام، ونهى الشرع عن السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، واستثنى الفقهاء تلقيب الشخص بما غلب عليه من صفة لا يعاب بها. وذم المبتدعين مطلوب، وذم المعاصي والكفار والمنافقين وارد في الشرع.الذريعة
الذريعة لغة الوسيلة المفضية إلى الشيء، واصطلاحا ما يتوصل به إلى الشيء، وتكون إلى المفاسد المحرمة وإلى المصالح. وحكمها يتعلق بها من جهتين: سدها وفتحها، وتفصيل ذلك في مادة سد الذرائع.الذوق (في الفقه)
الذوق إدراك طعم الشيء بواسطة الرطوبة المنبثة بالعصب المفروش على عضل اللسان، وهو أحد الحواس الخمس. لا يبطل الصوم بذوق الطعام ما لم يصل إلى الجوف، والأفضل تجنبه. وفي إذهاب الذوق بالجناية دية كاملة باتفاق، واختلفوا في القصاص فيه. وفي اليمين: من حلف ألا يذوق فأكل أو شرب حنث، ومن حلف ألا يأكل أو يشرب فذاق لم يحنث.الذمة (في الفقه)
الذمة في الفقه وصف في الشخص أو نفس له عهد، يصير به أهلا لثبوت الحقوق له وعليه، وهي لازمة للإنسان من الحمل حتى الموت، واحدة لكل شخص، لا حد لسعتها، متعلقة بالشخص لا بأمواله. وتنتهي الذمة بالموت، فيرى الجمهور أنها تبقى حتى تصفى الحقوق المتعلقة بالتركة، ويرى بعض الحنفية أنها تضعف، ويرى الحنابلة في رواية أنها تنتهي.الديباج
الديباج ضرب من الثياب سداه ولحمته من الإبريسم، أي الحرير الطبيعي. وأحكامه في الجملة أحكام الحرير، ولم يذكر الفقهاء أحكاما خاصة به إلا في بعض الفروع، ومنها أن الحنفية كرهوا الاستجمار بخرقة الديباج لإفساد المال من غير ضرورة، وجوزه الشافعية حتى للرجال.الدينارية الكبرى
الدينارية الكبرى مسألة من المسائل الملقبات في المواريث، صورتها انحصار الإرث في زوجة، وأم أو جدة، وبنتين، واثني عشر أخا، وأخت واحدة، والتركة ستمائة دينار، فيأخذ كل من الورثة نصيبه، وتعدل المسألة من أربعة وعشرين. ولها ألقاب أخرى هي الركابية والشاكية والداودية والعامرية، ولكل لقب قصة في نسبتها.الدينارية الصغرى
الدينارية الصغرى مسألة من المسائل الملقبات في المواريث، صورها الفقهاء في إرث ينحصر في سبع عشرة أنثى: ثلاث زوجات، وجدتان، وأربع أخوات لأم، وثماني أخوات شقيقات أو لأب. أصل المسألة اثنا عشر وتعول إلى سبعة عشر، وتلقب بالدينارية لأن ميتا ترك سبعة عشر دينارا فخص كل وارثة دينار، ولها ألقاب أخرى.الطلاق قبل الدخول
يعرض الشعراوي حكم المطلقة قبل الدخول: إن لم يُفرض لها مهر فلها متعة على قدر حال الزوج، وإن فُرض لها مهر فلها نصفه إلا أن تعفو هي أو يعفو من بيده عقدة النكاح، ويرى أن الفضل يكمّل العدل في هذا الباب.الديوان (في الفقه والسياسة الشرعية)
الديوان دفتر تثبت فيه الأسماء أو الوثائق، وما وضع لحفظ ما يتعلق بحقوق الدولة من أعمال وأموال وعمال، ويختلف الفقهاء في اتخاذه، فيجيزه المالكية، ويستحبه الشافعية، وينبغيه الحنابلة، وأول من وضعه عمر بن الخطاب. وينقسم ديوان الدولة إلى ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء، وما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق، وما يختص بالعمال من تقليد وعزل وجاري، ويكتب فيه القاضي ديوانه من محاضر وسجلات.الديانة (في الفقه)
الديانة في الاصطلاح الفقهي قبول دعوى الحالف أو المطلق ونحوهما بنيته إذا كان لفظه صريحا واحتمل ما ادعاه احتمالا بعيدا، ولا يقبل ذلك قضاء إذا خالف ظاهر اللفظ، ويترك الأمر فيما بينه وبين الله. وتتفاوت المذاهب في ضبط ما يُدان فيه وما يقبل ظاهرا، ومن ذلك الطلاق واليمين والإيلاء والظهار.الديات (في الفقه)
الدية في الفقه بدل النفس أو ما دونها يجب بالجناية، وتجب على القاتل خطأ أو شبه عمد وتتحملها العاقلة، وتجب في مال الجاني إذا كانت عمدا سقط فيه القصاص. دية الحر المسلم الذكر مائة من الإبل، ومن الذهب ألف دينار، ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم عند الجمهور وعشرة آلاف عند الحنفية، ودية المرأة نصف دية الرجل. دية الكتابي الذمي عند الجمهور نصف دية المسلم، وعند الحنفية مساوية لها، ولا دية للحربي. وفي دية الأطراف والمعاني والشجاج أرش مقدر كالأنف والعينين واليدين والأسنان والموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة، وتتداخل ديات ما دون النفس في دية النفس إذا لم يتخلل برء.الدهن (في الفقه)
الدهن ما يدهن به من زيت وغيره، والسمن ما يكون من الحيوان، والشحم ما يذوب من الحيوان بالنار. الدهن الجامد المتنجس يُلقى ما حوله ويُنتفع بالباقي، أما المائع فالأصح عند الجمهور أنه لا يقبل التطهير، وفي قول يطهر بالغسل. ولا يجوز بيع الودك (شحم الميتة) اتفاقا، ويجيز الجمهور الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد.الفاسق
الفاسق في الفقه والمصطلح الشرعي الخارج عن الطاعة بكبيرة أو بإصرار؛ تعالج الموسوعة الفقهية الكويتية الفسق في أبواب الشهادة والإمامة والحجر.الكفارات المالية
الكفارة عند المؤلف ما يجب على المسلم من تحرير رقبة أو صيام أو إطعام إذا ارتكب ذنباً يستوجبها، ومنها كفارات مالية كالصدقة وإطعام المساكين وكسوتهم وتحرير الرقاب. وبعض الكفارات مرتبة لا يُنتقل فيها إلى التي تليها إلا عند العجز عن سابقتها.الحبس
الحبس في الاصطلاح تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه والخروج إلى أشغاله. وقد أجمع الفقهاء على مشروعيته، وهو عند الجمهور فرع من التعزير، ويكون للعقوبة أو للاستيثاق بالتهمة، ولا يحدد الجمهور حدا أعلى لمدته فيفوض ذلك إلى القاضي، ويكون أحيانا مؤبدا أو مبهم المدة، وينتهي بالموت أو بالتوبة أو بعفو صاحب الحق. ويفرد الفقهاء للنساء والخنثى والأحداث أحكاما في الحبس، وتحكم المعاملات والنفقة والإيلاء واللعان وصفات السجان ومراقبة الدولة للسجون.هَذَيان
الهذيان في اللغة الكلام بغير معقول في مرض أو غيره، وفي الاصطلاح التكلم بغير روية. ويُفرّق عن اللغو والهذيان بأن اللغو لا يترتب عليه أثر في ثبوت الحكم، أما اللغط فيُقصد معناه. وأجمع أهل العلم على أن طلاق زائل العقل بغير سكر لا يقع، وذهب الحنفية إلى أن من غلب على كلامه الهذيان لا يُعتد بعباراته. ونص المالكية على أن من طلق في الهذيان ثم أفاق وادّعى عدم الشعور لم يلزمه شيء، إلا أن تشهد بينة بصحة عقله، أو قال إن شيئاً وقع منه ولم يعقله فيلزمه الطلاق عند ابن ناجي، واعترض عليه الدردير بأن المريض قد يتخيل خيالات فيتكلم بها. ومن شروط العدالة عند الحنفية قلة اللغو والهذيان، فمن اعتاد الكذب أو الهذيان لم تُقبل شهادته.هَدِيَّة
الهدية في اللغة المال الذي يُتحف به الإنسان غيره إكراماً، وفي الاصطلاح تمليك عين بلا عوض، وهي نوع من الهبة تفارقها بأنها تُنقل إلى مكان الموهوب له إكراماً له. وتثبت الهدية بالبعث من المُهدي وقبض المهدى إليه، ولا يُشترط فيها صيغة. وللمُهدي الرجوع فيها قبل القبض عند الجمهور. والحكم في وعاء الهدية أن يُرد أو يبقى أمانة بحسب العادة. ويُفرّق في هدايا الختان والعرس بين ما يصلح للصغار وما يصلح لغيرهم، وبحسب قرابة المهدي من الأب أو من الأم. وتحرم هدية العمال والقضاة لقاء الولاية، والحديث في ذلك «هدايا العمال غلول». ولا يجوز للإمام قبول الهدية عند الفقهاء. وتحل هدايا المفتي والواعظ، والأولى تركها.هَدْم
الهدم في اللغة نقض البناء أو التخريب أو السقوط، ومعناه الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي. وهو نوعان: هدم حقيقي في البناء، وهدم تقديري في غيره كالعقود بمعنى الإبطال والنقض. ويجب الهدم الحقيقي في صور منها: كنيسة بناها أهل الكتاب في بلد أحدثه المسلمون، والبناء في حريم النهر، وإخراج جناح أو ساباط في طريق نافذ يضر المارة فيهدمه الحاكم، والحائط المائل فلا ضمان على هادمه. ومن آثار الهدم الحقيقي أن هدم حائط المسجد يوجب تسويته وإصلاحه، وأن هدم المشتري شيئاً من الدار يعد إمضاء للبيع، وأن من هدم بيتاً مصوراً بالصور ضمن قيمته. ومن صور الهدم الحكمي الطلاق الثلاث، إذ تعود المطلقة ثلاثاً بعد زوج آخر بملك جديد.هَدْر
الهَدْر في اللغة البطلان، وفي الاصطلاح النفسُ الهدر وهي التي لا قَوَد فيها ولا دية ولا كفارة. والأصل أن دم الإنسان معصوم، ويُستثنى منه المرتد باتفاق الفقهاء، فيقتله الإمام أو نائبه، ومن قتله غيرُ الإمام بغير إذنه فلا قصاص ولا دية عليه لكنه يُعزَّر. ويُهدَر دم المبتدع ببدعة مكفِّرة، والكافر الحربي إلا إذا قاتل، أما غير المقاتل من النساء والصبيان والشيوخ والرهبان فلا يجوز قتله. ويُهدَر دم الزاني المحصن عند جمهور الفقهاء، والحنفية يشترطون لذلك أن يكون القتل بعد القضاء به. واختلف الفقهاء فيما إذا تغيرت حال المجروح بين العصمة والهدر قبل الموت، فذهب الجمهور إلى أن الجرح السابق على الإهدار غير مضمون، وقال ابن القاسم من المالكية بالدية. وإذا رمى مسلم مهدرَ الدم فأسلم قبل إصابة السهم فلا قصاص عند جمهور الفقهاء، وأوجب الشافعية في الأصح دية مخففة على العاقلة. ويستوفي القصاص عند الشافعية قريبُ المقتول المسلم، وعند الحنابلة الإمامُ. ولا يجب بذل الماء المحتاج إليه لمهدر الدم، ويجوز للمضطر قتله لإنقاذ نفسه عند الشافعية والحنابلة إذا لم يجد غيره. ومن قتل نفسه وقد أُهدر دمه بجناية لم يُكفَّر عنه ذلك القتل، إذ لا يُباح له إراقة دمه.الحجر على التصرف
الحجر لغة المنع، واصطلاحا تختلف عبارات الفقهاء: فالشافعية والحنابلة يعرفونه بأنه المنع من التصرفات المالية، سواء شُرع لمصلحة الغير كحجر المفلس، أو لمصلحة المحجور عليه كحجر المجنون والسفيه، والحنفية يرونه منعا من نفاذ التصرف القولي، والمالكية يعرفونه بأنه صفة حكمية تمنع الموصوف من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته أو التبرع بأكثر من ثلث ماله. وقد ثبت الحجر بالكتاب في قوله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» و«فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم»، وبالسنة في حجر النبي على معاذ ماله في دين كان عليه، وإن كان الحديث مرسلا عند بعض أهل العلم. ومن أسبابه: الصغر والجنون والرق، وهي متفق عليها، وعند الجمهور السفه والمرض المتصل بالموت. والصبي المحجور عليه ينتهي حجره ببلوغه رشيدا، والرشد عند جمهور الفقهاء صلاح المال، وعند الشافعية الأصح صلاح الدين والمال، ويقدر أبو حنيفة من تجاوز الخامسة والعشرين بالرشد. وتصرفات المجنون المغلوب لا تصح عند الحنفية، وعند المالكية لا يلزم المجنون شيء من تصرفاته إلا في إتلافه المال فيضمنه. وفي السفيه ذهب الجمهور إلى أنه لا بد من حكم القاضي في حجره وفك حجره، وأن المحجور إذا عاد إلى السفه أعيد عليه الحجر، وخالف محمد بن الحسن وابن القاسم فلم يشترطا حكم القاضي. وذو الغفلة الذي يغبن في البيوع لسلامة قلبه يحجر عليه عند أبي يوسف ومحمد دون أبي حنيفة. والفاسق لا يحجر عليه عند الجمهور ما لم يكن مبذرا لماله، وذهب الشافعية في مقابل الأصح إلى الحجر عليه. وللزوجة الرشيدة عند مالك وفي رواية عن أحمد حجر لصالح زوجها في تبرعها بما زاد على الثلث. والمريض مرض الموت محجور عليه في تبرعاته فيما زاد على ثلث تركته حيث لا دين. والراهن محجور عليه في التصرف في العين المرهونة، وعند الحنفية يحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس منعا حسيا لدفع الضرر.الحاكم
الحاكم في الاصطلاح الفقهي اسم يتناول الخليفة والوالي والقاضي والمحكّم، وعند الإطلاق ينصرف إلى القاضي. وتنصيب الحاكم بمعنى القاضي فرض كفاية، وتنصيب الحاكم بمعنى الإمام فرض على الإمام، ولا تثبت ولاية القاضي إلا بتولية الإمام أو نائبه بإذنه.هَلاك
الهلاك في الاصطلاح خروج الشيء عن الانتفاع المقصود به، سواء بقي أو لم يبق أصلاً، ويُطلق أيضاً على الموت. وإن هلك المبيع قبل القبض فهو في ضمان البائع، وإن هلك عند المشتري ثم ظهر عيب قديم فيه رجع المشتري بالأرش، إلا أن يكون الهلاك بسبب عيب دلّسه البائع فيرجع بالثمن كله عند المالكية. وإن هلك المال قبل تمام الحول أو قبل التمكن من الإخراج سقطت الزكاة، وإن هلك بعد التمكن استقرت في ذمة المالك. وإن عيّن شاة للأضحية فماتت قبل يوم النحر فلا شيء على صاحبها، أما إن هلكت بتفريط فعليه الضمان. ويد المرتهن عند الشافعية والحنابلة يد أمانة فلا يضمن الرهن إن هلك بغير تعد، وعند الحنفية يد ضمان.الحلال
الحلال لغة نقيض الحرام، واصطلاحا الجائز المأذون فيه شرعا، ويشمل عند الجمهور المندوب والمباح والمكروه، ويشمل عند الحنفية الواجب أيضا. والحلال في مقابل الحرام من حيث الإذن وعدم امتناع الفعل شرعا، والمكروه تنزيها عند الحنفية ما كان إلى الحل أقرب، والمكروه تحريما ما كان إلى الحرام أقرب أو ثبت تحريمه بدليل ظني. واختلف الأصوليون في الأصل في الأشياء التي لا نص فيها: فالأكثر من الحنفية والشافعية على أن الأصل الحل، وقال بعض الحنفية بالتوقف، وقال بعض أصحاب الحديث بالحرمة. واحتج الجمهور بآيات منها خلق ما في الأرض للإنسان، وبحديث أن ما سكت عنه الشرع فهو عفو. ومن قاعدة اجتماع الحلال والحرام أن الحرام يغلب، وخص الشافعية الحلال بالمباح والحنفية بالمباح والواجب، واستدلوا بتقليل التغيير في الأحكام. ويستثنى من القاعدة صور منها الطائر المجروح الذي يموت بالوقوع. وتحل الأشياء لسببين: ذاتي كالانتفاع بالحبوب، وعرضي كالبيع والإجارة والهبة، وتتفاوت درجات الحلال بحسب خلوه من الشبهة.الحَلِف
الحَلِف لغة اليمين، وأصله العقد بالعزم والنية، واصطلاحا توكيد حكم بذكر معظم على وجه مخصوص. والتحليف تكليف أحد الخصمين اليمين لفصل الخصومات، وقد ثبت ذلك بقول النبي للمدعى عليه: احلف بالله الذي لا إله إلا هو، وبقوله للأشعث بن قيس: بينتك وإلا فيمينه. وتنعقد اليمين بالقسم بالله أو بصفاته، ويُنهى عن الحلف بغير الله، ومن ذلك الحديث في النهي عن الحلف بالآباء. وتجري اليمين في حقوق العباد المالية بلا خلاف، أما الحدود فلا يحلف فيها، وفي حقوق العباد غير المالية كالقذف والقود والنكاح والطلاق والرجعة اختلاف بين المذاهب. والجمهور على أن اليمين تقطع الخصومة في الحال ولا تفيد البراءة من الحق، والمالكية يرون أنها تمنع إقامة البينة بعدها إلا لعذر. ويحلف المرء على البت فيما فعله، وعلى نفي العلم فيما فعله غيره، والحنفية يفرقون بين الحلف على السبب والحلف على الحاصل. ولا يُحلف المدعى عليه إلا بعد طلب المدعي عند الجمهور، واستثنى الحنفية خمسة مواطن. وفي النية، تعتبر نية الحالف إن كان مظلوما، ونية المستحلف إن كان ظالما. ويحيل المدخل إلى «أيمان» في التفصيل، ويعقب بالعنوان التالي «حِلْف» في ص 7251.الحمل
الحمل في الفقه ما تحمله الأنثى في رحمها من جنين، ويطلق أيضا على حمل المتاع ورفعه، وهو أخص من الحبل، وعند الفقهاء يطلق على المعنيين. وأقل مدة الحمل ستة أشهر باتفاق الفقهاء، واختلفوا في أكثرها: فالشافعية والحنابلة في الظاهر والمالكية في قول يرون أربع سنين، والحنفية سنتين، والمشهور عند المالكية خمس سنين. وللحمل أهلية وجوب ناقصة تثبت بها الحقوق التي لا تحتاج إلى قبول كالإرث والوصية والنسب، ولا يجب عليه شيء من الحقوق المالية. ويثبت نسب الحمل للفراش إذا جاء في المدة التي يحتملها، ويرث الحمل إن استهل صارخا، وتصح الوصية له عند عامة الفقهاء، ويصح الوقف عليه تبعا والإقرار له، ولا تصح الهبة له. ويختلف الفقهاء في نفي الحمل باللعان وفي استلحاقه: فيرى الحنفية والحنابلة أنه لا ينفى قبل الوضع في الغالب، ويجيز مالك واللعان أثناء الحمل في قول، والاستلحاق إن صح يمنع النفي بعده. وتنقضي عدة الحامل بوضع الحمل، ويتعلق بالتوأم أحكام في العدة. وإذا ماتت الحامل وفي بطنها جنين حي يجب إخراجه إن أمكن، واختلفوا في شق بطنها. ويحل أكل الجنين الميت بذكاة أمه عند الجمهور، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا بذكاته إن خرج حيا. وأجمع الفقهاء على منع بيع الحمل وحده أو استثنائه من بيع أمه لجهالته. ومن الحمل بمعنى الرفع أحكام حمل المبيع والمأجور وأجرة الحمال وضمانه، وحمل المصحف بغلاف مختلف فيه. ويختم المدخل بالعنوان التالي «حمام» على ص 7321.الحَمالة
الحَمالة بفتح الحاء الدية والغرامة يتحملها الإنسان عن غيره، واصطلاحا ما يلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين بين فريقين وقعت بينهما دماء أو أموال. والضمان أعم من الحمالة، لأن الحمالة ضمان الدية وغيرها لإصلاح ذات البين. والكفالة عند الحنفية ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة، وعند الجمهور التزام بإحضار البدن. والحمالة مشروعة لا خلاف فيها، وهي من مكارم الأخلاق، وكانت العرب تعرفها، ومستندها قوله تعالى في سورة الأنفال: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. ويجوز دفع الزكاة للحميل المستدين لإصلاح ذات البين إذا كان فقيرا عند الحنفية، وعند المالكية والشافعية والحنابلة يعطى من سهم الغارمين ولو كان غنيا، ويكون ذلك فيما يجحف بماله. ويجوز للمتحمل عند جمهور الفقهاء أن يسأل حتى يؤدي ما تحمله.الحمام
الحمام في الأصل موضع الاستحمام بالماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء. ويرى الحنفية في الصحيح والمالكية والشافعية جواز بناء الحمام وبيعه وإجارته إذا لم يكن فيه كشف للعورة، ويكره الحنابلة إجارته وشراءه، ويكره كسب الحمامي، وحمام النساء أشد كراهة. ولا تثبت الشفعة في الحمام الذي لا يقبل القسمة عند الجمهور، وتثبت عند الحنفية. ويجوز دخول الحمام للرجال والنساء بشرط أمن المحرم ستر العورة، ويجب عند بعض الفقهاء التستر، وتدخل المرأة لعذر، ويمنع الذمية من دخوله مع المسلمات. وفيه آداب في الدخول والخروج، وطهارة ماؤه معتبرة عند الحنفية والحنابلة، ويكره عندهم قراءة القرآن فيه بصوت، ولا يُستحب فيه السلام. وتصح الصلاة فيه عند الجمهور، وفي المعتمد عند الحنابلة لا تصح. ويختلف الفقهاء في قطع السارق منه، فيفرق الحنفية بين الليل والنهار، والمالكية والشافعية والحنابلة لهم تفاصيل. ويختم المدخل بالعنوان التالي «حمو» على ص 7329.الحمو
الحمو لغة أبو الزوج أو أخوه أو قريب الزوج من قبله، والحماة أم الزوج، ويكون الحمو من الجانبين كالصهر. والحمو المحرم كأبي الزوج وإن علا وابن الزوج وإن نزل يجوز له النظر والخلوة بالمرأة، لقوله تعالى في سورة النور في الزينة، ولحديث النهي عن المبيت عند المرأة الثيب إلا لناكح أو ذي محرم. أما الحمو غير المحرم كأخي الزوج فحكمه حكم الأجنبي في النظر والخلوة والسكن والصوت، ومن حرم عليه النظر حرم عليه المس. وفي حديث «الحمو الموت» قيل إنه محمول على من ليس بمحرم، وخرج مخرج التغليظ. ويحيل المدخل إلى «أجنبي» و«محرم» و«حمالة» و«كفالة» في الألفاظ الأخرى.هِمْيان
الهميان في اللغة كيس يُجعل فيه النفقة ويُشد على الوسط، وهو معرب، ويُستعمل بالمعنى نفسه في الفقه. وأجاز الحنفية والمالكية والشافعية للمحرم شد الهميان على وسطه، واستدلوا بأثر ابن عباس، وقيّد المالكية الجواز بأن تكون النفقة للمحرم وأهله لا للتجارة، وبأن يكون الشد على جلده لا على إزاره. وكره أبو يوسف المنطقة المتخذة من الإبريسم للمحرم، وكره ابن عمر في أصح الروايتين شد الهميان. واشترط الحنابلة أن تكون فيه النفقة. ويدخل الهميان في السلب عند جمهور الفقهاء، ولا يدخل عند المالكية والشافعية في قول. ومن طرّ الهميان وأخذ المال قُطع عند الجمهور، وفصّل الحنفية فلم يقطعوا من طرّ هميانا خارجاً من الكم.الحنث
الحنث في اللغة الذنب العظيم والإثم، وفي الاصطلاح مخالفة اليمين، أي أن يخالف الحالف ما حلف عليه فتلزمه الكفارة. والبر في اليمين الموافقة لما حلف عليه، والنكث والنقض والخلف ألفاظ قريبة. ويتبع الحنث حكم المحلوف عليه: فإن حلف على واجب أو ترك حرام كانت يمينه طاعة وحنثه معصية وتجب الكفارة بالحنث؛ وإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام فيجب الحنث والكفارة عند الجمهور؛ وإن حلف على نفل أو مباح فلكل حكم. ويستحب الحنث والتكفير إذا رأى الحالف غير يمينه خيرا منها. ولا حنث إلا في اليمين المنعقدة على المستقبل، ويمين الماضي الغموس عند الجمهور لا كفارة فيها، واليمين اللغو لا حنث فيها. وتجب الكفارة على من حنث في يمين منعقدة، والسبب عند الحنفية والمالكية والحنابلة هو اليمين والحنث شرط، وعند الشافعية هما معا. ويجوز التكفير قبل الحنث عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند الحنفية. ويقع الحنث في الإثبات بعد اليأس من البر، وفي النفي بالفعل، وفي المؤقتة بآخر وقتها. والناسي عند الجمهور لا يحنث، والمكره يحنث في الإكراه غير الملجئ، والحنفية يحنثون الناسي.الحقيقة
الحقيقة في الاصطلاح الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح يقع به التخاطب، وتقابلها المجاز وهو لفظ أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما. والكناية كلام استتر المراد منه بالاستعمال وإن كان معناه ظاهرا في اللغة، فيحتاج إلى النية أو دلالة الحال. والحقيقة تكون لغوية إذا وضعها أهل اللغة، وشرعية إذا وضعها الشارع، وعرفية إذا وضعها العرف، وقد يكون اللفظ حقيقة باعتبار ومجازا باعتبار آخر كلفظ الصلاة. والأصل في الكلام الحمل على الحقيقة، فلا يصرف اللفظ إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة أو تعسرها أو هجرها بالعادة، وللقاعدة فروع في الوقف والأيمان والإقرار. ولا يجوز عند جمهور الأصوليين الجمع بين الحقيقة والمجاز في إرادة واحدة، وأجازه الشافعية ما لم يتعذر عقلا، ولا خلاف في جواز عموم المجاز.الحق
الحق في اللغة خلاف الباطل، والثبوت والوجوب، ويطلق على المال والملك والموجود الثابت، ومن معانيه النصيب والواجب واليقين. وفي الاصطلاح معنيان: الحكم المطابق للواقع، ويقابله الباطل، والواجب الثابت. وهو قسمان: حق الله وحق العباد. فحق الله ما لا يقبل الصلح والإسقاط كالحدود والزكاة والكفارات، وحق العبد ما يتعلق به مصلحة خاصة له ويقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة. والحق أثر للحكم الشرعي، والعلاقة بينهما علاقة المسبب بالسبب. واختلف علماء الأصول: فمنهم من جعل الحق هو الحكم، أي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، ومنهم من جعله الفعل الذي تعلق به الخطاب. وقسّم القرافي التكاليف إلى ما هو لله وحده كالإيمان، وما هو للعباد وحدهم كالديون، وما اختلف فيه كحد القذف. وقسّم ابن رجب حقوق العباد إلى خمسة أنواع: حق الملك، وحق التملك، وحق الانتفاع، وحق الاختصاص، وحق التعلق. وأطلق الفقهاء الحق على الحقوق المالية وغيرها، وعلى الالتزامات المترتبة على العقد، وعلى الأرزاق من بيت المال، وعلى مرافق العقار، وعلى الحقوق المجردة كحق الخيار. ومصدر الحق هو الله تعالى، والشريعة هي التي تثبت الحق. ولكل حق ركنان: صاحبه، والمكلف بأدائه، وله محل هو الشيء المستحق، ويشترط أن يكون مشروعا. ويقسم الحق باعتبارات كثيرة، منها اللزوم وعدمه، وهو ما يذكره الباب بعد ذلك. وقسّم الفقهاء الحق إلى حق الله وحق العبد الخالص وما اجتمع فيه الحقان. فحق العبد الخالص ما كان نفعه مختصا بشخص معين، كالدين والدية وحق استرداد المغصوب. وفي المختلط يغلب أحد الحقين: فحد القذف يغلب فيه حق الله، فتتداخل العقوبة ولا يورث الحد ولا يسقط بعفو المقذوف، ويفوض تنفيذه إلى الإمام. أما القصاص فيغلب فيه حق العبد، فلولي المقتول أن يرفع الدعوى أو لا يرفعها، وأن يعفو أو يصالح. وقسّم المالكية حق العبد ثلاثة أقسام: حق على الله، وحق في الجملة، وحق على غيره من العباد. وذكر الزركشي ترتيب الحقوق عند التزاحم: يقدم حق الله في الصلاة والزكاة والصوم والحج، ويقدم حق الآدمي في الإكراه والرخص، وفي تزاحم الزكاة مع دين الآدمي أقوال، والأصح تقديم حق الله. ولا يسقط حق الله بإسقاط العبد، ولا يجوز التحيل على إسقاط العبادات، ولا الصلح عن الحدود الخالصة. ويجوز إسقاط حق العبد لمن كان جائز التصرف والمحل قابلا للإسقاط، وتشمل القابلية الأعيان والديون والمنافع والحق المطلق، وفي الاعتياض عن الحقوق خلاف بين المذاهب. وقسّم الشاطبي الحقوق بحسب معقولية المعنى إلى ثلاثة أقسام، والعبادات حق لله خالص لا تحتمل الشركة. وتتعلق العاديات بحق الله من جهة الوضع الكلي الذي يدخل في الضروريات، وبحق العبد من جهة الجزاء في الآخرة وإجراء النعمة في الدنيا. وتنقسم الحقوق بحسب التحديد إلى محدود، وغير محدود، ومختلف فيه؛ فالمحدود كالفرائض الخمس والمقادير الواجبة في الزكاة وأثمان المبيعات، وغير المحدود كالصدقات والإنفاق في سبيل الله والإنفاق على الأقارب. وللمحدود أحكام منها أنه يتعلق بالذمة بمجرد وجود سببه، ولا يسقط بالسكوت أو بمضي المدة؛ أما غير المحدود فلا يتعلق بالذمة إلا بعد التحديد بالتراضي أو الصلح أو حكم القاضي. ومن المختلف فيه نفقة الزوجة، إذ تثبت في الذمة عند الجمهور، بينما يرى الحنفية أنها لا تثبت إلا بفرض الحاكم. وتنوع التحديد بحسب صاحب الحق والمكلف به والشيء المستحق والقدر والمكان والزمان والاتجاه والعدد. وتنقسم الحقوق إلى تامة لا عذر فيها، ومخففة بعذر شرعي. وتنقسم بحسب الانتقال إلى الورثة إلى حقوق تورث، وحقوق تثبت بالخلافة ولا تورث، وحقوق لا تورث ولا تنتقل كالولايات والوكالة واختيار الزوجات. واختلف الفقهاء في إرث خيار الشرط والتعيين والعيب والقبول والمنافع والقصاص؛ فذهب المالكية والشافعية إلى توريث خيار الشرط، وذهب الحنفية والحنابلة إلى عدم توريثه، وثبت القصاص لأولياء المقتول ابتداء لا بالميراث عند أبي حنيفة ومالك والشافعي. وتنقسم الحقوق بحسب المالية إلى أربعة أقسام، وتنقسم أيضا إلى حق واجب ديانة، وحق واجب قضاء، وحق واجب ديانة وقضاء. وحق التملك والحق المباح حقان مجردان ضعيفان لا يتعلقان بمحل معين. وتنقسم حقوق التملك بحسب الاختيار إلى ثلاث مراتب: حق التملك أو المباح، وهو مجرد صلاحية لا يتعلق بشيء معين، والحق الثابت أو الواجب، وهو حق في تملك شيء محدد بإرادة صاحبه بعد سبب من أسباب الملك، والحق المؤكد الذي استقر في عين معينة ولو لم تملك بعد. ويمتاز الحق الثابت عن حق التملك بأنه متعلق بشيء معين ويقدر صاحبه أن يرتقي به إلى الملك بقبوله وحده. والحق المؤكد يتأكد في الغنيمة بإحرازها في دار الإسلام، ويضمن بالإتلاف، ويورث إذا مات صاحبه قبل القسمة، ولا يجوز بيعه قبل القسمة. والحق المؤكد يشبه الملك في أنه يضمن بالإتلاف ويورث بالإجماع، ويفترق عنه بأنه لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه. وتنقسم الحقوق من حيث استيفاؤها إلى ما يلزم فيه الرفع إلى القضاء كالعقوبات والحقوق المتعلقة بالنكاح، وما لا يحتاج إلى قضاء كتحصيل الأعيان المستحقة ونفقة الزوجة والأولاد، وما اختلف في جواز تحصيله دون قضاء كاستيفاء الديون. ويختم المدخل بالإحالة إلى مدخل «حُقّة». (اكتمل المدخل عند العنوان التالي «حُقّة» ص 7214.)حرم المدينة
إعلان النبي المدينة حرماً كما حرَّم إبراهيم مكة، بحدود معلومة: «ما بين عير إلى ثور» أو «إلى أحد» في أكثر التصحيح، و«ما بين لابتيها» أي حرَّتيها شرقاً وغرباً؛ فيحرم فيه الصيد وقطع الشجر إلا ما استُثني، وتُغلَّظ فيه دية القتل الخطأ، وورد النهي عن إحداث حدث فيه أو آواء محدث. ويرى السمهودي أن بركة التحريم هي التي صرفت نار سنة 654 عن البلد عند وصولها حرمها. ومن أحاديثها في الصحيح: «المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يُقطع شجرها ولا يُحدَث فيها حدث، من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ، و«حُرّم ما بين لابتي المدينة على لساني» وقوله لبني حارثة «أراكم قد خرجتم من الحرم... بل أنتم فيه» ، وصحيفة علي: «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا... وذمة المسلمين واحدة».هاشِمة
الهاشمة في اللغة شجة تهشم العظم، وفي الاصطلاح عند الجمهور هي الشجة التي تكسر العظم، وزاد الشافعية ولو بلا انفصال وبلا إيضاح، وعند الحنابلة وبعض الشافعية التي توضح العظم وتهشمه. والهاشمة لا قصاص فيها باتفاق الفقهاء، وتجب فيها الدية. واختلف في مقدارها: فقال الشافعية والحنابلة عشر من الإبل بقول زيد بن ثابت، وقال الحنفية عشر الدية، وللمالكية أقوال بحسب تعريفهم لها. وإذا كانت هاشمة مع موضحة تجمع الدية بينهما، وإذا أحب المجني عليه أن يقتص من الموضحة جاز، وفي أرش الزائد خلاف بين الشافعية والحنابلة. وخص المالكية هاشمة الجسد بالحكومة إذا امتنع القصاص، وجمهور الفقهاء لا يسمون كسر العظام في غير الرأس والوجه هاشمة.الحوالة
الحوالة لغة التحول والانتقال، واصطلاحا نقل الدين من ذمة إلى ذمة، ويتم بإيجاب وقبول بين اثنين من الأطراف الثلاثة: الدائن والمدين والملتزم بالأداء. فالمحيل هو المدين، والمحال هو الدائن، والمحال عليه هو الملتزم بالدين، والمحال به هو الدين نفسه. وتفترق الحوالة عن الكفالة والضمان في أن الحوالة تبرئ ذمة المحيل، وتفترق عن الإبراء بأنها نقل للحق لا إسقاط له. والحوالة مشروعة بالسنة وهي قوله: مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع، وبالإجماع، ومقيسة على الكفالة. واختلف في الأمر بالقبول: فيرى الكمال بن الهمام أنه للإباحة، ومن عرف منه حسن القضاء استحب اتباعه. وفي حقيقة العقد: يرى الحنفية والحنابلة والشافعي في الأصح أنها مستثناة من بيع الدين بالدين، ويرى بعض العلماء أنها بيع، وأن ابن تيمية وابن القيم لا يسلمان بأنها خلاف القياس، وأن الحوالة عقد إرفاق منفرد عند الحنابلة. ينتهي المدخل عند ص 7413. وتتنوع الحوالة إلى مقيدة ومطلقة؛ فالمقيدة ما قُيّدت بدين للمحيل على المحال عليه أو بعين له عنده أمانة أو مضمونة، والمطلقة ما لم تُقيّد بشيء. والمطلقة نوعان: حالة ومؤجلة، وقد تكون الحوالة مؤجلة بشرط الأجل أو لكون الدين مؤجلا على المحيل أو المحال عليه، ويتبع ذلك حكم الكفالة في بعض الجوانب. ويرى جمهور الفقهاء أن الحوالة لا تكون على عين، بل يشترطون أن يكون المال المحال عليه دينا. وأركانها عند الجمهور خمسة: الصيغة والمحيل والمحال والمحال عليه والمحال به، وعند الحنفية الصيغة وحدها ركن. وتنعقد بكل لفظ يفيد معناها، والمالكية يشترطون لفظ الحوالة عند خليل، والشافعية يتحفظون في الصيغة بلفظ البيع. ويشترط الجمهور رضا المحيل عند المالكية والشافعية والحنابلة، والحنفية يشترطون رضاه، مع اختلاف الرواية؛ ولا يشترط رضا المحال عليه عند الجمهور، ويشترطه الحنفية. وإذا اختلف المحيل والمحال هل كان العقد حوالة أو وكالة في القبض، فالحنفية والشافعية يقبلون قول المحيل أو ينظرون إلى الصيغة. وإذا ادعى المحيل الوكالة في القبض وأنكر المحال الحوالة، فللفقهاء تفصيل في القول بمن يصدق وفي أحكام المال المقبوض إن بقي أو هلك. ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أن الحوالة تنعقد بإيجاب المحيل وقبول المحال في مجلس العلم، ويرى الحنفية أن الإيجاب والقبول يكونان في مجلس واحد. ولا تصح الحوالة مؤقتة ولا مؤجلة إلى أجل مجهول جهالة فاحشة، ويصح تأجيل الدين المحال به إلى أجل معلوم. ويشترط في المحيل العقل والأهلية، ويرى بعض الفقهاء صحة حوالة المحجور عليه لفلس بشرطين، ويشترط المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون المحيل مدينا للمحال، والحنفية كذلك. ويشترط في المحال العقل، ويشترط الحنفية في المحال عليه العقل والبلوغ والقدرة على الوفاء. ويشترط في المحال عليه الملاءة عند من يوجب قبول الحوالة عليه، والحنابلة يفسرون الملاءة بالقدرة على الوفاء وعدم الجحد والمماطلة. ويرى الحنفية صحة الحوالة المطلقة التي لا تقيد بدين للمحيل على المحال عليه، ويشترط جمهور غيرهم أن يكون المحال عليه مدينا للمحيل. والحوالة على عين لا تصح عند الجمهور، ويشترط في المال المحال به والمحال عليه أن يكون دينا ثابتا مستقرا معلوم الجنس والقدر والصفة. ويشترط المالكية ثبوت الدين المحال به قبل الحوالة، ويشترط الحنابلة ثبوت المال المحال عليه قبلها. ويشترط جمهور الفقهاء أن يكون المال مثليا، وأجاز الجمهور والشافعية في الأصح الحوالة بالقيمي المنضبط بالصفات. ويشترط الحنفية المساواة في الصفة والقدر وكون الدينين غير مختلفين بالحلول والأجل، وتعليلهم أن الحوالة إرفاق للإيفاء والاستيفاء لا للاسترباح. ويشترط الحنفية قبض رأس مال السلم أو الربوي إذا وافق المحال به في علة الربا، ولا يشترطه الشافعية. ويجوز أن يكون أحد الدينين عن عقد غير الآخر، وأن يكون الدين المحال به في غير محله الأصيل كالحوالة أو الكفالة، وتجوز الحوالة عند الشافعية على وجه تعدد المحالين. ومن تخلفت شرائط انعقادها بطلت الحوالة، وهذا متفق عليه. وتشترط شروط النفاذ: بلوغ المحيل والمحال والمحال عليه عند الحنفية، وولاية المحال على المال المحال به، والقبول، ويرى الحنفية أن الحوالة على الوكيل أو الولي تكون موقوفة على الإجازة أو مقيدة بمصلحة القاصر. والحوالة عقد لازم عند الجمهور، ولا تقبل خيار الشرط عند الشافعية والحنابلة، ويرى الحنفية أنه لا تفسخ إلا بالتراضي، ويتفرع على ذلك حكم الشروط اللاحقة الفاسدة والصحيحة. ومتى صحت الحوالة برئت ذمة المحيل من دين المحال، ويختلف الفقهاء في انتقال المطالبة والكفالة؛ ويرى الحنفية أن الحوالة تنقل الدين، وتنتقل الضمانات لمصلحة المدين دون ضمانات الدائن. ويحق للمحال مطالبة المحال عليه ولملازمته، والمحال عليه يحبس المحيل بشروط عند الحنفية. ويرجع المحال عليه على المحيل بعد أداء دين الحوالة عند الحنفية بشروط: رضا المحيل، وأداء المال إلى المحال، وعدم كون المحال عليه مدينا للمحيل بمثل دينه. وتنتهي الحوالة برضا الأطراف بالتنفيذ أو بما يساويه، أو بالتقايل أو الإبراء، وتنتهي دون رضا بموت المحيل أو المحال عليه أو فوات المحل؛ ويرى الحنفية أن الحوالة المقيدة تنفسخ بموت المحيل، وأن المطلقة لا تنفسخ. وتبطل الحوالة إذا ظهر أن المحيل لم يكن مدينا للمحال أو أن المال المحال به عرض سقط أو هلك قبل أن يتعلق به الدين، ولا تبطل بظهور استحقاق المحال عليه في الحوالة المطلقة. والتوى هو عجز المحال عن الوصول إلى حقه من المحال عليه، ويرجع المحال على المحيل عند الحنفية بسبب التوى، ويرفض الشافعية الرجوع مطلقا، ويرجع المالكية في حالة الغرور، ويرى أحمد في رواية الرجوع إذا كان المحال عليه مفلسا وجهل المحال. وأسباب التوى عند الحنفية أربعة: موت المحال عليه مفلسا قبل الأداء، وجحد المحال عليه الحوالة مع عدم البينة، وتفليس القاضي للمحال عليه، وتلف الأمانة التي قيدت بها الحوالة. ومتى تحقق التوى رجع المحال على المحيل بدينه عند الحنفية، واختلفوا في كيفية عود الدين: أهو فسخ أم انفساخ تلقائي أم يختلف بحسب السبب. وينتهي المدخل عند العنوان التالي «حوز» (ر: أرض الحوز) على ص 7413، ويليه مدخل «حوض».هَيْئة
الهيئة في اللغة الحالة الظاهرة التي يكون عليها الشيء، محسوسة كانت أو معقولة. وفي الصلاة قسّم الشافعية أعمالها إلى أركان وأبعاض وهيئات، فالأبعاض تُجبر بسجود السهو، أما الهيئات فلا تُجبر به ولا يعود إليها المصلي، وشبّهوا الصلاة بالإنسان: فالركن كرأسه، والشرط كحياته، والبعض كأعضائه، والهيئة كشعره. وتعدد الهيئات عند الشافعية أكثر من خمس عشرة خصلة، منها رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، والتعوذ قبل القراءة، والتأمين، والتسبيح في الركوع والسجود، والافتراش والتورك. وأما الحنابلة فيعدّون الهيئات ما يتصل بالكيفية كضم الأصابع، وقبض اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع السجود، وترتيل القراءة. وفي باب التعزير ذهب جمهور الفقهاء إلى تخفيف العقوبة عن ذوي الهيئات، وهم أهل الدين والصلاح، وقد استندوا إلى حديث «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود». واختلفوا: فقال بعضهم يُوعظ ولا يُعزر، وقال الشافعية إن ذا الهيئة لا يُعاقب أصلاً عند ابن عبد السلام، ونازعه الأذرعي.هَزْل
الهزل في اللغة ضد الجد، وفي الاصطلاح ألا يُراد باللفظ ودلالته معناه لا الحقيقي ولا المجازي. وهو يختلف عن اللعب والمزاح والخطأ والتلجئة. والهزل لا ينافي الأهلية ولا اختيار المباشرة، وإنما ينافي اختيار الحكم والرضا به، فيُعتبر السبب ولا يُعتبر الحكم. وفي العقود التي تحتمل النقض، اختلف الحنفية: فقال أبو حنيفة إن الهزل إن اتفق عليه المتعاقدان واختلفا في الإعراض عنه أو البناء عليه يُقدَّم قول مدعي الإعراض، وقال الصاحبان بفساد العقد عند البناء على المواضعة. والشافعية في الأصح يصححون بيع الهازل، والحنابلة في المشهور يبطلونه. وفي التصرفات التي لا تحتمل النقض، كالطلاق والعتق والرجعة والنكاح، يرى جمهور الفقهاء أن الهزل والجد فيها سواء، استناداً إلى حديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد». وخالف المالكية في بعض الصور. وفي النكاح ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة نكاح الهازل، وقال المالكية بلزومه، وقال غيرهم بعدم لزومه إن قام دليل الهزل. وفي الخلع فرّق الحنفية بين آراء أبي حنيفة وصاحبيه، وفي الهبة والوقف والوصية والشفعة والإبراء يمنع الهزل في الغالب صحة التصرف عند الحنفية والحنابلة. وفي الإقرار ذهب الحنفية إلى بطلانه بالهزل، ولا يلزم المالكية شيء في الإقرار الاعتذاري، ويصح عند الشافعية والحنابلة. وفي الاعتقاد يكفر المسلم بالهزل بكلمة الكفر عند جمهور الفقهاء، ويصح إسلام الكافر إذا هزل بكلمة الإسلام عند الحنفية والشافعية، ويُلزم به ظاهراً عند ابن القيم. وفي القذف يُحد الهازل عند الشافعية، ويُعزَّر عند الحنفية إن تعوّد الهزل بالقبيح.هِبَة
الهبة في اللغة إعطاء الشيء إلى الغير بلا عوض، وفي الاصطلاح تمليك المال بلا عوض في الحال. وتفترق عن العطية الأعم، وعن الهدية بأن القبول يلزم فيها عند أكثر الفقهاء، وعن الصدقة التي يُطلب بها ثواب الآخرة. وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، ومندوبة، وتحرم إذا قُصد بها معصية أو إعانة على ظلم أو رشوة، وتكره إذا قُصد بها الرياء. وأركانها عند الجمهور العاقدان والمعقود عليه والصيغة، وعند الحنفية الصيغة. ويشترط في الواهب أهلية التبرع، فلا تصح هبة الصغير والمجنون، وتختلف المذاهب في المحجور عليه بدين أو سفه، وفي هبة المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث، وفي هبة الأب مال ابنه بعوض. وفي هبة الفضولي عند الجمهور بطلان، وعند الحنفية وقف على الإجازة، وفي هبة السكران تفصيل بين المباح والمحرم. ويشترط في الموهوب أن يكون موجوداً مملوكاً للواهب متقوماً، فلا تصح هبة المعدوم والمجهول عند الجمهور، وأجاز المالكية هبة ما يقبل النقل. وتختلف المذاهب في هبة الدين لغير من هو عليه وفي هبة المشاع. وتختلف المذاهب في القبض: فالحنفية والشافعية وبعض الحنابلة يشترطونه، والمالكية يرون الهبة لازمة بالعقد، وفي قول للحنابلة تصح بلا قبض. ويشترط الحنفية إذن الواهب، وألا يكون الموهوب مشغولاً بما ليس موهوباً. والإيجاب وحده ركن الهبة عند الحنفية، والإيجاب والقبول عند الجمهور؛ ويصح القبول بالفعل، ويجوز تراخيه عند المالكية والحنابلة، ولا يصح تعليق الهبة عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وتختلف المذاهب في الشرط المقترن بالهبة: فالجمهور يبطلون الشرط الفاسد ويصحون الهبة، والمالكية والشافعية والحنابلة في وجه يبطلون الشرط والعقد. وفي الهبة بشرط العوض يختلف الفقهاء في صحته: فالجمهور يصححونه، والشافعية في مقابل الأظهر والحنابلة في قول يبطلونه؛ وفي تكييفها: بيع عند المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب وزفر، وهبة ابتداء بيع انتهاء عند الحنفية. وفي لزوم العوض بغير اشتراط: الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب لا يوجبونه إلا بالتصريح، والمالكية والحنابلة في قول يوجبونه بالعرف. وتمام الهبة بقبض الموهوب عند الجمهور، والمالكية يرون الملك بالعقد وهو الأصل عند الحنابلة فيما لا يكال ولا يوزن. والرجوع في الهبة: لا يجوز عند المالكية والحنابلة في المذهب والشافعية في مقابل المشهور إلا للأب فيما وهب لولده، وألحق المالكية الأم وسائر الأصول، وأجاز الحنفية الرجوع مع الكراهة. ومنع الحنفية الرجوع بهلاك الموهوب أو خروجه عن الملك أو الزيادة المتصلة أو وجود العوض أو صلة الرحم المحرم أو الزوجية أو الصدقة أو موت أحد المتعاقدين أو تغيره، ومنعه المالكية بزيادة الشيء أو نقصه أو المداينة لأجل الهبة أو مرض الولد. ومنعه الشافعية بخروج الشيء عن سلطنة الولد، ومنعه الحنابلة بخروجه عن ملكه أو رغبة الغير فيه أو زيادته، وأجازوا للمرأة الرجوع في صداقها عند بعض الروايات. والرجوع فسخ عند الحنفية إذا كان بالتقاضي أو بالتراضي عند غير زفر، وهو هبة مبتدأة عند زفر في التراضي. ويعود الشيء إلى ملك الواهب، وإذا هلك في يد الموهوب له بعد الرجوع لم يضمن.الحكمة (في أصول الفقه)
الحكمة في اللغة العلم بحقائق الأشياء والعمل بمقتضاها، وقد جاءت في القرآن بمعنى النبوة. وعند الأصوليين الحكمة ما يترتب على ربط الحكم بعلته أو سببه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو تقليلها، وتطلق أيضا على الوصف المناسب لشرع الحكم. والسبب وصف ظاهر منضبط معرّف للحكم، والمانع ما يلزم من وجوده عدم السبب أو الحكم. والفرق بين الحكمة والعلة أن العلة وصف جعله الشارع مناطا للحكم وجودا وعدما، أما الحكمة فهي المصلحة نفسها وقد تخفى أو تتفاوت في الانضباط، ولذلك اختلف الأصوليون في جواز ربط الحكم بالحكمة.الحكر
الحكر في اللغة الظلم والنقص والعسر والالتواء، والاحتكار جمع الشيء وحبسه ليغلو. وفي الاصطلاح يطلق على ثلاثة معان: الأجرة المقررة على عقار محبوس في الإجارة الطويلة، والعقار المحتكر نفسه، والإجارة الطويلة نفسها. ويعرّفه ابن عابدين بأنه إجارة يقصد بها منع الغير واستبقاء الانتفاع بالأرض للبناء أو الغرس، وهو يفترق عن الخلو والأجرة والإجارة الطويلة الأعم. ويكون الحكر غالبا في الأوقاف، وقد يكون في الأملاك الخاصة، وأكثر كلام الفقهاء فيه يتعلق بالأوقاف. والإجارة الطويلة في الأملاك جائزة، أما في الوقف فالحنفية والمالكية منعوا تجاوز مدة معينة (ثلاث سنين للأرض عند الحنفية في الغالب، وأربع سنين للأرض والأكثر من سنة للدار عند المالكية على الأوقاف العامة). وأجاز الشافعية والحنابلة الإجارة الطويلة في الوقف بحسب الحاجة والمصلحة، واحتج ابن قدامة بما حكاه القرآن من عقد إجارة بين شعيب وموسى. وإذا اشترط الواقف منع الإجارة الطويلة وجب اتباع شرطه، وأجاز بعض الحنفية والشافعية حيلة العقود المتلاحقة سنة سنة ما لم يمنعها الواقف. وتقيد الإجارة الطويلة عند الأكثرين بشروط كتخرب الوقف وتعطل نفعه وعدم وجود حاصل يعمره. وفي حكم التحكير في الوقف أقوال: الأكثرون يجيزونه بشروط، منها خراب الوقف وتعطل انتفاع الموقوف عليهم به، وعدم وجود حاصل يعمر به، وألا يوجد من يقرضه القدر المحتاج إليه بأقل من أجرة تلك المدة، واشترط الحنفية ألا يمكن استبدال الوقف بعقار ذي ريع. وأجاز الحنابلة وجمهور الشافعية التحكير مطلقا ما لم يمنعه الواقف، ومنعه بعض الشافعية مطلقا. وإذا أنشأ الناظر خلوا بمال دفعه إنسان لتعمير الوقف ملك دافع المال جزءا من المنفعة، وعليه حكر دائم للجهة المستحقة. ولا يجوز التحكير إلا ممن له ولاية إجارة الوقف، كالناظر، وقد عدّ العدوي العرف في مصر كالشرط، فالأحكار مستمرة للأبد، وأثبت الحنفية للمحتكر حق القرار ما دام بناؤه قائما ويدفع أجرة المثل. ويلزم أجر المثل، ويفسد عقد التحكير بغبن فاحش عند الحنفية، واختلفوا في ضمان الناظر؛ وتزيد أجرة المثل أو تنقص أثناء المدة بحسب شروط الفسخ وقواعد كل مذهب. وما يبنيه المحتكر أو يغرسه بإذن القاضي أو الناظر ملك خالص له يصح بيعه وهبته ويورث، أما رقبة الأرض فللوقف. وتختلف الأحكام في الشفعة في البناء، ووقف البناء على جهة أخرى، وموت المحتكر قبل البناء، وانقضاء الحكر بهلاك البناء. وقد انتهى المدخل عند العنوان التالي «حُكم» على ص 7232.الحيلة
الحيلة لغة الحذق في تدبير الأمور وتقليب الفكر للوصول إلى المقصود، واصطلاحا سلوك طرق خفية يتوصل بها إلى حصول الغرض، وتكون في الغالب مما فيه خبث وقد تكون حكمة. وتفرق عن الخدعة والغرور والتدبير والكيد والمكر والتورية والذريعة. وتنقسم الحيل باعتبار مشروعيتها إلى مشروعة ومحرمة؛ فالمشروعة ما يتخلص بها من المآثم أو يتوصل بها إلى الحلال والحقوق، ولا تهدم أصلا مشروعا؛ ومنها ما تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المشروع. والحيل المشروعة ثلاثة أنواع، منها ما تكون محرمة في نفسها ويقصد بها المشروع، ومنها ما تكون مباحة ويقصد بها محرم، ومنها ما تكون غير موضوعة للمحرم؛ والأولى كالشهادة الزور في إثبات الحق. وتستدل المدونة بأدلة إباحة الحيل المشروعة: كالتحيل على التخلص من الكفار، ومباشرة الأسباب المشروعة، والتحيل على إحراز الدم بكلمة الكفر عند الإكراه، والخروج من الحرام إلى الحلال كحيلة أيوب في الضغث وحيلة التمر الجنيب. وتقوم الحيل المحرمة على المخادعة والتلبيس، ومن أمثلتها التحليل في النكاح، وبيع العينة، وتحايل اليهود على الشحوم، وحيلتهم في السبت.الحِلف
الحِلف لغة العهد والمعاقدة على التناصر، وكانت الأحلاف في الجاهلية تعقد بين فرد وقبيلة، أو بين فرد وفرد، أو بين قبيلتين، كحلف المطيبين وحلف الفضول. وكان الحليف يمنع حليفه ويتحمل عنه جرائره، وقد أبطل الإسلام منه التناصر على الباطل والتوارث دون ذوي الأرحام. وفي الحديث: لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة؛ وحمله بعضهم على حلف التوارث والنصرة على الباطل، وأجاز آخرون التحالف على الخير والنصرة على الحق. وكان التوارث بالحلف معمولا به ثم نُسخ، واختلف في الناسخ. وذهب الجمهور إلى أن التوارث بالحلف منسوخ، وذهب الحنفية والحكم وحماد ورواية عن أحمد إلى بقائه بعد سائر الورثة. وعند الحنفية يعقل الحليف عن مولاه بالولاء ولا ينتقل عنه إلا برضاه، وقال الجمهور: لا عقل بالحلف. والتحالف بين طائفتين يجيزه بعض العلماء للتناصر على الحق ودفع الظلم، ويمنعه أكثر العلماء اعتمادا على ظاهر الحديث. ويُختم المدخل بالعنوان التالي «حلق» في ص 7261.الحُلي
الحُليّ لغة ما يتزين به من المصوغ من المعادن أو الأحجار الكريمة. يحرم على الرجل اتخاذ حلي الذهب بجميع أشكاله، إلا للحاجة كالأنف والسن عند الجمهور، وتجوز تحلية السيف بالذهب عند المالكية والحنابلة، ولا تجوز تحلية آلات القتال بالذهب عند الحنفية والشافعية. ويجوز للرجل من الفضة الخاتم، والمالكية يقيدونه بدرهمين شرعيين، وللحنابلة في سائر الحلي من الفضة ثلاثة أقوال. وأجمع الفقهاء على جواز المرأة أنواع الحلي من الذهب والفضة ما لم يبلغ الإسراف أو التشبه بالرجال، ومنعت المذاهب الثلاثة تحلية المرأة آلات الحرب لما فيه من التشبه بالرجال. ويجوز المموه بالذهب أو الفضة عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح إذا لم يخلص منه شيء بالنار، ومنعه الحنابلة في الأواني. وأجاز الأئمة الثلاثة الحلي من الجواهر للرجال والنساء، وكرهه الشافعية وبعض الحنابلة للرجل لأنه من زي النساء أو السرف. واتفق الفقهاء على كراهة خاتم الحديد والصفر والشبه والقصدير، واختار النووي أنه لا يكره. وتجب الزكاة في الحلي المستعمل استعمالا محرما وفي المكنوز، واختلفوا في المباح المستعمل: فالمالكية والحنابلة والشافعي في القديم لا زكاة فيه، والحنفية والشافعي في الجديد على الوجوب، واستدل كل فريق بآثار عن عائشة وابن عمر وأسماء وجابر وابن عمرو. وفي انكسار الحلي أحوال تتعلق بوجوب الزكاة، وتجوز إجارته عند الشافعية والحنابلة، وصحح الشافعية والحنابلة وقفه، ومنعه الحنفية. وينتهي المدخل عند العنوان التالي «حمى» على ص 7283.الحِمى
أرض محمية يُمنع رعيها إلا لمن حُميت له؛ في سيرة ابن هشام حمى النبي لأهل جرش حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة وبقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سُحت، وكتب لهمدان أن لهم فراع أرضهم ووهاطها يرعون عافيها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. وبعد قرنين كان الهمداني لا يزال يعدّد حميات القبائل بأسمائها في كتابه — منها حمى ضَرِيّة وحمى القطيف وحمى النُطاة. ويذكر المؤلف أن الحمى العام يُخصص لمصلحة عامة كرعي خيل الجهاد وسوائم الصدقة، وأنه ليس ملكًا خاصًّا لفرد ولا لدولة، وأن عمر أجاز الرعي فيه للفقراء دون الأغنياء ، واستشهد بقول النبي: «لا حمى إلا لله ولرسوله».الحِمى
الحِمى لغة الموضع الذي يُمنع الناس من رعيه، واصطلاحا موضع من الموات يحميه الإمام لمواشي مخصوصة. والأصل في الحِمى المنع لأنه تضييق على الناس، لقوله: لا حِمى إلا لله ولرسوله. وأجاز جمهور الفقهاء للإمام أن يحمي لخيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة والماشية الضعيفة بشروط، واستدلوا بأن النبي حمى النقيع لخيل المسلمين والربذة لإبل الصدقة، وبأن عمر حمى الشرف والربذة وعثمان مثله. ومن شروط الحِمى أن يقع من الإمام أو نائبه، وأن يكون لمصلحة المسلمين، وألا يكون ملكا لأحد، وأن يكون قليلا لا يضيق على الناس؛ ولا يجوز للإمام أن يخص نفسه به. ولا يجوز أخذ العوض من أصحاب المواشي عن مرعى الموات أو الحمى، ويندب أن ينصب الإمام أمينا يدخل دواب الضعفاء ويمنع دواب الأقوياء. ويعزّر المتعدي على الحمى بعد بلوغه النهي. وما حماه النبي يثبت حمايته ولا يصح إحياؤه، وما حماه الأئمة بعده فيه خلاف عند الشافعية والحنابلة في إقرار إحيائه، والمعتمد عند الحنابلة الملك بالإحياء. ويجوز نقض الحمى الذي حماه غير النبي إن اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، أما حِمى النبي فلا ينقض.الحُقّة
الحُقّة من الإبل ما طعن في السنة الرابعة، والأنثى حِقّة، وسميت بذلك لأنها استحقت أن تُركب ويُحمل عليها، ولأنها استحقت أن يطرقها الفحل. وتقابلها في الألفاظ ذات الصلة: ابن المخاض وبنت المخاض في السنة الثانية، وابن اللبون وبنت اللبون في الثالثة، والجذع والجذعة في الخامسة، وهو آخر أسنان الإبل في الزكاة. وأجمع الفقهاء على أنه تجب حقة في ست وأربعين من الإبل إلى ستين، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، ويستند المدخل إلى حديث أنس في كتاب صدقات النبي المروي في صحيح البخاري. وتبحث أحكامها في كتاب الزكاة عند زكاة الإبل، وتبحث في الديات عند تغليظها أو تخفيفها.الحيازة
الحيازة لغة الجمع وضم الشيء، واصطلاحا وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه، وهي بمعنى القبض. وتكون بثلاثة أشياء عند الحطاب: أضعفها السكنى والزراعة، ويليها الهدم والبناء والغرس والاستغلال، ثم التفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق وما يفعله المالك في ماله. والقبض والحيازة شيء واحد عند جمهور الفقهاء، ووضع اليد يقال على الملك والتصرف، وتتعلق بها الترجيحات في البينات. وتكون الحيازة مشروعة كإحياء الموات والاصطياد والاحتشاش والمعدن والركاز واللقطة وبالعقد، وغير مشروعة كالغصب والسرقة والحرابة. والحيازة دليل على الملك لا ناقلة له عند ابن رشد، وطول مدتها وصلة الحائز بمدعي الملك وتصرفه يؤثران فيها. واختلف الفقهاء في البينات بين الخارج والداخل: فالحنفية وأحمد في رواية بينة المدعي مقدمة، والشافعية والمالكية تقدم بينة صاحب اليد، وللمالكية تفصيلات في مراتب الحيازة وشروطها: التصرف، وحضور المدعي وعلمه، وعدم سكوت طويل، وانتفاء الموانع كالخوف والسفه والصغر. ويتصل المدخل بمسائل الحيازة عند المالكية، ولم يكتمل في هذه الصفحات. وتبلغ المدة عند المالكية عشر سنين، وهو المعتمد بالحديث «من احتاز شيئا عشر سنين فهو له»، وفي قول سبع سنين، وفي قول يجتهد الإمام؛ وبين الأقارب والشركاء تزيد المدة على أربعين عاما، والأب والابن مختلفة فيه. وفي المنقول يختلف الأمر: فالثياب والدواب تتقدم حيازتها بالاجتهاد، والحيازة في الأملاك على الأقارب والموالي والأصهار لها مراتب. ويؤثر التصرف بالبيع والهبة في الحيازة، ويختلف أثره بحسب حضور المالك واعتراضه وسكوته، ولا تبطل حقوق المسلم بالتأخر. ويرى المالكية أنه إذا كان الحق ثابتا بحكم قضائي أو سند رسمي فلا تنفع الحيازة، والحيازة لا تنفع إلا مع جهل أصل التملك.الحكم
الحكم لغة القضاء، وأصله المنع. والحكم الشرعي عند جمهور الأصوليين خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، وعند الفقهاء أثر هذا الخطاب، أي الوجوب ونحوه. وينقسم الحكم التكليفي عند الجمهور إلى خمسة أقسام: الفرض والندب والإباحة والحرمة والكراهة، وزاد الحنفية الوجوب والكراهة التحريمية؛ ويسوي الجمهور بين الفرض والواجب، ويفرق الحنفية بينهما. وينقسم الحكم الوضعي إلى السبب والشرط والمانع والرخصة أو العزيمة والصحة أو البطلان. ويحيل المدخل إلى مدخل «تحكيم» عند العنوان «حُكمان»، وتفصيل الأقسام في مصطلحاتها وفي الملحق الأصولي.حكومة العدل
الحكومة لغة مصدر حكم، ومن معانيها رد الظالم عن ظلمه. والمراد بحكومة العدل في الفقه الواجب الذي يقدره عدل في جناية ليس فيها مقدار معين من المال، ويكون التقدير باجتهاد الحاكم أو المحكم. والأصل أن كل جناية على ما دون النفس بلا قصاص ولا أرش مقدر ففيها حكومة العدل. ومن شروطها ألا يكون للجناية أرش مقدر شرعا، وألا تبلغ الحكومة أرش العضو المقدر، وأن تقوم بعد اندمال الجرح، وأن يحكم بها القاضي أو المحكم. وفي كيفية تقديرها: يقوم المجني عليه كأنه عبد ويُنظر إلى النقص الذي أحدثته الجناية، وقال غيرهم بإلحاقها بأقرب جناية مقدرة، واستدل له بأثر منقول عن علي في قطع طرف اللسان. وفي مذهب الجمهور أن الجرح الذي يبرأ دون شين لا شيء فيه، وعند المالكية يبقى الخلاف في الموضحة للوجه والرأس.حقوق الإنسان — ملف الانتهاكات في العالم العربي
حلقة «الوسطية» عن ملف حقوق الإنسان في العالم العربي. صوّت الشباب: 69% يرون المواثيق الدولية بلا قيمة عملياً و19% فائدتها محدودة؛ و72% يرون وضع الإنسان العربي أسوأ من غيره و10% لا فرق؛ و9% فقط يؤيدون التدخل الدولي و65% يرون حلّ المشكلة داخلياً. وناقش المتحاورون أسباباً كثقافة الاستبداد والإعلام الذي لا يعلّم الحقوق — 14 من أكثر 20 برنامجاً مشاهدةً مسلسلات — ورأوا البدء بالحقوق غير السياسية لتفادي الاصطدام.حرمة دم المسلم
تحريم دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث خصال كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين: «الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، وفي رواية عثمان عند الترمذي والنسائي وابن ماجه بألفاظ أوضح «كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس»، وفي إحدى روايات النسائي بيان الحكم في كل واحدة؛ يسمي ابن رجب هذه الخصال الثلاث حق الإسلام التي يستباح بها الدم، وينقل أن القتل بكل واحدة منها متفق عليه بين المسلمين، وأن المسلمين أجمعوا على أن حد من زنى وهو ثيب الرجم حتى يموت — وقد رجم النبي ماعزاً والغامدية — وأن الرجم كان مما نسخ لفظه من القرآن، واستنبطه ابن عباس من قوله تعالى في المائدة: «تخفون من الكتاب»؛ وفي رواية عمر بن الخطاب خشية أن يأتي زمان يقول فيه أقوام لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.العدة
العدة في الفقه الأجل الذي تلزمه المرأة بعد الطلاق أو الوفاة قبل أن يحل لها النكاح؛ تعالج الموسوعة الفقهية الكويتية العدة في أبوابها من أجل العدة إلى العدة الطارئة والسكنى في بيت العدة.إذن
الإذن في الفقه إطلاق الفعل والإباحة، ويكون عاما أو خاصا بحسب المأذون له والتصرف والوقت والمكان. ويصدر من الشارع للتيسير ورفع الحرج وإباحة المحرم عند الضرورة، ومن المالك في ماله، ومن صاحب الحق في حقه، ومن القاضي فيما يتوقف نفاذه على إذنه. ${S} p.2025} ${S} p.2026} ${S} p.2028} ${S} p.2030} ${S} p.2031}إدراك
الإدراك في الفقه اللحوق والبلوغ، وقد يكون معنويا كلزوم الثمن للمشتري. وأهم أحكامه إدراك الفريضة وفضيلة الجماعة، وفي المعاملات أن من أدرك عين ماله عند غيره فهو أحق بها، وعليها يقوم ضمان الدرك.الإهمال
الإهمال لغة الترك، وأهمل أمره لم يحكمه، ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن ذلك. والإهمال في الأمانات إذا أدى إلى هلاكها أو ضياعها يوجب الضمان، فالأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو الإهمال. وإهمال الأجير الخاص يوجب الضمان، والأجير المشترك ضامن عند جمهور الفقهاء. وإهمال الحاذق من طبيب أو ختان أو معلم يوجب ضمان ما يحدث بسببه، وكذلك إهمال القاطع في القصاص والحد. والقاعدة أن إعمال الكلام أولى من إهماله، فإن تعذرت الحقيقة والمجاز أُهمل الكلام ولغا، كدعوى قتل المورث وهو حي، وكدعوى بنوة من هو معروف النسب لغيره.الإكراه
الإكراه فعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره. والإكراه بغير حق من الكبائر، وينقسم إلى ملجئ وغير ملجئ، ويتفرد الحنفية بهذا التقسيم. والإكراه يعدم الرضا ويفسد الاختيار عند الحنفية؛ والإقرار المكره عليه باطل، وعقود البيع المكره عليها فاسدة، وتصح معه الأنكحة والطلاق والنذر واليمين. وشرط الإكراه قدرة المكره على ما هدد به، وخوف المكره، وأن يكون التهديد بالقتل أو بإتلاف عضو. ويسقط الحد عن المكره لشبهة الإكراه.الإلغاء
الإلغاء في اللغة الإبطال، وعند الفقهاء إسقاط الحكم أو إبطاله بعد وجود الشيء أو فعله، ويأتي بمعنى الفسخ والإسقاط. وتلغى التصرفات التي لا يقرها الشارع، وتلغى شروط مخالفة للنص، وتصح شروط توثيق للعقد. ويطلق الأصوليون الإلغاء في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع في القياس.إلغاء الفارق
إلغاء الفارق عند الأصوليين بيان عدم تأثير الفارق بين الأصل والفرع في القياس، فيثبت الحكم لما اشتركا فيه، كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق، وإلحاق الرجال بالنساء في حد القذف لأن الأنوثة فارق ملغى. ويفترق عن تنقيح المناط والسبر والتقسيم، ويسمى القياس المعتمد عليه القياس في معنى الأصل.الإلحاق
الإلحاق في اللغة الاتباع، ويستعمله الفقهاء والأصوليون بمعنيين: إلحاق الفرع بالأصل بعلة مشتركة، وهو القياس، وإلحاق مجهول النسب بمن ادعاه بشروطه. ومن تطبيقاته إلحاق جنين المذكاة بأمه عند الجمهور، وإلحاق صغار السوائم بالكبار في الزكاة، وإلحاق توابع المبيع به، كالجنين في بيع أمه.علم الفرائض
علم الفرائض في الحديث الثالث والأربعون — أول زيادات ابن رجب — من جامع أحكام المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر» — فأصحاب الفروض المقدرة في الكتاب يستوفونها أولاً ثم يستحق الباقي أقرب العصبة من الذكور عند جماعة الأئمة منهم أحمد وإسحاق، وعليه اختلف في الأخت مع البنت: قول ابن عباس والظاهرية بتعصيبها للباقي، وقول الجمهور — عمر وعلي وعائشة وزيد وابن مسعود ومعاذ — أنها عصبة مع الغير؛ وتعلق بالحديث أيضاً خلاف توريث ذوي الأرحام ومعنى «رجل ذكر» (جامع العلوم والحكم ص 846–847).التصاق
الالتصاق اتصال الشيء بالشيء بحيث لا تكون بينهما فجوة. وقد يحدث تلقائيا أو بقصد، ويترتب عليه أحكام، منها أولوية الشفعة للجار عند الحنفية إذا التصقت الدار بالدار في سكة نافذة، ومسح الجبيرة الملصقة على الجرح. ومنه ما هو واجب كالتصاق الجبهة بالأرض في السجود، ومنه ما هو محرم كالتصاق الرجلين أو المرأتين في ثوب واحد بلا حائل.الالتزام
الالتزام في اللغة الثبوت والدوام، وفي الاصطلاح إلزام الشخص نفسه ما لم يكن لازما له قبل، والعقد التزام بارتباط الإيجاب بالقبول. وسببه التصرفات الاختيارية، وتلحق به عند بعض المعاصرين الأفعال الضارة والنافعة والشرع، وهي عند الفقهاء إلزام لا التزام. وأركانه عند غير الحنفية الصيغة والملتزِم والملتزَم له والملتزَم به. ويجب الوفاء بالعقود اللازمة والعهود والنذور وحقوق الناس، ولا يجب الوفاء بالوعد والتبرعات الجائزة. وتنقضي الالتزامات بالوفاء وبالإبراء والفسخ والمقاصة وغيرها.الإلزام
الإلزام في اللغة الإثبات والإدامة، وهو إيجاب الشيء على الغير، ويفترق عن الإيجاب والإجبار والالتزام، فالالتزام إلزام الشخص نفسه. والأصل امتناع إلزام الناس بعضهم لبعض، وإنما يكون من الإمام أو القاضي بالولاية، فيجب عليه إلزام الناس بشريعة الإسلام، ومن امتنع من حقوق الآدميين أخذت منه جبرا، وإلزام الظلم حرام.الإمهال
الإمهال لغة الإنظار وتأخير الطلب، وينافي التعجيل. ومن أحكامه أن من ثبت إعساره ينظر إلى ميسره، لقوله تعالى في سورة البقرة (2:280). والعنين يضرب له القاضي سنة عند الجمهور، والمولي أربعة أشهر، ويمهل المدعي لإحضار بينته، ويمتنع الإمهال فيما تشترط فيه الفورية كخيار الرد بالعيب والشفعة.الانضباط
الانضباط لغة من ضبط، والضبط الحفظ بالحزم، والضابطة القاعدة. والانضباط اصطلاحا الاندراج والانتظام تحت ضابط أي حكم كلي، فيكون الشيء معلوما. ومن شروط العلة عند الأصوليين أن تكون وصفا منضبطا للحكمة، لا حكمة مجردة غير منضبطة، كالمشقة التي ضُبطت بمظنتها وهي السفر. وطرق انضباط الوصف المناسب ثلاثة: بنفسه، أو بالعرف، أو بالشرع بالمظنة. ومن أمثلته عند الفقهاء: انضباط المسلم فيه في السلم، وانضباط الجناية في قصاص ما دون النفس.الاندراس
الاندراس عفاء الشيء وخفاء آثاره، والفقهاء يستعملونه في ذهاب معالم الشيء وبقاء أثره. ويختلف حكمه بحسب موضوعه: فالمسجد إذا استغني عنه يبقى مسجدا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يعود إلى الواقف، والحنابلة يجيزون بيع بعضه لإصلاح باقيه. والوقف إذا تعطل يجوز استبداله عند جمهور الحنفية بإذن القاضي، والمالكية يجيزون استبدال المنقول، والشافعية يشددون. وقبر الميت المسلم إذا صار ترابا يجوز نبشه والدفن فيه عند الجماهير. وفي إحياء الأرض المندرسة خلاف: الشافعية والحنابلة يبقونها لصاحبها الأول.الانفراد
الانفراد لغة مصدر انفرد بمعنى تفرّد، ولا يخرج استعمال الفقهاء عنه. ويقع في أبواب متعددة: فإذا اجتمع أولياء متساوون في الدرجة في تزويج امرأة فعند الشافعية والحنابلة يقرع بينهم، وعند المالكية ينظر الحاكم، وعند الحنفية يزوج كل منهم. وللوكيلين الانفراد بالتصرف إذا جعل الموكل ذلك لكل منهما، وعند الحنفية يجوز في ما لا يحتاج إلى رأي كالخصومة. وفي شركة العنان يجوز لأحد الشريكين عند الإطلاق أن ينفرد بالتصرف بإجماع الفقهاء. ومنه عند الجمهور أن الموصى لهما معا لا ينفرد أحدهما ما لم ينص الموصي على جوازه.الانفساخ
الانفساخ لغة مطاوعة الفسخ بمعنى النقض والزوال، وعند الفقهاء انحلال العقد إما بنفسه، وإما بإرادة المتعاقدين أو أحدهما. والفسخ حل ارتباط العقد بإرادة أحد العاقدين أو كليهما أو بحكم القاضي، والانفساخ قد يكون أثرا للفسخ أو نتيجة لعوامل خارجة عن إرادة العاقدين. وينفسخ العقد بتلف المعقود عليه في العقود المستمرة كالإجارة، لا في العقود الفورية بعد القبض. وينفسخ عقد الإجارة بموت أحد العاقدين عند الحنفية إن عقدها لنفسه، وعند الجمهور لا ينفسخ. وتنفسخ العقود غير اللازمة كالعارية والوكالة والشركة بموت أحد العاقدين أو بجنونه في الجملة. وينفسخ البيع بالاستحقاق أو الغصب في بعض المذاهب. والعقد قبل الانفساخ موجود ذو أثر، أما الباطل فلا وجود له عند الحنفية. وانفساخ العقد المستمر يرفعه من حينه، والعقد الفوري يرفع من أصله.الإنهاء
الإنهاء لغة الإعلام والإبلاغ، يقال أنهيت الأمر إلى الحاكم أي أعلمته به، ويأتي بمعنى الإتمام والإنجاز. واستعمله المالكية والشافعية بمعنى إبلاغ القاضي قاضيا آخر بحكمه لينفذه، أو بما حصل عنده دون الحكم، كسماع الدعوى ليتممه، ويكون مشافهة أو بكتاب أو بشاهدين.نظام الإرث في الإسلام
يرى محمد البهي في «الإسلام فطرة الله» أن نظام الإرث يقوم على تفتيت المال الموروث لا على المحافظة عليه، وأن الفرائض المحددة بالوصف والكسر (النصف والثلث والربع والسدس) تمنع التكديس وتجعل الورثة يعملون ولا يعتمدون على المدخر وحده. ويقارن ذلك بنظام التوريث الأوروبي الذي حفظ اللقب والمال لواحد من الأبناء، ويصفه بأنه أقرب إلى تخليد الشخص. وفي الوصية يرى أن الغاية من حديث «لا وصية لوارث» منع إخراج المال من التفتيت إلى الأقارب الوارثين، ويقرر أن الوصية تقف عند الثلث، وأن ترك الورثة أغنياء خير من تركهم عالة.الانحلال
الانحلال لغة الانفكاك، وعند الفقهاء البطلان والانفكاك والانفساخ والفسخ، ويطلق خاصة على انتهاء المنعقد. ويرد أكثر في الأيمان والطلاق والعقود، فتنحل اليمين بحصول ما علق عليه، أو بزوال محل البر، أو بالحنث، أو بالاستثناء، أو بزوال ملك النكاح عند بعض الفقهاء. وتنحل العقود بفسخها من الطرفين، أو بالتراضي، أو بحكم القضاء، أو بالإقالة.الإنكار
الإنكار لغة يأتي للجهل بالشيء، وللنفي، وتغيير المنكر، وعند الفقهاء يرد بمعنى الجحد وبمعنى تغيير المنكر. ويتحقق الإنكار بالنطق الصريح، ويقع خلاف في ألفاظ مثل «لا حق لك عندي»، وقد يُعد إنكارا عند بعضهم. والبينة على المدعي، واليمين على المنكر، فإن أقام المدعي بينة قضي له، وإن نكل المنكر عن اليمين حكم عليه عند الحنفية والحنابلة، ولا يُقضى عليه عند المالكية والشافعية إلا بعد رد اليمين. وسكوت المدعى عليه فيه أقوال: إنكار عند أبي يوسف والشافعية، ونكول عند المالكية والحنابلة. ولا يقطع منكر الوديعة أو العارية عند الجمهور. وإذا رجع المقر عن إقرار يتعلق بحق الله فللفقهاء اتجاهات، أما حقوق الآدميين فلا يقبل الرجوع فيها. ولا يُكفّر منكر أمر من الدين إلا إذا كان مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة.الانعقاد
الانعقاد لغة ضد الانحلال، ومعانيه الوجوب والارتباط والتأكد. وعند الفقهاء يختلف باختلاف الموضوع، فانعقاد العبادة ابتداؤها صحيحة، وانعقاد العقد ارتباط الإيجاب بالقبول على الوجه المعتبر شرعا. والانعقاد يفارق الصحة، فالصحة لا تحصل إلا بتمام الأركان والشروط، أما الانعقاد فقد يحصل وإن لم تتم الشروط. وينعقد العقد بالقول أو بالفعل كالمعاطاة عند أغلب الفقهاء. والباطل غير منعقد اتفاقا، وفي انعقاد الفاسد من المعاملات خلاف. وتنعقد الإمامة باختيار أهل الحل والعقد أو بعهد من الإمام مع مبايعتهم.الانقضاء
الانقضاء مطاوع القضاء، ومعناه لغة الذهاب والفناء، ويأتي بمعنى تمام الشيء والخروج منه. ينقضي العقد بتحقق غايته أو غرضه، كالإجارة المقيدة بمدة، والوكالة بالشراء، والرهن بسداد الدين، والكفالة بالأداء أو الإبراء، وينقضي بالإقالة أو بالفسخ للفساد، وباستحالة التنفيذ كهلاك المبيع القيمي قبل التسليم. وتنقضي العدة بوضع الحمل أو بانتهاء الأشهر أو الأقراء، وتنقضي الحضانة ببلوغ الولد على التفصيل بين المذاهب. وينقضي الإيلاء بالفيء أو بالتكفير أو بمضي أربعة أشهر، وينقضي المسح على الخفين بالغسل الواجب أو بنزعه أو بمضي المدة. وإذا اختلف الطرفان في الانقضاء فالقول لمنكر الانقضاء في الغالب.الانتفاع
الانتفاع لغة الوصول إلى المنفعة، ويطلق على حق الانتفاع الشخصي غير القابل للانتقال، وعلى ملك المنفعة القابل للتصرف والتمليك. والفرق بينهما أن سبب حق الانتفاع أعم من سبب ملك المنفعة، وأن الانتفاع المحض حق ضعيف، بخلاف ملك المنفعة. ويكون الانتفاع واجبا كأكل المباح عند الخوف على النفس، ومحرما بالعين المحرمة، وجائزا بالعين المباحة. ومن أسبابه الإباحة والاضطرار والعقد، ويتقيد بالشروط والعرف، ويجب على المنتفع مراعاة حدود إذن المالك.الانتهاب
الانتهاب أخذ الشيء قهرا ومغالبة، ويفترق عن الاختلاس والغصب والغلول. وهو على ثلاثة أنواع: انتهاب ما لم يبحه مالكه وهو حرام بالإجماع، وانتهاب النثار المباح من مالكه وفيه خلاف في الكراهة والتحريم، وانتهاب ما أباحه مالكه ليتساوى الناس فيه ككل الوليمة، وهو حرام لما فيه من تجاوز المباح.الانتحار
الانتحار قتل الإنسان نفسه بأي وسيلة، ويقسمه الفقهاء إلى انتحار بطريق الإيجاب، وهو بفعل منهي عنه، وانتحار بطريق السلب، وهو بالامتناع عن واجب. والانتحار حرام بالاتفاق، ويعد من أكبر الكبائر، والمنتحر لا يخرج عن الإسلام عند جمهور الفقهاء، فيغسل ويصلى عليه، وجاء في الأحاديث ما يدل على وعيد شديد. ولا قصاص ولا دية على من قتل نفسه، وفي الإكراه والأمر بالقتل خلاف.الانتقال
الانتقال لغة التحول من موضع إلى آخر، ويستعمل مجازا في التحول المعنوي. ينتقل الواجب إلى البدل عند تعذر الأصل، كالانتقال من الوضوء إلى التيمم، ومن القيام إلى القعود، ومن الصيام إلى الفدية، ومن الدين إلى القيمة. ومن الحقوق ما ينتقل إلى الورثة، ومنها ما لا ينتقل لتعلقه بشخص المورث وإرادته، والانتقال في الأحكام كانتقال العدة من الطلاق إلى الوفاة.الانتشار
الانتشار لغة الذيوع والامتداد، ويطلقه الفقهاء على معنيين: إنعاظ الذكر، وشيوع الشيء. والانتشار بالمعنى الأول له أثر في حل المطلقة ثلاثا لمن طلقها بعد نكاح آخر، ويتعلق به الإكراه على الزنا، والانتشار بمعنى الشيوع يُعتبر في ثبوت الهلال بالخبر المنتشر.إقرار
الإقرار لغة الاعتراف، وهو في اصطلاح جمهور الفقهاء الإخبار عن ثبوت حق للغير على المخبِر. ويفترق عن الدعوى والشهادة في أن الإقرار إخبار عن حق سابق على المخبر ويقتصر حكمه عليه. وهو واجب في حقوق العباد، وحجيته ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول، ومن السنة رجم ماعز والغامدية بإقرارهما. وأثره ظهور ما أُقر به، أي ثبوت الحق فيما مضى لا إنشاؤه ابتداء، وحجيته قاصرة على المقر وحده. ويشترط في المقر العقل والاختيار وعدم التهمة، ويشترط في المقر له أن يكون معلوما، وفي المقر به أن يكون له قيمة، ويصح الإقرار بالمجهول ويجبر المقر على بيانه. وقد يدخل على الإقرار ما يقدح فيه من الاستثناء المتصل والتعليق على المشيئة والرجوع، واختلف الفقهاء في أثر الرجوع، فالجمهور يعتبرونه في حقوق الله التي تسقط بالشبهة ولا يعتبرونه في حقوق العباد.الإقطاع (في الفقه)
الإقطاع في الفقه تمليك الإمام أو إرفاقه بمنفعة أرض أو مال من بيت المال أو من الموات، وهو نوعان: إقطاع إرفاق وإقطاع تمليك. وهو جائز بشروطه، وفعل النبي في إقطاع الزبير من موات النقيع أصل فيه. وللإمام أن يسترجع الإقطاع إذا لم يعمر المقطع أرضه في المدة التي يقدرها الفقهاء، وتختلف أقوالهم في تقديرها. وعند جمهور الفقهاء لا يجوز إقطاع المرافق العامة وما لا غنى عنه للمسلمين.إرادة
الإرادة في الفقه القصد إلى الشيء والاتجاه إليه، وتفترق عن النية والرضا والاختيار. لا تعتبر إلا إذا صدرت عن ذي أهلية، وقد تنوب عنها إرادة الوكيل أو الولي، وتنشئ العقود إرادة العاقدين، وتنشئ التصرفات المنفردة الإرادة وحدها، ويؤثر فيها الغلط والإكراه بإثبات الخيار.إرداف
الإرداف مصدر أردف، وأردفه: أركبه خلفه، وهو المعنى نفسه في استعمال الفقهاء. ويجوز إرداف الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، إذا لم يؤد إلى فساد أو إثارة شهوة؛ ويجوز إرداف الرجل امرأته والمرأة زوجها، وإرداف الرجل المرأة ذات الرحم المحرم مع أمن الشهوة، وأما إرداف المرأة الأجنبي والرجل الأجنبية فممنوع سدا للذريعة. وإذا أردف المستأجر للدابة غيره دون إذن صاحبها فهلكت بسبب الإرداف ضمن عند الحنفية نصف قيمتها، وعند المالكية والشافعية كلها، وهو الراجح عند الحنابلة.إرجاف
الإرجاف في اللغة الاضطراب الشديد، ويطلق على الخوض في الأخبار السيئة وذكر الفتن لما ينشأ عنه من اضطراب بين الناس، وفي استعمال الفقهاء التماس الفتنة وإشاعة الكذب والباطل للاغتمام به.إرصاد
الإرصاد تخصيص الإمام غلة بعض أراضي بيت المال لبعض مصارفه، وهو عند الحنفية أيضا تخصيص ريع الوقف لسداد ديونه. وفي حقيقته رأيان: أنه غير الوقف لأن المرصِد لا يملك ما يرصده، أو أنه وقف لأن السلطان وكيل عن المسلمين. وهو مشروع باتفاق، بل واجب إذا لم تتأمن المصالح إلا به، ويفترق عن الإقطاع والحمى.إرسال
الإرسال في اللغة الإطلاق والإهمال والتوجيه والتسليط، وفي استعمال الفقهاء يشمل إرخاء اليدين في الصلاة وإرسال العمامة وإرسال الرسول بالمال أو الكتاب. وفي الحديث هو أن يرفع التابعي الحديث إلى النبي دون الصحابي، وفي حجيته خلاف بين الفقهاء. وفي الأحكام: يصح العقد والطلاق بالرسول والكتاب بشروطه، وتبقى الشيء المرسل على ملك مرسله حتى يقبضه المرسل إليه، ويتحمل الضمان بحسب الحال.إرشاد
الإرشاد في اللغة الهداية والدلالة، وعند الأصوليين أحد المعاني المجازية للأمر، وهو تعليم أمر دنيوي، وفرقوا بينه وبين الندب بأن مصلحته دنيوية. وعند الفقهاء هو دلالة الناس على الخير ونصحهم، وهو واجب بالرفق والقول اللين إذا ظُن الفائدة ولم يُخف على النفس أو المال.ارتفاق
الارتفاق في الفقه حق الانتفاع المتصل بالعقار، لعقار آخر أو لعامة الناس، كالمرافق والمسيل والشرب، ويكون بإذن الشارع أو المالك أو بمقتضى التصرف، وأصله الإباحة ما لم يضر، ويرجع في مدته إلى الحد المعتاد أو المدة المعينة، ومن سبق إلى الانتفاع بالطريق العام فهو أحق به ما دام متاعه فيه.ارتثاث
الارتثاث في الفقه أن يحمل الجريح من المعركة وبه رمق، وهو المرتث، وقد اشترط الفقهاء أن يكون مستقر الحياة بالكلام أو الأكل أو الشرب أو طول البقاء. والمرتث يغسل ويصلى عليه، ولا يجري عليه حكم الشهداء في الدنيا، لكنه شهيد في الثواب باتفاق فيمن مات بعد المعركة مع الكفار، وأما المرتث من البغاة فيه خلاف.الخبر
الخبر لغة ما ينقل ويتحدث به، وعند المحدثين مرادف للحديث في الغالب، والأثر أعم من الخبر في إطلاقاته، والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة. ينقسم الخبر عن خاص إلى الإقرار والبينة والدعوى، وعن عام إلى الرواية والحكم والفتوى. يقبل خبر الثقة بنجاسة الماء أو الثوب أو الطعام إذا بيّن السبب، ولا يقبل خبر الكافر والفاسق والمجنون في ذلك، واختلف في خبر الصبي المميز. ويقبل خبر الثقة عن القبلة عند الجمهور، ولا يقبل خبر الكافر والمجنون والصبي غير المميز، واختلف في الصبي المميز والفاسق. وفي رؤية هلال رمضان: يقبل خبر الواحد العدل عند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة في رواية، والحنفية يشترطون عددا من الشهود إن كانت السماء صحوا. وفي رؤية هلال رمضان يشترط المالكية إتمام شعبان ثلاثين يوما أو رؤية عدلين فأكثر، وهو قول للشافعية ورواية عن أحمد، لحديث: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين.الخذف
الخذف لغة رميك بحصاة أو نواة تأخذها بين السبابتين، أو تجعل مخذفة من خشب ترمي بها بين الإبهام والسبابة؛ وهو الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع، ويطلق على المقلاع أيضا، ورمي الجمار يكون بمثل حصى الخذف. والألفاظ ذات الصلة: الحذف والطرح والقذف والإلقاء، وكلها تلتقي معه في معنى الرمي، إلا أن الخذف رمي بكيفية خاصة. الأصل فيه نهي النبي عن الخذف لأنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن. واختلف الفقهاء: فمنهم من حرمه مطلقا كما قال القاضي عياض، ومنهم من نظر إلى المصلحة فأجاز ما فيه حاجة في القتال أو تحصيل الصيد إذا كان لا يقتل غالبا، وفصل ابن حجر بين الغالب من حال الرمي وعكسه، وكره تقي الدين الرمي بالبندق مطلقا، وأجاز الفقهاء الرمي بالأحجار في القتال والتدريب والمسابقة بغير عوض. واختلف الفقهاء في المقصود بالخذف في أحاديث رمي الجمار: هل هو بيان قدر الحصاة، أو بيان كيفية الرمي، أو هما معا. الحنفية أوردوا ثلاث صور للرمي، وقالوا إن الأصل والأيسر أن يأخذ الحصاة بطرفي إبهامه وسبابته، ولم يروا في حديث «ارموا الجمرة بمثل حصى الخذف» دليلا على كيفية الخذف، بل على مقدار الحصاة. والمالكية يوافقون الحنفية في الكيفية، والشافعية ذكروا هيئة الخذف وقالوا إنها مكروهة، والأصح عندهم أن يرمي على غير هيئته، والحنابلة لم يذكروا كيفية خاصة. وفي المقدار اتفقوا على أن تكون الحصاة صغيرة كحصى الخذف، واختلفوا في تقدير الصغر: فالمختار عند الحنفية قدر الباقلا، والمالكية قدر الفول أو النواة، والشافعية قدر حبة الباقلا، والحنابلة ما بين الحمص والبندق. ومن أحكامه رمي الجمار بحصى الخذف، وهو من شعائر الحج، ودليله أمر النبي بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة، ونهيه عن الغلو في الدين. ولا يحل الصيد بحصى الخذف لأنه وقيذ.الخفاء
الخفاء لغة من خفيت الشيء أي كتمته أو أظهرته، وهو من الأضداد، وخفي عليه الأمر إذا استتر؛ والفقهاء يستعملونه بمعنى الاستتار وعدم الظهور، وعند الأصوليين هو ما يخفى المراد فيه بسبب في الصيغة أو خارج عنها. يتصل بالاشتباه وهو الالتباس، والجهل وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، فالخفاء قد يورث الجهل بالوجود أو بالمكان. يقسم الأصوليون الألفاظ باعتبار خفاء المعنى أربع مراتب، أولاها الخفي: ما اشتبه مراده بعارض غير الصيغة، كلفظ السارق الذي يخفى على الطرار والنباش؛ وقد يكون الخفاء زيادة أو نقصانا في المعنى الذي تعلق به الحكم، ومثاله النباش فاختلف فيه: يقطع عند الجمهور ولا يقطع عند أبي حنيفة ومحمد. الثانية المشكل: ما اشتبه المراد منه بدخوله في أشكال لا يعرف المراد إلا بدليل يميزه. الأدنى في الخفاء الخفي ويكفيه الطلب بالفكر القليل، ثم المشكل ويحتاج إلى التكلف والاجتهاد، ثم المجمل ويحتاج إلى الاستفسار عن بيان الشارع، وأشدها المتشابه ويكون فيه التوقف والتسليم؛ وغير الحنفية يجعلون ذلك كله من المجمل. المشكل في مثل «فأتوا حرثكم أنى شئتم»: اللفظ مشترك بين الأين والكيف، وظهر بالقرينة أن المراد الكيف. والمجمل كالصلاة والزكاة والربا، ومرجعه بيان الشارع. والمتشابه كالحروف المقطعة في أوائل السور وبعض صفات الله. أثر الخفاء في سماع الدعوى: لا تسمع دعوى فيها تناقض، ويغتفر التناقض فيما كان مبنيا على خفاء، كدعوى زوال ملك لم يعلمه الورثة، ودعوى النسب والحرية والطلاق؛ والحنابلة لا تسمع البينة بعد الإنكار إلا إن ادعى أنه لا بينة له ثم ظهرت. خفاء النجاسة: إذا خفي موضعها في الثوب أو البدن وجب غسل الجميع عند الجمهور، والحنفية يحكمون بطهارة الباقي إذا غسل موضع منه في قول؛ وفي المكان الواسع يكفي النضح أو يصلى حيث شاء عند الشافعية والحنابلة، والمالكية في الغسل أو النضح قولان. إن شك في وجود النجاسة مع تيقن الطهارة جازت الصلاة عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ والمالكية يفرقون بين البدن والثوب. خفاء العيب في المبيع: العيوب الخفية كالداخلية في البطيخ والجوز والبيض، ويثبت بها الرد عند الشروط؛ الحنفية يرجعون بالأرش إن انتفع بالمكسور، ويرجعون بالثمن كله إن لم ينتفع به؛ والمالكية لا يردون بعيب باطن إلا بتغير الذات، ويفرقون بين ما يعرف فساده قبل الكسر وما لا يعرف؛ والشافعية والحنابلة يفصلون بحسب القيمة. ظهور دين خفي على التركة بعد القسمة: إذا قضى الورثة مضت القسمة، وإن امتنعوا طلب نقضها.الخفارة
الخفارة لغة الحراسة والحماية والأمان والذمة، والخفير الحارس، والخفارة أيضا جعل الخفير؛ وتعرف عند الفقهاء بالبذرقة وهي الجماعة التي تتقدم القافلة للحراسة. الحكم: الحراسة قد تكون واجبة كحراسة طائفة للأخرى في صلاة الخوف، وقد تكون مستحبة كالمرابطة في الثغور، وقد تكون جائزة كالحراسة في عمل مباح؛ وعقد الأمان جائز إذا كان في مصلحة المسلمين، ويجب إعطاء الأمان لمن طلب سماع كلام الله. الخفارة في الحج: أمن الطريق من شروط الاستطاعة؛ فإن احتاج الحجاج إلى خفير بأجر، فالحنفية والمالكية وقول للحنابلة يرون أن الخفارة اليسيرة التي لا تجحف مع الأمن من الغدر لا تسقط الحج، والشافعية وجمهور الحنابلة يرون أنها رشوة لا يلزم بذلها؛ وأجرة الخفير على الحج بأجرة المثل لازمة عند الشافعية. تضمين الخفراء: جمهور الفقهاء على عدم تضمين الخفير لأنه أمين إلا أن يتعدى أو يفرط، ولا عبرة بما يشترط على الخفراء في الحارات والأسواق من الضمان. الخفارة بمعنى الذمة والعهد والأمان قد تكون بين الله وعباده: فالمسلم في خفارة الله أي أمانه ما دام مطيعا، فإذا عصى فقد غدر؛ وأخذ ابن حجر من حديث «من صلى صلاتنا» أن تارك الصلاة يقتل عند من قال بذلك. ومن الذمة ما في الصبح، وقد نهى القاضي عياض أن يتعرض أحد لمن صلى الصبح بما يوجب المطالبة. الخفارة بمعنى الأمان بين الناس: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن أخفر مسلما فعليه لعنة الله؛ وإذا أعطي الأمان لأهل الحرب حرم قتلهم وأخذ أموالهم، ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام أعطي وردّ إلى مأمنه.الخال
الخال لغة أخو الأم وإن علت، وأخت الأم خالة. والخال من ذوي الأرحام باتفاق الفقهاء في التوريث، وذو الرحم كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة. فالحنفية والحنابلة يورثون الخال عند فقد العصبة وذوي الفرض، لقوله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، وحديث: الخال وارث من لا وارث له؛ والمالكية والشافعية لا يورثونه، ويكون المال لبيت المال. وفي ولاية الخال على الصغيرة في التزويج، يرى جمهور الفقهاء أنه لا ولاية له لأنه ليس عصبة، والحنفية يرون أنه يزوج الصغيرة عند فقد ولي أقرب. وليس للخال ولاية على مال الصغير باتفاق الفقهاء.الخلاء
الخلاء لغة المكان الخالي ثم نقل عرفا إلى البناء المعد لقضاء الحاجة، وجمعه أخلية، ويسمى الكنيف والمرفق والمرحاض، والتخلي قضاء الحاجة. من آداب التخلي عند الفقهاء أن يقدم المتخلي رجله اليسرى عند الدخول ويقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، لحديث أنس؛ وتفصيل الأحكام في قضاء الحاجة.الخالة
الخالة أخت الأم، والأم كل من انتسبت إليها بولادة، حقيقة أو مجازا. والخالة بالنسب أو الرضاع محرمة في النكاح باتفاق المسلمين، لقوله تعالى في المحرمات، وحديث: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وهي من ذوي الأرحام بالنسب، فتوريثها محل خلاف: الشافعية والمالكية لا يورثونهم، والحنفية والحنابلة يورثونهم عند فقد العصبة وذوي الفروض. وللخالة حق الحضانة، ولا نفقة لها عند الجمهور، والحنفية يوجبون النفقة للخالة بالنسب، والخالة بالرضاع لا حضانة لها ولا نفقة.الخل
الخل مال متقوم طاهر يحل أكله والمعاملة به، وهو من الخمر إذا تخللت بنفسها؛ والحديث «نعم الأدم الخل». التخليل: إن تخللت الخمر بنفسها فحلال باتفاق؛ وإذا خللت بالعلاج: الشافعية والحنابلة ورواية عن مالك لا يحل ولا تطهر بالتخليل، لحديث أبي طلحة في أن يهرقها؛ والحنفية والراجح عند المالكية يجيزونه. أكل الخل وشربه حلال باتفاق؛ ودود الخل يؤكل معه لعسر تمييزه، ويحرم أكله منفردا. الطهارة بالخل: لا تجوز إزالة الحدث الأصغر أو الأكبر به، لأنه ليس ماء مطلقا؛ وجمهور الفقهاء لا تزال به النجاسة؛ وأبو حنيفة وأبو يوسف ورواية عند الحنابلة يجيزونه، لحديث عائشة في قصع الدم بالظفر. بيع الخل: لا يجوز بيع خل من جنس واحد متفاضلا أو نسيئة لأنه ربوي؛ والحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح يجيزون بيع الخلول من أنواع مختلفة متفاضلا؛ والحنابلة يستثنون خل العنب بخل الزبيب؛ والمالكية يعدون الخلول كلها جنسا واحدا. الغصب والإتلاف: يجب الضمان على من غصب خلا أو أتلفه؛ ولو غصب خمرا فتخللت عند الغاصب يرد إلى المالك عند الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في الأصح؛ وإذا خللها الغاصب بمال له قيمة فعند أبي حنيفة الخل للغاصب، وعند أبي يوسف ومحمد للمالك. غصب العصير فتخمر: الجمهور يوجبون رد مثله لأنه صار كالتالف؛ وإذا تخلل بعد التخمر فالحنابلة والشافعية في الأصح يرد الخل وما نقص؛ والمالكية يخيرون مالكه بين عصير مثله وأخذه خلا.الخلط
الخلط لغة مزج الشيء بغيره، وأعم من أن يكون في المائعات أو غيرها، وفي الكليات الجمع بين أجزاء شيئين فأكثر؛ وأحكامه تختلف بحسب موضوعه. خلط ما تجب فيه الزكاة: إذا خلط اثنان من أهل الزكاة مالين لهما مما تجب فيه الزكاة بخلطة الشيوع أو الجوار زكيا زكاة الواحد عند بعض الفقهاء. خلط المالين في الشركة: الحنفية والمالكية والحنابلة يرون انعقاد الشركة بمجرد العقد دون خلط، والشافعية يشترطون الخلط قبل العقد خلطا لا يتميز معه المال، فإن كان بعده لم يكف ويعاد العقد. الخلط تعديا: إذا خلط الغاصب أو الأمين المال بغيره، فإن أمكن التمييز لزمه، وإلا كان كالتالف فينتقل الحق إلى الذمة، سواء خلطه بمثله أو أجود أو أردأ. خلط الولي مال الصبي بماله: جائز إذا كان فيه حظ للصبي؛ وخلط أطعمة الأيتام لمصلحة الجميع، بقوله تعالى عن الإصلاح لهم خير. خلط الماء بطاهر: لا يسلبه الطهورية إذا كان مما لا يمكن التحرز منه كالطحلب؛ ويسلبه إذا خلط بقصد.الخلوة
الخلوة لغة الانفراد بالشيء في مكان خال، وخلا بالزوجة خلوة؛ وتتصل بالانفراد والعزلة والستر. الخلوة بمعنى الانفراد بالنفس مباحة وقد تستحب للذكر والعبادة، وبالغير تكون مباحة بين الرجلين أو المرأتين، وبين الرجل ومحارمه أو زوجته، وبين رجل وامرأة في وجود الناس بحيث لا يسمعون كلامهما؛ وتحرم بالأجنبية. الخلوة بالأجنبية محرمة باتفاق الفقهاء، لحديث «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»؛ والحنفية يستثنون ملازمة المديونة التي هربت؛ والخلوة بالأجنبية للعلاج محرمة إلا مع محرم أو زوج أو امرأة ثقة على الراجح. الخلوة بحضور غيرها: الشافعية يرون تحريم خلوة الرجل بنسوة كالواحدة، والمشهور عندهم جواز خلوة الرجل بامرأتين ثقتين يحتشمهما، أو رجال مع امرأة إن أمن التواطؤ؛ والحنفية تنتفي الحرمة بوجود امرأة ثقة أو محرم؛ والمالكية يكرهون صلاة رجل بين صفوف النساء؛ والحنابلة يحرمون خلوة الرجل بعدد من النساء. المخطوبة أجنبية من خاطبها فتحرم الخلوة بها باتفاق؛ والخلوة بالأمرد حرام إن كان صبيحا وخيفت الفتنة؛ والخلوة بالمحارم مباحة، ومنها الخلوة بالمطلقة رجعيا. الخلوة التي يترتب عليها أثر (الصحيحة عند الحنفية، وخلوة الاهتداء عند المالكية): لا يكون معها مانع من الوطء، حقيقي أو شرعي أو طبعي؛ فالمرض والصغر والرتق والقرن من الحقيقي، والصوم والإحرام والحيض من الشرعي، وحضور ثالث من الطبعي؛ ولا تصح في المسجد والطريق والصحراء والسطح المكشوف. المالكية يقيدون الخلوة بالبالغ غير المجبوب بمطيقة يمكن فيها الوطء عادة، وبإرخاء الستور أو غلق الباب؛ والشافعية في الجديد لا يرتبون الأثر على الخلوة لقوله تعالى «من قبل أن تمسوهن»؛ والحنابلة يرتبون الأثر بالخلوة مع البلوغ وإمكان الوطء ولو مع نوم أو عمى أو مانع شرعي. أثر الخلوة في المهر: جمهور الفقهاء يوجبون المهر كاملا بالخلوة الصحيحة، ويستدلون بحديث «من كشف خمار امرأته...» وبإجماع الصحابة الذي نقله الطحاوي؛ والشافعي في الجديد لا أثر لها. أثرها في العدة: الحنفية والمالكية والحنابلة يوجبون العدة بالخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح، والشافعية في الجديد لا يوجبونها بالخلوة المجردة من الوطء. أثر الخلوة في الرجعة: الحنفية لا تكون رجعة بالخلوة، والمالكية يشترطون علم الدخول وعدم إنكار الوطء في الرجعة، وابن قدامة يرى الخلوة كالإصابة في إثبات الرجعة في ظاهر قول الخرقي. أثرها في النسب: الحنفية والشافعية والحنابلة يثبتون النسب بالخلوة، والشافعية يجعلون الزوجة فراشا بمجرد الإمكان. أثرها في انتشار الحرمة: الخلوة الصحيحة تحرم الأخت وأربعا سوى الزوجة في العدة، وفي تحريم بنت الزوجة خلاف: الفتاوى الهندية تقول الخلوة لا تقوم مقام الوطء، ونوادر أبي يوسف لا تحل بنتها إذا خلا بها في الصوم أو الإحرام، والمشهور عند الحنابلة أنها تحرم الربيبة، وعن القاضي وابن عقيل لا تحرم.الخنق
الخنق لغة عصر الحلق حتى الموت، ويستعمل عند الفقهاء بأي وسيلة كان الخنق، بحبل أو باليدين أو بسد الفم والأنف. في الصيد والذبائح: لا يحل بالخنق ما يذبح بالإجماع، لقوله تعالى في المائدة «والمنخنقة»، ولا يحل الصيد الذي مات بالخناق. في القتل: جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان) يوجبون القود بالخنق عمدا لأنه يتلف غالبا، وأبو حنيفة لا قصاص بالخنق لأنه شبه عمد؛ وإذا تكرر الخنق قتل به سياسة عند أبي حنيفة. في الأيمان: الحنفية والحنابلة يحنثون من حلف لا يضرب امرأته فخنقها، والشافعية لا يرون الخنق ضربا عرفا.الخراج (الموسوعة الفقهية)
الخراج لغة الغلة الحاصلة من الشيء، ويطلق على الأجرة وعلى الإتاوة أو الضريبة. والخرج والخراج بمعنى واحد عند أبي عبيدة والليث، وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما: فالخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. وفي الاصطلاح للخراج معنيان: عام، وهو الأموال التي تتولى الدولة جبايتها وصرفها، وخاص، وهو الوظيفة أو الضريبة التي يفرضها الإمام على الأرض الخراجية النامية، وعرفه الماوردي وأبو يعلى بأنه ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها. ومن ألفاظه في الاصطلاح: جزية الأرض، وأجرة الأرض، والطسق، وهي كلمة فارسية معربة وردت في كتاب عمر إلى عثمان بن حنيف. وتتميز عن الغنيمة والفيء والجزية والخمس والعشر، فالجزية على الرؤوس لا على الأرض، والعشر زكاة الأرض العشرية التي يملكها مسلم. ولما اتسعت الفتوحات في خلافة عمر بن الخطاب رأى ألا تقسم الأرض المفتوحة عنوة بين الفاتحين، بل توقف على جميع المسلمين ويضرب عليها خراج معلوم، فاختلف الصحابة في البداية، وذكر أبو يوسف أن بلال بن رباح كان من أشد المخالفين، واستدل عمر بآية الحشر في الفيء، واستشار المهاجرين والأنصار حتى استقر الأمر. واحتج الفقهاء لمشروعيته بالقرآن والسنة والمصلحة: ومن السنة حديث «منعت العراق درهمها وقفيزها» الذي فيه إخبار بما سيقع من ضرب الخراج، وقسمة النبي نصف خيبر لمصلحة المسلمين. ومن المصالح: تأمين مورد مالي ثابت للأجيال، وعدم حصر الثروة في فئة، وعمارة الأرض بالزراعة لأن أهلها أعلم بها، وفي هذا قول معاذ بن جبل لعمر. والخراج واجب على كل من بيده أرض خراجية نامية، مسلما كان أو كافرا، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، رجلا أو امرأة، لأنه مؤونة الأرض النامية. ومن أنواعه باعتبار المأخوذ: خراج الوظيفة وهو شيء في الذمة يتعلق بالتمكن من الزراعة، وقد وظفه عمر على أرض السواد ومصر والشام، وخراج المقاسمة وهو جزء شائع من الخارج كالربع والخمس، وقد قرره المهدي العباسي بدلا من الوظيفة، ويقال إنه كان سببه نقص السعر. وباعتبار الأرض: الخراج الصلحي، وهو ما صولح عليه أهلها على بقائها بيدهم بخراج معلوم، والخراج العنوي، وهو ما افتتح عنوة بعد أن وقفه الإمام على المسلمين، ويدخل فيه ما جلا عنه أهله خوفا. والأرض الخراجية نوعان عند الكلام على أنواعها: ما صولح المسلمون أهلها عليها، وما جلا عنها أهلها خوفا وفزعا دون قتال، وهي عند جمهور الفقهاء وقف على المسلمين بمجرد الاستيلاء. شروط الأرض الخراجية أن تكون خراجية، فلا تجب الوظيفة على الأرض العشرية، وأن تكون نامية حقيقة بالغلة أو تقديرا بصلاحيتها للزراعة، فلا خراج على الدور ولا على الموات غير الصالح للزراعة. وإذا انتقلت الأرض العشرية إلى ذمي جوز الجمهور بيعها له، ومنعه مالك وأحمد في رواية، ثم اختلفوا فيما يجب عليه: فالشافعية والحنابلة في الراجح لا تصير خراجية، وأبو حنيفة وزفر يصيرها خراجية، ومالك وأبو يوسف يضاعفون عليه العشر، ومحمد بن الحسن يبقيها عشرية. وفي إحياء الذمي للموات بإذن الإمام خلاف. ومقدار الخراج عند الحنفية قفيز ودرهم في الجريب الصالح للزراعة، وخمسة دراهم للرطبة، وعشرة للكرم، ونهاية الطاقة نصف الخارج؛ وعند مالك لا يتقيد بتقدير سابق بل يجتهد الإمام مستعينا بأهل الخبرة؛ وعند الشافعية مقادير عثمان بن حنيف، ومنها درهمان للشعير وأربعة للحنطة؛ وعند الحنابلة درهم وقفيز، وثمانية دراهم للنخل. وفي الزيادة والنقصان على تقدير عمر: أجازهما الشافعية وأحمد في رواية ومحمد بن الحسن، وأجاز أبو حنيفة النقصان دون الزيادة، وأجاز أحمد في رواية الزيادة دون النقصان، ومنعهما في رواية ثالثة. ويراعى في تقدير الخراج جودة التربة، وخفة مؤونة السقي فالأمطار والأنهار أكثر مما يسقى بالبئر، ونوع الزرع أو الثمر، وقرب الأرض من المدن والأسواق، وترك نسبة للنوائب كما في خرص الثمار. وقت الوجوب يختلف بنوع الخراج: فخراج المقاسمة يجب عند كمال الزرع ويتكرر بتكرر الخارج، وخراج الوظيفة يؤخذ مرة في السنة، فإن كان على مساحة الأرض فعند نهاية السنة القمرية، وإن كان على مساحة الزرع فعند نهاية السنة الشمسية؛ وعند أبي حنيفة يجب في أول السنة بشرط بقاء الأرض النامية في يد المكلف. والتعجيل أجازه الحنفية والحنابلة لسنة أو سنتين، ويرده الحنابلة مطلقا، ويرده الحنفية إن بقي المأخوذ. وإذا تأخر صاحب الأرض، فإن كان موسرا حُبس حتى يؤدي إلا أن يباع له مال، وإن كان معسرا أُنظر، ويبقى دينا في ذمته، ولا يسقط الخراج عند الشافعية والحنابلة والصاحبين، ويسقط عند أبي حنيفة كالجزية. ويطالب به من بيده الأرض، وإذا أجرها أو أعارها فالخراج على المالك في قول الجمهور، والغاصب يضمن الخراج. والذي يقدر الخراج ويطالب به ويصرفه هو الإمام العادل، ولا يجوز لأحد أن يوزعه بنفسه، ومن أدى إلى إمام جائر سقط عنه عند جماهير الفقهاء، وعلى البغاة إذا جبوا الخراج في بلد غلبوا عليه يسقط عن أهله عند الجماهير، ويوجب المالكية الإعادة، والمحاربون لا يسقط عنهم الخراج بالدفع إليهم. وعامل الخراج وكيل عن الإمام لا يقسم ما جباه إلا بإذنه، ويشترط فيه الإسلام والحرية والأمانة والكفاية والعلم والفقه، ولا يولى الذمي تقدير الخراج عند جمهور الفقهاء، ويستدل لذلك بقوله تعالى «لا تتخذوا بطانة من دونكم» وبأثر عمر في الكاتب النصراني. آداب العامل أن يرفق بأهل الخراج فيوزعه بقدر الغلة، وأن يعدل فلا يحابي، وأن يكون عفيفا فلا يقبل رشوة ولا هدية، لأن هدايا العمال عند الخطابي سحت. وعلى الإمام مراقبة العمال بمن يوثق بدينه وأمانته، وأن يرزقهم رواتب تكفيهم، كما قال أبو عبيدة لعمر. والتقبيل (القبالة أو التضمين): أن يتكفل شخص بتحصيل الخراج لنفسه مقابل قدر معين، وقد ظهر في العصر الأموي وانتشر في العباسي، فرده أحمد وأبو يوسف وأبو عبيد والماوردي، وذكروا ما يتبعه من الظلم، وأجازه أبو يوسف إن أمن الإمام الظلم ورضي أهل الخراج. ومسقطات الخراج: أولا انعدام صلاحية الأرض للزراعة بآفة خارجة عن فعل الإنسان، فيسقط الخراج عند الجماهير، فإن أمكن إصلاحها أصلحها الإمام من سهم المصالح. ثانيا تعطيل الأرض: إن كان من غير صاحبها فلا خراج، وإن كان بتفريطه سقط خراج المقاسمة وأمر بزراعتها، ولا يسقط خراج الوظيفة عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويسقط عند المالكية. ثالثا هلاك الزرع بآفة سماوية قبل الحصاد يسقط المقاسمة، وعند الحنفية يسقط الوظيفة بشرطين: ألا يبقى من السنة ثلاثة أشهر تتسع للزراعة، وأن يبقى من الزرع أقل من ضعف الخراج. رابعا إسقاط الإمام الخراج عن شخص لمصلحة: أجازه الحنابلة وأبو يوسف، ومنعه محمد بن الحسن. خامسا البناء على الأرض الخراجية: يبقى الخراج عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، ويسقط عند الحنفية، ويرى الماوردي السقوط للبناء الضروري دون الزائد. سادسا إسلام المالك أو انتقال الأرض إلى مسلم: لا يسقط الخراج العنوي باتفاق، والصلحي يسقط عند الجمهور لحديث العلاء بن الحضرمي، ولا يسقط عند الحنفية. واجتماع العشر والخراج على مسلم يملك الأرض الخراجية: يوجبه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، ويمنعه الحنفية، ويستدلون بحديث «لا يجتمع على المسلم خراج وعشر» وبأثر عمر في الدهقانة. ومصارف الخراج كمصارف الفيء في مصالح المسلمين، من أرزاق المقاتلة والقضاة والعلماء، وعمارة المساجد والطرق والقناطر وسد الثغور؛ ولا يخمس عند الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، ويخمسه الشافعية.الخرص (تقدير الثمار)
الخرص لغة القول بالظن، ويطلق على الكذب، وعلى حزر ما على النخل والكرم من الثمار تمرا أو زبيبا، والاصطلاح لا يخالف ذلك، والتخمين والحدس والتحري قريبة منه. يستحب للإمام عند المالكية والشافعية والحنابلة أن يبعث ساعيه ليخرص الثمار على رؤوس النخل والكرم بعد بدو صلاحها، ليعرف بذلك نصاب الزكاة والواجب فيها، واستدلوا بحديث عتاب بن أسيد في خرص العنب كما يخرص النخل. وقت الخرص حين يطيب الثمر ويبدو صلاحه، ودليله حديث عائشة في بعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر. جمهور الفقهاء على أن الخرص لا يكون إلا في النخل والكرم، فلا يخرص الحب في سنبله ولا الزيتون، وعند المالكية قول بجوازه إذا احتاج أهله، والزهري والأوزاعي والليث يخرصون الزيتون. الشافعية يحرمون التصرف في الثمار قبل الخرص أو التضمين لتعلق حق الفقراء بها، والحنابلة يجيزون التصرف قبله وبعده، وتكون الزكاة على البائع. يكفي خارص واحد باتفاق من يقول بالخرص، وعند الشافعية قول باشتراط التعدد، ويشترط أن يكون أمينا عدلا عارفا، وعند الشافعية في الأصح الذكورة والحرية. وصفة الخرص أن يشاهد الخارص الأشجار فيقدر ما يجيء منها تمرا أو زبيبا، وإن تعددت الأنواع خرص كل نوع على حدة. الحنابلة يوجبون أن يترك الخارص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال، والشافعية يتركون ثمر نخلة أو نخلات، والمالكية والمشهور عند الشافعية لا يتركون شيئا، ويحملون الحديث على الزكاة. جمهور الفقهاء يرون أن حق الفقراء ينتقل بعد الخرص من عين الثمار إلى ذمة المالك فيجوز له التصرف، والشافعية يشترطون تضمين الساعي وقبول المالك، وعندهم قول بانقطاع الحق بنفس الخرص. إذا هلك المخروص بلا تفريط من المالك قبل الإخراج فلا شيء عليه إن لم يتمكن منه، فإن أخر بلا عذر ضمن نصيب الفقراء. وإن ادعى التلف بغير تفريطه فالقول قوله عند مالك وأحمد بلا يمين، وعند الشافعية يحلف في السبب الخفي. جائز عند المالكية والراجح عند الشافعية قسمة الثمار على رؤوس النخل والكرم بالخرص إذا طابت وحل بيعها واختلفت حاجة الشركاء، للضرورة وسهولة الحزر. البيع بالمجازفة، وهو بيع الصبرة بلا كيل ولا وزن بالحدس والتخمين، جائز بالجملة باتفاق.الخرس
الخرس لغة امتناع الكلام خلقة، أو ذهابه عِيّا، والأخرس من لا نطق له، والاعتقال حبس اللسان. يصح إسلام الأخرس بالإشارة مع قيام القرائن على إذعانه بقلبه، وهو مذهب المالكية والصحيح عند الشافعية، واستظهره ابن نجيم من الحنفية، ومقابل الصحيح عند الشافعية أن يشترط أن يصلي بعد الإشارة. تسقط الأقوال عن الأخرس في الصلاة باتفاق، واختلفوا في تحريك لسانه: فلا يجب عند المالكية والحنابلة (إلا القاضي) والصحيح عند الحنفية، ويجب عند الشافعية تحريك اللسان والشفتين بقدر الإمكان، وقال ابن نجيم يلزم في تكبيرة الافتتاح والتلبية. لا يصح اقتداء الناطق بالأخرس، واقتداء الأخرس بمثله جائز عند الحنفية والمالكية وممنوع عند الشافعية والحنابلة. وإشارة الأخرس في الصلاة لا تبطلها عند الحنفية، وعند الشافعية في الصحيح، وعند المالكية في قول، والحنابلة يعدونها فعلا فلا تبطل إلا إن كثرت وتوالت؛ وتبطلها عند المالكية في قول آخر وعند الشافعية في المقابل. الذبح والصيد من الأخرس حلال مع ترك التسمية باتفاق، والحنابلة يجعلون إيماءه إلى السماء قائمة مقام التسمية، ولا تعتبر التسمية منه عند إرسال السهم أو الجارحة. الإشارة المفهومة أو الكتابة المستبينة تقوم مقام العبارة في العقود والحلول كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق والإبراء، والطلاق بالإشارة المفهومة يقع، وعند الشافعية والحنابلة يكون صريحا إن فهمه كل أحد، وكناية إن اختص بفهمه بعض الناس. اللعان بالإشارة أو الكتابة صحيح عند الجمهور من المالكية والشافعية والمعتمد عند الحنابلة، ويترتب عليه ما يترتب على لعان الناطق؛ ومنعه الحنفية وبعض الحنابلة. الإقرار بالإشارة المفهومة أو الكتابة معتبر، ويؤخذ به في حقوق العباد ومنها القصاص باتفاق إلا قولا عند الحنفية، واختلف في الحدود: فيؤخذ به عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومنعه الحنفية درءا للحد بالشبهة. شهادة الأخرس لا تقبل عند الحنفية والحنابلة والشافعية في الأصح، وأجازها المالكية بإشارة مفهومة أو كتابة إذا قطع الحاكم بفهم مقصوده، وقبل الحنابلة المكتوبة بخطه. النطق شرط في القضاء عند الحنفية والحنابلة والشافعية في الصحيح، واعتبره المالكية واجبا يعزل تاركه ولا يبطل حكمه إن وقع؛ والفتوى تصح منه إذا فهمت إشارته. الأيمان بالإشارة تنعقد عند الحنفية والمالكية إذا فهم الأخرس وفهم عنه، وللشافعية قولان في انعقادها، وللحنابلة روايتان بحسب ما نقل عنهم. إذا جنى أحد على لسان الأخرس ففيه حكومة عدل عند الحنفية والمالكية والشافعية، وقال الحنابلة في قول إن فيه ثلث الدية؛ والقصاص بين الأخرسين عمدا ثابت عند المالكية والشافعية والحنابلة إذا أمنت السراية، ولا قصاص في اللسان عند الحنفية.الخصاء
الخصاء سل الخصيتين، وعند الفقهاء أخذ الخصيتين دون الذكر أو معه؛ والمجبوب من قُطع ذكره، والعنين العاجز عن إتيان النساء، والوجاء رض عروق البيضتين حتى تنفضخا. حكم خصاء الآدمي حرام صغيرا كان أو كبيرا باتفاق، لورود النهي في حديث ابن مسعود وحديث سعد، ورد النبي التبتل على عثمان بن مظعون، وروي عن عمر «لا كنيمة في الإسلام ولا خصاء»؛ وعلل ابن حجر المنع بمخالفة تكثير النسل، وتعذيب النفس، وتغيير خلق الله. في غير الآدمي: الحنفية لا بأس بخصاء البهائم للمنفعة؛ والمالكية يجيزونه في المأكول بلا كراهة؛ والشافعية يجيزونه في المأكول صغيرا بشرط ألا يهلك؛ والحنابلة يبيحون خصي الغنم وقيل يكره، ويستدلون بنهي النبي عن خصاء البهائم. في فسخ النكاح: الحنفية يجعلون الخصي كالعنين فيؤجل سنة، والمالكية لها الخيار إن لم ينزل، والشافعية قولان، والحنابلة لا خيار إن وصل إليها. القصاص في الخصيتين: الجمهور يجرون القصاص عند توافر شروطه، والشافعية يلحقون الإشلال والدق بالقطع، والمالكية لا قصاص في الرض، والحنفية لا يرون نصا في وجوب القصاص فتجب الدية؛ وفي كتاب النبي لعمرو بن حزم «وفي البيضتين الدية». وفي موجب قطع الخصيتين: الأثر عن سعيد بن المسيب أن في الصلب الدية وفي الأنثيين الدية، وفي إحداهما نصف الدية في قول أكثر أهل العلم؛ وحكي عنه أن في اليسرى الثلثين وفي اليمنى الثلث. إذا رض الأنثيين أو أشلهما كملت الدية، وإذا قطعهما فذهب النسل لم تزد على دية، وإذا قطع إحداهما فذهب النسل فنصف الدية. وإذا قطع الأنثيين مع الذكر فيهما ديتان عند الجمهور؛ وعند الحنفية والحنابلة إن قطع الذكر أولا ثم الأنثيين فديتان، وإن قطع الأنثيين ثم الذكر ففي الأنثيين دية وفي الذكر حكومة عدل؛ والشافعية يوجبون دية كاملة في الأنثيين وفي الذكر. الأضحية بالموجوء: الأحاديث في تضحية النبي بكبشين أملحين موجوءين، وقال الشوكاني إن الاستحباب ظاهر فيه؛ الحنفية يجيزون الخصي والفحل لإطلاق اسم الجنس؛ والمالكية يفضلون الفحيل إلا أن يكون الخصي أسمن؛ والشافعية والحنابلة يجيزون الخصي (المجبوب عند الحنابلة لا يجزئ).الخاص
الخاص لغة ضد العام، واصطلاحا ما وُضع لواحد منفرد أو كثير محصور، سواء كان الواحد شخصا كزيد أو نوعا كرجل وفرس. والعام اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد من غير حصر. وإذا ورد لفظ خاص ثبت الحكم لمدلوله ما لم يقم دليل على تأويله؛ وإذا تعارض الخاص مع العام فالشافعية يخصصون العام بالخاص، والحنفية يرون أن المتأخر منهما ينسخ بقدر ما يدل عليه، والتوقف عند الجهل بالمتقدم. والأجير الخاص من يعمل لواحد عملا مؤقتا، ويستثنى من وقت عمله التطهر للصلوات وفعلها وصلاة الجمعة والعيد، ولا يلزم المستأجر تمكينه من الجماعة إلا في شروط. والطريق الخاص الممر غير النافذ المحصور بدور قوم، ولا يحدث فيه أحد دون إذن أهله. والمال الخاص ما يملكه شخص معين، ويقابله المال العام كبيت المال والوقف على المسلمين، ويقطع سارق المال الخاص بشروطه.الخطأ
الخطأ لغة نقيض الصواب، وأخطأ الطريق عدل عنه، وأخطأ الرامي الغرض لم يصبه؛ والخطيئة الذنب والإثم، وخطىء إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد. اصطلاحا فعل يصدر من الإنسان بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه، وعرفه الكمال بن الهمام بأن يقصد بالفعل غير المحل الذي يقصد به الجناية، كالمضمضة تسري إلى حلق الصائم، والرمي إلى صيد فيصيب آدميا. الغلط عند جمهور الفقهاء يساوي الخطأ؛ وفرق بعض المالكية بأن الخطأ متعلق بالجنان والغلط باللسان، لكن يأخذ الغلط حكم الخطأ؛ وفرق أبو هلال العسكري بأن الغلط وضع الشيء في غير موضعه وقد يكون صوابا في نفسه، والخطأ لا يكون صوابا على وجه. وجمهور الفقهاء يعبرون عما يجري على اللسان بغير قصد بلفظ الخطأ، والمالكية يعبرون عما يتعلق بالاعتقاد بالغلط. الألفاظ المتقاربة: النسيان والسهو والغفلة والذهول، والإكراه (حمل الغير على ما لا يرضاه، وهو مختار غير ملجأ)، والهزل (أن لا يراد باللفظ معنى)، والجهل (بسيط أو مركب)؛ والمخطئ غير مكلف فيما أخطأ فيه. الجهل والخطأ عذر في المنهيات دون المأمورات، ولا يعتبر عذرا في حقوق الآدميين فيضمن الجاهل والمخطئ ما أتلفاه. اختلف الأصوليون في وصف فعل المخطئ بالحل والحرمة؛ الأسنوي يرى أن الحل والحرمة من الأحكام المتعلقة بالمكلفين فلا يوصف، والشاطبي يرى أن الخطأ والنسيان من مرتبة العفو. جمهور الفقهاء على أن الخطأ عذر في إسقاط بعض حقوق الله لا كلها، ويستدلون بحديث «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»؛ وحقوق العباد لا تسقط بالخطأ، فيجب ضمان المتلفات والديات، لأن الضمان من خطاب الوضع. القرطبي يفصل: قسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضة، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم مختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان. قاعدة «لا عبرة بالظن البين خطؤه» عند الحنفية والشافعية، ومن تطبيقاتها أن من ظن ضيق وقت الفجر فصلاه قبل العشاء ثم بان سعة الوقت أعاد. ومن تطبيقات الشافعية: من ظن أنه متطهر فصلى ثم بان حدثه، أو ظن أن إمامه مسلم فبان كافرا، فالصلاة باطلة في الغالب؛ والمالكية يعبرون بقاعدة الظهور والانكشاف، وابن رجب يورد قواعد في من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه. الخطأ في الطهارة: من اجتهد في إناء أو ثوب ثم ظهر نجسا لزمته الإعادة عند الحنفية والشافعية وقول عند المالكية، وعند الحنابلة لا تدخل المسألة على قواعدهم؛ والخطأ في نية الوضوء: إذا نوى رفع حدث غيره فالتداخل يرفع الجميع عند المالكية والشافعية والحنابلة إن لم يكن عمدا؛ والحنفية لا يشترطون النية في الوضوء والغسل. الخطأ في الغسل والتيمم: نية رفع جنابة الجماع وكانت من احتلام لا تضر عند الشافعية والحنفية؛ وإذا نوت الحائض رفع الجنابة دون الحيض ففيه خلاف عند المالكية؛ والجنب يتيمم ناسيا لجنابته ففيه قولان عند مالك. وما زال الباب مفتوحا في الصفحات التالية. في التيمم: المالكية وابن مسلمة يجوزون، والشافعية يصححون نية استباحة الصلاة بالحدث الأصغر لمن كان جنبا غلطا، والحنابلة يشترطون تعيين ما يتيمم له. من كان في رحله ماء فأخطأه فطلبه ولم يجده فتيمم وصلى أجزأه عند المالكية والحنابلة ووجه عند الشافعية، والوجه الآخر عندهم يوجب الإعادة لتفريطه في حفظ الرحل. وإذا علم بالماء فظن أنه نفد فتيمم وصلى أعاد عند الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية والحنابلة. الخطأ في النية في الصلاة: إذا كان الشيء لا يشترط تعيينه لم يضر الخطأ فيه، كتعيين المكان والزمان، ويضر الخطأ فيما يشترط تعيينه كالخطأ من الظهر إلى العصر. ومن أمثلة الاقتداء: الخطأ في معرفة الإمام لا يضر عند الأكثر، ومن نوى الصلاة على زيد فبان غيره لم تصح عند جمهور المذاهب، والخطأ في جنس الميت خلاف عند الحنابلة. صلاة القضاء والأداء والخطأ في اليوم: المالكية يحكمون بصحتها غالبا، والحنفية والشافعية يبطلونها إلا في صور، والحنابلة يصححون القضاء بنية أداء إذا بان الخلاف في الظن. الخطأ في دخول الوقت: الصلاة قبل الوقت باطلة باتفاق، عمدا أو خطأ؛ وتشترط عند الشافعية المعرفة اليقينية أو الظن المعتبر، وعند الحنابلة يكفي غلبة الظن، فإذا تبين أنه صلى قبل الوقت أعاد. الخطأ في القبلة: الحنفية يجيزون الاجتهاد ولا إعادة على من أخطأ بعد التحري؛ والمالكية يعيدون في الوقت مع ظهور العلامات إن استدبر أو انحرف؛ والشافعية قولان عند تيقن الخطأ؛ والحنابلة لا إعادة على المجتهد، والبصير في الحضر والأعمى بلا دليل يعيدان. الخطأ في القراءة: الحنفية يفرقون بين الخطأ في الإعراب الذي لا يغير المعنى فلا تفسد، والتغيير الفاحش فتفسد في قول المتقدمين، وفي الحروف والكلمات يبحثون في تبديل الحرف والتقديم والتأخير والزيادة والنقص؛ ويعتبرون الكلمة المتقاربة في المعنى مما لا يفسد. الخطأ في القراءة يتصل بالمأموم: المالكية يبحثون في صلاة المقتدي باللاحن، فيبطلها بعض المالكية مطلقا أو على تفصيل، ويصححونها إذا عجز اللاحن عن التعلم؛ والشافعية يصححون الاقتداء بمن لحنه لا يغير المعنى، ويبطلونه في الفاتحة إن غيّر معناها ولم يحسن؛ والحنابلة يعدون الأمي من لا يحسن الفاتحة أو يحيل معناها، ولا تصح إمامته. الكلام في الصلاة: الحنفية يبطلون الصلاة بالكلام ناسيا أو عامدا أو مخطئا، والتفريق عند غيرهم بين اليسير الذي لا يفسد والكثير الذي يفسدها. سهو الإمام: إذا أخبره اثنان يثق بقولهما لزمه الرجوع إليهما عند الأئمة الثلاثة، والشافعي يرى أنه إن غلب على ظنه خطؤهما لم يعمل بقولهما؛ وإن تيقن صوابه لم يتابعهما عند الحنفية والمالكية والشافعية في الصحيح والحنابلة في الجمهور. الخطأ في صلاة الخوف: إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان خلافه، فالحنفية والحنابلة وقول عند الشافعية يوجبون الإعادة، والمالكية لا إعادة عليهم. الزكاة: الخرص إذا ظهرت الثمرة أكثر مما خرص يؤخذ زكاة الزائد عند المالكية؛ وإذا ادعى المالك نقص الخرص قبل قوله عند الحنابلة إن كان محتملا؛ والشافعية يفصلون بحسب قدر الغلط. الخطأ في مصرف الزكاة: إذا دفعها إلى من ظنه من أهلها فبان خلافه، فالحنفية وقول للشافعية يجزئ؛ وأبو يوسف والحنابلة والصحيح عند الشافعية إن كان الدافع الإمام يسترد من المدفوع ويعيد؛ وقال الحنابلة لا تجزئ إن دفعها لكافر أو لمن لا يستحقها. الصوم: إذا أطلق الصائم نية صوم رمضان أو أخطأ وصفه صح صومه عند الحنفية وقول عند غيرهم، لأن الوقت متعين. من أفطر ناسيا فلا كفارة، والخطأ في المضمضة فدخل الماء: يبطل الصوم ويلزم القضاء دون الكفارة عند الحنفية والمالكية وقول للشافعية؛ ولا يبطل عند الحنابلة وقول للشافعية. الخطأ في الوقت: من أكل على ظن أن الفجر لم يطلع فبان طلوعه أو أفطر على ظن غروب الشمس، عليه القضاء دون الكفارة عند الجمهور؛ والحنابلة يوجبون القضاء والكفارة في الجماع ولو مخطئا. الحج: إذا أخطأ الناس فوقفوا يوم العاشر أجزأ عند الحنفية والشافعية والحنابلة، والمالكية يفصلون بحسب كثرة الخطأ؛ وإن وقفوا في الثامن ظنا أنه التاسع لم يجزئ عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح؛ والحنابلة يجزئهم. إذا أخطأ الحجيج موضع الوقوف فوقفوا في غير عرفة لزمهم القضاء. قتل صيد الحرم أو من المحرمين حرام يجب فيه الجزاء عمدا كان أو خطأ، باتفاق الفقهاء؛ والحنفية والمالكية يسوون بين العمد والخطأ في محظورات الإحرام، والشافعية والحنابلة يفرقون بين الإتلاف والتمتع. الخطأ في الأضحية: إذا ذبح كل من رجلين أضحية الآخر خطأ، فالحنفية والحنابلة يجزئ عنهما ولا ضمان استحسانا، والقياس الضمان؛ والمالكية لا يجزئ عندهم ويضمن كل منهما قيمة شاة صاحبه؛ والشافعية يضمن ما بين القيمتين ويجزئ كل منهما إن كانت واجبة بنذر. بيع المخطئ: الحنفية يرون البيع الذي يجري على اللسان خطأ منعقدا فاسدا، والمالكية والشافعية والحنابلة يرونه غير منعقد لاشتراط العلم والقصد. الغلط في المبيع: إذا وقع الغلط في جنس المبيع أو تفاوت فاحش، فالحنفية عدا الكرخي يرونه مانعا من انعقاد العقد، والكرخي يراه فاسدا؛ والمالكية لا يعتدون بالغلط الذي لم يعلمه العاقد الآخر، وإن سمى أحدهما الشيء بغير اسمه فلا يلزم الشراء ولا البيع عند الجميع، والشافعية والحنابلة يبطلون البيع بالجهل بالمبيع. الإجارة: النقاد والقباني إذا أخطأ فلا ضمان عليه عند الحنفية والشافعية والحنابلة، والحنابلة يقيدون ذلك بكونه حاذقا أمينا، والشافعية يضمنون القباني في الوزن؛ والأجير المشترك يضمن بالتعدي أو التفريط الجسيم. خطأ الكاتب: الحنفية يفرقون بين الخطأ في كل ورقة أو بعضها في تقدير الأجرة، والشافعية يوجبون أرش الورق إن كان الغلط فاحشا ولا أجرة له، وإلا له الأجرة ويلزمه الإصلاح. الطبيب والخاتن والحجام: لا ضمان عليهم إذا فعلوا المأذون فيه بشرطين، أن يكونوا حاذقين، وألا تجني أيديهم فيتجاوزوا المحل؛ وإذا تجاوزوا ضمنوا عمدا كان أو خطأ. خطأ وصف اللقطة: الحنفية يشترطون إصابة العلامات كلها؛ والمالكية يفرقون بين الخطأ في العفاص والوكاء والخطأ في قدر الدراهم، وابن رشد يعتبر الغلط تصور الشيء على خلاف ما هو عليه. الغلط في الشفعة: إذا قال المشتري اشتريت بمائة فعفا الشفيع ثم بان الشراء بخمسين، فالشافعية والحنابلة يبقى على شفعته؛ والحنفية يبقى على شفعته إن بان الثمن أقل مما أخبر، لأن الرضا بني على كثرة الثمن؛ والمالكية يبقى على شفعته إذا بان الثمن أقل ويحلف أنه أسقط لأجل الكذب في الثمن. الخطأ في الأخذ بالشفعة: إذا قيل للشفيع إن فلانا اشترى نصيب شريكه فسلم شفعته لحسن سيرته، ثم بان أن الشراء كان مشتركا مع غيره، فله الشفعة عند الجمهور لأنه إنما رضي بمشاركة من ظنه. النكاح: الحنفية يرون أن اللفظ المحرف بالتصحيف لا ينعقد به النكاح، والمعنى المفهوم من لفظ عامي مشهور يصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة في رواية؛ والغلط في اسم الزوجة يمنع الانعقاد إلا إذا كانت حاضرة فأشار إليها، والشافعية والحنابلة يفرقون بين التسمية والإشارة. الغلط في الزوجة: من زفت إليه امرأة غير زوجته ووطئها فعليه مهر المثل، ولا حد، ويثبت النسب؛ والشافعية والحنابلة يفصلون في تزويج الأب والابن امرأتين فيقع الغلط في الزفاف، فيفسخ النكاحان ويلزم كلا مهر مثل موطوءته، والحنابلة يسقطون مهر الموطوءة عن زوجها لأنها شريكة في الفسخ. طلاق المخطئ: لا يقع عند الشافعية والحنابلة إذا سبق اللسان بلا قصد، ويقع عند الحنفية لأن الغفلة عن معنى اللفظ يصعب الوقوف عليها، والمالكية يشترطون قصد النطق بالصيغة لا مدلولها، ومن سبق لسانه فيقبل قوله ديانة. الجنايات خطأ: الواجب في القتل الخطأ الدية على العاقلة والكفارة على القاتل، والحرمان من الميراث عند الجمهور؛ والواجب فيما دون النفس خطأ دية كاملة أو نسبة منها بحسب الجراح. جناية الإنسان على نفسه خطأ: الحنفية والمالكية والشافعية لا دية؛ والحنابلة في الأظهر على عاقلته ديته لورثته أو أرش جرحه إذا زاد على الثلث؛ والكفارة تجب عند الشافعية والحنابلة دون الحنفية والمالكية. التصادم خطأ: خلاف في أن يضمن كل واحد ما تلف من الآخر أو نصف القيمة. خرق السفينة خطأ: الشافعية يجعلون الخرق المهلك عامدا فيه القصاص أو الدية، وخرقها للإصلاح شبه عمد، وإن أصاب غير موضع الإصلاح فخطأ محض؛ والحنفية يفرقون في ضمان الملاح بين ما كان بفعله وما لم يكن. الخطأ في اليمين: الحنفية يوجبون الكفارة إن حنث بيمين سبق اللسان إليها؛ والكمال بن الهمام يخالف في انعقاد يمين المخطئ؛ والمالكية يفرقون بين سبق اللسان بلفظ اليمين فيلزم اليمين، وانتقال اللفظ عند إرادة غيره فيديّن؛ والشافعية لا تنعقد اليمين بلا قصد، ويصدق الحالف في غير الطلاق والعتاق والإيلاء؛ والحنابلة لا إثم ولا كفارة فيما سبق من غير قصد، إلا في الطلاق والعتاق على ما ظنه صادقا. الخطأ في اليمين والحنث: الحنفية يوجبون الكفارة في الحنث ولو بالإكراه أو النسيان؛ والمالكية يعدون الحنث بالخطأ، فمن حلف لا يدخل دار فلان فدخلها يظنها غيرها حنث؛ والشافعية قولان، والراجح عدم الحنث للحديث عن رفع الخطأ والنسيان؛ والحنابلة لا كفارة في الإكراه والنسيان، ويقع الطلاق والعتاق إذا فعل المحلوف عليه ناسيا. الغلط في القسمة: الشافعية والحنابلة يقبلون دعوى الغلط بالبينة، ويقبلون دعوى الغلط في قسمة الإجبار مع البينة، ولا يقبل في قسمة التراضي إلا ببينة؛ والحنفية يحلفون الشركاء عند عدم البينة؛ والمالكية يفرقون بين الجور والغلط المتفاحش الذي يثبت بقول أهل المعرفة فتنقض القسمة. الغلط في الإقرار: الشافعية في الأصح يقبلون رجوع المقر بقوله غلطت، والمال يترك في يده. الغلط في الشهادة: الحنفية يقبلون رجوع الشاهد العدل بعد الحكم إن قال وهمت في بعض الشهادة؛ والمالكية والشافعية والحنابلة يفرقون بين ما قبل الحكم وما بعده وبين الدم والمال؛ ورجوع شهود القصاص والحد بعد الحكم يوقف الاستيفاء، والدية في مال الشهود إن قالوا أخطأنا، والشهود إن رجعوا بخطأ لا يعزرون عند الجمهور، والحنفية يرون التعزير بالرجوع أيضا. الخطأ في القضاء: مدار نقض الحكم تبين الخطأ في الاجتهاد أو في السبب؛ وأما الحد والتعزير فإن أخطأ الإمام بقطع اليسار بدل اليمين فالحنفية لا ضمان عند أبي حنيفة وعند زفر يضمن، والمالكية يجزئ القطع الخطأ بين المتساويين، والشافعية تجب على العاقلة أو بيت المال، والحنابلة يضمنون ما زاد على الحد. الخطأ في القصاص: الحنفية على أن الضامن للدية إذا زاد القطع في القصاص عند أبي حنيفة؛ والمالكية يقتص بقدر الزيادة المتعمدة؛ والشافعية يوجبون القود في الزيادة عمدا والأرش خطأ؛ والحنابلة يوجبون أرش الزيادة الخطأ. الخطأ في الفتوى: الحنفية يختلفون في تضمين المفتي؛ والمالكية يضمنون المقلد إن تولى الفعل بفتواه؛ والشافعية وأبو إسحاق يضمنون إن كان أهلا؛ والحنابلة يضمنون الحاكم والمفتي إن بان الخطأ في دليل قاطع.الخطأ والنسيان
الخطأ والنسيان في حديث ابن عباس — التاسع والثلاثون من الأربعين — مما تجاوز الله به عن هذه الأمة: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» — فالخطأ فعل المحظور بغير قصد، والنسيان ترك المأمور أو فعل المنهي لذهول القلب عنه، وكلاهما يرفع المؤاخذة على القول الراجح عند شراح الحديث لانتفاء القصد الموجب للتكليف، وإن تعلق بالخطأ ضمان في المال كالقصاص في القتل الخطأ والرق في الأحكام (جامع العلوم والحكم ص 796–797).الخطر
الخَطر لغة الإشراف على الهلاك وخوف التلف، وأمر خطر أي متردد بين أن يوجد وألا يوجد، والمخاطرة المراهنة؛ وتعريض النفس لخطر الهلاك حرام باتفاق، لأن حفظها من أهم مقاصد الشريعة، ومنه قوله تعالى في البقرة عن ترك الإلقاء باليد إلى التهلكة. الرخص المتعلقة بالخطر: يباح بالخطر أكل الميتة للمضطر وإساغة الغصة بالخمر عند الخوف على النفس، ويجب قطع العضو المتآكل إذا كان في تركه خطر على النفس. المشقة إذا بلغت حد الخطر على النفس والأطراف توجب الترخيص: يجب التيمم إذا خيف من الماء على النفس أو العضو، ويسقط وجوب الحج بخطر السفر، ويحرم ركوب البحر إن غلب الهلاك، ويسقط الصوم عن المريض والمرضع والحامل إن خيف عليها أو على الرضيع والجنين. ويستثنى الجهاد فيجوز تعريض النفس فيه، وقد حرم الانهزام؛ ويستثنى دفع الصائل. التعرض للخطر بإزالة غدة أو عضو متآكل: يحرم إذا كان في القطع خطر على النفس وزاد على خطر البقاء، ويجوز إذا لم يكن خطر أو كان خطر البقاء أكبر؛ وإذا قطعه أجنبي بلا إذن فمات فعليه القصاص. عقود المخاطرة هي ما يتردد بين الوجود والعدم وحصول الربح أو عدمه، كالرهان والقمار، والسبق مشروع بشروط.خيل
الخيل جماعة الأفراس، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها أو واحدها خائل، والجمع خيول وأخيال، وسميت لاختيالها أي إعجابها بنفسها مرحا، وتطلق على العراب والبراذين ذكورهما وإناثهما ومنه سورة النحل الآية 8، وتطلق على الفرسان ومنه سورة الإسراء الآية 64، ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ عن المعنى اللغوي بالإطلاق الأول. حث الشارع على اقتناء الخيل للجهاد وارتباطها في سبيل الله بسورة الأنفال الآية 60 وبحديث «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». في زكاتها ذهب جمهور الفقهاء وهو قول أبي يوسف ومحمد وعليه الفتوى عند الحنفية إلى أنه لا زكاة فيها إلا إذا كانت للتجارة لحديث «ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة» وحديث «قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق» ولأنها ليست من بهيمة الأنعام؛ وقال أبو حنيفة إن السائمة منها إذا كانت ذكورا وإناثا تجب فيها الزكاة، وإن كانت كلها إناثا فروايتان، وإن كانت كلها ذكورا ففي ظاهر الرواية لا تجب وفي مسائل النوادر تجب. في أكلها يرى جمهور الفقهاء الشافعية والحنابلة وهو قول للمالكية أنها مباح الأكل، ويرى الحنفية في الراجح وهو قول ثان للمالكية أن أكلها حلال مع الكراهة التنزيهية وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد، وفي رواية عن أبي حنيفة مع الكراهة التحريمية ونحوه قول للمالكية. في سهمها من الغنيمة ذهب الجمهور إلى أن للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين والثوري والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور لحديث ابن عمر أنه أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهما له؛ وقال أبو حنيفة إن للفرس سهما واحدا لحديث مجمع بن حارثة في قسمة خيبر وضعفه ابن حجر، ولأنه حيوان ذو سهم فلم يزد على سهم كالآدمي؛ ولا يسهم لأكثر من فرس واحد عند الحنفية إلا أبا يوسف والمالكية والشافعية لأنه لا يقاتل على أكثر منها؛ ويرى الحنابلة وهو قول أبي يوسف أنه يسهم لفرسين لا أكثر لما روى الأوزاعي أنه كان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس، ولأن بالثاني حاجة إذ إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه بخلاف الثالث المستغنى عنه. ولا خلاف بين الفقهاء في جواز المسابقة بين الخيل بعوض أو بغيره. وتتعلق بالخيل مسائل أخرى بحثت في مواضعها كإنزاء الحمير عليها في الزكاة، وطهارة بولها للمجاهد أصابه بأرض حرب في باب النجاسات، وركوب المرأة في مباحث الحظر والإباحة، ومنع الذمي من ركوبها في الجزية.الخز
الخز من الثياب ما نُسج من صوف وحرير، أو من إبريسم وحده، وأصله ولد الأرنب لنعومة وبره، وأطلقه الفقهاء على ما سداه حرير ولحمته من غيره أو العكس. القز أصل الحرير الذي يعمل منه، والخز مركب من الحرير وغيره كالصوف والقطن؛ والديباج ما سداه وقلبه إبريسم، فيحرم لبسه على الرجال من غير ضرورة اتفاقا. الخز الخالص من الحرير حرام على الرجال في غير الحرب من غير ضرورة اتفاقا، ويجوز للنساء؛ لحديث حذيفة «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج» وحديث «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها». المنسوج من الحرير وغيره: الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة يجيزون لبسه للرجال، وعند المالكية في قول، ونقل أحمد عن أصحاب النبي لبس الخز، وكرهه المالكية احتياطا لأنه من المشتبهات. فصل الشافعية في الأصح بين القليل والكثير: إن زاد وزن الحرير حرم، وإن كان الأكثر غيره أو تساويا حل على تفصيل، وقال الحنفية في الصحيح يجوز إذا كانت اللحمة من غير الحرير لأن الثوب بالنسج واللحمة، ويرى ابن عقيل من الحنابلة التحريم إن تساويا. تُذكر أحكام الخز في كتب الحظر وباب اللبس، وفي العدة والإحداد، وفي تكفين الميت؛ وتفصيل الحرير في مصطلحه.الخبرة
الخبرة لغة العلم بالشيء ومعرفته على حقيقته، وأهل الخبرة ذووها، والخبير اسم من أسماء الله تعالى. وتفترق الخبرة عن العلم والمعرفة بأنها العلم بكنه الشيء على حقيقته، وعن التجربة بأنها لا تلزم فيها التكرار، وعن الحذق بأنه المهارة في الصنعة غالبا، وعن الفراسة بأنها تثبت وتأمل. ويعتمد الفقهاء على قول أهل الخبرة في كثير من الأحكام، ومنها تزكية الشهود؛ فجمهورهم يوجب على القاضي أن يطلب من يزكي الشهود عنده، ويشترط في المزكي معرفة أسباب الجرح والتعديل ومعرفة باطن من يعدّله بالخبرة أو الجوار أو المعاملة. ويعتمد الفقهاء على أهل الخبرة في الخرص، وهو التقدير بالحزر لمعرفة قدر الزكاة في التمر والعنب، فيبعث الإمام من يخرصها عند بدو الصلاح عند الجمهور؛ والحنفية يرون الخرص ظنا لا يلزم به حكم. والقائف يعرف الآثار ويتبعها ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه، والجمهور خلافا للحنفية يعملون بقوله في إثبات النسب إذا كان خبيرا مجربا، ويكفي قائف واحد. وفي التقويم يعتمد الفقهاء على أهل الخبرة من التجار وأهل الصنعة في قيمة المتلفات وأروش الجنايات والعيوب الموجبة للخيار، ويشترط التعدد إذا تعلق بالتقويم حد من الحدود كالنصاب في المسروق، وقيل في الشهادة. ويعتبر قول أهل الخبرة شهادة فيجب فيه اثنان عند الجمهور إن كان على جهة الشهادة، ويكفي الواحد إن كان على جهة الإخبار كالطبيب والبيطار والخارص والقائف والقاسم وقايس الشجاج؛ ولا يعتبر قول الواحد فيما يتعلق بحد من حدود الله. وإذا اختلف أهل الخبرة فلكل مسألة حكمها؛ فالحنفية يرون أن العيب الذي لا يتفق عليه التجار لا يوجب الرد، والمالكية يرجحون أعدل البينتين، والشافعية يصدقون المشتري فيما يشك فيه.الخدمة
الخدمة لغة المهنة، والخادم يقع على الذكر والأنثى، ويفرق المدخل بين الخدمة والمهنة (الحذق والعمل) والعمل. ويحرم عند الجمهور أن تخدم الأجنبية الرجل الأعزب في بيته إذا كانت الخدمة تتطلب الخلوة، ولا فرق بين الحرة والأمة والجميلة وغيرها؛ وأجاز بعض الفقهاء استخدامها مع الكراهة، وأحمد يفرق بين الحرة والأمة ويمنع الخلوة. ولا يصح أن يخدم المرأة رجل بالغ لا يحل له النظر إليها إلا محرم أو صبي أو مملوك أو ممسوح، أما الخدمة الظاهرة كقضاء الحوائج من السوق فيجوز للرجل الأجنبي أن يتولاها. ولا يجوز للمسلم أن يخدم الكافر بإجارة أو إعارة، ويجوز أن يؤجر نفسه لعمل معين في الذمة كالخياطة، ويجوز إعارة العبد المسلم لعمل معين. ويجب على الوالد أن يخدم ولده الصغير أو المريض أو العاجز إذا كان فقيرا، واختلف الفقهاء في خدمة الولد لوالده، فالحنفية والمالكية يمنعونها، والحنابلة والشافعية يكرهونها تنزيها؛ وإخدام الزوجة يجب على الزوج إن كان لا يليق بها خدمة نفسها. وتجب على الزوج خدمة زوجته من الإخدام إن كانت لا تخدم نفسها، وعلى الحنفية إن امتنعت من الطحن والخبز ممن لا تخدم أو بها علة فعليه طعام مهيأ، وجمهور الفقهاء يوجبون خادما واحدا، والمالكية وأبو يوسف يوجبون أكثر إن كان حالها يقتضيه؛ وليس للزوج تبديل خادمها إلا لريبة أو خيانة، وإخدام المعسر محل خلاف. ويشترط في الخادم أن يكون امرأة مسلمة أو صبيا مميزا أو محرما أو ممسوحا، ويختلف الفقهاء في خدمة الذمية للمسلمة، ونفقة الخادم تشمل الطعام والمسكن والملبس عند جمهور الفقهاء. وإذا طلبت الزوجة أجرة الخادم أو نفقته فلا يلزم الزوج قبول ذلك عند الشافعية والحنابلة، لأن في إخدامها توفيرا على حقوقه وترفيها وفواتا لخدمتها لنفسها؛ ويرى الحنفية أنه لا يجوز لها أخذ الأجرة على خدمتها لزوجها أو لنفسها لأنها تصير كالرشوة على عمل واجب، إلا إذا كان بها علة أو كانت من بنات الأشراف. واختلفوا فيما لو قال الزوج إنه يخدمها بنفسه ليسقط عنه مؤنة الخادم: فالحنفية والشافعية في الأصح والحنابلة في الراجح على أنه ليس له ذلك ولا تلزمها الموافقة، والمالكية على أن له ذلك وتلزمها الرضا. وإعسار الزوج بنفقة الخادمة لا يوجب طلاقها عند الفقهاء، وتثبت النفقة في ذمته عند الشافعية والحنابلة، وتسقط عند الحنفية والمالكية لأن المعسر لم يؤت شيئا فلا يكلف. وفي فطرة الخادم: إن كانت الخادمة مستأجرة بمال الزوجة فلا فطرة على الزوج، وإن كانت مملوكة لها أو ممن يلزم خادم مثلها ثم أخدمها الزوج بنفقته فعليه فطرتها، وإن أخدمها بعبده أو أمته فزكاة الفطر عليه بسبب ملكه. وخدمة الزوجة لزوجها جائزة باتفاق، والجمهور على أنها غير واجبة، والحنفية على أنها واجبة ديانة لا قضاء، والمالكية وأبو ثور وجماعة على وجوب الأعمال الباطنة بالعادة، مستدلين بقضاء النبي في خدمة علي وفاطمة وبحديث أمر الزوج. وخدمة الحر زوجته جائزة عند الجمهور وتقبلها، ويحرم عند الحنفية جعل خدمته لها مهرا، وتصح تسميته مهرا إن كان رعي غنم أو زرع أرض. واتفق الفقهاء على جواز خدمة الكافر للمسلم، وعلى جواز إجارة المسلم نفسه للكافر في عمل معين في الذمة، ولا يجوز إجارة النفس لعمل محرم كعصر الخمر ورعي الخنازير. وفي إجارة المسلم للكافر أو إعارته للخدمة: الحنفية يجيزون ذلك مع الكراهة، والمالكية يقسمونه إلى جائز ومكروه ومحظور وحرام، والشافعية يحرمون الخدمة المباشرة وغير المباشرة ويؤمر بإزالة يده عنه، والحنابلة على الرواية الصحيحة يحرمون إجارة المسلم أو إعارته للكافر للخدمة، وفي الرواية الأخرى يجوز مع الكراهة.الخفية
الخفية لغة الستر والكتمان أو الإظهار، وهي من الأضداد، وتطلق عند الفقهاء على الستر والكتمان دون الإظهار. الإخفاء في الدعاء أفضل عند جمهور الفقهاء لقوله تعالى في الأعراف عن الدعاء تضرعا وخفية، ولأنه أبعد عن الرياء؛ والنوافل كالإخفاء بها، والفرائض لا يدخلها الرياء؛ واستثنى الفقهاء التلبية يوم عرفة فالجهر بها أولى. في السرقة: الأخذ على سبيل الاستخفاء ركن من أركان السرقة الموجبة للحد، ولا قطع على المنتهب أو المختلس لأنهما يأخذان عيانا، لحديث جابر «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع».الخمار
الخِمار من الخَمر وأصله الستر، وكل ما يستر شيئا فهو خماره، وغلب في العرف اسما لما تغطي به المرأة رأسها؛ وبعض الفقهاء يعرفونه بأنه ما يستر الرأس والصدغين أو العنق. الألفاظ ذات الصلة: الحجاب (الستر، وهو أعم من الخمار)، والقناع (ما تتقنع به المرأة، والقناع عند بعض الفقهاء الثوب الذي يلقيه الرجل على كتفه)، والنقاب (ما تغطي به المرأة الوجه)، والبرقع (ما تستر به وجهها). ارتداء الحرة الخمار واجب شرعا لأن شعر رأسها عورة باتفاق، وقد أمرت المرأة بضرب الخمار على جيبها بقوله تعالى في سورة النور؛ وعائشة قالت: إنما يضرب بالخمار الكثيف الذي يستر. المسح على الخمار في الوضوء: الحنفية والمالكية والشافعية لا يجزئ مسح الخمار وحده إلا إذا كان رقيقا ينفذ الماء منه إلى الشعر، والحنابلة اختلفوا فجوزه بعضهم بحديث أم سلمة والمعتمد عنهم، ومنعه أحمد في رواية. الخمار في الصلاة: ستر شعر الحرة البالغة فرض في الصلاة، وصلاتها بغير خمار باطلة بحديث «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»؛ والحنفية يعيدون الصلاة إن ترك ربع الرأس، والمالكية يندبون الستر للصغيرة، والشافعية لا تقبل صلاة المميزة بغير خمار، والحنابلة لا يلزم غير البالغة. الخمار في الإحرام: المرأة الحرة المحرمة تخمر رأسها بما يستره، ولا تكشف وجهها بما يلزم كشفه لكشف الرأس، والمحظور عليها ستر وجهها بما يعد ساترا؛ وأجمعوا على أن للمحرمة لبس القمص والسراويلات والخفاف. الخمار في الكفن: أقل الكفن ما يستر البدن إلا رأس المحرم ووجه المحرمة؛ والأفضل للمرأة خمسة أثواب يدخل فيها الخمار؛ والحنابلة يقولون إن الجارية التي لم تبلغ تكفن في لفافتين وقميص بلا خمار.الخنزير
الخنزير حيوان محرم؛ أجمعت الأمة على تحريم أكل لحمه إلا لضرورة بقوله تعالى في سورة الأنعام، ويقدم عند الضرورة الكلب على الخنزير عند الحنابلة، وتقدم ميتة غيره على الخنزير عند المالكية. نجاسة عينه: الحنفية والشافعية والحنابلة يرون نجاسة عين الخنزير وأجزائه ومنيه ولعابه وعرقه، والمالكية يرون طهارة عينه حال الحياة. دباغ الجلد: لا يطهر جلده بالدباغ بالاتفاق، وروي عن أبي يوسف أن جلده يطهر، ونقل ابن الغرس عن المالكية جواز الانتفاع بجلده إذا دبغ. سؤره: نجس عند الشافعية والحنفية والحنابلة، وتغسل الإناءة سبعا كالكلب عند الشافعية والحنابلة، وثلاثا عند الحنفية؛ المالكية يرون سؤره طاهرا لأن لعابه طاهر. شعره: الجمهور على نجاسته فلا يستعمل، وعند المالكية طاهر إذا قص لا نتف؛ والحنفية أباحوا استعماله للخرازين للضرورة. التداوي بأجزائه: محرم، لعدم جواز التداوي بالنجس والمحرم. تحول عينه: الحنفية والمالكية وأحمد في رواية يرون أن النجس يطهر بالاستحالة، فإذا استحال الخنزير ملحا طهر؛ الشافعية والحنابلة لا يطهر، إلا الخمر وجلد الميتة. المالية: اتفق الفقهاء على أن الخنزير ليس مالا متقوما في حق المسلم، وعدم صحة بيعه وشرائه. الخنزير لا يحل بيعه ولا شراؤه، لحديث جابر أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام؛ وبيعه بدراهم أو دنانير باطل عند الحنفية لأن الشرع أمر بإهانته، وبيعه بعين كالثوب فاسد لأن الثوب هو المقصود بالعقد. إقرار أهل الذمة على اقتنائه بالاتفاق مع منعهم من إظهاره ومن إطعامه المسلم، فإن أظهروه أتلف ولا ضمان؛ والشافعية يجبرون الكتابية على ترك أكله، والمالكية لا يمنعون. سرقة الخنزير أو إتلافه: لا قطع ولا ضمان على من سرق أو أتلف خنزير مسلم؛ والحنفية والمالكية يضمنون لذمي من أتلف خنزيره؛ والشافعية والحنابلة يردون المغصوب إليهم ولا يضمنون المتلف. الخنزير البحري: المشهور عند المالكية أنه الدلفين، وعن الشافعي أنه يؤكل، وعن أبي حنيفة حرمه، وأحله ابن أبي ليلى، والليث قال إن سماه الناس خنزيرا لم يؤكل.الخِطبة (طلب الزواج)
الخِطبة بكسر الخاء مصدر خطب المرأة، أي طلب أن يتزوجها، واختطب القوم فلانا إذا دعوه إلى تزويج صاحبتهم؛ والنكاح عقد يفيد ملك المتعة قصدا بين رجل وامرأة من غير مانع شرعي، والخطبة مقدمة له لا يترتب عليها أحكامه. الخطبة غالبا وسيلة للنكاح وليست شرطا لصحته، والجمهور على إباحتها، والمعتمد عند الشافعية استحبابها لفعل النبي حين خطب عائشة وحفصة. خطبة الخلية (التي لا زوج لها ولا عدة) جائزة تصريحا وتعريضا بالاتفاق؛ وخطبة المنكوحة حرام؛ وخطبة من قام بها مانع، كالمجوسية حتى تسلم، لا تجوز. خطبة المعتدة تختلف بحالها: التصريح بخطبة معتدة الغير حرام بالاتفاق، لقوله تعالى في سورة البقرة وقد ذكر فيها التعريض والتصريح؛ والتعريض هو ما يحتمل الرغبة وغيرها، ويسمى تلويحا؛ وعرفه الشافعية بمثل قوله «ورب راغب فيك». التعريض بخطبة المعتدة الرجعية حرام بالاتفاق؛ والمتوفى عنها زوجها يجوز التعريض لها؛ والبائن بطلاق يجوز التعريض لها عند المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة، والحنفية والشافعية في مقابل الأظهر يمنعونه إن أفضى إلى عداوة المطلق؛ ومعتدة النكاح الفاسد والفسخ ونحوهما يجوز التعريض لها عند الجمهور. جواب الخاطب: حكم جواب المرأة أو وليها كحكم الخطبة حلا وحرمة؛ فيحل للمتوفى عنها زوجها أن تجيب بالتعريض، ويحرم عليها التصريح. خطبة المُحرِم: يكره عند الجمهور لحديث عثمان «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب»، والحنفية يجيزونها في الإحرام. من تُخطب إليه المرأة: المجبَرة إلى وليها؛ ويجوز للرشيدة أن تُخطب إلى نفسها، كما فعل النبي مع أم سلمة في خطبة حاطب. يستحب للولي أن يعرض موليته على ذوي الصلاح والفضل، كما فعل شعيب مع موسى وعمر مع عثمان وأبي بكر في حفصة. إخفاء الخطبة: يندب عند المالكية والجمهور إخفاؤها، بخلاف عقد النكاح فيندب إعلانه. الخطبة على الخطبة: الجمهور على تحريمها إذا حصل الركون للخاطب الأول، لحديث ابن عمر، والنووي حكى الإجماع على أن النهي للتحريم. متى تحرم: الشافعية والحنابلة يشترطون إجابة الأول وعدم تركه وعلم الثاني، والشافعية يزيدون التصريح بالإجابة وجواز الخطبة الأولى وعلم الثاني بالتحريم؛ والحنابلة تكفي الإجابة بالتعريض؛ والمالكية يشترطون الركون وألا يكون الفاسق. العقد بعد الخطبة المحرمة: الجمهور يصححونه مع الحرمة؛ وبعض المالكية يوجبون فسخه قبل الدخول إن استمر الركون. نظر الخاطب إلى المخطوبة: مباح بالإجماع، وهو عند الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة مندوب، لحديث المغيرة بن شعبة «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»؛ والحنابلة يشترطون إرادة النكاح وظن الإجابة، والحنفية يكتفون بإرادة النكاح. لا يشترط علم المخطوبة ولا إذنها عند الجمهور، ولا أمن الفتنة عند الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة يشترطون أمن الفتنة. ما ينظر من المخطوبة: الوجه والكفان عند الحنفية والمالكية والشافعية؛ والحنابلة ينظرون ما يظهر غالبا كالوجه والرقبة واليد والقدم، وفي رواية لا ينظر إلا الوجه، وقد جاء المذهب على الثانية. تزين المرأة الخالية وتعرضها: الحنفية تحلية البنات سنة؛ وعند المالكية يجوز التزين للخطاب ولو قيل بالندب لم يبعد؛ والحنابلة يذكرون حديث الاختضاب تعرضا للرزق، وقصة سبيعة الأسلمية. تكرير النظر حتى يتبين حالها، بقدر الحاجة؛ ولا يجوز المس، ولا الخلوة. يجوز للخاطب إرسال امرأة تنظر المخطوبة وتصفها، ولو بما لا يحل نظره، لحاجته، وأرسل النبي أم سليم إلى جارية؛ والمالكية يجيزون إرسال الرجل. إذا نظر الخاطب فلم تعجبه فليسكت ولا يقل لا أريدها لأنه إيذاء. من استشير في خاطب أو مخطوبة وجب عليه أن يذكر ما فيه من مساوئ شرعية أو عرفية نصيحة لا إيذاء، ولا تكون غيبة محرمة، ويقاس عليه حديث فاطمة بنت قيس في معاوية وأبي جهم؛ ومن استشير في أمر نفسه بيّنه، ويفصل بعض الشافعية بين ما يثبت الخيار وما يقلل الرغبة فقط. خطبة قبل الخطبة: يندب للخاطب أو نائبه أن يقدم حمد الله والثناء والصلاة على النبي والوصية بالتقوى، ثم يذكر أنه جاء خاطبا، وتبرك الأئمة بخطبة الحاجة المأثورة عن ابن مسعود. الرجوع عن الخطبة: الشافعية والحنابلة يرون الخطبة وعدا لا عقدا لازما، وللولي الرجوع إن رأى المصلحة، وللمرأة الرجوع إن كرهت، وكره الرجوع لغير غرض؛ والمالكية يكرهون لمن ركنت له امرأة أن يتركها. ما يسترد من الهدية والنفقة: الحنفية يسترد ما أعطاه للمهر وهو قائم، ولا يسترد الهالك؛ والمالكية يجيزون الإهداء للمعتدة لا الإنفاق؛ والشافعية يسترد من أنفق بقصد الزواج ما بقي أو بدله إن تلف؛ والحنابلة يرون الهدية قبل العقد تعود إن لم يفوا بالوعد، وتردّ بعد العقد عند الفرقة الاختيارية قبل الدخول.خيانة
الخيانة والخون لغة أن يؤتمن الإنسان فلا ينصح، ونقيضها الأمانة، ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن المعنى اللغوي. من الألفاظ ذات الصلة: الغش وهو نقيض النصح واصطلاحا تدليس يرجع لذات المبيع كتجعيد الشعر ودق الثوب، والخيانة أعم إذ تكون تدليسا في ذات المبيع أو صفته كوصفه بصفات كاذبة أو أمر خارج كذكر ثمن كاذب؛ والنفاق وهو الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، فالخيانة في شأن العهد والأمانة والنفاق في شأن الدين؛ وفرقوا بين الخائن والسارق والغاصب فالخائن من خان ما جعل عليه أمينا، والسارق من أخذ خفية من موضع كان ممنوعا من الوصول إليه وربما قيل كل سارق خائن دون عكس، والغاصب من أخذ جهارا معتمدا على قوته. خيانة الأمانة حرام بسورة الأنفال الآية 27 وبحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان»، وعدها الذهبي وابن حجر الهيتمي من الكبائر وهي قبيحة في كل شيء لكن بعضها أشد. بيوع الأمانة مبنية على الثقة والاطمئنان فيجب على البائع الصدق في الإخبار عما اشترى به وما قام به عليه، وتجب صيانتها عن الخيانة والتهمة قدر الإمكان بسورة الأنفال الآية 27 وحديث «من غشنا فليس منا»، ويحصل الاحتراز ببيان ما يجب بيانه، وفي حكمها إذا ظهرت خلاف تفصيله في بيع الأمانة. عامل المساقاة أمين والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وما يدعى عليه من خيانة، فإن ثبتت بإقرار أو بينة أو يمين مردودة ضم إليه من يشرف عليه إلى أن يتم العمل وأجرة المشرف على العامل، وإن ارتيب فيه فقط ضم إليه مشرف وأجرته على المالك عند الشافعية والحنابلة؛ واعتبر الحنفية كونه سارقا يخاف عليه من سرقة السعف والثمر عذرا في فسخ المساقاة لإلزامه صاحب الأرض ضررا لم يلتزمه؛ وقال المالكية إنها من العقود اللازمة فلا ينفسخ بكونه لصا ولا يقام غيره مقامه بل يحفظ منه. من أخذ اللقطة بنية الخيانة والاستيلاء كان ضامنا غاصبا لا يبرأ من ضمانها حتى يؤديها إلى صاحبها، وفي برائته بدفعها إلى الحاكم أو إعادتها لموضعها خلاف يذكر في لقطة. يراعي المحتسب أحوال أهل الصنائع من حيث الأمانة فيقر أهل الثقة ويبعد من ظهرت خيانته ويشهر أمره، ويجوز له جعل عريف لكل صنعة من صالح أهلها خبيرا بغشوشهم وتدليساتهم مشرفا على أحوالهم وأسعارهم لحديث «استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها». لا تقطع يد خائن ولا خائنة لحديث جابر «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع» وحكى ابن الهمام الإجماع على ذلك، لأن الواجب قطع السارق والخائن غير سارق لقصور الحرز إذ المال كان في يده وحرزه مأذون لدخوله؛ واختلفوا في جاحد العارية فالجمهور على أنه لا قطع لأنه خائن أشبه جاحد الوديعة، وقال أحمد في رواية وإسحاق بن راهويه إن عليه القطع لحديث عائشة أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر بقطع يدها، وقال الجمهور إن القطع كان عن سرقة صدرت منها بعد شهرتها بجحد العارية فعرفت بوصفها المشهور، وقال ابن قدامة إنه لا يعلم أحدا يوجب القطع على جاحد الوديعة ونحوها من الأمانات. في خيانة المهادنين ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإمام إذا استشعر خيانتهم بأمارات لا بمجرد توهم لم ينتقض عهدهم بل نبذ إليهم جوازا بسورة الأنفال الآية 58 ووجوبا قبل الإغارة عليهم، ومتى نقض الهدنة وفي دارنا منهم أحد وجب ردهم إلى مأمنهم؛ وقال المالكية إنه إذا ظن خيانتهم قبل المدة بظهور أمارتها نبذ العهد وجوبا وإنما ينذرهم واجبا فإن تحقق خيانتهم نبذ بلا إنذار؛ وأجاز الحنفية نقض الصلح متى رآه أنفع ولو لم يستشعر خيانة لأن المصلحة إذا تبدلت كان النبذ جهادا، ونقل ابن الهمام الإجماع على عدم تقيد النبذ بخطور الخوف، وإن بدءوا بخيانة قاتلهم الإمام ولم ينبذ إذا كان النقض باتفاقهم. صرح الشافعية والحنابلة بأن أهل الذمة إذا خيفت خيانتهم لم ينبذ إليهم العهد لأن عقد الذمة وجب لهم ولأنهم في قبضة الإمام فتستدرك خيانتهم بخلاف المهادنين الخارجين عن قبضته. ومن دخل من المسلمين أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم لأنهم أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم معلوما في المعنى وإن لم يذكر في اللفظ، والخيانة غدر ولا يصلح الغدر، لحديث «المسلمون على شروطهم». ويمنع من الخروج في الجيش الخائن الذي يتجسس للكفار ويطلعهم على عورات المسلمين بالمكاتبة. وترد الخيانة في أبواب كثيرة كالبيع والشركة والمضاربة والوديعة والعارية واللقطة والوكالة والوصايا والحضانة والشهادة والسير.خيار العيب
خيار العيب مركب إضافي من «خيار» و«عيب»، والجمهور يسمونه بهذا الاسم، والمالكية يسمونه غالبا خيار النقيصة. وعرّفه ابن نجيم وابن الهمام بأنه ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة مما يعد به ناقصا، وعرّفه ابن رشد بأنه ما نقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في الثمن، وعرّفه الغزالي بأنه كل وصف مذموم اقتضى العرف سلامة المبيع منه غالبا. مشروعية الرد بالعيب: لا خلاف بين الفقهاء في الرد بالعيب في الجملة. استدلوا من القرآن بقوله تعالى «إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم» (سورة النساء، 4:29)، لأن العلم بالعيب ينافي الرضا المشروط في العقود. ومن السنة حديث عائشة في الرجل الذي اشترى غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده، فقال النبي إن «الغلة بالضمان». واستدل الكاساني بحديث المصراة، والقياس عليه أن المشتري بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم فلم يسلم له ذلك. وجوب إعلام العيب على البائع: يجب عليه أن يعلم المشتري بالعيب فيما يثبت فيه الخيار؛ أما إن لم يكن العيب موجبا للخيار فترك التعرض له ليس تدليسا محرما، كما قال إمام الحرمين. وصرح جمهور الفقهاء بأن الإعلام واجب، فمن لم يبينه فهو آثم، ولا خلاف فيه كما قال ابن قدامة والسبكي؛ واستدلوا بحديث عقبة بن عامر «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له»، وبحديث واثلة بن الأسقع في تحريم بيع شيء دون بيان ما فيه، وبحديث «من غشنا فليس منا» في صبرة الطعام. أثر الكتمان على صحة البيع: البيع مع كتمان العيب المسبب للخيار صحيح مع الإثم عند جمهور الفقهاء، لأن النهي عن الكتمان لا عن العقد. وإذا علم المشتري بالعيب بعد الشراء ورضيه فالإثم على البائع والبيع صحيح، كما جزم الشوكاني. ومن فعل الصحابة أن ابن عمر اشترى إبلا هيما، فلما أخبر بعيبها رضيها وأمضى العقد. وجوب الإعلام على غير العاقد: لا يقتصر الوجوب على البائع، بل يمتد إلى كل من علم بالعيب، لحديث واثلة والنصوص العديدة في وجوب النصح. وقت الإعلام بالعيب: يكون قبل البيع إن كان المعلم بائعا أو أجنبيا، ليكف المشتري عن الشراء، فإن لم يحضر الأجنبي أو لم يتيسر له فبعده ليتمكن المشتري من الرد؛ ويتأكد الوجوب إذا انفرد الأجنبي بعلم العيب دون البائع. والحكمة من مشروعية خيار العيب دفع الضرر عن المشتري، لأن البيع يقتضي سلامة المبيع، فإذا فات وصف السلامة بالعيب تخير، إذ الرضا داخل في حقيقة البيع. شروط خيار العيب ثلاثة: ظهور عيب معتبر؛ وجهل المشتري بالعيب عند العقد؛ وألا يكون البائع قد شرط البراءة من العيب. ويعتبر العيب معتبرا إذا أثر في نقص القيمة أو فوات غرض صحيح، وكانت السلامة من ذلك الوصف هي الأصل في جنس المبيع. ضابط العيب عند الحنفية: كل ما يوجب نقصا في القيمة عند أهل الخبرة، سواء نقص العين أم لا؛ والعيب الفاحش في المهر ما يخرجه من الجيد إلى الوسط؛ والحد الفاصل عند مختار الفتاوى ما يدخل تحت تقويم المقومين. وعند الشافعية: ما ينقص القيمة أو العين نقصانا يفوت به غرض صحيح، والغالب في أمثاله عدمه؛ والحنابلة يكتفون بنقص العين ولو زادت القيمة، ويرون نقص المالية عيبا. والمالكية يعدون من العيب البيت الذي قتل فيه إنسان لأن النفوس تنفر منه فيبخس ثمنه. السلامة الأصلية: يشترط أن تكون السلامة من الوصف العارض هي الأصل في نوع المبيع وأمثاله؛ فما هو مألوف في أمثاله لا يعد عيبا معتبرا، كوجود الثفل في الزيت بالحد المعتاد. ومرجع الحكم في ذلك أهل الخبرة، والكاساني يجعل التعويل على عرف التجار، والحطاب كذلك. وعند الحنفية يشترط إجماع أهل الخبرة، فإن اختلفوا فلا رد؛ وعند الشافعية يكفي قول واحد عند الجمهور، وعند صاحب التتمة يشترط شاهدان؛ وإن اختلفا ولم يوجد من يرجع إليه فالقول قول البائع مع يمينه. شروط تأثير العيب: أن يكون في نفس المبيع لا في شخص العاقد الآخر أو في الرهن أو الكفيل؛ وأن يكون قديما، أي مقارنا للعقد أو حادثا قبل القبض، فالحادث بعد التسليم لا يثبت به الخيار، وإن كان المالكية يأخذون بقضية العهدة (عهدة الثلاث في عيوب الرقيق، وعهدة السنة في الجنون والجذام والبرص)، والحنفية يستثنون الإجارة فيفسخ بالعيب الحادث فيها. ولا يثبت الخيار إن كان العيب بفعل المشتري قبل القبض، فهذا القيد كالاستثناء مما قبله عند الشافعية. ويشترط أن يبقى العيب بعد التسليم ومستمرا حتى الرد، فلو زال قبل الرد سقط حق الرد؛ والحنفية والشافعية يشترطون ثبوت العيب عند المشتري ليعلم قيامه، لأن العيب الثابت عند البائع يحتمل الزوال. شرط ألا تمكن إزالة العيب بلا مشقة: كطابع المصنع على القماش إذا كان لا يضره الغسل، أو نجاسة في الثوب تزال بالغسل. وإن هون البائع من شأن العيب ثم ظهر أكبر، فالمالكية يثبتون خيار الرد للمشتري ما لم يحدث عيب آخر، فيتخير بين الرد والأرش، كما في نوازل الونشريسي. طرق إثبات العيب بحسب درجة ظهوره: الظاهر المشاهد لا يحتاج إلى بينة، ويخاصم به المشتري البائع؛ والباطن الذي لا يعرفه إلا الأطباء والبياطرة يثبت بشهادة رجلين مسلمين أو رجل عدل من أهل الخبرة؛ والذي لا يطلع عليه إلا النساء يكفي فيه قول امرأة عدل، والاثنتان أحوط، ويثبت في حق الخصومة لا في حق الرد عند الحنفية؛ والذي لا يعرف إلا بالتجربة كالإباق لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. يمين البائع: إذا عجز المشتري عن إثبات العيب عنده، فالصاحبان يريان استحلاف البائع، وأبو حنيفة لا يستحلفه. وإذا كان العيب مما يجوز أن يحدث مثله عند المشتري استحلف على البتات، وإن كان من فعل البائع حلف على البتات؛ أما ما ليس بفعله فيحلف على العلم، فإن نكل ثبت العيب. شرط جهل المشتري بالعيب: فإن علم به عند العقد أو عند القبض فلا خيار له، لأن إقدامه على الشراء أو القبض مع العلم رضا دلالة؛ والعيب البارز الذي لا يخفى عند الرؤية يعد المتعاقد عالما به، وكذلك ما دل عليه البائع من موضع العيب. وإذا صرح البائع بالعيب واشترطه كما لو باع ثورا على أنه يرقد في المحراث، فالبائع برئ. علم المشتري بالعيب دون أن يدري أنه عيب: إذا علم المشتري بالأمر المعتبر عيبا دون أن يعرف أنه عيب فقبضه ثم عرف بعد القبض، فإن كان العيب بيّنا لا يخفى على الناس فلا رد له، وإن كان لا يعرفه إلا أهل الخبرة فله الرد. ومثله من علم أن النقد زيف دون أن يعرف عدده، فلم يكن رضاه بالجملة رضا بالعيب. شرط عدم البراءة: لا يقوم الخيار إن اشترط البائع البراءة من العيب أو العيوب، واقترانها بالبيع يجعله نوعا خاصا يسمى بيع البراءة. وتجوز البراءة عند الحنفية مطلقا، معلوما كان العيب للمشترط أو مجهولا، وأجازها مالك والشافعي في الحيوان وحده، لأنه قلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر. أصل البراءة: أثر عبد الله بن عمر حين باع غلاما له بالبراءة، فادعى المشتري داء لم يسمه، فحكم عثمان بن عفان أن يحلف ابن عمر أنه لا يعلم به، فأبى وارتجع الغلام، ثم باعه بعد ذلك بمال أكثر. وتتعدد مذاهب العلماء في البراءة: أن يبرأ من كل عيب علمه البائع أو لم يعلمه (أبو حنيفة وأبو ثور)؛ أو لا يبرأ حتى يسمي العيب (ابن أبي ليلى والثوري)؛ أو حتى يضع يده على العيب (الشافعية في المرئي، وشريح وعطاء وأحمد وإسحاق)؛ أو لا يبرأ إلا من العيب الباطن في الحيوان (مالك والشافعي في القول الظاهر)؛ أو تكون البراءة في بيع المغنم والمفلس والديون، أو يبطل البيع أصلا (قول للشافعية). أقسام البراءة: خاصة من عيب معين، أو عامة من كل عيب. ومن حيث الإضافة: إن قيدت بالعيب الموجود عند العقد فلا تتناول الحادث قبل القبض؛ وإن أضيفت إلى المستقبل بتنصيص على العيب الحادث بعد العقد قبل القبض فالشرط باطل والعقد فاسد؛ وإن أطلقت فعند أبي حنيفة وأبي يوسف تشمل القائم عند العقد وما يحدث إلى القبض، وعند مالك ومحمد وزفر والحسن بن زياد تقتصر على الموجود عند العقد. العقود التي يثبت فيها خيار العيب عند الحنفية: البيع والشراء (والبيع الصحيح لا الفاسد، ويشمل الصرف)، والإجارة (يثبت فيها الخيار بعيب قديم أو حادث، وينفرد صاحبه بالرد قبل القبض وبعده)، والقسمة، والصلح عن المال، والمهر، وبدل الخلع، وبدل الصلح عن دم العمد (والرد فيها بالعيب الفاحش لا اليسير). ضابط ابن رشد: العقود ثلاثة أنواع: ما هو مجال لخيار العيب بلا خلاف وهو عقود المعاوضة؛ وما ليس مجالا له بلا خلاف كالهبة بلا عوض والصدقة؛ وما فيه خلاف، والأظهر أنه ليس مجالا له، كالهبة بقصد العوض. توقيت الرد بالعيب: فيه ثلاثة آراء. الأول أنه على الفور، أي المبادرة على العادة، فمن علم العيب ولم يفسخ حتى سقط حقه وهو من ضمانه، وهو مذهب الشافعية وروايه عن أحمد، وقال به صاحب الحاوي من الحنفية، وقال ابن نجيم إنه غريب، والمعتمد عند الحنفية أنه على التراخي. والثاني أنه على التراخي ما لم يوجد دليل الرضا، وهو مذهب الحنفية على المعتمد والحنابلة في الرواية المصححة. والثالث أنه يوم أو يومان، وهو مذهب المالكية، فمن أمسك بعد ذلك دل على رضاه. أثر العيب على حكم العقد: لا يمنع العيب انتقال الملك، فملك المبيع يثبت للمشتري حالا، وملك الثمن للبائع، لأن ركن البيع مطلق عن الشرط، والثابت بالنص شرط السلامة، وأثره منع لزوم العقد لا منع أصل حكمه. فالعقد مع خيار العيب غير لازم، لأن السلامة مشروطة فيه دلالة، والمشتري يدفع الثمن ليسلم له المبيع كله. ما يخير فيه المشتري (ثلاثة اتجاهات): الأول، عند الحنفية والشافعية، التخيير بين الرد واسترداد الثمن، أو الإمساك بجميع الثمن دون أرش، ولا يمسك المعيب مع الأرش إلا عند تعذر الرد. والثاني، عند أحمد وإسحاق، التخيير بين الرد أو الإمساك مع الأرش، واستثنوا ما يؤدي إلى الربا فيكون الإمساك مجانا. والثالث، عند المالكية، يفرق بين الكثير (يخير بين الرد والإمساك مجانا) والمتوسط (في العقار يرجع بالأرش، وفي العروض يجب الرد على ظاهر المدونة). وسبب الخلاف: هل نقص العيب نقص أصل أم نقص وصف. شرائط الرد: قيام الخيار؛ وأن يكون المردود على الوصف الذي قبضه المشتري، فلا يزيد عيب حادث أو عيب شركة؛ وألا يتضمن الرد تفريق الصفقة قبل تمام القبض، وإن رضي البائع جاز، لأنه ضرر مرضي من جهته. تفريق الصفقة: إذا اتحد المبيع صفقة لا يرد المشتري بعضه بعيب قهرا، إلا إذا كان الباقي للبائع فيرد عليه البعض قهرا، وهو المعتمد عند القاضي ومن تبعه، لأن العلة الصحيحة هي الضرر الناشئ من تبعيض الصفقة على البائع. ولا يجوز تفريق الصفقة قبل قبض المبيع كله، سواء أكان شيئا واحدا كالثوب والدار، أو مكيلا أو موزونا في أوعية، أو شيئين حقيقة وتقديرا كالثوبين والدارين، أو شيئا واحدا تقديرا كمصراعي باب. المالكية: إن فات السالم فللمشتري رد المعيب مطلقا وأخذ حصته من الثمن؛ وإن بقي السالم فله رد البعض بحصته بشرطين: ألا يكون المعيب أكثر من النصف ولو بيسير، وألا يكون المعيب وجه الصفقة، وإلا فله رد الجميع أو الرضا بالجميع. والحنابلة يمنعون الرد بالتفريق قطعا في الشيء الواحد وفي الشيئين مما ينقصهما التفريق، أما ما لا ينقص بالتفريق فليس له رد أحدهما على الصحيح. والشافعية لا يردون بعض المبيع المعيب، وإن كان الباقي للبائع، إلا قول القاضي حسين بالرد لأنه لا تبعيض فيه على البائع. تفريق الصفقة بتعدد العاقد: إذا اشترى رجلان شيئا واطلعا على عيب فينفرد أحدهما بالفسخ في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ينفرد؛ وحجة أبي حنيفة أن الرد لم يقع على الوصف الذي قبض عليه لأن عيب الشركة زائد. والشافعية والحنابلة يفرقون بين تعدد الصفقة بتعدد البائع أو المشتري أو تفصيل الثمن فيجوز رد أحدهما، وبين الانفراد فلا يجوز؛ وإن كان أحد البائعين غائبا فيرد على الحاضر حصته بقسطها من الثمن. علم العاقد الآخر بالرد: يشترط الحنفية علمه بالفسخ، سواء أكان الرد قبل القبض أم بعده، فإن فسخ دون علمه كان موقوفا يتم بعلمه في المدة ويصير إجازة إن مضت المدة. أما الشافعية والحنابلة فلا يشترطون علمه ولا رضاه ولا حكم حاكم قبل القبض ولا بعده. والحنفية لا يشترطون للرد قبل القبض قضاء أو تراضيا، أما بعد القبض فلابد من أحدهما لأن الصفقة تمت بالقبض. طبيعة الرد وأثرها في تعاقب البيع: عند الحنفية الرد بالتراضي بعد القبض فسخ بين المتعاقدين بيع في حق غيرهما، والرد بالقضاء فسخ في حقهما وفي حق غيرهما؛ وعند غير الحنفية الفسخ رفع للعقد من أصله. ويظهر الأثر في البيع الثاني: إن قبل البائع الثاني الرد بالقضاء بإقامة البينة أو النكول أو الإقرار، فله أن يرد على بائعه الأول؛ وإن قبله بالتراضي فليس له ذلك، لأنه بيع جديد في حق الثالث. أما قبل القبض فللمشتري الأول أن يرده على البائع الأول مطلقا. الإمساك مع الأرش: إذا تعذر الرد بأمور تطرأ على المبيع من زيادة أو نقصان أو تصرف تنتقل حقوق المشتري من الرد إلى الرجوع بنقصان الثمن، وهو ما يسمى الموجب الخلفي؛ وهو مذهب الحنفية والشافعية، وعرفه المالكية عند تقسيم العيوب إلى يسير وكثير (عيب رد) ومتوسط (عيب قيمة)، والحنابلة يخيرون بين الإمساك بنقصان الثمن والرد ولو لم يتعذر. والأرش يعرف بتقويم المبيع سليما ثم معيبا، ونسبة التفاوت إلى القيمة، وتؤخذ من الثمن. ويرى صاحب الأشباه أن القيمة تعتبر يوم العقد، والحسن البصري وأحمد يرون أنها يوم الشراء. موانع الرد: طبيعية أو شرعية أو عقدية. فالهلاك في يد البائع يمنع الرد، ولا يرجع البائع على المشتري بشيء؛ والهلاك بعد القبض بسبب سماوي يمنع الرد ويكون الموجب الخلفي نقصان الثمن. وكذلك الاستهلاك بالاستعمال المشروع كأكل الطعام ولبس الثوب حتى يتخرق، وفيه خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه. والحنابلة يفرقون بحسب التدليس؛ والمالكية يرجعون بالثمن كله إذا كان العيب المدلس هو الذي أودى بالمبيع. موانع الرد الشرعية: زيادة متصلة غير متولدة، كالصبغ والخياطة والبناء والغرس، تمنع الرد مطلقا قبل القبض أو بعده، لأنها أصل بنفسها لا تابعة، فلا يمكن الرد بدونها ولا معها؛ ولو رضي البائع بقبوله كذلك لم يجز، لأنه منع لحق الشرع لاستلزامه الربا. والزيادة المنفصلة المتولدة بعد القبض، كالولد والثمرة واللبن وأرش الجناية، تمنع الرد عند الحنفية، لأن ردها مع الأصل ربح ما لم يضمن؛ وخالف الشافعي فعدّها كالكسب فلا تمنع الرد. الزيادات التي لا تمنع الرد: المتصلة المتولدة، كالسمن والكبر، وعند الحنابلة الجنين قبل الوضع والثمرة قبل التأبير؛ وهي لا تمنع الرد في ظاهر رواية الحنفية، فإن رضي المشتري بردها مع الأصل، وإن أبى فله الأرش. والمنفصلة المتولدة قبل القبض، كالولد واللبن والثمر في بيع الشجر، لا تمنع الرد، لكن لا يرد الأصل وحده بل يرد الكل أو يرضى بالكل بجميع الثمن؛ والحنابلة يردون الأصل دون الزيادة فتبقى للمشتري. والمنفصلة غير المتولدة كالغلة والكسب لا تمنع الرد، ويسلمها المشتري بالضمان (الخراج بالضمان)؛ وعند أبي حنيفة تبقى له بلا ثمن ولا تطيب له، وعند الصاحبين للبائع؛ وإن رضي بالعيب فلا تطيب له. إن هلكت الزيادة: بآفة سماوية لم يتغير الحكم؛ وإن هلكت بفعل المشتري فللبائع الخيار بين القبول برد جميع الثمن والرفض برد النقصان؛ وإن هلكت بفعل أجنبي امتنع الرد. المالكية: قسّم ابن رشد الزيادة إلى خمسة أوجه: زيادة لحوالة الأسواق لا توجب الخيار؛ زيادة في حالة المبيع لا توجب خيارا؛ زيادة في عين المبيع بنماء حادث فيه أو بشيء من جنسه كالولد فيه خلاف؛ زيادة مضافة من غير جنس المبيع كثمر النخل إذا ظهر عنده فلا خيار له، فإن شاء رد النخل وثمرها ما لم يطب ورجع بالعلاج، أو أمسك ولا شيء له؛ وزيادة أحدثها المشتري بصنعة كالصبغ والخياطة فيخير بين التمسك بالعيب مع أرشه أو الرد ويكون شريكا بقيمة الزيادة. وكيفية التقويم عند ابن غازي والحطاب تحتاج إلى تقويمين أو أربعة بحسب الحالة. المانع العقدي (العيب الحادث): إذا تعيب المبيع عند المشتري بعيب حادث، سواء بفعله أو بآفة سماوية أو بفعل المبيع الحي، امتنع الرد وانتقل الموجب إلى الرجوع بالنقصان؛ لأن شرط الرد أن يكون المردود على الصفة التي قبض عليها، ولأن الرد يضر البائع إذ الحادث بعد القبض لا يضمنه. والحنفية والحنابلة في رواية لا يجعلون للمشتري حق الرد لأنه السبب في العجز عنه، والمالكية ومن الحنابلة في رواية يخيرون بين الإمساك بأرش القديم أو الرد مع أرش الحادث؛ والشافعية يسقط الرد قهرا، فإن لم يرض البائع بالمعيب ضم المشتري أرش الحادث، ويجب إعلام البائع على الفور. انتهاء الخيار وسقوطه: ينتهي بانتهاء العقد بفسخه، أو بالإمساك مع الأرش، سواء بالقول الدال على الرضا أو بالتصرف الدال عليه؛ وقد يسقط بزوال العيب قبل الرد، كتدارك العيب في زمن يسير، كالأرض فيها بذر يتعهد البائع بتركه أو بالفراغ منه في زمن يسير، أو الدار فيها خلل يصلحه البائع، أو الأرض فيها دفين لا يضر تركه وقلعه يضر، فإن الخيار يسقط؛ وكذلك إذا نعل المشتري الدابة فلو نزع النعل تعيبت. وجوب ترك الرد لمصلحة: إذا كانت المصلحة في إمساك المعيب والعاقد مقيد التصرف، كالمشتري المفلس لأن الرد يفوت الفرق على الغرماء، والولي الذي اشترى لموليه لأن الرد تصرف ضار بحقه، ومن يعمل مضاربا ولم يصرح المالك بطلب الرد. إسقاط الخيار: يصح عند الحنفية إسقاط خيار العيب بالصريح، لأنه حق خالص للمشتري، بخلاف خيار الرؤية؛ ويصح إسقاط حق الأرش وإبراء البائع من العيب. وعند الشافعية لا يسقط الخيار بعوض، لأنه خيار فسخ فأشبه خيار التروي في كونه غير متقوم، وليس الأرش عوضا عن ترك الخيار بل تقويم لنقصان الثمن. الرضا بالعيب صراحة: كقول «رضيت بالعيب» أو «أسقطت خيار العيب» أو «أجزت العقد»، فينتهي الخيار جملة للرد والأرش، لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة دلالة، والرضا بالعيب بعد العلم به نزول عن الشرط. التصرفات الدالة على الرضا: ثلاثة أنواع. الأول تصرفات الاستعمال والانتفاع دون إتلاف، كلبس الثوب وركوب الدابة (غير الرد أو السقي أو شراء العلف)، والسقي والزرع والحصاد، وعرض المبيع للبيع أو الإجارة، ولو مرة، فهي دلالة على قصد الاستبقاء. والثاني الإتلاف كالتمزيق وقتل الدابة، فيسقط به الخيار. والثالث الإخراج عن الملك بعقد تمليك كالبيع والهبة مع التسليم والصلح، فيتعذر الرد إلى البائع لتعلق حق المشتري الثاني، ولا يرجع بالنقصان لأن امتناع الرد من قبل المشتري. اتجاهات الفقهاء في التصرفات: الحنفية والحنابلة يرون أن التصرف الناقل ولو كان غير عالم بالعيب يمنع الرد وينقل إلى الموجب الخلفي، والمالكية إن كان بعوض فيسقط الرد والأرش، وإن كان بغير عوض فله نقصان الثمن؛ والشافعية يفرقون بين تصرف يائس من عودة المبيع (كالوقف) فيمنع الرد، وتصرف يرجى معه العود (كالبيع) فيسقط الخيار. إثبات العيب والاختلاف فيه: تقع الدعوى والخصومة بين العاقدين في مسائل العيب من قدم وحدوث وفي سبب الرد، وللمالكية والشافعية تفصيلات تخضع لطرائق الإثبات العامة بعد تصور المدعي والمنكر، وذكر الحنابلة أن العيب الذي لا يحتمل إلا قول أحدهما، كالجرح الطري إذا ادعى المشتري قدمه، فالقول قول من يدعيه بغير يمين. انتقال خيار العيب: اتفق الفقهاء على أنه ينتقل إلى الوارث بموت مستحق الخيار.خيار الغبن
خيار الغبن هو الخيار الثابت للمغبون في بعض المذاهب لنقصان ثمن المبيع أو زيادته عن تقويم أهل الخبرة، والغبن في اللغة النقص، وغبنه في البيع خدعه، وعرّفه ابن نجيم بالنقص في الثمن في البيع والشراء، ومثله النقص في البدل في باقي عقود المعاوضات. للغبن تأثير في مواطن كثيرة منها المبادلات الربوية بين الأجناس المتحدة والاحتكار والبيوع المنهي عنها كالنجش وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي والمصراة والبيع على بيع غيره وبيع المسترسل وبيوع الأمانة، واتخذ ابن قدامة من الغبن مدارا لثلاثة خيارات: خيار تلقي الركبان وخيار النجش وخيار المسترسل، وهذا الأخير من صميم خيارات الغبن لأنه خيانة من البائع بعد أن ركن إليه المشتري وترك المساومة. مواقف المذاهب مجملة: فالحنفية لا يرون للمغبون خيارا إلا إذا كان مغررا به على الراجح أو كان غبنا للقاصر، والمالكية في رأي بالخيار للمغبون مطلقا أو إذا كان مسترسلا، والحنابلة يقتصرون على إثباته للمسترسل. الغبن المعتبر للرد هو الفاحش، ومعناه عند الحنفية والمالكية في الراجح والحنابلة في قول ما تقدّره عادة التجار فتكون العبرة بتقويم المقومين، وفي القول الثاني للمالكية والحنابلة المعتبر الثلث، وفي الثالث للمالكية ما زاد على الثلث. ويشترط لقيام الخيار جهل المغبون بوقوعه في الغبن عند التعاقد، واحتج بعض القائلين به بحديث حبان بن منقذ وفيه اشتراط عدم الخلابة، فإن كان عالما بالغبن وأقدم فلا خيار له. موجب الخيار إذا تحقق الاسترسال والغبن الخارج عن المعتاد التخيير بين الفسخ والإمضاء مجانا دون مطالبة بالأرش. ويسقط خيار الغبن مع التغرير عند الحنفية على ما تضمنته المجلة العدلية بهلاك المبيع أو استهلاكه أو تغيره أو تعيبه، وبالسكوت والتصرف بعد العلم بالغبن، وبموت المغبون فلا تنتقل الدعوى إلى الوارث وأما موت الغابن فلا يمنع. خيار غبن المساومة منفى عند الحنفية والشافعية والحنابلة وعند المالكية في الراجح، واقتصر المالكية والحنابلة على خيار المسترسل. وعند الحنفية ثلاث روايات في الغبن الفاحش المجرد في بيع المساومة: لا رد مطلقا، وثبوت الرد مطلقا، وثبوته إن صاحبه تغرير وهو الراجح. المسترسل عند المالكية المستسلم لبائعه، وعند الحنابلة الجاهل بقيمة السلعة الذي لا يحسن المبايعة، وعن أحمد أيضا الذي لا يماكس، والمعول على عدم الخبرة بالمبايعة، وقال ابن قدامة إن العالم الذي لو توقف لعرف لا خيار له إذا استعجل فغُبن. نص خليل عند المالكية على أنه لا يرد بالغبن ولو خالف العادة وهو المشهور وفي المذهب قول بالرد، والغبن اليسير لازم للعقد اتفاقا، وذكر ابن رشد أنه لا قيام بالغبن في بيع المكايسة وأن القيام به واجب بإجماع في الاسترسال والاستنامة لحديث «غبن المسترسل ظلم» الذي أخرجه الطبراني وأورده الهيثمي وضعفه لموسى بن عمير الأعمى في إسناده. الحنابلة يثبتون خيار الغبن للمسترسل فقط على الراجح وهي من المسائل التي اختارها ابن تيمية، وفي رواية ذكرها ابن أبي موسى بصيغة قيل أن الغبن لازم للمسترسل أيضا. أثبت المالكية خيار غبن القاصر إذا غبن الوصي عن القاصر أو الوكيل عمن وكله درءا للضرر، ونصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ٣٥٦ على أن وجود الغبن وحده في مال اليتيم يبطل البيع وكذلك مال الوقف وبيت المال، ويثبت الخيار في عقد الشراء اتفاقا بينهم واقتصر عليه بعضهم فأجاز البيع بالغبن عن الصبي أو المتصرف عن الغير لأن البيع إزالة ملك. موجبه عند المالكية على راجح الأقوال نقض البيع في قيام السلعة فإن فاتت فلا نقض ويلجأ إلى تكميل الثمن، ويسقط بالتصرف في المبيع وبالتلف وفواته فإن فات رجع الموكل والمحجور عليه على المشتري بما وقع الغبن والمحاباة به ثم على البائع وهو الوكيل أو الوصي، ولا يتقيد الرجوع بالثلث بل بكل نقص بين عن القيمة كما صوب ابن عرفة وهو مقتضى روايات المدونة.خيار الكمية
خيار الكمية في اصطلاح الفقهاء على ما عرفه صاحب الفتاوى السراجية خيار البائع في الثمن، والمراد به حق البائع في الفسخ لخفاء مقدار الثمن عند التعاقد، وسمي بذلك لجهل كمية الثمن لعدم رؤيته رؤية مفيدة بل يرى في وعاء لا يمكن معرفة مقداره، وهو شديد الشبه من حيث الغرض بخيار الرؤية لكنه لم يندرج فيه لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود، والكمية مصدر صناعي من «كم» أداة السؤال عن المقدار. لهذا الخيار تطبيقات على قلتها فهو يقع في المساومات الودية والمصالحة عن الحقوق فيلجأ المبادل إلى تقديم صرة من المال أو ربطة من الأوراق النقدية، وقد يشتري الشخص في المبايعات العادية شيئا بما في جيبه أو حقيبته من النقود دون بيان المقدار، وإثباته للبائع عند معرفة المقدار يحقق تمام التراضي. أثبته الحنفية وأدرجوه في عداد خياراتهم ورأوه مكملا لخيار الرؤية، واستدلوا له بالقياس على خيار العيب فهو خيار نقيصة، وربما كان ثبوته علاجا للجهالة التي ثبت لأجلها خيار الرؤية درءا لها وتخفيفا للغرر، فالحنفية في مقارنتهم بينه وبين خيار الرؤية يدنونه إليه فكأنه هو لولا تخصيص خيار الرؤية بالأعيان وخيار الكمية بالنقود. من شروط صحة البيع معرفة مقدار الثمن ووصفه إذا كان من الأثمان المطلقة التي تثبت مطلقة عن الإشارة إليها، وذلك لتنتفي الجهالة الفاحشة التي تمنع التسليم والتسلم بخلاف المشار إليه، فالعلم بالمقدار كقوله عشرة دراهم والعلم بالصفة تحديد الدراهم بنسبة مميزة لها عن غيرها إذا اختلفت إذ المشتري يريد دفع الأدون والبائع يطلب الأرفع، والعقد بثمن مجهول غير صحيح كالبيع بقيمته أو بما حل به أو بما يريد المشتري أو يحب أو بجعل الثمن رأس المال أو ما اشتراه به أو بمثل ما اشترى فلان ما لم يعلم بقدر ذلك في مجلس العقد فإن علم جاز، ومنه البيع بمثل ما يبيع الناس إلا أن يكون شيئا لا يتفاوت، ومنه البيع على قدر ما باع به وقد اختلف أو على ما يبيع به في المستقبل فهذا فاسد. وإذا لم يكن الثمن مسمى بالعدد والنوع بل كان مشارا إليه فإما أن تكون الإشارة إلى ذاته أو إلى وعائه، ففي الإشارة المباشرة إليه كما لو كانت الدراهم في يده مرئية له صح العقد ولزم ولا خيار له لأن الباقي جهالة وصف لا تضر إذ لا تمنع التسليم والتسلم، وأما إذا كان في وعاء مانع من معرفة مقداره ولو تقريبا كصندوق أو خابية أو صرة ثم رآه بعدئذ باديا دون وعاء فله الخيار لأنه لم يعرف مقداره من الخارج. وفصل صاحب الدر من الحنفية في الصرة فجعل العبرة معرفة ما فيها من خارج فإن كانت تعرف فلا خيار وإلا كانت بمثابة الخابية، والضابط أن الوعاء المشتمل على الثمن إن دل على ما فيه دلالة تقريبية فلا يثبت معه خيار الكمية وإلا ثبت الخيار. وتعرض الشافعية لما إذا كان الثمن غير مسمى ولا محددا بل صرة دراهم تمت المبادلة بها جزافا لا يعلم المتعاقدان قدرها لكنها مشاهدة لهما فصح البيع بلا خلاف، وهل يكره البيع بصرة الدراهم جزافا؟ فيه قولان حكاهما الخراسانيون أصحهما يكره وبه قطع الشيرازي وآخرون لما فيه من الغرر، والثاني لا يكره لأنها مشاهدة.خيار المجلس
خيار المجلس حق العاقد في إمضاء العقد أو رده منذ التعاقد إلى التفرق أو التخاير، والمجلس هنا اسم مكان لموضع الجلوس والمراد مجلس العقد أي مكان التبايع أو التعاقد، ومجلس العقد وحدة زمنية تبدأ من صدور الإيجاب وتستمر ما دام العاقدان منصرفين إلى التعاقد وتنتهي بالتفرق أو التخاير، ولا يبدأ الخيار من الإيجاب بل من لحاق القبول موافقا له، وما قبل القبول خيار يسمى خيار القبول، وليس حقيقة الجلوس معتبرة بل الحال التي يتلبس بها العاقدان وهي الانهماك في التعاقد، ويسميه بعضهم خيار المتبايعين من حديث «المتبايعان بالخيار». أثبته جمهور الفقهاء من السلف والخلف ومنهم الشافعية والحنابلة فلا يلزم العقد عندهم إلا بالتفرق عن المجلس أو التخاير باختيار الإمضاء، ونفاه الحنفية والمالكية وبعض فقهاء السلف كالثوري والليث والعنبري، واستدل المثبتون بحديث ابن عمر «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار» وبقول ابن عمر «كانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا» وله حكم المرفوع، وبتخييره رجلا بعد البيع بقوله «اختر» ثم «هكذا البيع»، وبالمعقول من حاجة الناس لتدارك الندم بعد البيع. واحتج النافون بسورة النساء الآية 29 وسورة المائدة الآية 1 وحديث «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه» ورواية «فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله» وحديث «المسلمون على شروطهم» وقاسوا على النكاح والخلع والعتق على مال والكتابة وقاسوا ما قبل التفرق على ما بعده وقالوا إنه خيار بمجهول لأن مدة المجلس مجهولة وإن العقد المطلق يقتضي ثبوت الملك في العوضين حالا. أمد الخيار غير منضبط موكول لإرادة المتعاقدين ينتهي بالتفرق أو التخاير وكلاهما مجهول زمنه، وفي مذهب الشافعية وجه ضعيف عند النووي أن أقصى أمده ثلاثة أيام ووجه ثالث أنه يسقط بإعراض المتعاقدين إلى أمر آخر مع طول الفصل، والراجح ثبوته حتى التفرق أو التخاير. أسباب انتهائه التفرق وهو متفق عليه بين المثبتين ويراعى فيه عرف المتعاقدين، والتخاير وهو اختيار لزوم العقد من العاقدين معا وينتهي به الخيار عند الشافعية وأحمد في الرواية الأصح خلافا لرواية أخرى عندهم اقتصرت على التفرق لأكثر الروايات، ويحصل التخاير صراحة أو ضمنا كتبايع العوضين في المجلس ويكفي تصرف أحدهما بالعوض الذي له. الساكت بعد التخيير لا ينقطع خياره عند الشافعية والحنابلة في الراجح لأنه لم يوجد منه ما يبطل خياره، وفي قول ثان للحنابلة يسقط قياسا على عدم تجزأ الثبوت، والمبادر إلى تخيير صاحبه إن لم يجبه فخياره ساقط في الأصح لتعليق الحديث مصير خياره على صدور التخيير منه، وفي رأي ثان لا يسقط لأن إقدامه كان بقصد الاجتماع. فسخ العقد من أحد العاقدين ينفسخ به العقد ولو تمسك الآخر بالإجازة لأن إثبات الخيار قصد به التمكن من الفسخ دون الإجازة والفسخ مقصود الخيار كما قال النووي، ويسقط الخيار به تبعا لسقوط العقد لأنه إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه. التصرف في المبيع أو الثمن لا يسقط الخيار عند الشافعية، وعند الحنابلة تصرف المشتري بإذن البائع مسقط لخيارهما والتصرف صحيح وتصرف البائع بإذن المشتري في الراجح مثله، وأما التصرف الناقل كالبيع والهبة والوقف أو الشاغل كالإجارة والرهن فلا يسقط الخيار للبائع لتصرفه في غير ملكه إذ الملك في مدة الخيار للمشتري عندهم، وللمشتري يسقط حق البائع من الخيار ويمنع صحة التصرف لتعلق حق البائع. إسقاط الخيار ابتداء وهو التنازل عنه قبل استعماله في التبايع بشرط نفي الخيار فيه ثلاثة آراء: صحته وهو مذهب الحنابلة ووجه غير مصحح عند الشافعية، وامتناعه وبطلان البيع وهو الأصح عند الشافعية والمنصوص في البويطي وكتب القديم، وامتناعه وصحة البيع وهو وجه غير مصحح، وإسقاط خياريهما يلزم العقد وإسقاط خيار أحدهما يبقي خيار الآخر، واحتج المصححون بحديث التخيير وكون الخيار جعل رفقا وغررا فيجوز إسقاطه، واحتج المانعون بأنه إسقاط للحق قبل ثبوت سببه كالشفعة وبأنه ينافي مقتضى البيع الثابت شرعا مصحوبا بالخيار. أثر الموت: ينتقل الخيار إلى الوارث في الأصح عند الشافعية قياسا على انتقال الحقوق وعلى خيار العيب وخيار الشرط، ويسقط بالموت عند الحنابلة لأنه إرادة تتصل بشخص العاقد، وفي قول للحنابلة لا ينتقل إلا بمطالبة الميت به في وصيته. الجنون والإغماء: ينتقل الخيار في الأصح إلى الولي من حاكم أو غيره بلا انتظار في الراجح، وإن خرس ولم تفهم إشارته ولا كتابة له نصب الحاكم نائبا عنه وإلا فهو على خياره، وفي قول يسقط لأن مفارقة العقل ليست أولى من مفارقة المكان، وعند الحنابلة لا يبطل بالجنون فهو على خياره إذا أفاق وفي مطبق الجنون يقوم أبوه أو وصيه أو الحاكم مقامه. أثره الأصلي المتفق عليه منع لزوم العقد حتى التفرق أو التخاير، وفي أثره على انتقال الملك رأيان: الحنابلة في ظاهر المذهب أن الملك ينتقل إلى المشتري مع وجود الخيار ولا أثر له على نفاذ العقد ولا صحته فينتج أحكامه كلها وهو قابل للفسخ، واستدلوا بحديثي بيع العبد الذي له مال وبيع النخل بعد تأبيره حيث جعل المال والثمرة للمبتاع بمجرد الاشتراط، والشافعية في الأظهر من ثلاثة أقوال أن العقد موقوف مراعى من حيث انتقال الملك فإن تم حكم بأنه كان ملكا للمشتري وإلا بان أنه مالك البائع وهكذا الثمن، لأن ثبوت الخيار للعاقدين يقتضي أمرين متعارضين فيلزم التوقف حتى ينتهي. ولا أثر لخيار المجلس على خيار الشرط فمدة خيار الشرط تحسب من حين العقد الواقع فيه الشرط وإن اشترط في المجلس فمن حين الشرط.خيار النقد
خيار النقد حق يشترطه العاقد للتمكن من الفسخ لعدم النقد، والنقد لغة الإعطاء والقبض يقال نقدت الرجل الدراهم فانتقدها بمعنى أعطيته إياها فقبضها. وله صورتان: الأولى التعاقد واشتراط أن المشتري إذا لم ينقد الثمن إلى مدة معلومة فلا عقد بينهما، ومستعمل الخيار فيها المشتري وإن كانت فائدته الكبرى للبائع، وهي بمنزلة اشتراط خيار الشرط للمشتري؛ والثانية التعاقد ثم قيام المشتري بالنقد مع الاتفاق على أن البائع إذا رد العوض في مدة معلومة فلا عقد بينهما، ومستعمله البائع وهو وحده المنتفع، وهي ذات شبه تام ببيع الوفاء حتى أدخله بعضهم في خيار النقد، وهي بمنزلة اشتراط خيار الشرط للبائع. أثبته المالكية والحنابلة والحنفية إلا زفر بن الهذيل، وقال به الثوري وإسحاق وأبو ثور وحكي عن عمر وابن عمر، وقال به من الشافعية أبو إسحاق الشيرازي محتجا بأثر عمر، وخالف الشافعية في الصحيح وزفر. استدل المثبتون بالقياس على خيار الشرط لاتحاد العلة وهي التروي، وبآثار الصحابة منها قضاء شريح به حين جاء المشتري بالثمن من الغد فقال أنت أخلفته، وبداعي الحاجة إليه كالحاجة إلى خيار الشرط؛ واستدل النافون بأنه شرط فاسد مفسد للعقد إذ علق الفسخ على غرر، واحتج زفر بأنه اشتراط إقالة فاسدة واشتراط الإقالة الصحيحة مفسد فكيف بالفاسدة، وذكر الكاساني أن ثبوته استحسان على خلاف القياس لمعاناته خيار الشرط بجامع التعليق. صاحبه المشتري أو البائع بحسب الصورة المشترطة، وفائدة البائع منه أكثر لانتفاعه بالفسخ إذا مطل المشتري. مدته مختلف فيها كخيار الشرط: التفويض للمتعاقدين ولو فوق ثلاثة أيام وهو مذهب الحنابلة ومحمد بن الحسن وحده من الحنفية وعليه الثوري وإسحاق، والتحديد بثلاثة أيام وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لصنيعه في خيار الشرط، ومذهب أبي ثور وحكي عن ابن عمر، وما يقارب الثلاث على ألا يجاوز عشرين يوما عند مالك؛ وإن اشترط ما يزيد على الثلاث عند أبي حنيفة وأبي يوسف فإن نقد في الثلاث جاز وإلا فسد البيع ولم ينفسخ كما حققه ظهير الدين وأقره ابن الهمام وابن عابدين. ويماثل خيار الشرط في أسباب السقوط والأحكام والانتقال فلا يورث عند الحنفية أسوة بأصله. وجعل ابن نجيم بيع الوفاء من أفراد خيار النقد فأنسب مواضع بحثه تحته، ولم يرتض ابن عابدين ذلك لأنه إنما يكون من أفراده على القول بفساده إن زاد على الثلاث لا على القول بصحته إذ خيار النقد مقيد بثلاثة أيام وبيع الوفاء غير مقيد بها.خيار الرؤية
خيار الرؤية حق للمتملك في فسخ العقد أو إمضائه عند رؤية محل العقد المعين الذي لم يره، ويثبت بحكم الشرع عند الحنفية نظرا للعاقد، ولا يحتاج إلى اشتراط عند الجمهور، والمالكية يجعلونه إراديا يشترط في بيع الغائب. مرتبط ببيع الغائب: المراد بالغيبة عدم الرؤية عند العقد، سواء أكانت الغائبة عن المجلس أو مستورة عن العين. المشروعية: الحنفية يثبتونه بحكم الشرع، والمالكية يشترطونه في بيع الغائب، والشافعية في الجديد والمشهور عن أحمد ينفونه مطلقا؛ والحنفية احتجوا بقوله «أحل الله البيع» وبحديث «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» وبقضاء في نزاع طلحة وعثمان. المعنى المراد بالرؤية: العلم بالمقصود الأصلي من محل العقد، ولو بالحواس الأخرى. الرؤية في المثليات والقيميات: المعينة من المثليات كالأعيان، أما الموصوفة في الذمة فدين لا خيار فيه؛ والقيميات كالدواب والأراضي والثياب المتفاوتة لابد فيها من رؤية كل واحد، لأن رؤية البعض لا تعرف الباقي. صور: الرؤية من وراء زجاج (أبو حنيفة لا يكفي حتى يرى ما فيه دون حائل، ومحمد يكفي)، وما في الماء كالسمك (لا تسقط الخيار)، وبالمرآة (لا تسقط)، ومن وراء ستر رقيق (تعتبر رؤية)، وفي ضوء يستر الألوان (لا تعتبر)، ورؤية الأعمى بحواسه الأخرى. العرف يحدد الرؤية الجزئية الكافية، فتصح رؤية ما يدل على المقصود، والعرف إذا تغير تغير الحكم. شروط قيام الخيار: أن يكون المحل عينا لا دينا، فلا يتصور في النقد والديون، والأواني والحلي عين؛ وأن يكون في عقد يقبل الفسخ بالرد كالبيع والإجارة والصلح عن الدعوى والقسمة، لا المهر والبدل في الخلع ونحوهما؛ وأن يعلم العاقد وقت العقد أن ما عقد عليه هو المرئي السابق، وأن تكون الرؤية السابقة بقصد الشراء في قول، وأن تكون الرؤية بعد العقد شرط ثبوت الخيار. الاتجاه الأول: يثبت خيار الرؤية للمشتري وحده، وهو ما استقر عليه مذهب الحنفية؛ والثاني يثبت للبائع أيضا، وهو قول أبي حنيفة المرجوع عنه والقديم للشافعي ورواية لأحمد. العقود: يثبت في البيع للمشتري، وفي السلم إن كان رأس المال عينا للمسلم إليه، ولا يثبت في المسلم فيه ولا في الصرف، ويثبت في الاستصناع للمستصنع، وفي إجارة الأعيان بعينها، ولا في الموزونات. وقت الثبوت: وقت الرؤية لا قبلها؛ فلو أمضى العقد قبل الرؤية صراحة ثم رآه كان له الرد، وإسقاطه قبل الرؤية لا يصح عند الحنفية. الفسخ قبل الرؤية: عند الحنفية ممكن للجهالة المصاحبة للعقد، لا بناء على الخيار؛ والمالكية يرون أن الملك لا ينتقل مع خيار الرؤية بعد الرؤية، لعدم استقرار العقد. أمد الخيار: الأصح عند الحنفية أنه على التراخي، وقيل على الفور بإمكان الفسخ بعد الرؤية. أثره: حكم العقد قبل الرؤية حكم العقد الذي لا خيار فيه للحال، وبعد الرؤية يصبح العقد غير لازم دون أثر في انتقال الملك؛ والمالكية يختلفون فيما لو تصرف المشتري في المبيع قبل الرؤية. مسقطات الخيار: التصرف الذي تعلق به حق الغير، وتغير المبيع بغير فعله، وتعيبه في يد المشتري، وإجازة أحد الشريكين، والموت؛ والإسقاط الصريح قبل الرؤية لا يسقطه لأنه حق لله عند الكاساني. انتهاؤه: بالإجازة القولية أو الفعلية (كالقبض والقطع والبناء بعد الرؤية)؛ وبالفسخ الاختياري أو الضروري كهلاك المبيع قبل القبض. شرائط الفسخ: قيام الخيار، وعدم تفريق الصفقة على البائع، وعلم البائع بالفسخ عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف. انتقاله: لا ينتقل بالموت عند الحنفية لأنه عندهم لمطلق التروي.خيار الشرط
خيار الشرط اسم مركب على ما يثبت بالاشتراط لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ؛ وعرفه ابن عرفة من المالكية بأنه بيع وقف بتّه أولا على إمضاء يتوقع. وأسماؤه: الخيار الشرطي (تمييزا عن الحكمي كخيار العيب)، وخيار التروي، وبيع الخيار. مشروعيته: جمهور الفقهاء يعتبرونه مشروعا لا ينافي العقد، بحديث ابن عمر وحبان بن منقذ «إذا بعت فقل لا خلابة» و«أنت بالخيار ثلاث ليال»، وبالإجماع عند النووي وابن الهمام. صيغته: لا يتطلب لفظا معينا، فيكفي كل لفظ يدل على الخيار كالرضا أو المشيئة، وقد يثبت بالعرف عند المالكية كما لو تعارف الناس على الخيار في سلعة. شرائط قيامه: أن يكون مقارنا للعقد أو في مجلسه عند الشافعية والحنابلة؛ والحنفية يرون إلحاقه بعد العقد كإدخاله فيه؛ وأن يكون مؤقتا بمدة معلومة عند الجمهور، لأن الخيار المطلق يورث الجهالة الفاحشة. المدة: حدها الأدنى غير مقدر فيجوز ولو لحظة؛ وحدها الأقصى: مذهب أحمد ومحمد بن الحسن وأبي يوسف وغيرهم جواز أي مدة بالتفويض، ويستوجه صاحب غاية المنتهى المنع في المدة الخارجة عن العادة؛ ومالك يقيدها بقدر الحاجة والمعتاد بحسب المبيع. الغرض من الخيار: تمكين المتعاقد من التأمل والتجربة، وتلبي حاجة الناس إلى المشورة والاختبار؛ ومدة الخيار عند المالكية بقدر ما يختبر فيه المبيع ويستشار فيه. مدة الخيار في العقار: أقصاها شهر، ويلحق به ستة أيام، فأقصى ما يجوز مد الخيار إليه ستة وثلاثون يوما؛ ويلحق اليومان بالمدة لتمكين المشتري من الرد إذا كان المبيع في يده عند انتهائها. الدواب: إن كان الخيار لمعرفة قوتها وأكلها وسعرها فأقصاه ثلاثة أيام، وإن كان للاختبار داخل البلد فيوم أو نحوه، وخارجه بريد عند ابن القاسم وبريدان عند أشهب (والبريد: مسافة نصف يوم سيرا)؛ وبقية الأشياء من الثياب والعروض والمثليات أقصاها ثلاثة أيام ويلحق بها يوم، أما الخضر والفواكه فتقدر مدتها بقدر حاجة الاختبار قبل أن تتغير. الاتجاه الثالث يحدد الخيار بثلاثة أيام بلياليها أيا كان المعقود عليه، ويمنع المجاوزة، وهو مذهب أبي حنيفة وزفر والشافعي في المشهور عنه، واحتجوا بحديث حبان بن منقذ وبحديث المصراة «من اشترى شاة محفلة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام»، وقال الشافعي إنه لما ثبت الخيار بالنص وقف عند الثلاث. الزيادة على الثلاث: عند أبي حنيفة وزفر العقد فاسد، وعند الشافعي باطل؛ وينفرد أبو حنيفة بأن إسقاط الزيادة يصحح العقد ما لم تمض الأيام الثلاثة، ويخالفه زفر لأن البقاء على حسب الثبوت. ويعد المالكية من صور الفساد اشتراط مشاورة من لا يعلم رأيه إلا بعد انقضاء المدة، واشتراط مدة تزيد كثيرا على مدة السلعة، أما الزيادة اليسيرة فلا تضر. الخيار المطلق عن المدة: للمذاهب أربعة اتجاهات. الأول بطلان العقد أو فساده: قال به الشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين، والحنفية بفساد العقد دون تفريق بين الجهالة المتفاحشة والمتقاربة، ويصير العقد صحيحا عند أبي حنيفة وصاحبيه إن زال المفسد في الأيام الثلاثة، وعند الصاحبين وحدهما ولو بعدها. الثاني بطلان الشرط دون العقد: رواية لأحمد ومذهب ابن أبي ليلى. الثالث صحة العقد وتعديل الشرط: يحدد القاضي المدة المألوفة لاختبار مثل السلعة عند مالك، ويرى ابن تيمية أن يثبت ثلاثة أيام إن أطلقاه. الرابع صحة العقد وبقاء الشرط على إطلاقه، وهو مذهب ابن شبرمة وقول لأحمد. تأبيد الخيار شرط مفسد، كقوله «أبدا» أو «أياما» لا محددة. والتوقيت بوقت مجهول مفسد، سواء كانت الجهالة متفاحشة كهبوب الرياح ومجيء المطر وموت فلان ووضع الحامل، أو متقاربة كالحصاد والدياس وقدوم الحاج. شريطة الاتصال: تبدأ مدة الخيار من فور إبرام العقد، فلو شرطاه من آخر الشهر أو من الغد فسد العقد عند الحنفية والشافعية والحنابلة، لكن الحنفية يصححونه بحمل المدة الفاصلة عليها، كخيار يومين بعد رمضان في عقد وقع آخره. شريطة الموالاة: تتابع أجزاء المدة، فلو جعل يوما يثبت ويوما لا يثبت ففيه عند الحنابلة وجهان. تعيين مستحق الخيار: لا يصح أن يكون مجهولا، فلو جعلاه لأحدهما لا بعينه أو لمن يشاء أحدهما فباطل عند ابن قدامة، والأصح عند النووي صحة البيع إن شرط الخيار لأحدهما دون الآخر. العقود التي يدخلها خيار الشرط هي العقود اللازمة القابلة للفسخ؛ والبيع هو الميدان الأساسي له ويدخل البيع الفاسد وبيع المرابحة وأشباهها. وتستثنى السلم والصرف وبيع الربوي بجنسه عند جمهور الحنابلة لاشتراط قبض العوض فيها، وقد نبه ابن عابدين على أن استثناء السلم والصرف مخل بالضابط، والمالكية يجيزونه في السلم إلى أجل قصير. الإجارة: يجري الخيار فيها عند الحنفية والمالكية، ويقيده الشافعية والحنابلة بالإجارة في الذمة أو المعينة لمدة غير تالية للعقد. والحوالة: يقبلها الحنفية، ولا يقبلها الشافعية والحنابلة لأنها ليست مبنية على المغابنة. والقسمة: يختلف فيها؛ قسمة الأجناس المختلفة تراض لا إجبار فيها، وقسمة الجنس الواحد من القيميات يدخلها الخيار على الصحيح. والكفالة: يدخلها عند الحنفية، ويجوز فيها عند أبي حنيفة أكثر من ثلاثة أيام لأنها مبنية على التوسع. والوقف: يجري فيه عند أبي يوسف دون محمد والشافعي وأحمد. الخيار للمتعاقدين أو لأحدهما: يصح اشتراطه لأي منهما أو لكليهما، وهو قول الجمهور، وروي عن الثوري وابن شبرمة أنه للمشتري وحده. ويصح اشتراطه لأجنبي عن العقد، وهو موضع اتفاق عند الفقهاء بشرط أن يكون ممن يصح قوله، ومستند الحنفية الاستحسان لحاجة المتعاقد قليل الخبرة إلى من يفوض إليه الرأي، وخالف زفر لأن الخيار من مقتضيات العقد. الخيار للأجنبي وصيغة الاستشارة: عند المالكية إن قال «على مشورة فلان» كان لكل من العاقد والمستشار الاستقلال بالإمضاء أو الرد، لأن المشورة لا تلزم الموافقة؛ أما إن قال «على خيار فلان» أو «رضاه» فالمعتمد أنه تفويض لا توكيل، فلا يستقل العاقد بالإبرام أو الفسخ، وتلحق بهذين اللفظين المشورة المقيدة بما يدنو بها إليهما، كأن يقول «إن شاء أمضى وإن شاء رد». وعند الشافعية يصح الخيار للأجنبي تفويضا أو تحكيما لا توكيلا، وهو الأصح عندهم، وقال أبو يعلى إن الخيار لا يصح حينئذ. شرط الاستئمار أو الاستشارة: عند الشافعية اتجاهان، أحدهما أن العاقد لا يفسخ حتى يقول إنه استأمر فأمره بالفسخ، والثاني للحنابلة أن الاستئمار غير لازم، وصححه النووي. ويجب تعيين من يستشار، فلو قال «على أن أشاور» من غير تعيين لم يكف، وقال الأذرعي إن الظاهر الكفاية. ولم يجد الباحث نصا للحنفية في المسألة. النيابة في الخيار: يثبت الخيار لمن يشترطه لنفسه أيا كانت صفته، مالكا كان أو وصيا أو وليا أو وكيلا؛ فاشتراط الخيار في الولاية والوصاية نظر للصغير، وفي الوكالة يشمل الإطلاق بالأمر بالعقد ما فيه الخيار، كما يملك المضارب والشريك شركة عنان أو مفاوضة شرط الخيار بإطلاق عقد الشركة. الوكيل عند الشافعية: يصح شرط الوكيل الخيار لنفسه أو لموكله، ويمنع الوكيل بالبيع أن يشترط الخيار للمشتري، والوكيل بالشراء أن يشترطه للبائع، فإن فعل بطل العقد ما لم يأذن الموكل؛ والأصح أن الخيار لا يتعدى من شرط له. والحنابلة مثلهم في صحة شرط الوكيل لنفسه، ويجب على الوكيل أن يفعل ما فيه حظ موكله لأنه مؤتمن. تعدد الأطراف: كما يثبت الخيار لصاحبه منفردا إذا كان العاقد واحدا، يثبت للمتعدد إذا تعدد الطرف المتعاقد، كشريكين باعا شيئا أو مالك باع سلعة لاثنين واشترطا الخيار لهما. أثر الخيار على حكم العقد: يمنع الخيار ثبوت حكم العقد للحال في حق صاحب الخيار، وهذا متفق عليه بين أبي حنيفة وصاحبيه، وهو عند أبي حنيفة في حق العاقد الآخر أيضا؛ وقال الصاحبان ينفذ الحكم في حق من لا خيار له. وتوقف الحكم عند الكاساني بمعنى أنه لا يعرف للحال حتى يسقط الخيار. وعند الشافعية موقوف لا يحكم بانتقاله للمشتري ولا للبائع حتى ينقضي الخيار، وعند المالكية ملكية المحل باقية للبائع. أثر الخيار على انتقال الملك: إذا كان الخيار لهما فعند الحنفية لا يخرج المبيع من ملك البائع ولا الثمن من ملك المشتري، والشافعية يقفون الملك حتى ينقضي الخيار، والحنابلة ينقلون الملك إلى المشتري بالعقد. وإذا كان الخيار لأحدهما: المالكية يبقون الملك للبائع والإمضاء ناقل، وقول عندهم أن الملك للمشتري، وعن أحمد الوقف؛ وإن كان الخيار للبائع فالملك له ويتصرف المشتري دون ملك، وتصرف البائع نافذ ويعد فسخا، وإن كان الخيار للمشتري زال الملك عن البائع. ضمان محل الخيار عند الحنفية: إن كان الخيار للبائع وهلك المحل في يده قبل القبض فالضمان عليه؛ وإن هلك في يد المشتري بعد القبض وانقضاء الخيار فالضمان منه بالثمن؛ وإن هلك في يده قبل انقضاء خيار البائع فالضمان عليه بالقيمة لأنه مقبوض على جهة العقد؛ وإن كان الخيار للمشتري وهلك في يده فالضمان عليه بالثمن لأن الهلاك بمثابة عيب آل إلى تلف. ضمان محل الخيار عند الآخرين: عند المالكية الضمان على البائع، إلا إذا تلف محل مما يغاب عليه ولم تثبت بينة بتلفه، فالضمان على المشتري؛ وعند الشافعية إن تلف المبيع بآفة سماوية بعد القبض والخيار للبائع انفسخ البيع، وإن كان الخيار للمشتري لم ينفسخ لدخوله في ضمانه بالقبض؛ وعند الحنابلة الملك للمشتري والضمان عليه، إلا أن المكيل والموزون لا يصير ضمانه عليه إلا بالاكتيال أو الوزن. الزوائد في محل الخيار: قسم الحنفية الزيادة إلى أربعة أنواع: متصلة متولدة من الأصل كالسمن والبرء والنضج، ومتصلة غير متولدة كالصبغ والخياطة والبناء والغرس، ومنفصلة متولدة كالولد والثمر واللبن والبيض والصوف، ومنفصلة غير متولدة كغلة المأجور وأرش الجناية والعقر. وغير الحنفية يكتفون بتقسيم الزيادة إلى متصلة ومنفصلة. حكم الزيادة عند الحنفية: الأصل أنها تمنع الرد، فيلزم العقد وتكون الزوائد للمشتري، إلا المنفصلة غير المتولدة فلا تمنع الرد باتفاق، والمتصلة المتولدة فيها خلاف. فإذا اختار الفسخ في المنفصلة غير المتولدة رد أبو حنيفة الأصل مع الزوائد لأن الملك كان موقوفا، وقال الصاحبان إن الزوائد للمشتري. الزيادة المتصلة المتولدة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف إنها تسقط الخيار ويملك صاحبه الأصل والزيادة، وقال محمد لا يبطل الخيار وله الإمضاء أو الفسخ. الزوائد عند المالكية: الولد والصوف يكونان للمشتري لأنهما كجزء باق من المبيع، وما عداهما للبائع، كاللبن والسمن والبيض وأرش الجناية، لأن الملك زمن الخيار يبقى للبائع حتى يستعمل صاحب الخيار خياره. الزوائد عند الشافعية: المنفصلة زمن الخيار تكون لمن له الملك، فإن كان الخيار لهما فهي موقوفة كحكم المبيع، والمتصلة تتبع الأصل، والحمل الموجود عند البيع كالأصل. أما الحنابلة فالزوائد كلها للمشتري، متصلها ومنفصلها، ولو كان المبيع في يد البائع قبل القبض، ويستدلون بحديث «الخراج بالضمان». تسليم البدلين في مدة الخيار: متفق على أنه لا يجب تسليم البدلين في مدة الخيار عند الإطلاق، فلا يجب على البائع تسليم المبيع ابتداء، ولا على المشتري تسليم الثمن، ما لم تمض المدة أو يسقط صاحب الخيار خياره. والتسليم اختيارا لا يبطل الخيار إن كان على وجه الاختبار، وإن كان على وجه التمليك والخيار للبائع بطل خياره. وإن سلم أحدهما تطوعا وامتنع الآخر فلا يجبر عند أبي حنيفة والشافعية، وللمسلم أن يسترد. سقوط الخيار قبل استعماله: بالبلوغ في حق الصبي الذي عقد عنه وليه، وبالجنون ونحوه، وبموت صاحب الخيار على خلاف. ويرى أبو يوسف أن بلوغ الصغير صاحب الخيار يسقط الخيار للولي ويلزم العقد، وقال محمد لا يسقط، ثم اختلفت الروايات عنه. وطروء الجنون لا يسقط الخيار في ذاته، بل مضي المدة كلها دون فسخ، فلو أفاق في أثنائها كان على خياره في الأصح عند الحنفية. وعند المالكية إن جن صاحب الخيار ولم يرج إفاقته نظر السلطان فيما هو أصلح له. ينتهي الخيار بإمضاء العقد أو بمضي مدته دون فسخ، أو بفسخ العقد. فالإمضاء بالإجازة الصريحة أو بالدلالة كالتصرف في المبيع تصرف الملاك من بيع أو هبة أو رهن، ولا يشترط علم العاقد الآخر بالإجازة. ويجوز أن يصالح صاحب الخيار على عوض فيسقط الخيار ويمضي البيع. موت صاحب الخيار: عند الحنفية والحنابلة يسقط الخيار بموته، وعند المالكية والشافعية يبقى للورثة. أما موت من عليه الخيار فلا يسقط الخيار، بل يبقى لصاحبه ويرد على الورثة. انتهاء الخيار بمضي المدة: متفق عليه في الجملة، لأن الخيار مؤقت، ولزوم العقد هو الأصل، فإذا انقضت المدة ثبت موجب العقد. والمالكية يعدون مضي المدة انتهاء للخيار لا إمضاء، فإن كان المبيع في يد المشتري كان إمضاء، وإن كان في يد البائع كان فسخا. انتهاء الخيار بالفسخ: يكون الفسخ صريحا بالقول كقول «فسخت البيع» أو «رددت الثمن»، أو دلالة بالفعل. والفسخ الفعلي هو التصرف الذي يقتضي الرد. الفسخ بالفعل: يكون فسخا إذا تصرف صاحب الخيار في المبيع تصرف الملاك، أو في الثمن إن كان عينا إذا كان الخيار للمشتري؛ أما الدين فلا يتصور فسخه بالفعل، لأن الأثمان لا تتعين بالتعيين. والعلة أن هذا التصرف دليل استبقاء الملك، واستبقاؤه لا يكون إلا بالفسخ. وقال ابن الهمام والكاساني إن ما يوجد من البائع في المبيع لو وجد منه في الثمن لكان إجازة يكون فسخا للبيع دلالة. من تفاريع الفسخ الدلالي عند الحنفية: الأكل والشرب واللبس يسقط الخيار، وفي فتاوى قاضيخان أن لبسه مرة لا يبطل الخيار؛ النسخ من الكتاب لا يسقطه، ولو درس الكتاب يسقط؛ وركوب الدابة ليسقيها أو يردها أو يعلفها إجازة عند قوم، وأطلق قاضيخان أنه لا يبطل الخيار استحسانا؛ بيع المحل أو هبته أو رهنه مع التسليم يسقط الخيار، ولا ينفسخ بالهبة والرهن دون تسليم؛ الإيجار فسخ ولو لم يسلم عند قوم؛ وأبو بكر بن الفضل يفرق بين التسليم اختبارا فلا يبطل الخيار، والتسليم تمليكا فيبطل. شروط نفاذ الفسخ: قيام الخيار؛ وعلم العاقد الآخر بالفسخ عند أبي حنيفة ومحمد، فإن جرى دون علمه كان موقوفا ينفذ إن علم به في مدة الخيار، ويلزم العقد إن مضت المدة دون أن يبلغه؛ وأبو يوسف له ثلاثة أقوال، والمشهور عنه عدم اشتراط العلم، ورجحه ابن الهمام. وعدم اشتراط العلم مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة). وأن لا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة، فلا يمضى العقد في بعض ويفسخ في بعض، وعند الشافعية الأصح المنع، والمالكية يجبرون على رد الجميع. انتقال خيار الشرط بالموت: يثبت عند مالك والشافعي أن الخيار ينتقل إلى الوارث، ويعلل بأنه حق ثابت لإصلاح المال كالرهن، ويستدل بحديث «من ترك مالا أو حقا فلورثته»، ولم يوجد تخريج لرواية بلفظ «حقا» فيما اطلع عليه؛ وعند الحنفية لا يورث لأنه صفة شخصية ومشيئة لا تنقل. وقال الحنابلة إن الخيار لا يورث إلا إذا طالب به المورث قبل موته، وهو مذهب ابن قدامة في أن الخيار يبطل بموت صاحبه ويبقى خيار الآخر. انتقال الخيار بالجنون والإغماء: عند الشافعية لا ينقطع الخيار بطروء الجنون أو الإغماء، بل يقوم الولي أو الحاكم مقامه فيفسخ أو يجيز بما فيه الحظ، ويعين الحاكم نائبا لمن أصابه خرس بلا إشارة مفهومة. وعند المالكية يفرق بين الجنون والإغماء: إن جن صاحب الخيار ولم يرج إفاقته أو طال حتى يضر الآخر ينظر السلطان فيما هو أصلح، والمفيق يمكّن من الفسخ أو الإجازة ونقض فعل القيم إن كان له بينة؛ والمغمى عليه ينتظر إفاقته ليختار لنفسه، فإن أفاق بعد زمن الخيار استؤنف له الأجل.خيار التعيين
خيار التعيين: التعيين لغة التخصيص من الجملة؛ وعند الحنفية البيع الذي فيه خيار التعيين شراء أحد شيئين أو ثلاثة على أن يعين المشتري أيها شاء، والحق للعاقد في تعيين أحد الأشياء التي وقع العقد على أحدها شائعا خلال مدة معينة. نسمي خيار التعيين أيضا خيار التمييز؛ والمالكية يسمون العقد بيع الاختيار. يتميز خيار التعيين عن خيار الشرط في أن الشرط يعلق على واحد، والتعيين على متعدد غير محدد، وعن الاختيار في الإسلام (تخيير من أسلم على أكثر من أربع زوجات). وفي الثمن: إذا باع شيئا إلى أجلين أو بثمنين مختلفين ليختار أحدهما، وهو ممنوع إذا لم يفترقا على التعيين في المجلس. الحكم: مشروعيته عند الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة؛ وقالوا: بيع الاختيار لازم، والخيار في التعيين لا في الأخذ والرد؛ ونفاه الشافعية والجمهور من الحنابلة لأنه غرر ومنهي عنه في حديث الثنيا. شروط قيامه: ذكر التعيين في صلب العقد، والمدة معلومة، وعدم زيادة المختار على ثلاثة، وأن يكون المختار واحدا، واقترانه بخيار الشرط في المشهور من الحنفية، ويجوز أن يكون للمشتري أو للبائع لا لهما معا. أثره في العقد: يمنع ثبوت الملك على أحد الأشياء دون تعيين، وإذا هلك أحدها تعين الآخر أمانة، وإذا مضت المدة ولم يختر المالكية يلزمه النصف من كل منها، وتبعة الهلاك تفصيلها. توقيته: يشترط في الأرجح عند الحنفية إن لم يتضمن خيار الشرط، وفائدته إجبار المختار على التعيين؛ ويسقط بما يسقط به خيار الشرط؛ وينتقل بالموت إلى الوارث ليعين محل الخيار، ويؤدي الثمن من التركة.خيار فوات الشرط
خيار فوات الشرط خيار يثبت بفوات الفعل المشروط من العاقد فوق مقتضى العقد، وفوات الشرط هو عدم تحقيق الغرض منه، وهو يشارك سائر الخيارات في سلب لزوم العقد وينفرد بإضافته المثبتة له. عند الحنفية الأصل أن المشترط إذا امتنع العاقد الآخر عن الوفاء بشرط صحيح التزم به رجع إلى القضاء ليجبره على الوفاء إن كان الشرط مما يمكن الإجبار عليه، فإن لم يمكن إجباره كالتزام تقديم رهن بالثمن ثبت له حق فسخ العقد وإن لم يسموه خيار فوات الشرط، ونص الكاساني على أن البائع يخير المشتري بين دفع الرهن أو قيمته أو أداء الثمن عاجلا وإلا فسخ البيع لفوات الشرط والغرض، وجعل منه البيع بشرط إعطاء الكفيل دون شرط الحوالة والضمان. الشافعية أخذوا بمبدأ النهي عن بيع وشرط كالبيع بشرط الإقراض أو بشرط خياطة الثوب أو حصاد الزرع، لكنهم استثنوا صورا حكموا بصحتها كالبيع بشرط الأجل أو الرهن أو الكفيل مع العلم والتعيين أو بشرط الإشهاد، فإن لم يوف الملتزم بالشرط ثبت للمشترط الخيار لفوات الشرط وهو على الفور لأنه خيار نقص، ولا يجبر المشروط عليه على القيام بما شرط لزوال الضرر بالفسخ كما لا يقوم غير المعين مقامه إذا تلف. الحنابلة نصوا على أنه في البيع بشرط الرهن والكفيل إن وفى الملتزم بالشرط لزم العقد وإن أبى فللمشترط الخيار بين الفسخ والإمضاء بدون مقابل عن ترك الرهن والكفيل، ومذهبهم أوسع المذاهب عناية بالشروط لأن الأصل في العقود رضا المتعاقدين ونتيجتها ما أوجباه على أنفسهما، فأباحوا أكثر من شرط الرهن والكفيل ما لم يصادم نصا شرعيا أو أصلا من أصول الشريعة، وقد يكون الشرط في ذاته غير ملزم شرعا ويصح اشتراطه وثمرته تمكين المشترط له من فسخ العقد عند عدم الوفاء. ولم يذكر الحنابلة خيار فوات الشرط في عداد خياراتهم إلا أن صاحب غاية المنتهى استوجه إضافة قسم تاسع على الخيارات الثمانية المتداولة عندهم وهو الخيار الثابت للمشتري لفقد شرط صحيح أو فاسد سواء أبطل العقد أم لم يبطله، وأقره الشارح وإن كانت فائدته شكلية. نص الشافعية على أن الخيار الثابت للبائع عند عجز المشتري عن تسليم الرهن المشروط في البيع ينتقل إلى الوارث بلا خلاف، وتطبق في سقوطه وبقية أحكامه أحكام خيار العيب كما يفصل في خيار فوات الوصف.خيار فوات الوصف
خيار فوات الوصف حق الفسخ لتخلف وصف مرغوب اشترطه العاقد في المعقود عليه، كمن اشترى حصانا على أنه عربي أصيل فإذا هو هجين، أو جوادا على أنه هملاج فإذا هو طيء، أو بقرة على أنها حلوب، ومنه اشتراط كون الكلب صائدا وشرط كون الثمن مكفولا به. يسمى أيضا خيار خلف الوصف المشروط وخيار الخلف وتخلف الصفة، وتسميته خيار الوصف موهمة لأن ذلك يطلق غالبا على مطابقة المبيع الغائب للوصف، وبحثه بعضهم مستقلا وآخرون ألحقوه بخيار العيب أو خيار الشرط. مشروعيته مبنية على صحة اشتراط الوصف وهو واقع في نطاق لا خلاف فيه وهو الشرط المعتبر من مصالح العقد، وأنزل الحنفية اشتراط الوصف منزلة الشرط الذي يقتضيه العقد إذا كان لا غرر فيه، وذهب الجمهور إلى أن أثر الإخلال التخيير لا فساد العقد لأن تخلف الوصف لا يختلف به الجنس وإنما النوع فصار كفوات وصف السلامة في خيار العيب. أثبته الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في الأصح، واستنده ثبوت خيار العيب إذ فوات الوصف المرغوب بعد التزام البائع به في معنى فوات وصف السلامة، غير أن الشرط في العيب ثابت دلالة وفي الوصف ثابت نصا كما قال الكاساني. شرائط الوصف المعتبر: أن يكون المطلوب وصفا لا ملكية عين أو منفعة ومنه قضاء الحنفية بفساد اشتراط كون الشاة حاملا، وأن يكون مباحا في الشرع فاشتراط نطاح الكبش أو صائل الديك لغو، وأن يكون منضبطا لا غرر فيه، وأن يكون مرغوبا فيه عادة فإن تحقق في المبيع أفضل منه كاشتراط البعير فإذا هو ناقة لم يكن له خيار، والمالكية يضبطون المرغوب بما فيه غرض للعاقد مالية كان أو لا، والشافعية بما فيه مالية، وأن يشترطه المشتري ويوافق البائع فلا تكفي حال المشتري قرينة عن الاشتراط وإن اعتبرت في تفسيره، وفي منزلة الشرط ما يصدر من البائع من المناداة على السلعة بأنها كذا وكذا فترد بعدمه إلا تلفيق السمسار المعتاد عند الدسوقي. شرائط تخلف الوصف: أن يكون التخلف داخلا تحت جنس المبيع فاشتراط القطن فإذا هو كتان يفسد العقد لاختلاف الجنس، وضابط ابن الهمام أن ما فحش التفاوت بين أغراضه فهو أجناس كالكتان والقطن والذكر مع الأنثى، وما لم يفحش فجنس واحد تختلف أنواعه كلحم المعز ولحم الضأن، وأن يبلغ الفوات حد عدم انطلاق اسم الوصف عليه فإن وجد أدناه كالكلب الذي يصيد بصورة ناقصة فلا رد، وألا يكون فوات الوصف عيبا وإلا فالقضية من باب خيار العيب. موجبه الخيار بين رد المبيع وأخذه بجميع الثمن دون أرش للوصف الفائت، فإن امتنع الرد رجع المشتري على البائع بحصة الوصف الفائت من الثمن بتقويمه موصوفا وغير موصوف والرجوع بالتفاوت، وفي رواية عن أبي حنيفة لا يرجع بشيء والصحيح الأولى لأن البائع عجز عن تسليم وصف السلامة، وعلة انحصار الخيار في الرد أو الأخذ بالثمن كاملا أن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن لكونها تابعة تدخل في العقد من غير ذكر. مجاله مجال خيار العيب فيكون العقد على ما يتعين فلا يثبت في المبيع غير المعين الثابت في الذمة ولا في المبيع الغائب لأن له خيار الرؤية. توقيته: يثبت على التراخي عند الحنفية والحنابلة إلى أن يوجد ما يسقطه، ويوقته المالكية بيوم أو يومين، وهو عند الشافعية على الفور. يورث بموت مستحقه فينتقل إلى ورثته كما صرح الحنفية وقرره غيرهم فيه وفي أمثاله، ويسقط بما يسقط به خيار العيب.الخيار
الخيار لغة الاصطفاء والانتقاء، وخيّره بين شيئين فوض إليه الاختيار؛ واصطلاحا حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لمسوغ شرعي أو باتفاق عقدي. يفترق عن عدم اللزوم (إمكان الرجوع عن العقد بالإرادة المنفردة، وهو صفة طبيعية في بعض العقود، والتخيير قيد طارئ على عقد أصله اللزوم)، وعن الفسخ للفساد (وأثره لا يستند إلى الماضي عند الكاساني في الأنواع المختلفة). الفسخ بالخيار له انعطاف وتأثير رجعي كأن العقد لم ينعقد، بخلاف الفسخ في العقود غير اللازمة فلا يمس ما سبق. الخيار يفترق عن الفساد (الذي يثبت فيه الفسخ بعد القبض، لا يسقط بالإسقاط الصريح كما يسقط الخيار غير الرؤية)، وعن التوقف (الموقوف ينشأ لنقص أهلية أو تعلق حق الغير؛ والخيار ينشأ بعد انعقاد العقد وصلوحه للنفاذ). الخيار يفترق عن الإقالة: من له الخيار يفسخ بإرادته دون رضا الآخر، والإقالة تقتضي التقاء الإرادتين؛ وتقسيمات الخيار: حكمي (يثبت بحكم الشرع كخيار العيب) وإرادي (ينشأ من إرادة العاقد كخيار الشرط والنقد والتعيين)، وبحسب الغاية: خيار التروي (يجلب المصلحة) وخيار النقيصة (يدفع الضرر)؛ وعند الدردير أيضا. من أقسام الخيار عند جمهور المالكية: خيارات التروي (المجلس والرجوع والقبول والشرط)، وخيارات النقيصة (العيب والاستحقاق وتفرق الصفقة والهلاك الجزئي)، وخيارات الجهالة (الرؤية والكمية وكشف الحال والتعيين)، وخيارات التغرير (التدليس والنجش وتلقي الركبان)، وخيارات الغبن (المسترسل وغبن القاصر)، وخيارات الأمانة (المرابحة والتولية والتشريك والمواضعة)، وخيارات الخلف، واختلال التنفيذ (التأخير)، وامتناع التسليم (النقد وتعذر التسليم وتسارع الفساد والتفليس). حكمة تشريع الخيار: في الحكمية تلافي النقص بعد تخلف شرط لزوم العقد، ودفع الضرر، وتمحيص التراضي؛ وفي الإرادية الترفيه والتروي بالمشورة أو الاختبار، وتعدد الغرض ممكن؛ وعند المالكية يجبر البائع على التسليم إذا كان الغرض الاختبار وشرط القبض؛ ومدة الخيار بقدر الحاجة إليه عند المالكية، والشافعي وأبو حنيفة لا يجيزونه فوق ثلاثة أيام. الخيار سالب للزوم: عقد الخيار مخالف في الصفة للعقود غير اللازمة كالعارية، وخيار الشرط يمنع ابتداء الحكم، وخيار الرؤية يمنع تمامه، وخيار العيب يمنع لزومه؛ وخيار الرؤية والشرط عند الحنفية يثبت فيهما الفسخ على الكل، والعيب يفرق فيه بين القبض وعدمه. خيار الاختلاف في المقدار والاستحقاق والتأخير وتسارع الفساد: إحالات إلى بيع أو استحقاق أو خيار الشرط أو النقد.خيار كشف الحال
خيار كشف الحال حق الفسخ لمن ظهر له مقدار المبيع على غير ما ظنه، والكشف في اللغة الإظهار ورفع الشيء عما يواريه، وسماها الحنفية كشف الحال وانكشاف الحال والتكشف. مجاله المقاييس الشخصية التي يلجأ إليها المتعاقدان بدلا من المقاييس المتعارفة من وسائل الكيل أو الوزن، كبيع ما يباع بالكيل أو الوزن بإناء بعينه لا يعرف مقداره كصندوق أو كيس أو بوزن حجر بعينه، فالبيع صحيح بشروط خاصة ومستتبع حق الخيار للمشتري أي أن البيع غير لازم، وفي صحته خلاف عنيت بذكره كتب الحنفية. أخذ به الحنفية في رواية وذكروه في عداد خياراتهم المسماة، وأثبته الشافعية وإن أطلقوا عليه غير هذه التسمية وأحيانا عبروا عنه دون تسمية، وذكر ابن حجر أن البيع بملء كوز أو بيت من صبرة أو بوزنة حصاة من ذهب صحيح لإمكان الأخذ من المعين قبل تلفه ولا يشترط العلم بالقدر المعين بخلاف ما لو قال في ذمتي صفته كذا، ومنعه المالكية وعدوه من بيوع الغرر المنهية، والمنع رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. وجه الجواز أن الجهالة الثابتة في هذا العقد لا تفضي إلى المنازعة لأن تسليمه يتعجل في المجلس وإنما تمنع الصحة الجهالة المفضية للنزاع، وقال ابن الهمام إن الوجه يقتضي ثبوت الخيار إذا كال به أو وزن للمشتري ونصت كتب النوازل على ثبوته إذا علم بالوزن، وأقرب نظائره عنده قول أبي حنيفة في بيع الصبرة كل قفيز بدرهم أنه إذا كال في المجلس حتى عرف المقدار صح وثبت الخيار للمشتري كما لو رآه ولم يكن رآه وقت البيع. وجه المنع أن البيع في المكيلات والموزونات إما مجازفة فالمعقود عليه ما يشار إليه وإما بذكر القدر فالمعقود عليه المسمى ولم يوجد هنا أحدهما إذ لم يكن المكيال معلوما. شرائط صحة العقد معه: بقاء المكيال أو الميزان غير المعروف على حالهما فلو تلفا قبل التسليم فسد البيع لأنه لا يعلم مبلغ ما باعه؛ وتعجيل تسليم المبيع في مجلس العقد كما تفيده عبارات الفقهاء كلها ومنها عبارة السرخسي؛ وألا يحتمل المكيال الشخصي النقصان في الكيل خاصة بأن لا ينكبس ولا ينقبض كالخشب والحديد فلا يجوز الزنبيل والجوالق. ومن هذا القبيل بيع ملء قربة بعينها أو راوية فعن أبي حنيفة أنه لا يجوز لأن الماء ليس عنده ولا يعرف قدر القربة لكنه أطلق في المعين جوازه مع اعتبار القرب المتعارفة في البلد لدى غالب السقائين، وعن أبي يوسف أنه إذا ملأها ثم تراضيا جاز، وقال ابن الهمام إن القياس ما روي عن أبي حنيفة والاستحسان الثابت بالتعامل مقتضاه الجواز بعد تسمية نوع القربة إذا لم تكن معينة ثم التفاوت يسير أهدر في الماء.الخلع
الخلع يؤول إلى معنى بذل المرأة العوض على طلاقها، وألفاظه عند الشافعية والحنابلة صريح وكناية: فالصريح لفظ خلع ومشتقاته، ولفظ المفاداة لوروده في القرآن، وزاد الحنابلة لفظ الفسخ لأنه حقيقة فيه؛ والكناية كبارأتك وأبنتك. اختلاف الزوجين: إذا ادعى الزوج الخلع فأنكرت بانت بإقراره، والمال يبقى دعواه والقول قولها بيمينها عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ وإذا ادعت هي الخلع فأنكره لم يقع. واتفقا على الخلع واختلفا في قدر العوض أو جنسه أو حلوله فالقول قولها عند الحنفية والمالكية، وفي رواية للحنابلة قول الزوج لأن البضع يخرج من ملكه. الشافعية إذا تعارضت البينتان يتحالفان كالمتبايعين، ويجب مهر المثل إذا فات العوض.الخلو
الخلو لغة الفراغ، ويطلق في كتب المتأخرين على المنفعة التي يملكها المستأجر لعقار الوقف مقابل مال يدفعه إلى الناظر لتعمير الوقف، على أن يكون له جزء معلوم من منفعته، ويؤدي الأجرة لحظ المستحقين عن الباقي. ويطلق أيضا على حق مستأجر الأرض الأميرية في التمسك بها إن كان له فيها أثر من غراس أو بناء أو كبس تراب، ويطلق على البدل النقدي المأخوذ مقابل التخلي عنه. الألفاظ ذات الصلة: الحكر (الأجرة المقررة على عقار الوقف لمن له فيه بناء أو غراس)، والفراغ والإفراغ (التنازل عن الحق بعوض)، والجدك (أعيان مملوكة للمستأجر متصلة بالحانوت أو غير متصلة)، والكردار (ما يحدثه المزارع من بناء أو غراس بإذن)، والمرصد (دين مستقر على الوقف بعمارة المستأجر)، ومشد المسكة (استحقاق زراعة أرض الغير عند الحنفية المتأخرين). حقيقة ملك الخلو: ملك المنفعة لا ملك الانتفاع، فصاحبه يؤجر ويهب ويعير كما يريد، ومن أدلة الفرق عند المالكية أن مالك الانتفاع يقصد الذات بوصفها، بخلاف مالك المنفعة، ويورث الخلو. أحوال نشوء الخلو في عقارات الوقف: باتفاق الواقف أو الناظر مع المستأجر، ومن صوره عند المالكية أن يكون الوقف آيلا للخراب فيؤجره الناظر لمن يعمره فتصير المنفعة مشتركة، وما قابل الدراهم المصروفة في التعمير هو الخلو، بشرط ألا يوجد ريع يعمر به؛ وصورة المسجد الذي له حوانيت وريعها لا يكفي للعمارة؛ وصورة الأرض الموقوفة المعطلة يستأجرها من الناظر ويبني فيها؛ وصورة المحلات التي تباع منافعها قبل التحبيس؛ وعلى الصورة الثالثة قول الشيخ عليش بالعمل. بيع المنفعة مفردة: يجوز عند الحنابلة بيع بعض الوقف لإصلاح باقيه إذا تعذرت إجارته، ويتحد الواقف والجهة، والبهوتي لا يرى إنشاء الخلو بالمال مطلقا؛ ولا يصير من تلقى العقار عن مستأجر قبله بمال مالكا للخلو، وابن عابدين يرد ذلك. الحنفية: الخلو من بيع الحقوق المجردة، وفي جوازه قولان مبنيان على اعتبار العرف الخاص، والمذهب عدم الجواز عند الشهيد وغيره، وقد أفتى كثيرون باعتبار العرف فجاز النزول عن الوظائف بمال ولزم الخلو، ومال الحموي إلى عدم إثبات الخلو؛ وأفتى العمادي بلزومه للضرورة قياسا على بيع الوفاء. المالكية: فتوى الناصر اللقاني بالتملك والإرث والتقدم في بيع الخلو، وجرى عليها العمل، وقال الحموي إنها لا نص فيها عند مالك؛ وقال الغرقاوي إنها مخرجة على النصوص؛ وفي الاستمرار: العرف عند المالكية كالشرط فيستمر الحكر للأبد إن جرى العرف به، والدسوقي والبناني يجعلان المصلحة مستندا لإثبات الاستمرار. مقدار الحكر: أجرة المثل، والحنفية يرون أن ما دفع من مال كثير طمعا في أجرة قليلة لا يعتبر، لأنه ضرر بالوقف، والخلو يتعين فيه الأجر المثل. شروط ثبوت الخلو عند المالكية: أن تكون الدراهم المدفوعة عائدة على الوقف فتصرف في مصالحه، وألا يكون للوقف ريع يعمر به، وأن يثبت الصرف بالوجه الشرعي. بيع صاحب الخلو خلوه: يصير ملكا يتصرف فيه بالبيع والإجارة والرهن والهبة والعارية والوصية؛ والبهوتي يرى أن الخلو المشترى يملك مشاعا فتصح بيعه وهبته ووفاء الدين منه لا إجارته. شفعة صاحب الخلو: إذا تعدد المستأجرون وبنوا على أرض محكرة فباع أحدهم حصته في البناء فلشركائه الشفعة، وأبو السعود يرى الشفعة في الغراس لأنه يلتحق بالعقار، وابن عابدين يرى ذلك سهوا لمخالفته نص المذهب. وقف الخلو: جمهور متأخري المالكية يجيزونه لأن منفعة الوقف بعضها موقوف وبعضها غير موقوف، والشرواني والحنابلة والأجهوري والمالكية يمنعون وقف الخلو لأنه منفعة وقف وما تعلق به الوقف لا يوقف؛ ورجع عليش إلى جواز وقفه، وبه جرى العمل في مصر. الحنفية: وقف البناء دون الأرض لا يجوز عند كثيرين، وجاز إذا تعارف، وابن نجيم أفتى بجواز بيع البناء والغراس في الأرض المحتكرة ووقفهما، وأما الكبس بالتراب فلا يصح وقفه. الخلو في الأوقاف يورث عند من قال إنه يملك ويباع ويرهن، وقد نقل ذلك عن المالكية والحنفية والحنابلة، ولا يُقبل الشرط في إرثه إلا على فرائض الله؛ وإن كانت تكاليف الإصلاح على صاحب الخلو بقدر ملكه، وقد يشترك فيها الناظر بالنسبة. الحالة الثانية: أن يكون للمستأجر حق القرار بما أنشأه في أرض الوقف بإذن الناظر لأجل أن يكون ملكا له وخلوا، من بناء أو غراس أو كبس تراب (وهو الكردار عند الحنفية)، أو ما أنشأه في مبنى الوقف مما يتصل اتصال قرار (وهو الجدك)، ويكون له البقاء بأجر المثل إلا إذا ضر البقاء. تجديد الإجارة عند الانتهاء: الناظر مخير عند الأصل، لكن الاستبقاء عند من أفتى به أولى دفعا للضرر عن المستأجر؛ ويشترط أن لا تجدد بأقل من أجرة المثل، وإذا زادت الأجرة زيادة معتبرة وجب تجديد العقد بالزيادة، وقبول المستأجر يكفي. شرط حق القرار عند الحنفية أن يكون ما أحدثه بإذن الناظر ليكون ملكا له؛ فإن لم يكن له كردار أو جدك فلا حق له بعد الإجارة، والفتاوى التي تحفظ حقه ضعيفة في ضياع الأوقاف؛ فإن مات قبل البناء انفسخت الإجارة وفات الورثة الحق. بيع الخلو الثابت: يملك المستأجر بيع ما أحدثه من أعيان في الأرض، وينتقل حق القرار إلى المشتري على أن يدفع أجر الأرض خالية؛ أما الحق المجرد قبل البناء فلا يباع عند الحنفية، ومنع بعضهم الفراغ عنه بمال، وعند الحنابلة الفراغ في الأوقاف الأهلية باطل. المالكية: إذا مات الموقوف عليه المؤجر تنفسخ الإجارة، والبناء ملك للباني، فله نقضه أو قيمته منقوضا إن كان في غلة الوقف ما يدفع منها ذلك، وعلى ذلك أفاد الخرشي. الشافعية والحنابلة لم يذكروا النص، وقاعدة الإجارة تقتضي انتهاء الحق بانتهاء المدة، وقال ابن رجب إن الغراس والبناء بعد المدة للمؤجر أن يتملكه بالقيمة إن لم يقلعه المالك، والمشهور أن له تملكه قهرا؛ والعمل أن المالكية يقولون إن الخلو يباع ويرهن ويورث. الخلو في أراضي بيت المال: الأرض الأميرية عند الحنفية لا تورث لأن رقبتها لبيت المال، ولا تنتقل إلا بإذن السلطان؛ ويورث ما عليها من غراس أو بناء؛ ومشد المسكة حق مجرد لا يورث، لكن جرت فتوى متأخرين أن ينتقل إلى الأبناء الذكور لا ميراثا بل أولوية؛ والمالكية في الأرض الأميرية خلاف: منهم من قال لا تورث وهو المشهور، ومنهم من قال تورث منفعتها ما دام يؤدي الخراج. الشافعية والحنابلة يجيزون بيع البناء والغراس الذي أحدثه من في الأرض، ولا يجيزون بيع الأرض، وأحمد كره بيع الدكان بأكثر من قيمته لئلا يتخذ ذريعة لبيع الأرض؛ وابن تيمية أجاز بيعها فتنتقل بخراجها؛ وإن آثر من هي بيده غيره صار الثاني أحق بها. توريث الأرض الأميرية: الحنفية أن ما عليها من غراس أو بناء يورث، ومشد المسكة لا يورث؛ والمالكية عند من لا يورث يرون السلطان أحق بتوجيهها، وعادة توريث الذكور دون الإناث جرت في بعض قرى الصعيد، وعليش يرى التوريث على الفرائض الشرعية ولا يجوز تخصيص الذكور؛ وفي الشرح الكبير يظهر أن السلطان لا يمنع الورثة لئلا تفتح باب الفساد. إرث الخلو: قال به المالكية والحنفية والحنابلة إن كان يملك ويباع ويرهن، ويورث على فرائض الله؛ والمالكية يرون أن ولي من بيده الأرض الأميرية ورثته أحق بها إن كان الخراج قد أدي. الخلو الخاص: لا يثبت حق القرار في الأملاك الخاصة المؤجرة عند الحنفية، لأن المالك أحق بملكه، ولا تنشأ فيها حقوق القرار حتى عند من سماه خلوا في الوقف؛ والحنابلة يجيزون بيع المنفعة لكن لا تجوز الإجارة؛ وإن أحدث المستأجر بناء بإذن المالك وأراد الخروج جاز بيع البناء لمشتر يلتزم أجرة الأرض. أخذ بدل الخلو من مستأجر لاحق: المستأجر الأول إن كان يملك المنفعة بإجارة صحيحة بأجر المثل جاز له أن يأخذ بدلا من مستأجر يحل محله؛ والشيخ عليش يرى أن ما لا إجارة له لا عبرة بخلوه، ويرجع دافع الدراهم على من دفعها له. أحكام الاستمرار بعد انتهاء المدة: للمالك حق استرداد ملكه، إلا أن يكون العقد اتفق فيه على إنشاء الخلو بمال فيجوز بيعه إلى مستأجر لاحق عند من أخذ بذلك. اكتمل بذلك المدخل.الخُلطة
الخُلطة لغة من الخلط، والخليط المخالط، والخلطة الشركة والعشرة. والخلطة في الفقه نوعان: خلطة الأعيان (وتسمى خلطة الاشتراك أو الشيوع) وهي أن يكون المال لاثنين أو أكثر على الشيوع فيبقى بحاله غير متميز، وخلطة الأوصاف (وتسمى خلطة الجوار) وهي أن يعرف مال كل منهما ويخلطاه في المرافق دون أن يتميز. الحكم التكليفي: الخلطة في الأصل مباحة، وقد يحصل بها الرفق بأصحاب الأموال، كجمع الغنم عند راع واحد أو المزارعة باتحاد الماء والحراث. وقد نهي عن إظهار صورة الخلطة لتقليل الزكاة الواجبة، وعن إظهار صورة الانفراد لذلك، بحديث «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة». أحكام الخلطة في الزكاة: الجمهور يرون لها تأثيرا في الزكاة، ويستدلون بحديث أنس «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية»، مع خلاف في بعض الشروط وفي الأموال التي تؤثر فيها. الخلطة في الزكاة: فسر الأزهري والشافعي حديث «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» بمنع خلط المالين للتهرب من الواجب، وقال الحنفية لا أثر للخلطة مطلقا لأن الجمع والتفريق في الملك لا في الأمكنة. أوجه تأثير الخلطة: تكميل النصاب (الشافعية والحنابلة)، والقدر (زيادة أو نقصان)، والسن، والصنف، وقد لا تؤثر؛ ويجوز عند الشافعية والحنابلة أن يخرج أحد الخليطين عن خليطه بإذن أو بغير إذن على خلاف. الأموال التي تؤثر فيها الخلطة عند غير الحنفية: السائمة باتفاق؛ والزروع والثمار والعروض والنقود: الأظهر عند الشافعية تأثيرها، ومالك وأحمد في رواية وأكثر أهل العلم يرون أنها لا تؤثر إلا في الماشية، وخلطة الجوار في الزروع عند الأوزاعي وإسحاق. شروط التأثير: أن يكون لكل خليط نصاب تام عند المالكية، أو مجموع المالين نصابا عند الشافعية، والحنابلة لا يشترطون نصاب كل منهما؛ وأن يكونا من أهل الزكاة مسلمين أحرارا؛ ونية الخلطة شرط عند المالكية، والشافعية والحنابلة يرون أنها لا تؤثر؛ والاشتراك في المرافق: في الأنعام المشرع والمراح والمبيت والحلب والمسرح والمرعى والراعي والفحل، وتعدد الشروط عند كل مذهب؛ وفي الزروع والثمار: الناطور والجرين والماء والحراث والعامل ونحوها. شرط الحول: الشافعية في الجديد والحنابلة يعتبرون الاختلاط طول الحول، والمالكية يعتبرون الاختلاط آخر الحول، وفي الزروع والثمار إلى زهو الثمار واشتداد الحب. كيفية الإخراج: يعامل مال الخلطاء معاملة مال واحد، فللساعي أن يأخذ الفرض من أي المالين، ومن الصغار أو الكبار حسب الحال. الترادّ فيما يأخذه الساعي: في خلطة الاشتراك لا إشكال، وفي خلطة الجوار يتراجع الخليطان بالنسبة العددية وبقيمة المأخوذ، ويعتبر ابن القاسم قيمة يوم الأخذ وأشهب يوم التراجع؛ وإن أخذ الساعي بغير حق متأولا تأويلا سائغا فحكمه كالأخذ بحق، وإن لم يكن متأولا فلا تراجع. إذا أخذ الساعي بغير حق وغير متأول فلا يرجع المأخوذ منه على خليطه، لأن الأخذ مظلمة لا يرجع بها على غيره، وإذا أخذ سنا أكبر من الواجب رجع المأخوذ منه على خليطه بقيمة حصته من الفرق، لأن الزيادة ظلم.الخمس (في الغنيمة)
الخُمس لغة جزء من خمسة أجزاء، وخمّسه أخذ خمسه، والخمس في الاصطلاح خمس الغنيمة أو الفيء، والتخميس إخراج الخمس من الغنيمة. الألفاظ ذات الصلة: المرباع (ربع الغنيمة الذي يأخذه الرئيس في الجاهلية)، والصفي (ما يصطفيه الرئيس لنفسه قبل القسمة، ومنه في الإسلام ما اصطفاه النبي كالسيف والفرس والأمة)، والنشيطة (ما يأخذه الرئيس قبل القسمة)، والفضول (بقايا الغنيمة التي لا تستقيم قسمتها على الجيش). الحكم: تخميس الغنيمة واجب بالاتفاق بقوله تعالى في سورة الأنفال؛ والتخميس في الفيء خلاف بين الفقهاء. الأموال التي تخمس: الغنيمة، وهي ما يأخذه المسلمون من الكفار بالقوة؛ وكانت الغنائم حلالا للنبي وأمته، ثم صار أربعة أخماسها للغانمين والخمس لأهل الخمس؛ والغنيمة إن كانت أرضا فتحت عنوة ففي تخميسها خلاف. وإن كانت منقولة وجب تخميسها بعد إخراج السلب والمؤن. أسهم الخمس عند الشافعية والحنابلة خمسة: سهم لله ولرسوله يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين وأرزاق القضاة والعلماء، وسهم لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب ويستحقونه بالانتساب إلى الآباء ذكورا وإناثا غنيا وفقيرا عند الجمهور، وسهم لليتامى ويشترط عند المشهور أن يكونوا فقراء مسلمين، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل؛ ويجب تعميم المستحقين بالعطاء إن وفى المال. الحنفية يقسمون الخمس ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، ويرون أن سهم الله والرسول سقط بموته، وسهم ذوي القربى بالنصرة ثم بالفقر؛ والمالكية يجعلونه موكولا إلى نظر الإمام؛ وطائفة تجعله ستة أسهم؛ وأبو العالية يجعل سهم الله ما يقبض عليه الإمام للكعبة. الفيء لا يخمس عند الحنفية والمالكية، والخرقي من الحنابلة والشافعية يخمسونه، والأخماس الأربعة للمرتزقة. السلب: إن استحقه القاتل لا يخمس عند جمهور الفقهاء، وعن ابن عباس والأوزاعي ومكحول أنه يخمس؛ والحنفية يخمسونه إلا أن ينفل به الإمام؛ وفي أثر البراء بن مالك أن عمر خمس سلبه. الركاز: المدفون في الأرض، والواجب فيه الخمس لحديث أبي هريرة، وتفصيله في الزكاة والركاز والمعدن والكنز.الخنثى
الخنثى لغة الذي لا يخلص لذكر ولا أنثى، أو الذي له ما للرجال والنساء من الخنث أي اللين؛ واصطلاحا من له آلتا الرجال والنساء، أو من ليس له شيء منهما وله ثقب يخرج منه البول. يفترق عن المخنث، وهو الذي يتشبه بالنساء في اللين والكلام والحركة؛ فمن كان كذلك بخلقه فلا إثم عليه، والمتكلف للتشبه ملعون في الأحاديث الصحيحة. الخنثى غير المشكل تظهر فيه علامات الذكورة أو الأنوثة فيكون حكمه حكم ما ظهرت فيه؛ والمشكل لا تظهر علاماته أو تتعارض، وهو نوعان: من له آلتان واستوت علاماته، ومن لا آلة له وله ثقب. يتحدد نوعه قبل البلوغ بالبول: إن بال من الذكر فغلام، وإن بال من الفرج فأنثى، وإن بال منهما فالسابق؛ ويستدل الجمهور بأثر ابن عباس ويرون أن منفعة الآلة عند الانفصال خروج البول. إذا استويا: المالكية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد يعتبرون الكثرة، والشافعية والحنفية الأكثر لا يرجح، وقال بعض المالكية إن البول من الفرج مرتين ومن الذكر مرة يدل على أنوثته. بعد البلوغ يتبين الأمر بالأسباب: نبات اللحية أو الإنزال بالذكر أو إحبال امرأة أو الوصول إليها فرجل، والحيض أو اللبن أو إمكان الوطء فامرأة، والولادة قطعية الأنوثة، والميل: إلى الرجال فامرأة، وإلى النساء فرجل، وإن استوى فمشكل؛ وإطلاق الخنثى في الفقه يعني المشكل. أحكام الخنثى المشكل: يؤخذ فيها بالأحوط والأوثق، ولا يحكم بثبوت حكم وقع الشك فيه. العورة: كعورة المرأة عند الحنفية والشافعية، وكف الخنثى وقدميه وصوته وذراعيه بتفصيل؛ والمالكية يسترون بالأحوط كالمرأة في الصلاة والحج؛ والحنابلة كالرجل. نقض الوضوء بلمس الفرج: الحنفية والمالكية في رواية لا ينقض، والمالكية في المذهب والشافعية ينقضان، والحنابلة يفصلون. الغسل بالإيلاج بلا إنزال: لا يجب عند الحنفية والشافعية والحنابلة، خلافا للمالكية؛ والأذان من الخنثى لا يصح بالاتفاق. الصف والإمامة: يقف الخنثى بعد الرجال والصبيان وقبل النساء؛ والإمام يقيمه عن يمينه عند الحنابلة؛ وإمامة الخنثى للرجال لا تصح، وللنساء صحيحة عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويقوم أمامهن لا وسطهن عند جمهورهم؛ ومنع المالكية إمامته. الحج والإحرام: الخنثى كالأنثى في شروط الحج عند الجمهور، ولا يحج إلا مع ذي محرم؛ والحنابلة لا فدية إن غطى رأسه أو وجهه وحده، وفدية إن غطاهما. النظر والخلوة: لا يخلو به غير محرم، ولا يسافر به غير محرم من الرجال، ولا يتكشف للنساء ولا للرجال احتياطا؛ والقفال من الشافعية أجاز ذلك استصحابا لحكم الصغر. النكاح: الحنفية إن زوجه أبوه رجلا فوصل إليه جاز، وإلا أجل كالعنين؛ والمالكية والشافعية يمنعونه من النكاح من الجهتين؛ والحنابلة يرجعون إلى قوله في الميل، وأبو بكر لا يجيزه حتى يتبين أمره. الرضاع: لبنه لا يثبت به التحريم عند الحنفية وجمهور الحنابلة؛ والمالكية يرون أنه ينشر الحرمة قياسا على الطهارة والحدث؛ والشافعية وابن حامد يوقفون الأمر. الإقرار: إن أقر بما يقلل ميراثه أو ديته قبل، وما يزيد لا يقبل، وفي العبادات يقبل قوله؛ الشهادة: كالأنثى، وتعد امرأة، وقضاؤه لا يصح عند المالكية والشافعية والحنابلة؛ والحنفية يصححونه في غير حد وقود. القصاص: يقتل به الرجل والمرأة، ويقتل بهما؛ وفي الأطراف يقتص عند المالكية والشافعية والحنابلة، ولا قصاص عند الحنفية. الدية: يبدأ الكلام عنها عند الحنفية عند القتل. الدية: المالكية والحنابلة يوجبون نصف دية ذكر ونصف دية أنثى لاحتمال الذكورة والأنوثة، والشافعية يوجبون دية أنثى لأنها اليقين؛ والحنفية والشافعية نصف دية الذكر في الجراح، والمالكية والحنابلة يساوون الذكر إلى الثلث. لا يدخل الخنثى في العاقلة، فإن بان ذكرا غرم الشافعية حصته مما أداه غيره؛ والقسامة: الحنفية والحنابلة في قول لا يدخل؛ المالكية والحنابلة في قول يقسم؛ والشافعية يحلف الأكثر ويوقف الباقي. حد القذف: المالكية والشافعية يوجبونه إن قذف بالزنى بالفرج الذكر، وإن زنى بأحدهما فلا حد؛ والحنفية لا حد للخنثى ويعزر. الختان: الحنفية يجيزونه للصغير الذي لا يشتهى من رجل أو امرأة؛ والمالكية منهم من يمنعه احتياطا؛ والشافعية يمنعونه في الصغر، وفي البلوغ وجهان؛ والحنابلة يختن فرجيه احتياطا. لبس الحرير والذهب والفضة: جمهور الفقهاء يحرمونه؛ والحنفية يكرهونه احتياطا. الغسل والتكفين والدفن: الحنفية لا يغسله رجل ولا امرأة بل يمم؛ والشافعية يفصلون: إن كان صغيرا جاز للرجال والنساء غسله، وإن كان كبيرا فوجهان؛ والحنابلة يممونه بحائل إن بلغ سبع سنين؛ ويكفن في خمسة أثواب بيض كالجارية؛ ويوضع بين الرجل والمرأة في الصلاة؛ ويستحب تسجيته. الميراث: المالكية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد يورثونه نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى؛ وأبو حنيفة أقل النصيبين احتياطا؛ والشافعية يعطونه اليقين ويوقفون الباقي حتى يتبين الأمر أو يصطلحوا.الخروج
الخروج لغة نقيض الدخول، ويستعمله الفقهاء بمعناه، ويطلقونه أيضا على البغي أي الخروج على الأئمة. الخارج من السبيلين: المني والحيض والنفاس يوجب الغسل، والمعتاد غير المني كالبول والغائط والريح ينقض الوضوء، وغير المعتاد ينقضه عند الحنفية والشافعية والحنابلة وابن عبد الحكم، ولا ينقضه عند جمهور المالكية كالدود والحصى. خروج القدم أو أكثرها إلى ساق الخف يثبت به حكم نزع الخف؛ والشافعية لا يرون ذلك إلا في الخف الطويل الخارج عن العادة. يكره الخروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر عند الجمهور، ويحرم عند الحنابلة استدلالا بأثر أبي هريرة. الكلام حين يخطب الإمام محرم عند جمهور الفقهاء، والكلام قبل أن يبدأ الخطبة مباح عند الجمهور، وأبو حنيفة يحرمه بمجرد خروجه؛ والتطوع ممنوع بعد خروجه عند الحنفية والمالكية، وينقطع بجلوسه على المنبر عند الشافعية والحنابلة، استنادا إلى حديث «اجلس فقد آذيت وآنيت». المعتكف لا يخرج إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة، والشافعية يوجبون الخروج للجمعة. الخروج للاستسقاء يخرج فيه الشباب والشيوخ والضعفاء والعجزة وغير ذوات الهيئة من النساء، مشاة بتواضع وخشوع، بعد التوبة وتقديم الصدقة؛ واختلفوا في خروج أهل الذمة. الأصل أن المرأة مأمورة بلزوم البيت، ويذكر الكاساني أن من ملك الاحتباس منعها من الخروج، واستدل بآيات السكنى وقرن في بيوتكن، وبحديث «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان». وتخرج عند الحاجة كزيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم وشهود الجنازة والعرس وقضاء حاجة لا غنى عنها، بقيود: ألا تخشى الفتنة بها، وأن يكون الطريق مأمونا، وأن يكون في زمن أمن الرجال، وألا يفضي إلى اختلاطها بالرجال، وأن يكون بهيئة غير متبرجة. ولا تخرج إلا بإذن زوجها عند الجمهور، وللزوج منعها إذا كان لها بد عن الخروج لزيارة والديها، وينبغي له ألا يمنعها من عيادتهما؛ والمفتى به عند الحنفية أنها تخرج للوالدين كل جمعة وللمحارم في كل سنة بإذنه أو بدونه. وتخرج بغير إذنه لما لا غنى لها عنه: كالذهاب إلى القاضي لطلب حقها، وكسب النفقة إذا أعسر الزوج، والاستفتاء إذا لم يكن زوجها فقيها، وإذا كان المنزل مشرفا على الانهدام. خروج المرأة إلى المسجد: كرهه الشافعية وصاحبا أبي حنيفة للشابة أو من تشتهى، وأجازوه للعجوز في الصلوات؛ والمالكية يقسمون النساء أربعة أقسام؛ والحنابلة يبيحون حضور الجماعة مع الرجال، استنادا إلى قول النبي «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». اتفق العلماء على أن المرأة لا تسافر في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام. يستحب عند الخروج من المسجد تقديم الرجل اليسرى والدعاء، وعند الخروج من البيت قول «بسم الله توكلت على الله» كما في حديث أم سلمة وأنس، وعند الخروج من الخلاء تقديم اليمنى والدعاء. جمهور الفقهاء يوجبون على المعتدة لزوم البيت، وتفصيل ذلك في مصطلح العدة. وتبقى المعتدة ملازمة السكن ولا تخرج إلا لحاجة أو عذر، فإن خرجت أثمت، وللزوج منعها. ولا يصحب أمير الجيش معه مخذلا ولا مرجفا ولا جاسوسا، ومن خرج معهم فلا يسهم له ولا يرضخ وإن أظهر عون المسلمين. أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام العدل وتحريم الخروج عليه، واختلفوا في الخروج على الجائر. والمحبوس لأجل الدين يمنع من الخروج إلى أشغاله ومهماته وعيادة المرضى وتشييع الجنازة؛ لأن الحبس طريق إلى قضاء الدين.الخشوع
الخشوع لغة السكون والتذلل، وخشع في صلاته ودعائه أقبل بقلبه على ذلك، ومنه خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت؛ والخشوع ضراعة في الجوارح أكثر، والضراعة في القلب أكثر؛ والتخشع تكلف الخشوع، وقال قتادة هو الخوف وغض البصر في الصلاة. الخضوع التواضع ويكون في البدن، والإخبات ملازمة الطاعة والسكون. جمهور الفقهاء على أن الخشوع في الصلاة سنة، لأن من يفكر في أمر دنيوي تصح صلاته ما دام ضابطا أفعالها، ويسن للمصلي أن يخشع بقلبه وجوارحه، بألا يحضر فيه غير الصلاة، وألا يعبث بجسده أو ثيابه، ويستحضر أنه بين يدي الملك الذي يعلم السر وأخفى. الأصل في طلب الخشوع قوله تعالى «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون»، وفسره علي بلين القلب وكف الجوارح. يستحب للمصلي أن يتدبر القراءة ويفرغ قلبه من الشواغل ولا يسترسل مع حديث النفس، لأن حضور القلب فراغه عن غير ما هو فيه. جمهور الفقهاء يرون أن الصلاة صحيحة مع ترك الخشوع، لأنها لا تبطل بعمل القلب، لكنه مكروه ولا ثواب معه؛ وبعض فقهاء المذاهب جعلوه فرضا لا تبطل الصلاة بتركه لأنه معفو عنه، أو فرضا تبطل بتركه، أو شرطا في جزء منها، وحدده بعضهم عند تكبيرة الإحرام. والخشوع المذموم هو المتكلف أمام الناس بمطأطأة الرأس والتباكي، وهو من خداع الشيطان.الخصومة
الخصومة لغة المنازعة والجدل والغلبة بالحجة، وأطلقها الفقهاء على رفع الدعوى أمام القضاء. تفترق عن العداوة، وهي ما يتمكن في القلب من قصد الإضرار والانتقام؛ والمخاصمة قول والمعاداة فعل قلب. الحنفية يعرفون الدعوى بأنها قول مقبول عند القاضي لطلب حق على غيره أو دفعه عن حق نفسه، فتتساوى عندهم مع الخصومة؛ والشافعية يعرفونها بإخبار بحق على غيره عند حاكم. الخصومة قسمان: أن ينفرد الخصم بها ولا يحتاج إلى حضور غيره، كمن يترتب على إقراره حكم فهو خصم بإنكاره؛ وأن تحتاج إلى طرف آخر كمسائل الوديعة والعارية والإجارة والرهن والغصب. ضابط الخصومة: المدعي يكون خصما إذا كان يترتب على إقراره حكم، والمدعى عليه إذا لا يصح إقراره لا يكون خصما بإنكاره، كدعوى الدين على ولي الصغير.الخطبة
الخطبة لغة الكلام المنثور يخاطب به متكلم فصيح جماعة من الناس لإقناعهم، واصطلاحا كلام مؤلف يتضمن وعظا وإبلاغا على صفة مخصوصة. تفترق عن الموعظة وهي النصح والتذكير بالعواقب، وعن الوصية وهي التقدم بما يعمل به مقترنا بوعظ، وعن النصيحة التي تكون سرا بينما تشترط في الخطبة أن يسمعها جماعة. الخطب المشروعة: خطبة الجمعة والعيدين والكسوفين والاستسقاء وخطب الحج، وكلها بعد الصلاة إلا خطبة الجمعة وخطبة الحج يوم عرفة؛ ومنها الخطبة في خطبة النكاح. خطبة الجمعة شرط لصحة الجمعة عند الجمهور، والحنفية يرون الشرط خطبة واحدة وتسن اثنتان، وحجة الجمهور فعله مع قوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولأن الخطبتين مقام الركعتين. أركان الخطبة: الحنفية يكتفون بتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة، والصاحبان يشترطون ذكرا طويلا يسمى خطبة؛ والمالكية أقل ما يسمى خطبة عند العرب ولو سجعتين فيه وصية؛ والشافعية خمسة أركان: حمد الله، والصلاة على النبي، والوصية بالتقوى، والدعاء للمؤمنين في الثانية، وقراءة آية مفهمة. أركان الخطبة عند الحنابلة أربعة: حمد الله بلفظ الحمد، والصلاة على النبي بصيغتها، والموعظة وهي مقصودها، وقراءة آية كاملة؛ وزاد بعضهم الموالاة والجهر، والأليق عند غيرهم أن يكونا شرطين. شروط الخطبة: أن تقع في وقت الجمعة، وهو عند الجمهور وقت الظهر، والحنابلة يرون أول وقت العيد بعد ارتفاع الشمس، وحجتهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان؛ وأن تكون قبل الصلاة، فإن خطب بعدها أعاد الصلاة إن قرب وإلا استأنفها. وأن يحضرها جماعة تنعقد بهم الجمعة: الحنفية يكفي واحد غير الإمام، والمالكية اثنا عشر، والشافعية والحنابلة أربعون؛ وأن يرفع الصوت بقدر ما يسمع العدد المعتبر. الإنصات: الجمهور يوجبونه ويحرمون الكلام إلا للخطيب ومن يكلمه أو لتحذير من هلاك، والشافعية في القديم كالجمهور وفي الجديد لا يجب ولا يحرم، لحديث الأعرابي الذي سأل وهو يخطب. الموالاة بين الأركان والخطبتين والصلاة، ويغتفر اليسير؛ والحنفية يشترطون ألا يفصل بعمل قاطع. العربية: الجمهور يشترطونها تعبدا، ولو كان الجمع عجما، وأبو حنيفة يجيز غيرها، والصاحبان يوافقان الجمهور إلا لعاجز؛ والمالكية يشترطون أن يفهم الخطيب معنى ما يقول؛ والشافعية يوجبون تعلم العربية كفاية، وإن لم يمكن خطب واحد بلغته. النية: الحنفية والحنابلة يشترطونها، والمالكية والشافعية لا يشترطونها. سننها المتفق عليها: الخطبة على منبر أو موضع مرتفع، والجلوس قبل الشروع، واستقبال القوم بوجوههم، والأذان بين يدي الخطيب كما كان في عهد النبي، ورفع الصوت، وتقصير الخطبتين وقصر الثانية. سننها المختلف فيها: القيام مع القدرة (شرط عند الشافعية وأكثر المالكية، وواجب عند الدردير)، والاعتماد على قوس أو عصا، والجلوس بين الخطبتين، والطهارة من الحدث والخبث (شرط عند الشافعية وأبي يوسف)، وستر العورة، والسلام على الناس مرتين عند الشافعية والحنابلة، والبداءة بالحمد ثم الشهادة ثم الصلاة على النبي وغيرها من الترتيب. مكروهاتها: عند الحنفية التطويل، وترك السنن، والتسبيح والقراءة والصلاة على النبي لمن يسمع الخطبة، وتشميت العاطس ورد السلام؛ والكمال بن الهمام يحرم الكلام؛ والمالكية يكرهون تخطي الرقاب بعد جلوس الخطيب، ويحرمون الكلام والسلام والتنفل بعد الخروج؛ والشافعية يكرهون الدق على درج المنبر والالتفات والمبالغة في أوصاف الولاة؛ والحنابلة يكرهون رفع اليدين في الدعاء وسؤال الدعاء بعد الصعود. يكره للمصلي أن يسند ظهره إلى القبلة، ويكره رفع الصوت قدام بعض الخطباء، وابتداء التطوع بخروج الخطيب إلا تحية المسجد فلا تمنع. خطبتا العيد سنة لا يجب حضورهما ولا استماعهما لحديث ابن السائب، وعند بعض المالكية تلزم من شهد الصلاة؛ وهما كخطبة الجمعة في صفتها إلا أنهما بعد الصلاة بالإجماع، ويفتتحان بالتكبير لا بالحمد، ويكبر في أثنائهما، والجمهور يستحب تسع تكبيرات في الأولى وسبع في الثانية، والمالكية لا حد لذلك؛ ويبين في خطبة الفطر زكاة الفطر، وفي خطبة الأضحى أحكام الأضحية؛ وعند الشافعية لا يشترط فيهما القيام والطهارة وستر العورة والجلوس. خطبة الكسوف: الحنفية والحنابلة لا خطبة فيها، والمالكية يندبون وعظا بعدها بلا صفة الخطبة، والشافعية يندبون خطبتين كخطبتي الجمعة في أركانهما وسننهما، ولا يصح تقديمها على الصلاة. خطبة الاستسقاء: يندب عند الجمهور أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة كخطبة العيد يعظ فيها ويأمر بالتوبة والصدقة؛ وأبو حنيفة لا صلاة جماعة فيها ولا خطبة؛ والمالكية والشافعية ومحمد بن الحسن يرون خطبتين، والحنابلة وأبو يوسف خطبة واحدة. خطب الحج: يسن أن يخطب الإمام أو نائبه فيها، والجمهور ثلاث خطب والشافعية أربع: الأولى في السابع من ذي الحجة بمكة، والثانية يوم عرفة بنمرة قبل الظهر والعصر، والثالثة يوم النحر بمنى عند الشافعية والحنابلة، ويجعلها الحنفية والمالكية في الحادي عشر، والرابعة لدى الشافعية والحنابلة في ثاني أيام التشريق. خطبة النكاح: يستحب أن يخطب العاقد أو غيره خطبة واحدة قبل العقد، والشافعية يستحبون خطبتين.قاعدة لا ضرر ولا ضرار
قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من أصول الفقه الكبرى مأخوذة من حديث أبي سعيد الخدري — الحديث الثاني والثلاثون من الأربعين — وفي لفظ طريق الدراوردي عند الدارقطني والحاكم والبيهقي «من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه»؛ رواه مالك في الموطأ مرسلاً ولم يختلف عنه في إرساله عند ابن عبد البر وقال لا يسند من وجه صحيح، وقال خالد بن سعد الأندلسي لم يصح مسنداً، وصحح الحاكم إسناد الطريق المروية على شرط مسلم، وله طرق يقوى بعضها ببعض كما قال النووي؛ ومعناها نفي الضرر ابتداءً ومجازاةً: فلا يضر الإنسان نفسه ولا غيره ابتداء، ولا يجازى على ضرر بضرر مثله إلا بالقصاص الشرعي، وتستعمل القاعدة في إسقاط المشقة عن التكاليف ودرء المفاسد (جامع العلوم والحكم ص 667–668).التعلم والتعليم
التعلم مطاوع التعليم، والتعليم تعريف الشيء وتكريره حتى يحصل أثره في نفس المتعلم، وهو عند الراغب أخص من الإعلام الذي يكون بالخبر السريع. يفرق عن التثقيف، وعن التدريب الذي هو من وسائل التعليم، وعن التأديب الذي يكون بالرياضة وبالعقوبة. ويكون التعلم فرض عين فيما لا يستغنى عنه المسلم في عقيدته وعباداته ومعاملاته، وفرض كفاية فيما تقوم به أمور الدنيا كالطب والحساب والنحو، ومندوبا في التبحر، وحراما كالشعوذة والسحر والكهانة والعرافة والرمل، ومكروها كأشعار الغزل التي تصف نساء بأعيانهن، ومباحا فيما لا إنكار فيه. ويجب التعليم فرض كفاية، ويتعين على من لا يوجد غيره، ويلزم فيما يحتاجه السائل عن الإسلام أو الحلال والحرام، ويعتبر الإمام النووي تعليم الطالبين فرض كفاية. وتقوم الأدلة على فضل العلم من الآيات والأخبار والآثار، ومنها حديث من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ويذكر الفقهاء آداب المعلم: أن يقصد وجه الله، وأن يشفق على طلابه، وأن يتواضع، وأن يقتصر على قدر فهمهم، وأن يكون عاملا بعلمه. وآداب المتعلم: تطهير القلب، والتواضع للمعلم، وعدم الإعنات بالسؤال، والحرص والمواظبة، والحلم والأناة وعلو الهمة. ويجب على الآباء تعليم الصغير ما تصح به عقيدته وعبادته، وأن يعلموه الأخلاق والسباحة والرمي، ويرى الرافعي وجوب هذا التعليم والنووي تصحيحه. وتعليم النساء القرآن والعلوم والآداب مشروع بالإجماع، ويجب منه ما تحتاجه المرأة كطب النساء، ويرى أكثر الفقهاء عدم كراهة تعليمهن الكتابة. وللمعلم ضرب الصبي للتأديب بقيود: أن يكون معتادا، وأن يكون بإذن الولي، وأن يكون الصبي يعقل التأديب؛ والمعلم يضمن عند الحنفية إن ضرب بغير إذن، وعند الشافعية يضمن مطلقا إن أدى الضرب للهلاك. والاستئجار على تعليم القرآن والعلم الشرعي مختلف فيه: عدم الصحة عند المتقدمين من الحنفية ورواية عند الحنابلة، والجواز عند المتأخرين من الحنفية والمالكية في قول وعند الحنابلة في رواية. والمالكية يجيزون الإجارة على تعليم القرآن ويكرهونها على تعليم الفقه وغيره، والشافعية يشترطون تعيين السورة أو المسألة. ويجوز الاستئجار على الحرف والصناعات المباحة، ويجيزه الجمهور على العلوم غير الشرعية البحتة، ويكرهه المالكية. ولا يجوز تعليم العلوم المحرمة كالكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والشعبذة والسحر، ولا أخذ العوض عليها. ويشترط لحل صيد الجوارح أن يكون الجارح معلما، وذلك بالنص.المَفْصِل
المفصل في اللغة ملتقى العظمين من الجسد، وفي الاصطلاح موضع اتصال عضو بآخر برباطات واصلة بين عظمين. ويتعلق به حكم في الوضوء والغسل، إذ يُسن غسل اليدين إلى الرسغ ثلاثا قبل إدخالهما الإناء. وفي القصاص لا يجب القصاص فيما دون النفس إلا إذا كان القطع من مفصل. وفي الديات في قطع كل أنملة ثلث عشر الدية، وفي الإبهام نصف عشر لكل مفصل. وعند جمهور الفقهاء يكون قطع اليد في السرقة من الكوع، وهو مفصل الكف، وقطع الرجل من مفصل الكعب.نفقة المطلقة المرضع والرضيع
يقرّر الشعراوي من آية البقرة 233 أن الرزق والكسوة على المولود له (الأب)، وأنهما للمطلقات المرضعات في الأصل لا للزوجات عموماً، وأن الإنفاق يُقدَّر بالمعروف ولا يُكلَّف أحد فوق طاقته، وأن على الوارث مثل ذلك إذا مات الأب.المعصية
المعصية في اللغة الخروج من الطاعة، وفي الاصطلاح فعل حرام مقصود بعينه، وتفرق عن الزلة التي هي فعل غير مقصود في عينه. وقسّم الفقهاء المعاصي باعتبارات: فجمهور العلماء يقسمونها إلى صغائر وكبائر، وأنكرت جماعة الصغيرة، وقسّمها الحليمي إلى صغيرة وكبيرة وفاحشة، وقسّمها الماوردي باعتبار ميل النفس إليها. ومن آثارها عقوبات دنيوية حسية ومعنوية، وأخروية، وتجب التوبة منها على الفور، ويُكره الإصرار عليها، وتُستحب الصدقة عقبها عند الشافعية، ويُستر الذنب عند الجمهور، ولا يجوز التحدث به تفكهاً، ولا تصح الإجارة ولا الوقف ولا الوصية ولا النذر فيها، ولا تُعطى الزكاة لمن خرج في معصية.المِعْصَم
المعصم في اللغة موضع السوار من الساعد، وهو مفصل الكف من الساعد، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن اللغوي. يجب غسله في الوضوء، ويُقطع منه اليد في السرقة والحرابة عند جمهور الفقهاء، ويقتصّ الشافعية بالقطع من المعصم عند القطع من الساعد، ولا خلاف في وجوب دية كاملة لقطع اليدين من المعصم ونصفها لقطع إحداهما.ملك اليمين
ملك اليمين في تفسير الشعراوي حكم يتصل بتصفية الرق: يرى أن الإسلام وسّع مصارف العتق، وأن الجارية تُطعَم وتُكسى ولا تُكلَّف ما لا تطيق، وأن الولد من السيد حُرّ، وأنه لم يعد لملك اليمين مصدر في زمانه.الميراث
يحذّر الشيخ عمر عبد الكافي من حرمان وارث من ميراثه، ويقول إن من منع وارثا من إرثه منعه الله من إرثه في الجنة يوم القيامة (needs_source). ويذكّر بأن الله هو الذي حدّد الحدود وفرض الفرائض ووزّع المواريث، فليس للمرء أن يتدخل في توزيعها.المجتهد
المجتهد من يبلغ رتبة استنباط الأحكام من أدلتها؛ تعرض الموسوعة الفقهية الكويتية طور الاجتهاد وطبقات المجتهدين والفقهاء.المسكرات
المسكرات في الحديث السادس والأربعين من زيادات ابن رجب جامعة لا خاصة بالخمر: «كل مسكر حرام» — سئل النبي عن البتع نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير من أشربة اليمن فعمم الحكم كل مسكر، وفي لفظ مسلم «كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام» — قال ابن رجب هذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل، وتدرج التحريم عنده: حرمت الخمر أولاً عند حضور الصلاة بالآية «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى» بعد خلط أحد المهاجرين في القراءة ثم حرمت على الإطلاق (جامع العلوم والحكم ص 881).النَّفْي (التغريب والإبعاد)
النفي في اللغة التغريب والطرد والإبعاد. وفي تفسير الآية في سورة المائدة ثلاثة أقوال: التشريد في البلدان عند الحنابلة والشافعية في قول، والحبس عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، والجمع بين الإبعاد والحبس عند مالك. وشُرع النفي بالكتاب والسنة والإجماع، وهو واجب في حد الحرابة، ومشروع في التعزير، وعند جمهور الفقهاء واجب في حد الزنا لغير المحصن، وعند الحنفية تعزير. وفي الزنا مدته سنة عند الجمهور، وفي الحرابة حتى تظهر التوبة، وفي التعزير بقدر ما يرى القاضي. وتنتهي العقوبة بانتهاء المدة أو بالموت أو بالجنون أو بالمرض المهلك أو بالعفو أو بالشفاعة على تفصيل. والمرأة لا تُغرَّب عند الحنفية والمالكية، وعند الشافعية والحنابلة لا تُغرَّب إلا مع محرم أو نسوة ثقات.نَهْب
النهب في اللغة الأخذ بالغلبة والعلانية، وعند الفقهاء الأخذ بالقهر والغلبة علانية، أو الأخذ مما أباحه صاحبه كالذي ينثر في الولائم، وهو يفارق الاختلاس والغصب والسرقة.النَّقْض
النقض في اللغة إفساد ما أُبرم، وفي الأصول قدح في العلة بتخلف الحكم عن الوصف. ومن صوره نقض الطهارة، ونقض العهود بالهدنة والأمان وعقد الذمة، ونقض الاجتهاد، ونقض القضاء. والأصل أن الحكم لا ينقض إلا إذا خالف نصاً من كتاب أو سنة أو إجماعاً، وزاد المالكية والشافعية القياس الجلي والقواعد. وما وافق الصواب أو كان محل اجتهاد لا ينقض، وفيما يختلف فيه الفقهاء تفصيل. وينقض حكم القاضي غير الصالح والجائر على تفصيل، وينقض حكم شهود الزور أو ما بان فيه فسق الشهود، ولا ينقض حكم برجوع الشهود بعد الاستيفاء في المال. وينقض القاضي حكم نفسه إذا تبين له الخطأ، ولا يتتبع أحكام غيره إلا عند المخالفة الصريحة. وفي حق الله يحكم القاضي بالنقض من غير طلب، وفي حق الآدمي لا بد من مطالبة صاحبه.نَوْع
النوع في اللغة الصنف، يقال تنوّع الشيء أنواعاً. وفي الاصطلاح قال الجرجاني إنه اسم دالّ على أشياء كثيرة مختلفة بالأشخاص. وللنوع أثر في الزكاة: فإن اتحد نوع الماشية أُخرجت الزكاة من نفس النوع، وأجاز الجمهور إخراج الضأن عن المعز والعكس مع رعاية القيمة، وأوجب الحنفية الإخراج من نفس النوع. وإن اختلف النوع فعند الحنابلة والشافعية في الأظهر يخرج المالك ما يشاء مقسطاً بالقيمة، وقال الحنفية يُضم بعضها إلى بعض. وفي الثمار والزروع يُضم النوع إلى النوع لتكميل النصاب، وفي ضم الذهب إلى الفضة خلاف. وفي بيع الربويين مختلفي النوع للبحث الفقهي إحالة إلى باب الربا.نَوائب
النوائب في اللغة جمع نائبة، وهي النازلة والمصيبة من المهمات والحوادث. وفي الاصطلاح الحنفي قد يُراد بها ما يكون بحق كما يوظّفه الإمام لتجهيز الجيش وفداء الأسارى إذا لم يكن في بيت المال مال، وقد يُراد بها ما ليس بحق كالجبايات المفروضة ظلماً. وفرضها واجب إذا كانت مصلحة عامة ولم يكف بيت المال، لأن المال معدّ لنوائب المسلمين، واستدل الفقهاء بآيات التوبة في الجهاد بالمال والنفس (الآية 41). والجائز منها ما يدفع أجرة للحراسة والخفارة على ألا يجحف. وأما ما يُفرض ظلماً فلا يجب دفعه، واعتبر ابن عابدين إعطاء النوائب الظالمة إعانة للظالم. والكفالة بالنوائب الحقة جائزة عند الحنفية، وفيها خلاف بين الحنفية في النوائب الظالمة. وأجاز الحنفية أن يرجع من أدّى عن غيره بإذنه.نَوْم
النوم في أصل اللغة الهدوء والسكون، وهو استرخاء أعصاب الدماغ بسبب الأبخرة الصاعدة من المعدة. ويفترق عن النعاس، وهو بداية النوم، وعن السِّنة وهي فتور لا يفقد معه العقل، وعن الإغماء. والنوم مباح في الأصل، وقد يعتريه الوجوب إذا توقف عليه واجب، والاستحباب إذا نعس في الصلاة أو القراءة، والتحريم إذا نام بعد دخول وقت الصلاة واستغرق الوقت، وتُكره أحوال منها النوم بعد العصر والنوم بين مستيقظين. ويُسنّ عند النوم إطفاء المصابيح وإيكاء السقاء وإغلاق الباب، وعند الاستيقاظ تلاوة الأذكار وغسل اليدين ثلاثاً. والنوم ناقض للوضوء في الجملة عند عامة أهل العلم، واستدل الجمهور بحديث: العين وكاء السه. وأقوال النائم لغو في التصرفات، فلا تنعقد عبادة ولا يقع طلاقه ولا يُقبل إقراره، ومن استثنى ما لا يحتاج إلى نية كالوقوف بعرفة. وفي الجناية يعتبر فعل النائم خطأً، وتجب فيه الدية على العاقلة والكفارة على النائم، وفي إتلاف المال يضمن النائم كالمستيقظ.النِّسْيَان
النسيان في اللغة ضد الذكر والحفظ، ويأتي بمعنى الترك والتأخير، واصطلاحاً عدم تذكر الشيء وقت الحاجة إليه، ويفرّق عن الخطأ بأن الخطأ ما لا قصد للإنسان فيه. وذهب الشافعية والحنابلة في الصحيح إلى أن الناسي غير مكلف حال نسيانه، وذهب الحنفية إلى أن النسيان لا ينافي الوجوب في حق الله، وقد يصلح عذراً فيه، ولا يُعذر في حقوق العباد. والمالكية يفرّقون بين نسيان العبادات، وهو غير قادح، والجهل وهو قادح. والنسيان يسقط الإثم في الآخرة باتفاق، أما في الدنيا فما ترك من مأمور يجب تداركه، وما أتلف يبقى ضمانه، وما كان فيه عقوبة يكون النسيان شبهة في إسقاطها. ومن الفروع: نسيان التسمية في الوضوء والصلاة والنجاسة والتيمم عند نسيان الماء، وفيها أقوال مختلفة. وفي الصوم يقطع النسيان التتابع عند بعض المذاهب في النية والوطء في الظهار، ولا يفطر الناسي عند الحنفية والشافعية والمالكية في الأكل والشرب على اختلاف بينهم. وفي الصلاة يُبطلها الكلام الكثير والأكل الكثير عند الحنفية ولا يُبطلها اليسير عند غيرهم. وفي الطلاق والأيمان يقع طلاق الناسي عند الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب، ويقع المعلّق على فعل ناسياً عند الحنفية. ولا أثر للنسيان في ضمان المتلفات والجنايات.نِيابة
النيابة في اللغة جعل الإنسان غيره نائباً عنه في الأمر، وفي الاصطلاح قيام الإنسان عن غيره بفعل أمر. ويفترق عنها الولاية والقوامة والوكالة والإيصاء، فالنيابة أعم من هذه كلها. والنيابة نوعان: اتفاقية وهي الوكالة، وشرعية وهي الولاية على العاجزين بالصغر وما في معناه. وتتنوع الولاية الشرعية إلى ولاية على المال وولاية على النفس. وفي العبادات المالية المحضة كالزكاة والكفارات والنذور تجوز النيابة باتفاق الفقهاء، وفي البدنية المحضة كالصلاة والصيام لا تجوز، وفي المشتملة على البدن والمال كالحج والعمرة تجوز بشروط، منها عجز المحجوج عنه عجزاً مستديماً ووجود مال يُستنابُ منه، وأن يكون النائب قد حج عن نفسه عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وفي الحج عن الميت تفصيل بين الفرض والتطوع، والاستئجار على الحج عن الميت جائز عند المالكية والشافعية والحنابلة في رواية، ومنعه الحنفية. وتجوز الاستنابة في الأضحية والرمي، وفي الوظائف خلاف بين الفقهاء.نِياحة
النياحة في اللغة البكاء بصوت عال كالعويل، واختلفت عبارات الفقهاء في تعريفها: فعند الحنفية البكاء مع ندب الميت أي تعديد محاسنه، وعند الشافعية وأكثر المالكية رفع الصوت بالندب ولو بلا بكاء، وعند الحنابلة رفع الصوت بالندب بِرنّة أو كلام مسجّع. ويفترق عن البكاء والرثاء والتعزية والنعي. والنياحة محرمة عند المالكية والشافعية والحنابلة، ومكروهة كراهة تحريم عند الحنفية. وأحاديث النهي عن النياحة كثيرة، منها حديث أم عطية في البيعة وحديث عائشة في الدفن بالتراب. والمالكية يفرقون في البكاء على المريض قبل موته، وعند بعضهم إباحة الصياح قبل الوفاة إذا لم يقترن بقول قبيح. ويتجه جمهور الفقهاء إلى أن الميت لا يعذب بالنياحة عليه إلا إذا أوصى بها، وقال بعض الصحابة بالعذاب بالنياحة، وتأول الفقهاء ذلك. والوصية بالنياحة باطلة محرمة. ويجب على الإمام زجر النائحة وتعزيرها عند الجمهور، وقال غيرهم بالنهي والإمهال دون الضرب. والاستئجار على النياحة باطل، والكسب منها خبيث عند الجمهور، وأجاز الحنفية الأجرة إن كانت العادة جارية بها.نِيّة
النية في اللغة القصد، وفي الاصطلاح عند الحنفية قصد الطاعة والتقرب إلى الله في إيجاب الفعل، وعند المالكية قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله، وعند الشافعية قصد الشيء مقترناً بفعله، وعند الحنابلة عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله. وتفترق عن العزم، لأن العزم متقدم على الفعل والنية مقترنة به. وما كان مطلوب الفعل كالصلاة والطهارة والصيام والنسك يفتقر إلى النية، لأن المقصود تعظيم الله بفعله، أما ما تتحقق مصلحته بمجرد الأداء كأداء الدين والودائع فلا يفتقر إليها. وجمهور الفقهاء على أن النية شرط في العبادات، وأكثر الشافعية على أنها ركن. ويجب تعيين المنوي في العبادة التي تلتبس بغيرها من جنسها كالفرائض والصوم، ولا يُشترط في الحج والطهارات والزكاة. وفي الوضوء والغسل والتيمم خلاف في الفرضية والسنية، فالجمهور على أن النية شرط في الوضوء، والحنفية يرونها سنة، ولا تشترط في إزالة النجاسة عند الجمهور. وفي الصلاة والصوم والزكاة والحج والكفارات خلاف في نية الفرضية والأداء والقضاء، والشافعية يشترطون التعيين فيما يلتبس. وتنقسم النية إلى حقيقية شرط في أول العبادة، وحكمية تكفي في استمرارها. ولا تقبل النيابة في النية، وتختلف المذاهب في تشريك النيات وتفريقها على أعضاء الطهارة وأجزاء الطاعة. وفي الصوم والزكاة والحج ونحوها خلاف في وقت النية وشرطها. وفي العقود تؤثر النية في الكناية، فالطلاق الصريح يقع بلا نية والكناية بالنية، والظهار والوقف والنكاح والإعتاق والقصاص، وفي اليمين تُراعى نية المستحلف إن كان ظالماً ونية الحالف إن كان مظلوماً عند الحنفية. وفي الجهاد والذكاة والصيد والقتل تعتبر النية والقصد، ويملك الصيد بالأخذ الحقيقي دون نية، وتعتبر النية في اللقطة لتحديد الضمان.نُكُول
النكول امتناع من وجبت عليه اليمين عن أدائها، وفيه أقوال في حقيقته: بذل، أو إقرار فيه شبهة، أو كالبينة، وفي القضاء به خلاف بين الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.دعوى أخذ الشريعة من القانون الروماني عند المستشرقين
يذكر زقزوق أن معظم المستشرقين يميلون إلى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني بدرجات متفاوتة، ويذكر منهم جولد تسيهر وفون كريمر وشيلدون آموس، وأن بعضهم يقول إن الشريعة مستمدة منه. يعرض الكتاب هذه الدعوى ويردّها، ولا يصدر المتحف حكماً فيها.القرعة في التوزيع
القرعة عند المؤلف تُستعمل عند تساوي الحقوق أو المؤهلات من كل وجه، لتوزيع الحقوق أو اختيار الوظائف بدل التخيّر ، ويستشهد بحديث الأذان والصف الأول ويذكر قول العز بن عبد السلام إنها شُرعت لدفع الضغائن والأحقاد. وفي الهامش أن العز لا يرى الإقراع عند تعارض البينتين أو الخبرين.الربض
الربض في اللغة مأوى الغنم، ويُطلق في اصطلاح الفقهاء على ما حول المدينة من بيوت ومساكن، وعلى مأوى الغنم. الربض في حكم المصر عند قصر الصلاة في السفر، وكذا القرى المتصلة به، بخلاف البساتين. وتصح الجمعة والعيدان في الأرباض التابعة للبلد عند توفر شروطهما، ولا تصح في الأرباض الخارجة عنه عند الجمهور. والأرباض لا تعد مواتا فلا يجوز إحياؤها. واتفق الفقهاء على جواز الصلاة في مرابض الغنم إذا أمنت النجاسة، والكراهة في أعطان الإبل.الربيئة
الربيئة في اللغة طليعة القوم التي ترقب العدو من مكان عال لئلا يدهم قومه، وهي في الاصطلاح كذلك. وهي تُفرّق عن الجاسوس والمرابط والحارس والرصدي. والربيئة في الجهاد من القوم ويُسهم له من الغنيمة كالمقاتلين. وفي القصاص يذهب الجمهور إلى أنه لا يُقتص منه إذا لم يباشر القتل، وقال المالكية يُقتص منه إذا تمالأ معهم. وفي قطع الطريق حكمه حكم المباشر عند المالكية والحنفية والحنابلة، وقال الشافعية لا يجب الحد على من أعان.رابغ
رابغ واد بين الحرمين قرب البحر، موضع معروف قريب من الجحفة. والجحفة كانت ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، وقد اندثرت منذ زمن بعيد، فصار الحجاج يُحرمون من رابغ احتياطا، وتقع قبل الجحفة بقليل لمن يقدم من المدينة، وتبعد عن مكة نحو مائتين وعشرين كيلومترا.محرمية الرضاع
محرمية الرضاع في الحديث الرابع والأربعين من زيادات ابن رجب: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» وفي لفظ «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» — أجمع العلماء على العمل بها في الجملة كما حكاه ابن رجب، فتثبت بالرضاعة المحرمية التي تثبت بالولادة في النكاح، فيحرم على الرضيع ما يحرم عليه لو كان ولداً من جهة المرضعة وأقاربها ومن جهة اللبن الفصل، وتقسيم المحرمات عند الشرح على مؤبد على الانفراد وغيره ينطبق على الرضاع كما ينطبق على النسب (جامع العلوم والحكم ص 864).الرد
الرد في اللغة الصرف والإرجاع والمنع، ويطلق في الفقه على إرجاع الشيء إلى صاحبه أو مستحقه، وعلى فسخ العقد في حالات مختلفة. ويجب رد الشيء المستحق للغير، ويجب رد المال المغصوب أو المسروق فورا، ويجوز الرد في العقود غير اللازمة بالفسخ، وفي العقد الباطل بطلانا، والفاسد عند الحنفية يُفسخ. ويسقط الرد بتصحيح العقد، أو بتجديده، أو بسقوط الخيار، ويختلف الفقهاء في تصحيح العقد الفاسد. ويفرق الحنفية بين الرد بالقضاء والرد بالتراضي، ولا يفرق الجمهور. ويجب رد مال المحجور عليه بعد البلوغ والرشد. وفي الشهادة الأصل ردها عند الريبة والتهمة. وفي اليمين إذا نكل المدعى عليه يختلف الفقهاء: هل يحكم القاضي بالنكول، أو يرد اليمين على المدعي. ومن أخذ مال غيره بغير حق وجب عليه رده، فإن هلك وجب المثل أو القيمة، وعند الحنفية لا يضمن السارق المقطوع. وتكون مؤنة الرد على من وجب عليه الرد.الراهب
الراهب في اللغة من رهب بمعنى خاف، وهو عند الإطلاق المنقطع للعبادة من النصارى، جمعه رهبان. ويُفرّق بينه وبين القسيس، وهو عالم النصارى، وبينه وبين الأحبار، وهم العلماء. إذا اشترك الرهبان في قتال المسلمين، أو خالطوا الناس، أو أعانوا المقاتلين برأيهم، جاز قتلهم عند الظفر بهم بلا خلاف. أما المعتزلون في صوامعهم دون مشاركة، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يُقتلون، والأظهر عند الشافعية جواز قتلهم. وأما وضع الجزية على الرهبان فمحل خلاف وتفصيل.الرائحة
الرائحة في اللغة النسيم طيبا كان أو نتنا، وهي عرض يُدرك بحاسة الشم، وقيل لا يطلق اسم الريح إلا على الطيب. وتختلف أحكام الرائحة باختلاف أبواب الفقه. فإذا غيّرت النجاسة أو المخالط أحد أوصاف الماء زالت طهوريته عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية لا تزول ما لم يزل طبع الماء. ويحرم على المحرم استعمال ما تُقصد رائحته من الطيب، ولا يحرم ما لا تُقصد رائحته. ويُستحب تطييب المساجد، ويُصان من الروائح الكريهة كالثوم والبصل. ولا يثبت حد الشرب بوجود رائحة الخمر عند أكثر أهل العلم، ويثبت عند المالكية. وللزوج منع زوجته مما يتأذى من رائحته.رأس المال (في الفقه)
رأس المال في اللغة أصل المال بلا ربح ولا زيادة، وهو جملة المال التي تستثمر في عمل ما. ويذكر الفقهاء هذا المصطلح في الزكاة والشركة والمضاربة والسلم والربا والقرض وبيوع الأمانات والمرابحة والتولية والحطيطة، وتنظر أحكامه في مواضعها.الرأس (في الفقه)
الرأس في اللغة أعلى كل شيء، ويطلق مجازا على سيد القوم. يجب مسح الرأس في الوضوء باتفاق، وتحرم تغطية الرأس على المحرم بالحج والعمرة مع الفدية، ويستحب للرجل ستره في الصلاة بعمامة ونحوها، والمرأة يجب عليها ستر رأسها في الصلاة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يضرب رأس المجلود للحد أو التعزير، وخالف أبو يوسف.الرسول
الرسول في اللغة من أرسله المرسل بأداء رسالة، وفي الاصطلاح معنيان: الشخص المرسل من إنسان إلى آخر بمال أو رسالة، والواحد من رسل الله، وهو ذكر حر أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه. يجب على الرسول تبليغ الدعوة، ويجب على من بلغته دعوة الرسل الإيمان بهم. وأجمع أهل العلم على كفر من سب رسولا من الرسل أو استخف به، ويُقتل من سب النبي، وتفصيل التوبة في الردة. ولا يجوز الذبح باسم رسول الله. وحمى النبي النقيع والربذة لخيل المسلمين وإبل الصدقة، واختلف الفقهاء في نقض ما حماه، فمنعه الجمهور. وأهل الحرب إذا أرسلوا رسولا آمن حتى يؤدي رسالته.الراتب
الراتب في اللغة الثابت المستقر، ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن ذلك. ومن أبوابه السنن الرواتب التي تتبع الفرائض، واختلف الفقهاء في مقدارها، فذهب الجمهور إلى عشر ركعات، وذهب الحنفية إلى اثنتي عشرة ركعة، وأكدها عندهم ركعتا الفجر. وفي المسجد يُقدَّم المؤذن الراتب والإمام الراتب على غيرهما، ولا يؤذن قبله إلا عند تخلفه مع خوف فوات الوقت. ويقدَّم الإمام الراتب على غيره من الحاضرين ولو كان غيره أعلم منه، إلا أن يحضر السلطان أو نائبه أو القاضي فيقدَّمون عليه. وكره الجمهور إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب إذا كان في غير ممر الناس، بينما أجازها الحنابلة.الريبة
الريبة لغة الشك والتهمة، وجمعها ريب، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي الفقهي عن ذلك. يندب شرعا ترك ما يوقع في الريبة والأخذ بما لا شبهة فيه احتياطا وورعا، كما يندب للإمام التغافل عن عورات الرعية واجتناب التفتيش في ريبهم لئلا يفسدهم. يحرم سوء الظن بمن ظهر منه الصلاح والستر، بخلاف من جاهر بالسوء وتلبس بمواطن التهم. تؤثر الريبة في مسائل استبراء الرحم، حيث تتربص المعتدة والمرتابة في الحمل تسعة أشهر حتى تستبرئ رحمها وتزول الريبة باحتمال الحمل عند المالكية. وتؤثر الريبة في الشهادة والقضاء، فيستحب للحاكم تفريق الشهود عند الارتياب فيهم واستجواب كل واحد منهم على حدة قبل التزكية للاستيثاق.تقييد المباح
يصنف المؤلف الأحكام الخمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام، فالمأمورات والمنهيات لا خيار فيها للمسلم، والمباح وحده فيه الخيار بين الفعل والترك. ويعرض قولًا عن الدسوقي من المالكية أن الإمام إن أمر بمندوب أو مباح وجبت طاعته، وإن أمر بمكروه ففي وجوب طاعته قولان، وإن أمر بمحرم فلا يطاع. ويرى المؤلف أن سلطة ولي الأمر تقيد المباح وحده، لأن المباح هو الذي يترجح فيه الفعل والترك بحسب المصلحة، وأنه لا يبلغ علمه أن أحدًا استوفى المسألة. ومن أمثلة التقييد أن عمر منع أكل اللحوم يومين في الأسبوع لقلتها، ومنع حذيفة من تزوج كتابية لما فيه من فتنة ، ومنع صيد طير نادر، وتحديد اتجاه السير في الشارع.الرباط
الرباط في الأصل ملازمة ثغر العدو، وقد يُطلق على المحافظة على الصلوات أو مداومة الجلوس في المسجد، وعلى البيوت المسبلة لإيواء الفقراء والغرباء وطلبة العلم. والرباط سنة مؤكدة عند الفقهاء، لأنه حفظ ثغور الإسلام، وهو أصل الجهاد وفرعه عند أحمد، وفيه فضل كبير ورد في الأحاديث. وأفضله في أشد الثغور خوفا. وتمام الرباط عند الفقهاء أربعون يوما، واختلفوا في أقله، فقال الحنابلة إنه ساعة، وقال ابن حجر إنه يوم أو ليلة. والرباطات المسبلة في الطرق وأطراف البلاد، فمن سبق إلى موضع منها وهو من المستحقين صار أحق به.الرِّدء
الردء في اللغة المعين والناصر، وهو في الاصطلاح من يخلف المقاتلين أو يقف على مكان حتى إذا تركوا القتال قاتل. واتفق الفقهاء على أن الردء والمقاتل المباشر سواء في أصل استحقاق الغنيمة، واختلفوا في تفضيل بعض على بعض. ويجوز تعزير الردء في جرائم التعزير، ولا يحد حد الزنى والشرب والقذف. وفي قطع الطريق يرى الجمهور أن حكم الردء كحكم المباشر، وقال الشافعية لا يجب الحد على من أعان ولم يباشر. وفي القصاص يرى الجمهور أنه لا يقتص من الردء، وقال المالكية يقتص من المتمالئين على القتل.الردة
الردة في اللغة الرجوع عن الشيء، وفي الاصطلاح كفر المسلم بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه، ولا تقع إلا من بالغ عاقل مختار. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم اعتبار ردة الصبي في قول، واعتبرها المالكية والمشهور عن أحمد، ولا يقتل الصبي قبل بلوغه، وردة المجنون لا تصح، وردة السكران عند الحنفية لا تعتبر، والشافعية والحنابلة يعتبرونها. والمكره على كلمة الكفر لا يصير كافرا، لقوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. وتقع الردة بالاعتقاد أو القول أو الفعل أو الترك، كالإشراك بالله، وإلقاء المصحف في القذر، والسجود للصنم، وترك الصلاة جاحدا لها. وسب الله كفر باتفاق، وسب النبي ردة عند الحنفية والحنابلة، وقال الشافعية هو ردة وزيادة، واختلف في قبول توبة الساب. ويستتاب المرتد، فإن تاب وإلا قتل بعد الاستتابة للإمام، والمرأة المرتدة عند الجمهور كالمرتد، وخالف الحنفية. ولا تصح زواج المرتد، وينفسخ نكاح الزوجين بالردة عند الحنفية، ويختلف الفقهاء في توقف ملكه عن ماله. وتحبط أعمال المرتد على خلاف في شرط الحبوط، ويختلف الفقهاء في إعادة الحج والصلاة.الرشوة
الرشوة في اللغة الجُعل وما يُعطى لقضاء مصلحة، وفي الاصطلاح ما يُعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وتفرق عن المصانعة والسحت والهدية والهبة والصدقة. الرشوة حرام على الآخذ والمعطي وهي من الكبائر، ويحرم طلبها وبذلها وقبولها، ويحرم عمل الوسيط، وقد لعن النبي الراشي والمرتشي والرائش. ويجوز للإنسان عند الجمهور أن يدفع الرشوة لدفع ظلم أو ضرر أو لنيل حق، والإثم على المرتشي. ويحرم على الإمام والعمال والقضاة والمفتين والشهود قبول الهدية أو الرشوة، ولم يُختلف في تحريمها على القاضي. ويحرم تولي القضاء بالرشوة، ويختلف الفقهاء في نفاذ حكم القاضي المرتشي، فجمهورهم يبطله، ويُعزل القاضي بالفسق عند الشافعية والحنابلة والحنفية في رواية. ولا عقوبة مقدرة في الرشوة، والتعزير هو المقرر.الرزق (الأرزاق من بيت المال)
الرزق في اللغة العطاء دنيويا كان أو أخرويا، وفي اصطلاح الفقهاء ما يُفرض في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية مشاهرة أو مياومة، ويُفرق عنه العطاء الذي يُفرض لكل سنة بحسب الصبر والغناء في أمر الدين. ويجوز للقضاة والعمال والولاة الرزق من بيت المال، وقال القرافي إنه يجوز فيه الدفع والقطع والتقليل والتكثير بحسب المصلحة. وينبغي للإمام أن يضع ديوانا للمرتزقة، ويعطي كل واحد قدر حاجته، ويقدم قريشا، ولا يثبت في الديوان الصبي والمجنون والمرأة والضعيف الذي لا يصلح للغزو، ويفرق الأرزاق كل عام مرة، ويعطى الورثة بعد الموت. ومن يرعاه الإمام ثلاثة أصناف: المحتاجون، والذين يقومون بأركان الدين كالقضاة والحكام والمفتين، والذين لهم طائفة من مال بيت المال كبني هاشم وبني المطلب.الرجوع
الرجوع في اللغة الانصراف والعود، ويتعدى إلى الرد والفسخ والنقض، وهو في الفقه عود إلى ما كان عليه أو نقض التصرف. ويكون واجبا كالرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ومستحبا كالإقالة، ومباحا في العقود الجائزة، وحراما كالرجوع في الصدقة، ومكروها كالرجوع في الهبة عند الحنفية. ويجوز للمجتهد أن يرجع عن قضائه أو فتواه إذا تغير اجتهاده، وخالف فيه بعض المالكية، والجمهور على أن القضاء الأول لا ينقض بالاجتهاد الثاني. وترجع العقود الجائزة كالعارية والوصية والشركة والوكالة والوديعة، ولا يرجع في العقود اللازمة إلا بالتراضي كالإقالة. ويسقط الرجوع بالإسقاط والإبراء وبموت أحد المتعاقدين وبتغير الموهوب. وفي الشهادة يضمن الشهود بالرجوع بعد الحكم بالمال، ولا يُستوفى الحد أو القصاص، وفي الإقرار يسقط الحد بالرجوع عند الجمهور، ويقام عند الحسن وأبي ثور.الرخصة
الرخصة في اللغة اليسر والإذن بعد النهي، وفي الاصطلاح ما وُسّع للمكلف في فعله لعذر عجز عنه مع قيام السبب المحرم، وهي تقابل العزيمة، وتتقارب مع الإباحة ورفع الحرج. وتتعدد أسبابها من ضرورة وحاجة وسفر ومرض ونسيان وإكراه، وتتنوع إلى واجبة ومندوبة ومباحة وخلاف الأولى عند الشافعية، وإلى حقيقية ومجازية عند الحنفية. وأخذ بعض الفقهاء العزيمة أولى في بعض الصور، كالإكراه على الكفر إذا كان الامتناع يُفضي إلى القتل، ومن يصوم في السفر. ويجوز القياس على الرخص عند الجمهور، ويمنع أبو حنيفة إلا عند أبي يوسف. وتتبع الرخص لغير سبب شرعي محرّم، والأخذ بها عند سبب شرعي جائز.الرشد
الرشد في اللغة الصلاح وإصابة الصواب والاستقامة على طريق الحق، وهو في اصطلاح الفقهاء صلاح المال عند الجمهور، وصلاح المال والدين معا عند الشافعي. والرشد هو المرحلة الأخيرة من الأهلية، فإذا بلغ الشخص رشيدا كملت أهليته وارتفعت عنه الولاية وسلمت إليه أمواله. وإذا بلغ غير رشيد استمر الحجر عليه عند جمهور الفقهاء حتى يؤنس منه الرشد، وخالف أبو حنيفة فيسلم إليه ماله إذا بلغ خمسا وعشرين سنة. ويُختبر الصبي بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله، مرة أو مرتين فأكثر، وتختلف طرق الاختبار بين الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية، ويكون في الغالب قبل البلوغ عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وتتعلق أحكام الرشد بكثير من أبواب الفقه كالبيع والشركة والوكالة والهبة والوقف والنكاح والخلع والحضانة.الرؤيا (في الفقه)
الرؤيا ما يراه الإنسان في منامه، وتتميز عن الإلهام والحلم والخاطر والوحي. الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وهي لأهل الصلاح أكثر صدقا، ومن عدا الصالحين يقع في رؤاهم الصدق والأضغاث. ورؤية النبي في المنام حق، واختلف في الحكم بأقواله وأفعاله فيه. والتعبير تفسير الرؤيا ونقلها من ظاهرها إلى باطنها، وله أصول مأخوذة من القرآن والسنة. ويستحب ألا تقص الرؤيا إلا على ناصح أو عالم، وإذا رأى ما يحب حمد الله وحدث بها، وإذا رأى ما يكره استعاذ من شرها ولا يذكرها لأحد.الرؤية (في الفقه)
الرؤية في اللغة إدراك الشيء بحاسة البصر، وقد تكون بالقلب، والغالب في استعمال الفقهاء المعنى الأول. وتختلف أحكام طلبها باختلاف ما تُستعمل فيه، فتجب كفاية كرؤية هلال رمضان عند الحنفية، وتُستحب كرؤية المخطوبة، وتحرم كرؤية العورة، وتباح كرؤية الأشياء العادية. ويحرم تعمد النظر إلى العورة إلا لضرورة كالعلاج والشهادة، ويجوز للزوجين النظر إلى كل بدن الآخر. ويحرم النظر بشهوة إلى ما ليس بعورة. ويجوز للخاطب النظر إلى من يريد نكاحها بل يُسن، ويجوز تكرار النظر. ومن رأى الماء بعد أن تيمم للصلاة وهو قادر على استعماله قبل الدخول فيها بطل تيممه. ويشترط العلم بالمبيع، والرؤية طريق إليه، والرؤية السابقة على العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع غالبا تقوم مقام المقارنة له. ويكفي في المثلي رؤية بعضه، ويكفي في المتفاوت رؤية ما يدل على المقصود. ولا يشهد الشاهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع، واشترط الحنفية والشافعية الرؤية مع السماع في الأقوال، وكفى السماع عند المالكية والحنابلة. وللرؤية أثر في وجوب الصوم برؤية هلال رمضان، وفي وجوب النهي عن المنكر المرئي بحسب مراتبه، وفي ثبوت خيار الرد بالعيب المرئي بعد تمام البيع.رؤية الهلال
الرؤية بالعين والقلب، وإذا أضيفت إلى الأعيان كانت بالبصر، والهلال القمر في أوائل الشهر، ويُعنى برؤيته مشاهدته بعد غروب شمس التاسع والعشرين ممن يُعتمد خبره. والأدلة على طلب الرؤية وإكمال العدة ثلاثين إذا غُمّ الهلال مشهورة، وتتأكد عند ليالي الثلاثين من شعبان ورمضان وذي القعدة لأن بها يتعلق الصوم والحج والعيدان. وتثبت الرؤية بالعين من جمع مستفيض، أو بشهادة عدلين، أو بخبر العدل الواحد في هلال رمضان عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ولا يُقبل الواحد عند المالكية، وفي غير رمضان يُشترط عند أكثر الفقهاء عدلان. وإن رُئي الهلال نهارا اختلف الفقهاء في كونه لليلة الماضية أو المقبلة. ولم يعتمد جمهور الفقهاء الحساب الفلكي في إثبات الشهر، وفسروا حديث «فاقدروا له» بإتمام العدة، واعتبر بعضهم الحساب في حق العارف به، وقال الجمهور بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وقال الحنفية والشافعية باعتبارها.تعدد الزوجات
تعدد الزوجات في الشريعة جواز زواج الرجل بأكثر من امرأة بشروط منها العدل؛ تفرد الموسوعة الفقهية الكويتية لأحكامه مواضع في أبواب النكاح.التعدد
التعدد الكثرة، ويتعلق بأمور: فتعدد المؤذنين جائز ومستحب، وتعدد الجماعة في المسجد الواحد بعد إمام الحي مكروه عند الحنفية والمالكية والشافعية، وجائز عند الحنابلة. وتعدد الجمعة في البلد لا يجوز عند الجمهور إلا لضرورة، وعند الحنفية جائز. وتعدد كفارة الصوم بتكرار الإفساد مختلف فيه. وتعدد الزوجات إلى أربع مشروع. وتعدد القضاة جائز، ولا يجوز تعدد الأئمة عند الجمهور.التعلي (البناء فوق البناء)
التعلي لغة من العلو وهو الارتفاع، وفي الاصطلاح عند الفقهاء رفع بناء فوق بناء آخر. وللمالك أن يعلو على حائطه ما شاء ما لم يكن ضررا فاحشا على الجار، ولا عبرة بدعوى سد الريح والشمس. وأجاز الجمهور بيع حق التعلي على تفصيل: فأجازه المالكية والشافعية والحنابلة مع وصف البناءين، ومنعه الحنفية لأن الهواء ليس مالا. وإذا انهدم السفل وحده أو العلو وحده، اختلف الفقهاء في إجبار صاحب الآخر على إعادة البناء ومتى يرجع المعيد بما أنفق. ويمنع الذمي من أن يعلو بناؤه على بناء جار مسلم، ويختلف الفقهاء في المساواة. وفي فتح الكوة على الجار يمنعه الحنفية والشافعية والحنابلة إلا برضاه، ويجيز الصاحبان ما لا ضرر فيه، وللمالكية تفصيل في الجديدة والقديمة.التعارض
التعارض التمانع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع جُمع وإلا رُجّح. وأكثر استعماله في تعارض البينات، ومذاهب الفقهاء مختلفة في وجوه الترجيح: فالحنفية لا يعتبرون كثرة الشهود ولا زيادة العدالة، والمالكية يرجحون بالعدالة وقوة الحجة والتاريخ وسبب الملك، والشافعية يقدمون بينة صاحب اليد، والحنابلة يقدمون بينة المدعي في المشهور. وفي حقوق الله التي تدرأ بالشبهات تقدم البينة الأقوى في الدرء.التعجيز
التعجيز نسبة الشخص إلى العجز، ولم يستعمله الفقهاء إلا في حالتين: تعجيز المكاتَب، وتعجيز أحد الخصمين عن إقامة البينة. فالكتابة لازمة من جانب السيد، ولا يجوز تعجيز المكاتب قبل العجز، وإذا عجز بعد حلول النجم فلجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة أن يفسخ السيد بنفسه، وعند المالكية بحكم الحاكم. وعند المالكية يعجز القاضي المدعي بانقضاء الآجال، والشافعية والحنابلة يمهلون المدعي ولا يمهلون المدعى عليه أكثر من ثلاثة أيام.التعليل
التعليل في الاصطلاح هو تقرير ثبوت المؤثر لإثبات الأثر، أو إظهار علّيّة الشيء، وهو الباعث على تشريع الحكم أو المصلحة التي من أجلها شرع. الأصل في أحكام العبادات عدم التعليل لأنها قائمة على التعبد، والأصل في المعاملات والعادات والجنايات أن تكون معللة لأنها مبنية على مصالح العباد. وللتعليل فوائد منها تعريف الأحكام وإظهارها ليسهل التزامها، وقبولها بالاطمئنان. واختلف الأصوليون في تعليل النصوص على أربعة اتجاهات: أن الأصل عدم التعليل، أو التعليل بكل وصف صالح، أو التعليل بوصف مع دليل يميزه، أو أن الأصل التعبد. ومسالك العلة: النص الصريح، والإجماع، والإيماء والتنبيه، والسبر والتقسيم، والمناسبة والشبه والطرد، وتنقيح المناط وتحقيقه والدوران. والحديث المعلل هو ما اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع ظاهر السلامة منها، وهو من أنواع الحديث الضعيف.التعليق
التعليق ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، ويسمى يمينا مجازا، ويفرق عن الإضافة بأن فيه خطرا، وعن الشرط بأن أداته تدخل على أصل الفعل. وتعدد الفقهاء أدواته: إن، وإذا، ومتى، ومتى ما، ومن، وأي، ومهما، وكل وكلما، ولو، وكيف، وحيث وأين وأنى، ولا تعد لولا منه. وتفصيل معاني كل أداة وفروقها بين الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة مذكور. ومن شروطه أن يكون المعلَّق عليه أمرا معدوما مترددا بين الوجود والعدم، وأن يكون معلوم الوقوف عليه، فلا يصح تعليق الطلاق على مشيئة الله، وأن لا يفصل بين الشرط والجزاء، وأن يكون مستقبلا، وألا يقصد به المجازاة، وأن يوجد رابط. واختلف الحنفية والمالكية مع الشافعية والحنابلة في اشتراط قيام الملك حال التعليق. ويختلف الحنفية والشافعية في أثر التعليق على السبب والحكم. وتقبل تصرفات كالإيلاء والحج والخلع من الزوج والطلاق والظهار والعتق والكتابة والنذر والولاية، ولا تقبله تصرفات كالإجارة والإقرار والإيمان والبيع والرجعة والنكاح والوقف والوكالة على خلاف بين المذاهب في بعضها.التعميم
التعميم لغة جعل الشيء عاما شاملا، ويستعمله الفقهاء بهذا المعنى. في الوضوء يجب تعميم كل عضو يجب غسله بالماء، واتفق الفقهاء عدا الزهري على أن الأذنين ليستا من الوجه، وخالف الحنابلة في داخل الفم والأنف فأوجبوا غسلهما، والأئمة الثلاثة يعتبرون غسل ظاهر الأنف. ويجب إزالة الطين أو العجين الملتصق بالأظفار حتى يصل الماء، واغتفر بعض الحنفية وبعض الشافعية ذلك للخباز والعامل في الطين، وقال المالكية يعفى عن وسخ الأظفار ما لم يتفاحش. وفي الغسل يجب تعميم الجسد كله بالماء، واختلفوا في المضمضة والاستنشاق، فأوجبهما الحنفية والحنابلة، وقال المالكية والشافعية بغسل الظاهر فقط. ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعر، ونقض الضفائر التي لا يصل الماء إلى باطنها إلا بنقضها. وفي التيمم اختلفوا في تعميم المسح: فأوجب المالكية والشافعية والحنابلة تعميم الوجه ومنه اللحية، وقال الحنفية إن تعميم الوجه واليدين في التيمم شرط لا ركن. والتعميم في الدعاء سنة، والحديث الذي يفضل دعاء أمة محمد رحمة عامة نقله الخطيب وابن عدي وأنكره ابن عدي، وفي حديث الأعرابي الذي دعا لنفسه ولمحمد ولم يدع لأحد معهما قال النبي: لقد تحجرت واسعا. وتعميم الأصناف الثمانية في الزكاة غير واجب عند الجمهور، وأوجبه الشافعية. والدعوة العامة إلى الولائم (الجفلى) تجوز إجابتها عند الجمهور، وأجازها الحنابلة مع الكراهة.التعريض
التعريض ضد التصريح، وهو كلام يحتمل المعنى المقصود وغيره. وجوز الفقهاء التعريض بخطبة المعتدة عن وفاة بالإجماع، وللبائن عند المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة في قول، ومنعه الحنفية. ويحد المعرض بالقذف عند مالك إذا فهم بالقرائن، وعند الحنفية يعزر لا يحد، وعند الشافعية لا يكون قذفا إلا بالنية والاحتمال. ويجوز للمسلم التعريض لقتل من يطلبه ليرده إلى دار الكفر، ويعرض القاضي للمقر بالرجوع عند الشافعية في الصحيح، ويندب عند الحنفية والحنابلة.التعريف
التعريف الإعلام والتوضيح، وعند الأصوليين الحد الجامع المانع. ومن صوره عند الفقهاء: التعريف يوم عرفة في الأمصار، فأجازه أحمد ولم يستحبه، وكرهه أبو حنيفة ومالك؛ وتعريف اللقطة واجب عند الأئمة الثلاثة وهو الأصح عند الشافعية؛ وتعريف المدعى به والمدعى عليه شرط لسماع الدعوى باتفاق.التعيين
التعيين لغة تخصيص الشيء من بين أمثاله، واصطلاحا جعل الشيء متميزا عن غيره بحيث لا يشاركه سواه، ويضاده الإبهام. والتعيين عند الأصوليين يقابل التخيير في الواجب، فالواجب المعين كصلاة الظهر، والمبهم بين أقسام محصورة كخصال كفارة اليمين، وأنكرت المعتزلة الواجب المخير. ويجب في الصلاة الفرض تعيين نيتها ظهرا أو عصرا، وفي السنن ذوات الوقت أو السبب خلاف. ويجب على المأموم نية الاقتداء دون تعيين الإمام، وعند الحنفية إن عينه فأخطأ بطلت صلاته. ويجب تعيين النية في صوم رمضان والقضاء والكفارة والنذر عند الجمهور، وقال الحنفية ومعهم رواية عن أحمد إن مطلق النية يكفي في رمضان. وفي البيع يتعين الواحد من النقدين الغالب في البلد، فإن تعددت النقود غير الغالبة اشترط تعيينها لفظا، وإن تساوت صح بغير تعيين. وكذلك يجب تعيين الأجل في السلم، وعند الجمهور مكان الوفاء إذا كان فيه مؤونة، ويتعين مكان العقد عرفا إذا لم تكن مؤونة. ويشترط لصحة البيع معلومية المبيع والثمن، فلا يصح بيع شاة من قطيع، ولا بيع بالقيمة أو بحكم فلان، والحنفية يعدون ذلك من الفاسد الذي يصح في المجلس. وفي تعيين الدراهم والدنانير بالتعيين في العقد: الشافعية والحنابلة يقولون تتعين، والحنفية والمالكية لا تتعين. وخيار التعيين عند الحنفية: أن يشتري أحد ثوبين أو أحد ثلاثة على أن يختار المشتري أيها شاء، ولا يجوز على أربعة، ويشترط النص عليه. ويرى الشافعية والحنابلة أن البيع بهذه الصورة باطل للجهالة. ولا يجوز تعيين المسلم فيه، بل يكون دينا في الذمة، لأن السلم في عين يهدد بالتلف قبل التسليم، ولا يجوز السلم في ثمرة بستان بعينه، ومنه حديث ابن سلام في بني قينقاع، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على بطلانه. وفي الوكالة يتقيد الوكيل بالمعين إذا كان للموكل غرض فيه. وفي الإجارة يجب تعيين نوع المنفعة والمدة، وأجاز بعض فقهاء السلف إجارة المجهولات. وفي الطلاق لو قال: إحداكما طالق ونوى واحدة بعينها طلقت، ويلزمه التعيين. وفي الدعوى يجب تعيين المدعى به: في العين الذكورة والأنوثة والسن واللون والنوع، وفي النقد الجنس والنوع والقدر والوصف.التعديل
التعديل التسوية والتقويم، وفي الفقه التزكية بنسبة الشاهد أو الراوي إلى العدالة. ويجب على القاضي تعديل الشهود إن لم يعلم عدالتهم عند الشافعية والحنابلة والمالكية وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة يقبل الظاهر العدالة إلا في الحدود والقصاص. وتعديل الأركان في الصلاة واجب، وفرض عند الجمهور، وواجب عند الحنفية. وقسمة التعديل تقسم العين المشتركة بالقيمة لا بالأجزاء، وكذا جزاء الصيد المثلي يجوز العدول فيه عند الجمهور.تفرق الصفقة
تفرق الصفقة: أن لا يتناول حكم العقد جميع المعقود عليه، أو يتناوله ثم ينحسر عنه؛ والصفقة لغة الضرب باليد عند البيع، ومنه استعمالها لعقد البيع نفسه. يتميز عن تعدد الصفقة: فالتفريق لا يكون إلا في صفقة واحدة، وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن على شيئين معا، أو بتعدد العاقد من بائع أو مشتر؛ وعن البيعتين في بيعة، وهو جمع بيعتين في عقد واحد باعتبار تعدد الثمن. الحنفية عرضوا التفريق لحالة هلاك بعض المبيع، واستقصوا أحكامه في رد المعيب، واعتبروا الاستحقاق في البيوع؛ والشافعية قسموا التعدد إلى ابتداء ودوام، والحنابلة ذكروا صورا للصفقة بتعدد المشتملات. بيع ملكه وملك غيره، وبيع خل وخمر: يصح في الملك ويتوقف في غيره على الإجازة عند أبي حنيفة ومالك؛ وفي الحنابلة روايتان؛ والشافعية يجعلون الصحة بقسط الثمن؛ ويثبت الخيار للمشتري إن جهل، ولا خيار للبائع. موجب الخيار: الإجازة أو الفسخ؛ وإذا اختار الإمضاء في الباقي يلزمه قسطه من الثمن عند الشافعية. خيار الاستحقاق الجزئي: إذا استحق بعض المعقود عليه قبل القبض فحكم الجزء المستحق البطلان، والباقي خيار للمشتري؛ وبعد القبض يفترق الحكم بحسب كون المبيع من القيميات أو المتماثلات. خيار الهلاك الجزئي قبل القبض: للمشتري الإمضاء أو الرد لتفرق الصفقة، ويسقط من الثمن حصة الفائت إن كان نقص قدر؛ وعند الشافعية إذا تلف أحد المعقودين قبل القبض لا ينفسخ العقد، وللمشتري الخيار؛ وانقطاع بعض المسلم فيه عند المحل له الفسخ أو الإجازة.التكفير
التكفير إصدار الحكم بالكفر على مسلم؛ تفرد الموسوعة الفقهية الكويتية بابا في الأحكام المتعلقة بالتكفير وتكفير المسلم، وتجعله من أخطر الأحكام وأشدها تضييقا.الطلاق
يعرض الشعراوي في تفسير آيات البقرة 228-232 أن الطلاق المتدرج (مرة ومرتين) يتيح للزوجين فرصة الإصلاح، وأن الرجوع بعد انقضاء العدة يحتاج إلى عقد ومهر جديدين ورضا المرأة، وأن الأهل لا يحق لهم منع الرجوع إذا تراضى الزوجان.الترجيح
الترجيح في اللغة تقوية أحد المتماثلين على الآخر، وعرّفه الحنفية بأنه إظهار الزيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقل، وعرّفه الشافعية بأنه اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل بأحدهما. ويجب العمل بالدليل الراجح وإهمال المرجوح إذا لم يمكن الجمع بينهما، وقد أجمع السلف على تقديم بعض الأخبار على بعض بحسب قوة الظن. ومن قواعد الترجيح بين الخبرين ما يتعلق بالسند، كزيادة الرواة وكبر الصحابي وتقدم الإسلام وتقديم المتواتر على الآحاد، وما يتعلق بالمتن ودلالته، كتقديم الدال على الحظر والدال على الوجوب، وتقديم الحقيقي على المجازي. وفي الترجيح بين قياسين يُرجح القياس بقوة دليل حكم الأصل، وبقوة مسلك العلة، وبكون الفرع من جنس الأصل.تطبيق الشريعة — بين الكلية والمرحلة
حلقة «الوسطية» عن تطبيق الشريعة بين الكلية والمرحلية. صوّت الجمهور أن المفهوم عند الداعين إليه واضح في العموم والتفاصيل عند 28% فقط، وواضح في العموم دون تفاصيل عند 69%، وغير واضح عند 3%. ولخص أحمد نوفل القاعدة: «التأصيل رباني والتفصيل إنساني» — العموميات منزلّة والتفاصيل اجتهاد يختبره الميدان.التعويض
التعويض لغة العوض والبدل، واصطلاحا دفع ما وجب من بدل مالي بسبب إلحاق ضرر بالغير. وهو يفرق عن التثمين الذي يخص المعاوضات، وعن التقويم الذي يدخل في التعويضات، وعن الأرش الذي هو المال الواجب في الجناية على ما دون النفس، وعن الضمان الذي هو أعم. والتعويض لا يكون إلا مقابل ضرر، وهو واجب الأداء، ويشمل الضرر الواقع على المال أو المنفعة أو النفس أو ما دونها. والإتلاف غير المشروع يوجب التعويض بالاتفاق، سواء كان حقا لله كصيد المحرم، أو حقا للعبد. وأما المشروع فيوجب التعويض إذا ترتب عليه حق لغير في بعض الصور. وفي العين المتلفة: إن كانت مثلية فمثلها، وإن كانت قيمية فقيمتها بمكان الإتلاف. وفي منافع الأموال: جمهور الفقهاء يضمنونها بأجرة المثل بالتفويت، والشافعية والحنابلة يضمنون منافع المغصوب، والمالكية يضمنون غلة المستعمل ومعطّل الدار، والحنفية يرون المنفعة غير مضمونة إلا في ثلاث صور: الوقف، ومال اليتيم، والمعد للاستغلال. وفي عقود الأمانات كالوديعة والوكالة لا يضمن من بيده المال إلا بتفريط أو تعد، وكذلك الأجير الخاص، وفي المشترك خلاف. وفي التحريض: الجمهور يجعلون الضمان على المغري، والمالكية لا يتبعونه إلا عند تعذر الرجوع على المباشر، والنووي يرى عدم الضمان في صور التسبب كفتح باب الحرز ودلالة السارق، والحنابلة يخيرون صاحب المال بين تضمين المغري والظالم. وفي الإكراه اختلف هل يضمن المكره وحده أم معه المكره. ويضمن المتلِف مباشرة أو تسببا. وتشترط في المتلف أن يكون مالا متقوما، وأن يكون من أهل الضمان. وفي الدواب: يضمن ما تتلفه من غير الزرع إذا كان معها من له يد عليها ولم يمنعها، واختلف في غير ذلك. وإتلاف النفس يوجب الدية في ما لا يقتص فيه، وإتلاف العضو الدية إن كانت مقدرة وإلا حكومة عدل. والتعويض عن الأضرار المعنوية لم يجد الكاتب من الفقهاء من عبر به، ولم يجد في كتبهم كلاما عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية، وهو تعبير حادث.التعزير
التعزير لغة الرد والمنع والنصرة والتوقير والتأديب، وشرعا عقوبة غير مقدرة في الشرع، تجب حقا لله أو للآدمي في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالبا. وهو يفترق عن الحد والقصاص والكفارة في أن القاضي يختار عقوبته بحسب الحال، وأن الحد يدرأ بالشبهة والتعزير يثبت بها، وأن الحد لا يجب على الصغير والتعزير يجوز في حقه، وأن الحد قد يسقط بالتقادم عند بعض الفقهاء والتعزير لا يسقط. ويجتمع مع الحد والقصاص والكفارة في صور معروفة، ويقسم إلى حق لله وحق للعبد بحسب الغالب من المصلحة، وهو عند الجمهور مفوض إلى رأي الحاكم. ولا يجوز فيه الإتلاف ولا ضرب الوجه والفرج والبطن والصدر ولا حلق اللحية.وَضْع اليد
وَضْع اليد في اللغة الترك والإسقاط، ويُقال وضعت عنه دينه أي أسقطته. واليد النعمة والقدرة والحوز والملك، ويُقال هذا في يد فلان أي في حوزه وملكه. وعند الفقهاء هو تصرّف ذي اليد في عين بالفعل، أو ثبوت تصرّفه فيها تصرّف الملاك. ويُطلق الفقهاء الوضع أيضاً على اليد الحسّية، وهي الجارحة. الحيازة في اللغة الضم والجمع، وفي الاصطلاح الاستيلاء على الشيء ووضع اليد عليه، ووضع اليد أعم منها. والغصب إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم مجاهرةً ومغالبةً، ووضع اليد أعم من الغصب. أولاً: الأحكام المتعلقة بوضع اليد على العين. اتفق الفقهاء في الجملة على أن وضع اليد دليل الملك، ولهم تفصيل بعد ذلك. قال الحنفية إن وضع اليد والتصرف من أقوى ما يُستدل به على الملك، فتصح الشهادة بأنه ملكه. وصرّح المالكية بأن وضع اليد إذا طال، ولم يُنازَع فيه، وصاحبه يتصرف تصرّف الملاك دلّ على الملك، وإن لم تطل المدة لم يثبت الملك. وفصّل ابن رشد الجواب عن سؤال الحائز من أين صار إليه الملك بحسب مدة الحيازة وثبوت الأصل للمدعي. كيفية وضع اليد تختلف باختلاف الشيء. ففي العقار يكون بالسكنى وبناء الأبنية، وفي العرصة بحفر البئر أو النهر أو القناة، أو غرس الأشجار أو زرع المزروعات، أو صنع اللبن؛ وفي الحرج والغاب بقطع الأشجار وبيعها والانتفاع بها؛ وفي المرعى بقطع الحشائش وبيعها أو رعي الحيوان فيها. ووجود المفتاح في يد أحد لا يجعله واضع اليد على الدار، فالساكن فيها هو صاحب اليد. وفي المنقول يكون بكل ما يدل على حيازة الشخص له، كاستخدام الرقيق وركوب الدابة وحلب الماشية. ثانياً: وسائل إثبات وضع اليد. يفرّق الحنفية بين العقار وغيره: فإثبات اليد في العقار المتنازع فيه يكون بالبينة، ولا يُحكم فيه بتصادق الخصمين، ولا بعلم القاضي، لأن اليد فيه غير مشاهدة، فلعله في يد غيرهما تواضعاً. ويُستثنى من لزوم إثبات اليد في العقار مسائل الشراء والغصب والسرقة، فإن دعوى الفعل تصح على ذي اليد وعلى غيره. وأما المنقول فذو اليد هو من يوجد في يده، ويثبت الوضع بالبينة أو بالمشاهدة أو بالإقرار؛ وإذا أنكر المدعى عليه وجوده في يده وأقام المدعي البينة أن المنقول كان تحت يده منذ سنة، سُمعت البينة واعتُبر المدعى عليه ذا اليد. ثالثاً: وضع اليد على مال الغير. من أخذ مال غيره بغير إذنه عدواناً فهو غاصب، وتفصيله في باب الغصب. ومن أخذ مال غيره بغير إذنه خطأً، كأن ظن أنه ملكه، لزمه الضمان، ولا إثم عليه، لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة، والكتاب يحتج بحديث في رفع الخطأ عن الأمة، وقد ذكر المعلّق أن ابن ماجه أخرجه وأن النووي حسّنه بحسب ما نقله ابن حجر. رابعاً: التنازع في وضع اليد. إذا تنازع شخصان في عقار وادّعى كل منهما أنه ذو اليد عليه، طُلبت البينة من كل منهما، فإن أقامها ثبتت يدهما معاً، وصار كل منهما مدعى عليه في القسم الذي يضع اليد عليه ومدعياً في القسم الذي يخرج فيه. وإذا لم تكن لأحدهما بينة قُضي للأقوى يداً، أو اشتركا عند التساوي. خامساً: مراتب وضع اليد. ذكر الحنفية أمثلة للترجيح عند التنازع دون بينة: فاللابس للثوب أحق من آخذ كُمّه، والراكب أحق من آخذ اللجام، ومن في السرج أحق من رديفه في ظاهر الرواية، ومن على حمل الدابة أولى ممن علّق كوزه بها، والحائط لمن على جذوعه، وهم يفرّقون بين الاتصال والتربيع والنقب. ورتّب المالكية مراتب اليد: أعظمها ثياب الإنسان ومنطقته، ثم البساط الذي يجلس عليه، ثم الدابة التي يركبها، ثم التي يسوقها أو يقودها، ثم الدار التي يسكنها. وقال الشافعية: إذا تداعيا دابة وعلى أحدهما حمل فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه؛ وإذا تنازعا على حيوان ويد أحدهما عليه ويد الآخر على حمله، فهو لمن يده على الحيوان. وقال الحنابلة: الدابة التي يركبها أحدهما وعليها حمل له، وقد أخذ الآخر بزمامها، فهي للأول بيمينه لأنه تصرف أقوى. سادساً: وضع اليد على اللقطة واللقيط. يحرم عند الحنفية أن يأخذ الملتقط اللقطة لنفسه لا لصاحبها، لأنه أخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه فيكون في معنى الغصب، وذكر الكتاب حديثاً في تعريف الضالة أخرجه مسلم. وقال الشافعية: إذا أخذها أحد المتماشيين بأمر الآخر، فالعبرة بقصد الآخذ، إن أخذها لنفسه فهي له، وإن قصد الآمر وحده فهي للآمر، وإن قصدهما فهي لهما. وقال الحنابلة: إذا رأيا اللقيط معاً فسبق أحدهما إلى أخذه أو وضع يده عليه فهو أحق به؛ وإن أمره صاحبه بمناولته فالعبرة بنيّة الآخذ. سابعاً: وضع المحرم يده على الصيد. يحرم على المحرم بحج أو عمرة وضع اليد على الصيد بشراء أو إجارة أو عارية أو نحوها، في الحرم وخارجه، لقوله تعالى في سورة المائدة، ويحرم كذلك وضع اليد على الصيد في الحرم على الحلال. ثامناً: ما لا يدخل تحت اليد. قاعدة الفقهاء أن الحر لا يدخل تحت اليد، وتفصيلها في باب الحرية. وأن وضع اليد على مال الغير بلا سبب شرعي مفسدة موجبة للضمان، سواء كان الواضع حاكماً أو محكوماً. ثانياً: الأحكام المتعلقة بوضع اليد الحسّية. في الصلاة اختلف الفقهاء في وضع اليمنى على اليسرى على أقوال، وتفصيله في باب الإرسال. واتفقوا على كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، لنهي ورد عن أبي هريرة في الصلاة مختصراً، ولأن الهيئة تنافي هيئة الصلاة. والطائف يستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر، وإلا وضع يده عليه ثم قبّل يده. وفي وضع اليد على القبر: ذهب المالكية والحنفية في قول والشافعية في قول إلى أنه بدعة، ونقل الكتاب عن عدد من الفقهاء النهي عن مسّ القبور وتقبيلها لأنه عادة النصارى، ونقل عن ابن تيمية الاتفاق على أنه لا يُتمسّح بالقبر ولا يُقبّل. ونقل الكتاب عن الشافعية في المذهب وأحمد في رواية كراهة استلام القبر باليد، واستثنى الجمل ما قُصد به التبرك. وذهب الحنفية في قول، والحنابلة في المذهب، إلى أن وضع اليد على القبر لا بأس به، وعن أحمد في رواية استحباب لمسه. وفي التثاؤب يندب كظمه وأن يُوضع اليد على الفم إن لم يستطع. وفي العطاس السنة وضع اليد أو الثوب على الفم وخفض الصوت. وعند المالكية يندب وضع اليد على المريض عند الدعاء له إن لم يكن ذلك مكروهاً. وفي كيفية وضع يدي الميت: عند الحنفية تُوضع اليمنى على الجانب الأيمن واليسرى على الأيسر، ولا توضعان على الصدر؛ وأجاز الشافعية أن توضعا على الصدر أو تُرسلا في جنبي الميت.وَضِيعة
الوضيعة في اللغة الخسارة، وما يأخذه السلطان من الخراج والعشور، والحطيطة، ومنه وضع عنه الشيء إذا أسقطه، وخسر في تجارته ضعة ووضيعة. وفي اصطلاح الفقهاء هي بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء معلوم منه، وتسمى مواضعة ومخاسرة ومحاطة وحطيطة، وهي أشهر معانيها. ويطلق الفقهاء الوضيعة أيضاً على الخسارة وعلى الحط من الدين. والمرابحة إعطاء الربح، وهي البيع بثمن محدد بزيادة معلومة على رأس المال، وهي ضد الوضيعة. والتولية نقل جميع المبيع إلى المولى بمثل الثمن الأول، والإشراك نقل بعض المبيع إلى الغير بمثل ثمن ذلك البعض، والوضيعة والتولية والإشراك كلها من بيوع الأمانة. بيع الوضيعة: المعنى الأشهر أنه بيع أمانة بنقصان معلوم من الثمن الأول، وهو جائز شرعاً لأنه نوع من البيع، ويصح إذا استوفى شروطه، وشروط صحته هي شروط صحة المرابحة. الوضيعة بمعنى الخسارة في الشركات: اتفق الفقهاء على أن الخسارة في الشركات تكون على الشركاء بحسب رأس مال كل منهم، ولا يجوز اشتراط غير ذلك، وذكر ابن عابدين أنه لا خلاف في بطلان اشتراط الوضيعة بخلاف قدر رأس المال. وفي المضاربة يتحمل رب المال الخسارة كلها، ولا يتحمل المضارب منها شيئاً، أما الربح فيكون بحسب الشرط؛ وإذا ربح المضارب ثم خسر أُخذت الخسارة من الربح ما دامت المضاربة مستمرة، ونقل الكتاب عن أحمد أنه يرد الوضيعة على الربح، وإذا قُبض رأس المال ثم أُعيد فهي مضاربة ثانية لا يُجبر بها خسارة الأولى. بيع الوضيعة بمعنى الحط من الدين: قال صاحب كفاية الطالب إن الحط من الدين مقابل تعجيله لا يجوز على المشهور، ويسمى هذا عند الفقهاء «ضع وتعجّل»، وعامة الفقهاء على تحريمه لما فيه من الربا. ويُحال إلى باب الإبراء.وَدِيعة
الوديعة في اللغة ما استُودع، والجمع ودائع، وهي المال الموضوع عند الغير ليحفظه، وزاد الحنابلة: بلا عوض، والإيداع تسليط الغير على حفظ ماله، وزاد الحنابلة: تبرّعاً. وتتصل بالإعارة لأن اليد فيهما عند بعض الفقهاء يد أمانة، وبـاللقطة لأن يد الملتقط أثناء الحول يد أمانة، وتتميز عن الغصب، وهو أخذ الشيء ظلماً وقهراً. ومشروعيتها ثابتة بالسنة وبالإجماع في الجملة، وفي الحديث الأمر بأداء الأمانة إلى من ائتمن. والخلاف في حكم الوديعة في بعض الأحوال: للمعتمد من القولين الكراهة لا الحرمة فيما ذُكر من صورة. وفي حقيقتها قولان: الجمهور (المالكية والحنابلة والشافعية على الأصح) أنها عقد توكيل خاص، لأنها إقامة الغير مقام المودِع في الحفظ دون التصرف، والحنفية يعبّرون عنها بأنها عقد تسليط الغير على حفظ ماله صراحة أو دلالة، وبعض الشافعية يرى أنها مجرد إذن، فلا تكون وديعة بل أمانة شرعية. وإذا عزل المودِع نفسه، فعلى القول بأنها إذن يلغو العزل وتبقى الوديعة، وعلى القول بأنها عقد تنفسخ ويبقى المال أمانة شرعية يجب ردها عند التمكن. وخصائص عقدها ثلاث: أنها جائزة من الجانبين، يستطيع كل منهما فسخها متى شاء، وأنها عقد أمانة لا عقد ضمان، والأصل فيها التبرع. وأركانها عند الجمهور ثلاثة: الصيغة، والعاقدان، والمحل؛ وعند الحنفية الإيجاب والقبول، ويكفي فيهما الصريح والكناية والفعل والدلالة. ولا أجرة للوديع على الحفظ إلا باشتراط أو عرف أو أن يكون ممن يتخذ الحفظ مهنة، والحنابلة يمنعون اشتراط العوض على الوديعة. وشرط المودِع الأهلية: العقل والتمييز عند الحنفية، والبلوغ والعقل والرشد عند الجمهور. فلا تصح وديعة المجنون والصبي غير العاقل، ويضمن الوديع إن قبلها منهما. وفي استيداع الصبي المميز أربعة أقوال، أولها للأكثر من المالكية والشافعية والحنابلة: أنه لا يصح استيداعه مميزاً أو غير مميز، لأن الحفظ مقصود ولا أهلية للصبي فيه، فلو تلفت عنده لم يضمن. أما الصبي المميز فعند الحنفية يصح إيداعه إن كان مأذوناً له في التجارة، وعند ابن رشد يصح أن يكون وكيلاً أميناً، وعند ابن عرفة يجوز إذا ظُنّ صونه عنده. ويُشترط في العين المودعة عند الحنفية والمالكية أن تكون مالاً، فلا يصح إيداع الميتة والدم، وعند الشافعية والحنابلة أن تكون مالاً أو مختصاً، فلا يصح إيداع الخمر المحرّمة وآلات اللهو. وتصح عند جمهور الفقهاء إيداع الصكوك والوثائق، ويصح إيداع العقار عند الجمهور خلافاً لابن عرفة الذي اشترط كونها منقولة. والوديعة أمانة في يد الوديع، فلا ضمان عليه إلا بتعدٍّ أو تفريط، وهو قول جمهور الفقهاء، وعليه إجماع فقهاء الأمصار. وعند الحنفية يفرّق بين الوديعة بأجر وبغيره، فيضمن الوديع بالأجر ما يمكن التحرز منه، والمالكية والشافعية لا يفرّقون. ويبطل شرط الضمان على الأمين عند الجمهور، ويبطل عند الحنفية والشافعية شرط عدم الضمان عن التعدي. والقول قول الوديع في الهلاك مع يمينه عند جمهور الفقهاء، والشافعية والحنابلة يشترطون البينة على السبب الظاهر كالحريق والغرق، وعند المالكية يحلف المتهم وحده على المشهور. والقول قول الوديع في الرد مع يمينه عند جمهور الفقهاء، وعند المالكية تلزمه البينة إن كان قبضها بقصد التوثّق. والزوائد المتولدة من الوديعة لصاحبها، والنفقة عليه، فإن غاب ولم يأذن رفع الوديع الأمر إلى الحاكم، وللفقهاء في الإنفاق بغير إذن الحاكم ثلاثة أقوال، فالحنفية والشافعية لا يرجع الوديع فيما أنفق، والمالكية يرجع بما أنفق إذا ثبت بالبينة، والحنابلة يرجعون على تفصيل. ويجب على الوديع الحفظ في حرز المثل، فإن عيّن المالك حرزاً لم يجز النقل إلى ما دونه، وإن نقلها إلى مثله أو أحفظ منه فلا ضمان. وللوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه أو بعياله الذين يحفظ عندهم ماله، ولا يودعها عند أجنبي إلا لعذر. وفي مدة حفظ الوديعة عند انقطاع خبر صاحبها أربعة أقوال: عند الحنفية يحفظها حتى يعلم موته أو حياته، وعند المالكية ينتظر بها أقصى ما يحيا مثله ثم تُدفع لورثته أو تُتصدّق عنه، وعند الشافعية تُحفظ أبداً أو تُعطى القاضي، وعند الحنابلة يجوز التصدق بها بنية غرمها. ويجب رد الوديعة فور طلبها، فإن أخّرها بغير عذر فتلفت ضمنها، والأعذار المسوّغة للتأخير كالليل وقضاء الحاجة وخشية الهلاك، وعند الحنفية تشمل الأعذار المعنوية كالخوف من ظالم. والرد يكون بالتخلية بين الوديعة ومالكها في مكان الإيداع دون حمل، ولا يلزم الوديع نقلها إلى دار المالك. وإذا مات الوديع ووجدت الوديعة بعينها في تركته فهي أمانة في يد الوارث يلزمه ردها، وإذا وجدت مكتوباً عليها أنها وديعة فللفقهاء قولان في وجوب التسليم بالخط وحده. وإتلاف الوديعة بغير إذن صاحبها محرّم وموجب للضمان باتفاق، ولو أمر المالك بإتلافها ففيه قولان، والأكثر على عدم الضمان، وتجويز رد بدلها من المثليات عند المالكية يسقط الضمان، وعند غيرهم لا يسقط. وإذا ضاعت الوديعة بسبب امتناع الوديع من نقلها من الحريق، ففيه قولان: الحنفية والحنابلة يضمنون، والشافعية لا يضمنون. وإيداع الوديعة عند غيره دون إذن المالك ولا عذر تعدّ يضمنه فيه جمهور الفقهاء، ويجوز الاستعانة بالغير في حملها وحفظها. وخلط الوديعة بغيرها إذا أمكن تمييزها فلا ضمان، وإذا تعذّر التمييز ضمن عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وعند المالكية يضمن إذا خلطها بغير جنسها. والسفر بالوديعة يجوز بإذن المالك، وبغير إذنه يختلف الفقهاء في الضمان بحسب الخوف والحاجة وإمكان الرد. والتجارة بالوديعة بغير إذن تعدٍّ يوجب الضمان، واختلفوا في الربح على خمسة أقوال: لصاحب الوديعة، أو لبيت المال، أو يُتصدّق به، أو للوديع، أو يُقسم بينهما. والاستعمال بإذن المالك جائز، وبغير إذنه تعدٍّ يوجب الضمان ويلزم أجرة المثل عند المالكية والشافعية. والتصرف في الوديعة بالبيع أو الإجارة أو الرهن بغير إذن المالك تعدٍّ يوجب الضمان، وعند الحنفية يكون البيع فضولياً موقوفاً على الإجازة. وجحود الوديعة بعد طلب المالك يصيّر الوديع خائناً ضامناً عند الجمهور، وللحنفية سبعة شروط لذلك، وللشافعية استثناءات. وتضييع الوديعة، وترك تعهد الحيوان المودع، ونسيانها، وتجهيلها عند الموت، من موجبات الضمان عند بعض المذاهب، ويختلفون فيما إذا نهاه المالك. وينتهي عقد الإيداع بالموت أو الجنون أو عزل أحد الطرفين أو انتقال الملك أو الجحود، ويبقى المال بعدها أمانة شرعية يجب ردها. وإذا تنازعت الوديعة أكثر من جهة أو اختلف الوديع والمودِع في أصل الإذن أو صفة المقبوض، فللفقهاء قواعد مفصّلة في البينة واليمين والقسمة.عفو المهر
يبيّن الشعراوي في تفسير قوله تعالى «أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح» أن المهر حق للمرأة، وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج لا ولي المرأة، وأنه يرد على من قال بالولي، كما ينقل ذلك عن بعض المفسرين دون أن يسمّيهم في هذا الموضع.وَاجِب
الواجب في الاصطلاح عند الحنفية ما لزم بدليل فيه شبهة، وعند الجمهور ما يُذم تاركه شرعاً على بعض الوجوه. والفرض عند الحنفية ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة، كصدقة الفطر والأضحية، وعند الجمهور هما مترادفان شرعاً. وتتفاوت مراتب الواجب عند الشافعية بكثرة اللوم على تركه، وعند الحنفية بقوة دليله. وينقسم الواجب إلى عيني وكفائي، وإلى معين ومخيّر، وإلى مؤقت وغير مؤقت، والمؤقت إلى مضيّق وموسّع، وإلى ما هو على الفور وما هو على التراخي. وإذا فات الواجب بالتأخير وجب قضاؤه أو جبره بالكفارة، وقد يسقط القضاء عن الصبي والمجنون والحائض لأسباب ترجع إلى الرفق بالمكلف. وفي الزيادة على الواجب اختلفت المذاهب: فالحنفية يقولون إن الزيادة تُقدّر بما يتفق عليه، والمالكية يكرهونها، والشافعية والحنابلة يفرقون بين ما يتميز منها وما لا يتميز. وقد يجب الشيء ثم يسقط بتعارض المقتضي والمانع، عند الشافعية.وَكالة
الوكالة بالفتح والكسر في اللغة الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله بمعنى الحافظ، ومنه التوكل، والتوكيل تفويض التصرف إلى الغير، وسُمّي الوكيل وكيلاً لأن موكّله فوّض إليه القيام بأمره. وفي الاصطلاح تعددت التعريفات: فعرّفها الحنفية بأنها إقامة الغير مقام نفسه في تصرف جائز معلوم، ترفّهاً أو عجزاً؛ وعرّفها المالكية بأنها نيابة ذي حق، غير ذي إمرة ولا عبادة، لغيره فيه غير مشروطة بموته؛ وعرّفها الشافعية بأنها تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته؛ وعرّفها الحنابلة بأنها استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين. يفرّق الكتاب بين الوكالة وألفاظ قريبة منها: النيابة، وهي قيام الإنسان عن غيره بفعل أمر، وهي عند بعضهم أعم من الوكالة، وعند آخرين مترادفة؛ والولاية، وهي تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، وهي نيابة شرعية أو إجبارية، بينما الوكالة نيابة اتفاقية؛ والإيصاء، وهو إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في التصرف بعد الموت، بينما الوكالة في الحياة؛ والقوامة، وهي ولاية يفوضها القاضي إلى راشد للتصرف لمصلحة القاصر، أو ولاية الزوج على زوجته. اتفق الفقهاء على مشروعية الوكالة، واستدلوا عليها بالقرآن: بقصة أصحاب الكهف في بعث أحدهم بورقهم إلى المدينة، وبآية الحكمين في سورة النساء، والحكم وكيل عن الزوجين على رأي. وبالسنة: حديث عروة بن أبي الجعد البارقي الذي أعطاه النبي ديناراً ليشتري به شاة، وحديث حكيم بن حزام في شراء الأضحية، وحديث جابر في الوكيل بخيبر، وحديث أبي رافع في زواج النبي بميمونة وكان الرسول بينهما؛ وأجمع الفقهاء على جوازها من عصر النبي إلى اليوم. واستدلوا بالمعقول، وهو أن الحاجة داعية إليها، لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه لمرض أو كبر أو وجاهة، فلو لم تجز لوقع الحرج المنفيّ. أركان الوكالة. يرى جمهور الفقهاء أنها الصيغة والعاقدان (الموكل والوكيل) ومحل العقد (الموكل فيه)، ويرى الحنفية أن ركنها الإيجاب والقبول، لأن وجودهما يستلزم الركنين الآخرين. والصيغة هي الإيجاب والقبول، يُعبّر بهما عن التراضي. الإيجاب. يرى الجمهور أنه ما يصدر من الموكل ويدل على إذنه بالتوكيل، ويرى الحنفية أنه ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين للدلالة على رغبته في إنشاء العقد. ويتحقق بكل ما يدل على الرضا بالوكالة، باللفظ أو الكتابة أو الرسالة أو إشارة الأخرس. فمن اللفظ الصريح: وكلتك، أو فوضت إليك، أو أنبتك، أو أذنت لك، أو أقمتك مقامي، أو أنت وكيلي؛ وأما الأمر كقوله بعه، فيصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وعند المالكية إذا جرى العرف به. أما ألفاظ «سأوكلك» و«أوكلك» و«قد عولت عليك» و«قد اعتمدت عليك» فلا تنعقد بها الوكالة عند الشافعية لاحتمالها، إلا أن يُضم إليها لفظ صريح. وتنعقد الوكالة بالرسالة عند الحنفية والمالكية والشافعية، ويكون الوكيل وكيلاً متى بلغه الخبر وقبل، سواء كان المخبر عادلاً أو غير عادل. ويتحقق الإيجاب بالكتابة المستبينة، وبالإشارة المفهومة من الأخرس، وبالفعل الدال على الإذن عند الحنابلة، وبما جرت العادة باعتباره إيجاباً عند المالكية، كتصرف الزوج في مال زوجته وهي عالمة ساكتة. ولا يكون السكوت إيجاباً عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ فمن رأى أجنبياً يبيع ماله فسكت لم يصبح وكيلاً بسكوته. القبول. يتحقق باللفظ، كأن يقول الوكيل قبلت، أو بكلام يشعر بالقبول؛ وزاد الحنفية والشافعية أنه لا بد ألا يرده الوكيل، فإن رده بعد الإيجاب لم تنعقد الوكالة وإن قبل بعد ذلك، ما لم يجدد الإيجاب والقبول. وفي القبول بالفعل ثلاثة آراء: الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية في أصح الوجهين والحنابلة) يرون أنه يتحقق بكل فعل دال عليه، كفعل الوكيل ما أمره به الموكل؛ والشافعية في وجه والحنابلة في قول وزفر من الحنفية يرونه لا يتحقق إلا باللفظ؛ والشافعية في وجه ثالث يفرّقون: إن كانت صيغة الإيجاب أمراً كقوله «بع واشترِ» تحقق القبول بالفعل، وإن كانت صيغة عقد كـ«وكلتك» فلا بد من اللفظ. ويصح القبول بالكتابة المستبينة المعنونة، وبإشارة الأخرس المعلومة، وعند الحنفية يكون سكوت الوكيل قبولاً ويرتد برده. وإذا تراخى القبول عن الإيجاب، فجمهور الفقهاء (الحنفية والحنابلة والشافعية في المذهب والمالكية في أحد القولين) يصححونه، لأن الإذن قائم ما لم يرجع عنه الموكل، فأشبه الإباحة؛ وقيّد الشافعية ذلك بألا يتعين زمان العمل، فإن تعين وخيف فواته كان القبول على الفور، وكذا إذا عرضه الحاكم عليه عند ثبوتها عنده. وذهب المالكية في القول الثاني وأبو حامد المروروذي من الشافعية إلى أن القبول على الفور، لأن الوكالة عقد في حال الحياة فيكون القبول فيه على الفور كالبيع. وقال المازري إن التحقيق يرجع إلى القصد والعوائد: هل المراد من هذه الألفاظ استدعاء الجواب فوراً، أم معجلاً أو مؤجلاً؟ أقسام صيغة الوكالة بحسب وقت ترتّب آثارها: المنجّزة، وهي ألا تكون معلقة بشرط ولا مضافة إلى وقت، والمعلقة، والمضافة إلى المستقبل، والموقتة. الصيغة المنجزة، وهي ألا تُعلّق بشرط ولا تُضاف إلى وقت، كقول الموكل «وكّلتك ببيع الدار الفلانية»، وهي صحيحة باتفاق الفقهاء. الصيغة المعلقة على شرط. اختلف الفقهاء في صحتها على رأيين. الأول، للحنفية والحنابلة على الصحيح عندهم وللشافعية في مقابل الأصح، أنها صحيحة، كقول «إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام»، واستدلوا بحديث ابن عمر في إمرة زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ثم جعفر، ثم عبد الله بن رواحة إن قُتل من قبله، ولأنه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمه وهو إباحة التصرف، فهو أشبه بالوصية. والثاني، للشافعية في الأصح وللحنابلة في قول، أنها فاسدة؛ قال الماوردي إن تعليق الوكالة بالشروط والآجال فاسد. وأجاز الشافعية أن ينجز الموكل الوكالة ويشترط للتصرف شرطاً، كقوله «بعها بعد شهر»، لأن ذلك تأخير لا تعليق؛ ونقل الغزالي عن العراقيين أن قدوم فلان أو مضي شهر شرط للتصرف لا للعقد فيجب على الوكيل الامتثال. الصيغة الدورية، وصورتها أن يقول الموكل «وكّلتك ببيع هذا المال، وكلما عزلتك فأنت وكيلي»، فتتجدد الوكالة كلما عُزل. وصحّحها الحنفية والحنابلة على الصحيح، بناءً على أن الوكالة تقبل التعليق، ويملك الموكل عزل الوكيل متى شاء عند الحنفية؛ ويحصل العزل عند الحنابلة بقول الموكل «عزلتك، وكلما وكلتك فقد عزلتك». ومنع ابن تيمية صحتها لأنها تجعل العقد الجائز لازماً، والمقصود من التعليق المنع من التوكيل لا فسخ عقد قبل انعقاده. وقال الشافعية في صحتها في الحال وجهان، أصحهما الصحة، فإن عزله ولم يعلم الوكيل أو علم، ففي عوده بعد العزل وجهان، أصحهما المنع؛ وإن قال «كلما عزلتك» تكرر العود أبداً، وإن قال «إذا» أو «متى» فمرة واحدة. الصيغة المضافة إلى المستقبل، كقول الموكل «وكّلتك على أن تبيع دوابي في شهر رمضان» أو «وكّلتك في بيع هذه الدار غداً»، وقد أجازها الحنفية والحنابلة، ويُقرّ الحنفية أن الوكيل يصبح وكيلاً من الغد فما بعده لا قبله، ويوافقهم الشافعية لأن الوكالة نُجّزت في الحال وعُلّق التصرف على وقت في المستقبل. الصيغة المعلقة على وقت، كقوله «إذا جاء رأس الشهر فقد وكّلتك في بيع داري»، وهي باطلة في الأصح عند الشافعية لأن تعليق الوكالة بالآجال فاسد، وصحيحة عند الحنفية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح. وفرّق الحنفية بين الإضافة والتعليق: فالمضاف سبب ينعقد به العقد في الحال مع تأخّر حكمه إلى الوقت، أما المعلّق ففيه مانع من أن يكون سبباً للحكم في الحال، فلا تنعقد الوكالة إلا عند وجود الشرط. الصيغة المؤقتة، كقوله «أنت وكيلي شهراً»، وهي صحيحة عند الفقهاء. واختلفوا في بقائها بعد الوقت: فالشافعية لا تبقى بعده. وعند الحنفية روايتان فيمن وُكّل ببيع الدار «اليوم» فباعها غداً، فقيل الصحيح أنها لا تبقى، وقيل تبقى لأن ذكر اليوم للتعجيل لا للتوقيت؛ ونقل صاحب منحة الخالق عن البزازية أن الوكالة إلى عشرة أيام لا تنتهي بمضيّ العشرة في الأصح. اقتران الوكالة بشرط. إن كان الشرط فاسداً، فذهب الحنفية وأحمد في أظهر روايتيه وابن أبي ليلى إلى أن الوكالة لا تبطل بأي شرط فاسد، وذهب الشافعية إلى أن الشرط الفاسد يُفسد الوكالة، كأن يقول الموكل «امنع المبيع من المشتري»، لأن منع الحق عمّن يستحق إثبات اليد عليه حرام. وقال الزركشي إن العقود الجائزة كالشركة والوكالة والمضاربة، فاسدها لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها. وفائدة الفساد سقوط المسمى من الأجرة والرجوع إلى أجرة المثل. ورأى بعض الحنابلة أن الوكالة تبطل كالوديعة لزوال الائتمان، وقال أبو محمد الشافعي إن الإذن ليس منفصلاً عن الوكالة فمعنى فسادها بطلان الإذن. صفة عقد الوكالة، أي هل هو لازم أو جائز. الرأي الأول، للحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية، أنها عقد جائز من الجانبين لأنها تبرّع لا لزوم فيه، فقد يرى الموكل المصلحة في ترك ما وكّل فيه أو في توكيل غيره، ولأن الوكيل قد لا يتفرغ. واستثنى الحنفية والمالكية ما إذا تعلّق بالوكالة حق الغير، فتلزم، كوكيل الخصومة بطلب الخصم، والوكيل ببيع الرهن في حضور المرتهن. وقال الحنفية إن على عدم لزومها تتفرع ثلاث مسائل: لا يدخلها خيار الشرط، ولا يُحكم بالوكالة مقصودة، وللوكيل أن يستقيل منها متى أراد. الرأي الثاني، إن كانت بأجرة على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب أن تجتمع فيها شرائط الإجارة، وبهذا صرح الشافعية والمالكية في قول. الرأي الثالث، لبعض المتأخرين من المالكية، أنها لازمة من جانب الوكيل وإن كانت بغير أجرة، قياساً على لزوم الهبة وإن لم تُقبض. وإن كانت على سبيل الجعالة ففيها ثلاثة أقوال عند المالكية: اللزوم من الطرفين، والجواز من الطرفين وهو المعتمد عند الشافعية، واللزوم من جهة الجاعل دون المجعول له. الركن الثاني: العاقدان، وهما الموكل والوكيل. أولاً: الموكل، وهو من يقيم غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم، ويُشترط أن يملك ذلك التصرف وأن تلزمه أحكامه. واتفق الفقهاء على أنه لا تجوز الوكالة من المجنون والمعتوه والمغمى عليه والنائم والصبي غير المميز مطلقاً. يجوز توكيل الصبي المميز في التصرفات النافعة له نفعاً محضاً باتفاق، أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فتصح عند الحنفية والمالكية والحنابلة بإذن الولي، وأبطلها الشافعية. ولا تجوز الوكالة من السفيه المحجور عليه فيما لا يستقل به، ويجوز فيما يستقل به. ولا يجوز عند جمهور الفقهاء توكيل المرأة في النكاح، لأنها لا تزوج نفسها فلا توكل فيه، وأجازه الحنفية، وأجازه المالكية في بعض الصور. وفي توكيل المرتد ثلاثة أقوال: الأول، لجمهور الفقهاء (الشافعية في أظهر الأقوال، والحنابلة، وأبي حنيفة)، أنها متوقفة على عودته إلى الإسلام، فإن أسلم نفذت، وإن مات أو قُتل أو لحق بدار الحرب مرتداً بطلت؛ والثاني، للصاحبين وللشافعية في قول، أنها صحيحة نافذة، وزاد الحنفية أن المرتدة يجوز توكيلها باتفاقهم؛ والثالث، للشافعية في قول استوجهه زكريا الأنصاري والشبراملسي، أنها باطلة. وفي توكيل المسلم الذمي في بيع الخمر والخنزير: ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والصاحبان إلى أنه لا يصح، لأن شرط الوكالة أن يملك الموكل التصرف الذي يوكّل فيه، والمسلم لا يملك بيعهما، وفاقد الشيء لا يعطيه؛ وذهب أبو حنيفة إلى الصحة، لأنه يكفي أن يكون للموكل أهلية أداء تخوّله توكيل الغير. وفي توكيل المحرم لحلال في النكاح: لا يجوز عند جمهور الفقهاء لأنه لا يباشر العقد حال إحرام الموكل، وأجازه الحنفية مطلقاً. ونص الحنابلة على أنه لا تصح الوكالة إذا لم يعرف الوكيل موكله، بأن قيل له «وكّلك زيد» ولم يُنسب ولم يُوصف بما يميّزه. الوكيل. يشترط فيه ما يشترط في الموكل من العقل، فلا يجوز توكيل المجنون والمعتوه والصبي غير المميز باتفاق. وفي اشتراط البلوغ: الحنفية والحنابلة أجازوا وكالة الصبي المميز الذي يعقل العقد ويقصده، وتعود حقوق العقد إلى الموكل لا إليه، وحجتهم أثر أن النبي زوّج أم سلمة بعمرو بن أم سلمة وكان صبياً؛ ومنعه الشافعية لأنه غير مكلف ولا يملك التصرف في حق نفسه فلا يملكه في حق غيره. ويشترط أن يكون الوكيل معيناً، فإذا قال شخص «وكّلت أحد الناس في بيع سلعة» بطلت الوكالة لجهالة الوكيل. وذكر ابن نجيم أن قول الدائن لمدينه «من جاءك بعلامة كذا فادفع ما لي إليه» توكيل مجهول لا يصح، فلا يبرأ المدين بالدفع إليه. علم الوكيل بالوكالة. عند الحنفية العلم بالتوكيل في الجملة شرط، إما علم الوكيل وإما علم من يعامله؛ فلو باع الوكيل قبل علمه وعلم المشتري بالتوكيل لم يجز البيع حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد العلم. وإذا أخبره بالوكالة عدل صار وكيلاً عند الإجماع، فإن أخبره واحد غير عدل فصدّقه صار وكيلاً، وإن لم يصدّقه فليس بوكيل عند أبي حنيفة، وهو وكيل عند أبي يوسف ومحمد. وذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط العلم، لأن الاعتبار في العقود بما في نفس الأمر، وهو ما يؤخذ من الأظهر عند الشافعية. وعدالة الوكيل لا تشترط في الجملة، إلا في عقود معينة كالنكاح، وذكورته لا تشترط في الجملة إلا في بعض العقود كالنكاح. محل الوكالة، وهو التصرف المأذون فيه من الموكل للوكيل بملك أو ولاية. وشرطه عند الشافعية ثلاثة: أن يكون معلوماً من بعض الوجوه، وأن يقبل النيابة، وأن يملكه الموكل حال التوكيل. وتنقسم الوكالة باعتبار المحل إلى خاصة وعامة. فالخاصة ما كان فيها التوكيل بتصرف معين، ولا يتصرف الوكيل إلا فيه باتفاق. والعامة، ففيها خلاف: الحنفية والمالكية يجيزونها في الجملة مع تفصيل، فقال الحنفية إن قوله «أنت وكيلي في كل قليل وكثير» وكالة بالحفظ فقط، وإن قال «في كل شيء جائز أمرك» صار وكيلاً في جميع التصرفات المالية كالبيع والشراء والهبة والصدقة، واختلفوا في الطلاق والعتاق والوقف، والمفتى به عندهم أنه لا يملكها. وقال المالكية لا تنعقد بمجرد قوله «وكلتك»، بل يُفوَّض الأمر تفويضاً، وما كان فيه تنمية المال جاز، وما كان كالعتق والهبة والصدقة لثواب الآخرة لا يجوز إلا بإذن صريح. أما الشافعية والحنابلة فلا يصحون التوكيل العام، لكثرة الغرر، فلا يصح قوله «وكلتك في كل قليل وكثير لي»، ويصح قوله «وكلتك في بيع أموالي وقبض ديوني» وإن جُهلت الأموال والديون. ضابط ما يصح أن يكون محلاً للوكالة: كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكّل فيه غيره، لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة لبعض الأحوال فيحتاج إلى التوكيل. وقد اتفق الفقهاء على جواز التوكيل في البيع والشراء، لأن الحاجة داعية إليه، وفعل النبي ذلك حين وكّل عروة البارقي في شراء الشاة، ودفع إلى حكيم بن حزام ديناراً ليشتري به أضحية. واتفقوا أيضاً على جواز التوكيل في الحوالة والرهن والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والوصية والفسخ والإبراء والمصارفة والإقالة والشفعة، لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل؛ وكذلك في الضمان والصلح والهبة. اتفق الفقهاء على صحة التوكيل في عقد النكاح من الرجل، واستدلوا بتوكيل النبي عمرو بن أمية وأبا رافع في قبول النكاح له، وبأن الحاجة داعية إليه إذ قد يحتاج الموكل إلى الزواج من مكان بعيد لا يستطيع السفر إليه، وبزواج النبي أم حبيبة وهي يومئذ بأرض الحبشة. واتفقوا على جواز التوكيل في العبادات المالية كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات، لأن النبي بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها. واتفقوا على جواز التوكيل في الطلاق والرجعة والخلع، لأن الحاجة إليه كالحاجة إلى التوكيل في البيع والنكاح. ما لا يصح التوكيل فيه باتفاق. الشهادة: لا يجوز التوكيل فيها، لأنها تتعلق بعين الشاهد فيما رآه أو سمعه، ولأنها مبنية على التعبد واليقين؛ فإن استناب فيها كان النائب شاهداً على شهادته يؤدي ما سمع من شاهد الأصل لا وكيلاً. والأيمان والنذور، لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر، وكذلك اللعان والإيلاء والقسامة. والمعاصي كالقتل والسرقة والغصب والقذف، لأنها محرمة لا يصح فعلها من الموكل ولا من الوكيل. والعبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، لأنها تتعلق ببدن من وجبت عليه. ما اختلف فيه. الحج: لا يجوز التوكيل فيه لمن يقدر على الحج بنفسه، أما العاجز فتفصيله في موضعه. والعمرة: يجوز في الجملة أداؤها عن الغير بالوكالة. والنكاح من المرأة: جمهور الفقهاء يمنعون أن توكل المرأة في الزواج أو تتوكل فيه، والحنفية يجيزونه للحرة البالغة العاقلة. والظهار: منعه الجمهور، وأجازه الشافعية في مقابل الأصح، ورأى ابن عبد السلام من المالكية أنه كالطلاق. وتحصيل المباحات كإحياء الموات والاصطياد وحفر المعدن: أجازه المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة، ومنعه الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة لأن الملك للوكيل بوضع اليد. والإقرار بالحقوق: أجازه الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح، ومنعه الشافعية في الأصح والطحاوي لأنه إخبار عن حق كالشهادة. الخصومة: أجازها المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان في الدين والعين وسائر الحقوق، حاضراً كان الموكل أو غائباً، رضي الخصم أو لم يرضَ، واستثنى المالكية ما إذا كان الوكيل عدواً للخصم. واستدلوا بأن علي بن أبي طالب وكّل عقيلاً عند أبي بكر، وبأن الحاجة داعية إليها. وقال أبو حنيفة لا تجوز الوكالة بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا إذا كان الموكل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام فأكثر، لأن حضور الموكل لمجلس الحكم حق لخصمه؛ ووجهه أن الدعوى خبر يحتمل الصدق والكذب، فلا يلزم جوابه إلا للضرورة، والضرورة قائمة عند مرض الموكل أو سفره. وذكر الجصاص أنه لا فصل في ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة، واستحسن المتأخرون توكيل المرأة المخدّرة، وقال ابن أبي ليلى لا يجوز إلا توكيل البكر. إثبات القصاص واستيفاؤه: أجاز المالكية والشافعية والحنابلة وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن التوكيل في إثباته، وخالف أبو يوسف فلم يجزه إلا من الموكل لأن الشبهة يُتحرز عنها في الحدود والقصاص. وفي استيفاء القصاص: المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب أجازوه في حضرة الموكل وغيبته؛ والحنفية وبعض الشافعية والحنابلة لا يجيزونه إن كان الموكل غائباً لاحتمال العفو. إثبات الحدود واستيفاؤها: الحنابلة في المذهب أجازوا التوكيل في إثبات حد الزنا مستندين إلى قصة أُنيس، وقال أبو الخطاب منهم لا يصح؛ والشافعية لا يجيزونه في حدود الله إلا حد القذف لأن الحق لله وقد أُمر بالدرء. وفي الاستيفاء أجازه المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بأمر النبي برجم ماعز وبتوكيل عثمان علياً في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة. وقال الحنفية إن حقوق الله نوعان، فالإثبات: لا يجوز التوكيل فيما لا يحتاج إلى خصومة كحد الزنا والخمر، ويجوز فيما يحتاج إليها كحد السرقة والقذف عند أبي حنيفة ومحمد، ومنعه أبو يوسف؛ والاستيفاء في القذف والسرقة يجوز إن كان المقذوف أو المسروق منه حاضراً، واختلف مشايخهم إن كان غائباً. أحكام الوكالة. تتعلق بالوكيل بأن ينفذها في الحدود التي أذن بها الموكل أو قيّده الشرع أو العرف، وأن يوافي الموكل بالمعلومات الضرورية ويقدم حساب الوكالة، وأن يرد ما للموكل في يده. والوكالة الخاصة تصدر مطلقة وتصدر مقيدة. ومن صورها الوكالة بالبيع، فعند أبي حنيفة الوكيل بالبيع المطلق لا يتقيد بقيد إلا إذا كان متهماً، فيملك البيع بالقليل والكثير وبالنقد والنسيئة وبالعرض، لأن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولأن البيع بغبن فاحش لغرض شراء ما هو أربح متعارف. الوكالة المطلقة في البيع. اختلف الفقهاء في تقييدها على رأيين. الأول لأبي حنيفة، وهو أن الوكيل المطلق لا يتقيد بأي قيد إلا إذا كان متهماً، فيملك البيع بالقليل والكثير وبالنقد والنسيئة وبالعرض، لأن اللفظ المطلق يجري على إطلاقه، ولأن البيع بغبن فاحش لغرض شراء ما هو أربح متعارف. والثاني لجمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) وهو أن الوكيل المطلق مقيد بقيود، منها: أن يبيع بنقد البلد، لأن إطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد، وأن يبيع بثمن المثل فيما لا يتغابن الناس بمثله، فإن باع دونه فعند المالكية يخير الموكل ولو يسيراً، واليسير نصف العشر فأقل، وعند الحنابلة يصح البيع ويضمن الوكيل النقص. ومنها أن يبيع بالنقود لا بالعرض عند المالكية والحنابلة والصاحبين، وأن لا يبيع نسيئة عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويتخرج عند الحنابلة جواز ذلك. وأن لا يبيع بمنفعة عند الحنابلة. بيع الوكيل لنفسه. جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب والمالكية في المعتمد) يمنعون ذلك، لأن العرف في البيع أن يبيع الإنسان من غيره، ولأن فيه تهمة؛ وأجازه المالكية والحنابلة إذا أذن له الموكل، واستثنى المالكية ما إذا تناهت الرغبات أو كان البيع بحضرة الموكل. وعن أحمد رواية بالجواز إذا زاد على الثمن في النداء وتولى النداء غيره، ورأى القاضي أن الثاني قد يكون واجباً. وعند المالكية في قول: يجوز إن لم يحاب نفسه. بيع الوكيل لمن لا تُقبل شهادته له. عند الحنفية إن باع ممن لا تُقبل شهادته له بأكثر من القيمة جاز، وبأقل بغبن فاحش لا يجوز بالإجماع، وبمثل القيمة فيه روايتان؛ وأجاز الصاحبان البيع منهم بمثل القيمة إلا من عبده أو مكاتبه. وعند المالكية على المشهور لا يجوز للوكيل أن يبيع لمحجوره من صغير أو سفيه أو رقيق غير مأذون. وعند الشافعية لا يجوز أن يبيع لولده الصغير ولو أُذن له، والأصح جواز بيعه لأصوله ولفروعه غير المحجورين. وعند الحنابلة في المذهب لا يجوز أن يبيع لولده أو والده أو مكاتبه، ويجوز في الوجه الثاني، ومحل الخلاف إن لم يأذن الموكل. الوكالة المقيدة في البيع. يلتزم الوكيل بقيود موكله باتفاق. قال الحنفية إن الوكيل إذا خالف قيد موكله لا ينفذ على الموكل إلا بإجازته، إلا أن يكون الخلاف إلى خير، فيكون ذلك موافقة معنى. فإذا قال «بع ثوبي بألف درهم» فباعه بأقل أو بغير الدراهم لم ينفذ، وإن باعه بأكثر نفذ، وإن قال «بع نسيئة» فباعه حالاً نفذ، وإن أمره بالحلول فباعه نسيئة توقف. ورأى المالكية أن الزيادة في البيع أو النقص في الشراء لا توجب الخيار، لأن ذلك مما يرغب فيه، وأن المخالفة لا توجب الخيار إلا إذا تعلق بها غرض صحيح. وقال الشافعية والحنابلة: لا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه الإذن نطقاً أو عرفاً، فإن كان في أحد التصرفين ضرر بالموكل امتنع، لقوله «لا ضرر ولا ضرار»، وإن كان فيه نظر له لزم، وهو مقتضى النصيحة. والإذن المقيد بزمان لا يتعداه، والمقيد بمكان يتعلق به غرض، والمقيد بمشترٍ معين لا يتعدى إلى غيره إلا إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عينه. مخالفة الوكيل في الثمن. في الوصف: إذا أمره ببيع نسيئة فباع حالاً، فجمهور الفقهاء يجيزون البيع وينفذ في حق الموكل لأن الموكل حصل مقصوده وزاده الوكيل خيراً؛ ويرى الحنابلة في قول أنه إن كان للموكل غرض معين في التأجيل بطل البيع، ومنعه الشافعية إن كان للموكل غرض. وإذا أمره ببيع نسيئة بثمن محدد فباعها نقداً بأقل، فالحنفية والشافعية والحنابلة لا يجيزون البيع، والمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل. وإذا أمره بالحلول فباع نسيئة، فالحنفية والشافعية والحنابلة لا يجيزون البيع لأن للتعجيل غرضاً، والمالكية يجعلونه موقوفاً على الإجازة. وللشافعية والحنابلة أن الوكيل لا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقاً أو عرفاً، فإن كان في أحد التصرفين ضرر بالموكل امتنع، وإن كان فيه نظر له لزم. والإذن المقيد بزمان لا يتعداه، والمقيد بمكان ذي غرض لا يُتعدّى إلى غيره، والمقيد بمشترٍ معين لا يُتعدى إلى غيره إلا إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عينه. إذا أمره ببيع السلعة حالاً بألف فباعها بألف نسيئة لم ينفذ، بل يتوقف على إجازة الموكل، وهذا قول الكاساني. مخالفة الوكيل في جنس الثمن. إذا أمره ببيع السلعة بالدنانير فباعها بالدراهم أو بالعروض، فالحنفية والشافعية والقاضي من الحنابلة لا يجيزون البيع وإن كانت قيمته أكثر، لأن الإذن في جنس ليس إذناً في جنس آخر؛ ويرى الحنابلة في المذهب أنه إذا أمره بالبيع بدرهم فباعه بدينار صح، لأنه مأذون فيه عرفاً. والمالكية في تخيير الموكل بين الإمضاء والفسخ قولان إذا كان النقدان من نقد البلد وتساوت قيمتهما، وإلا خُيّر قولاً واحداً. وإذا أمره بالنقد فباعه بعرض لم يصح عند الحنابلة والمالكية، لأن العروض ليست من جنس الأثمان. مخالفة الوكيل في قدر الثمن. إذا باع بأكثر من الثمن المحدد وكانت الزيادة من جنسه، فالجمهور يصححون البيع لأن المخالفة إلى خير؛ وزاد الشافعية أن يمتنع إذا صرّح الموكل بالنهي عن الزيادة، وفي قول عندهم لا يجوز مطلقاً لأن للمالك غرضاً في إبرار قسمه. وإذا باع بأقل من المحدد، فالمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل، ويرد السلعة إن كانت قائمة، أو يرد قيمتها إن فاتت؛ والشافعية والحنابلة في رواية يبطلونه؛ والحنابلة في المذهب يصححونه مع ضمان الوكيل للنقص، ولهم في قدر النقص وجهان. مخالفة الوكيل في المكان. إذا عين له مكاناً محدداً فباع في غيره: الشافعية والحنابلة وابن شاس من المالكية يوجبون التقيد إذا كان للمكان غرض معين، كسوق معروفة بجودة النقد أو كثرة الثمن؛ والحنابلة والشافعية في وجه يجيزون البيع في مكان آخر إذا تساوى المكانان في الغرض؛ والحنفية يوجبون التقيد ويضمن الوكيل إن خالف؛ والمالكية يجعلون البيع موقوفاً على الإجازة؛ والشافعية في المعتمد لا يجوزونه. مخالفة الوكيل في الزمان. إذا حدد زمناً فباع في غيره، فالحنفية والشافعية والحنابلة يمنعون البيع ولا يلزم الموكل، لأن الموكل قد يؤثر التصرف في زمن حاجته دون غيره؛ والمالكية يخيّرون الموكل بين الإمضاء والرد. مخالفة الوكيل في المشتري المعين. إذا قال «لا تبع إلا له» فباع لغيره، فالجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) لا يجيزونه، والشافعية والحنابلة يجيزونه إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عين المشتري؛ والمالكية يخيّرون الموكل. تفريق الصفقة. إذا باع بعض السلعة ولم يبع الباقي، فإن كان التبعيض لا يضر بالموكل صح البيع عند الحنفية والشافعية والحنابلة ما لم ينهه عن ذلك الحنابلة، وقاعدة المالكية أن الموكل يخيّر بين الإجازة والرد. وإن كان فيه ضرر، فالشافعية والحنابلة يبطلونه، والمالكية وأبو يوسف ومحمد يجعلونه موقوفاً، وأبو حنيفة يجيزه نافذاً. مخالفة الوكيل في جنس المبيع. إذا باع سلعة أخرى مكان المعينة، فالشافعية والحنابلة في الصحيح يبطلون البيع لأن الوكيل لا يملك إلا ما يقتضيه الإذن، والمالكية والحنابلة في رواية يجعلون الموكل مخيّراً. الوكالة بالشراء. يجوز إطلاقها، كقوله «اشترِ لي ما شئت»، عند الحنفية والمالكية وأحمد في رواية، لأن الموكل فوّض الرأي؛ ومنعه الحنابلة في المذهب والشافعية لأنه قد يشتري ما لا يقدر على ثمنه. وشراء الوكيل لموكله من ماله أو من محاجيره: الحنفية يمنعونه، ويجيزه أبو يوسف ومحمد إذا كان بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها؛ وإن كانت الوكالة عامة جاز باتفاقهم. والمالكية في المعتمد والحنابلة في المذهب يمنعون شراءه مما يملكه، ويجيزونه إذا أذن الموكل، والمالكية يجيزون شراءه من أقاربه إن لم تكن تهمة. والشافعية يمنعونه مطلقاً من ماله أو من ولده الصغير، ويجيزونه في الأصح من أصوله وفروعه البالغين المستقلين. الوكالة بالشراء المقيدة. تجوز عند الحنفية في الاستحسان والمالكية والحنابلة في المذهب ولو لم يُذكر نوع السلعة، كأن يقول «اشتر لي ثوباً»، قياساً على القراض، ودليلهم حديث دفع الدينار إلى حكيم بن حزام ليشتري أضحية، لأن الجهالة القليلة في الوكالة لا تفضي إلى المنازعة لأن أساسها الفسحة. الشراء بالوكالة المقيدة، والمخالفة فيه. إذا أمره بالشراء بثمن مؤجل لتأجيل مرخص به فاشترى نقداً، فالجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية في وجه والحنابلة في المذهب) يجيزون الشراء ويلزم الموكل إذا لم يزد الوكيل في الثمن، لأن المخالفة في الصورة وفاق في المعنى؛ والشافعية في المعتمد لا يصححونه، لأن الموكل قصد ألا يكون عليه دين؛ والحنابلة في رأي يمنعونه إن تضرر الموكل. وإن اشترى مؤجلاً وقد أمره بالحلول، فالحنفية يلزمون الوكيل وحده، والمالكية يجعلون الخيار للموكل، والشافعية يبطلون الشراء إن كان بعين ماله، والحنابلة يجعلونه موقوفاً على الإجازة. مخالفة جنس الثمن في الشراء. الشافعية والحنابلة في وجه يبطلونه، والحنابلة في المذهب يجيزون إبدال الدراهم بالدنانير والعكس لأن من رضي بالدرهم رضي بمكانه الدينار، ولا يجوز إبدال العروض مكان النقدين؛ والحنفية: إذا أمره بالشراء بالدنانير فاشترى بغيرها من العروض لم يلزم الموكل، والمشهور عند الكرخي أن الشراء بالدراهم عن الدنانير كذلك لا يلزم الموكل؛ والمالكية يجعلون ذلك موقوفاً على الإجازة، وفي إلزام الموكل بالدراهم عن الدنانير قولان مشهوران. مخالفة قدر الثمن. إن كانت المخالفة إلى خير، كشراء الدابة بأقل من الثمن المسمى، صح الشراء ولزم الموكل. واستثنى الشافعية والحنابلة ما إذا نهاه الموكل عن النقص. وإن كانت إلى غير خير، فالحنفية يلزمون الوكيل ولا يلزمون الموكل؛ والمالكية يلزمون الموكل الزيادة اليسيرة، كالواحد في العشرين، ويجعلون الزيادة الكثيرة موقوفة على إجازته، ويلزم الوكيل إن التزمها؛ والشافعية والحنابلة في وجه يبطلونه؛ والحنابلة في المذهب يصححونه ويضمن الوكيل الزيادة. مخالفة المشترى. إذا اشترى غير ما وكل فيه، فالحنفية يجعلون الشراء للوكيل ولا يلزم الموكل؛ والمالكية يخيّرون الموكل فإن رده وقع للوكيل ويدفع ثمنه من ماله؛ والشافعية يبطلون إن اشتراه بعين المال، وإن اشتراه في ذمته ولم يسمِّ الموكل وقع للوكيل ولو نوى الموكل؛ والحنابلة يصححون الشراء في الذمة مع روايتين في لزومه للموكل، والشراء بعين المال باطل على الصحيح. مخالفة قدر المشترى. الحنفية يفرّقون بين القيميات، فلا ينفذ الزائد على الموكل، وبين الموزونات، فيلزم الموكل قدر ما أمر به عند أبي حنيفة وبعض روايات محمد، ويلزمه الكل عند أبي يوسف ومحمد. والحنابلة والمالكية في مقابل المشهور يلزمون الموكل إذا اشترى شاتين بدينار تساويان كل واحدة منهما ديناراً، والحنابلة يقيدون ذلك بأن تساوي إحداهما الدينار. والشافعية يفرّقون بين وصف الموكل للشاة أو عدم وصفها. تفريق الصفقة في الشراء. إذا كان المأمور به لا يمتنع تبعيضه عرفاً ولا يضر الموكل، فقد اتفق الفقهاء على جواز التبعيض، فيلزم الموكل ما اشتراه الوكيل، والحنابلة والشافعية في أحد الوجهين يقيدونه بألا يقل الموكل «اشتر ذلك صفقة واحدة». وإن منع العرف التبعيض أو ترتب عليه ضرر، فالحنفية والمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل، وجمهور الحنفية يصححون شراء الباقي قبل أن يخاصمه الموكل أمام القضاء، وزفر يرى أن الشراء يقع للوكيل وحده. إذا أمر بشراء سلعة موصوفة فلا يجوز أن يشتريها إلا سليمة، لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة من العيوب؛ فإن اشتراها معيبة، فعند الحنفية لا تلزم الموكل إذا كانت الصفة غير متحققة، كأن يشتري له جارية تخدمه فيشتري عمياء أو مقطوعة اليدين، أو يشتري دابة يركبها فيشتري مهراً، باتفاق. ولو عيّن له السلعة فاشتراها وهي معيبة ولم يعلم الوكيل بالعيب لزمت الموكل وكان له الرد. وإن علم الوكيل بالعيب لم يلزم الموكل. وإذا قبض الوكيل المشترى ثم اطلع على عيب فله رده ما دام في يده، فإن سلّمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه. وعند المالكية يلزم الوكيل المعيب إذا علم بعيبه واشتراه على البت، ولا يلزم الموكل إلا إذا كان العيب يسيراً يغتفر عادة والشراء غبطة. وعند الشافعية في الشراء في الذمة: إن كان المعيب يساوي بالعيب ما اشتراه به ولم يعلم الوكيل، وقع للموكل، وإن علم فالأصح لا يقع له، وإن لم يساوِ ولم يعلم الوكيل فالأصح يقع للموكل، وإن علم لم يقع. وإن اشترى بعين مال الموكل ولم يعلم العيب وقع للموكل، وإن علم لم يصح. وعند الحنابلة: إذا علم الوكيل بالعيب لم يلزم الموكل ما اشتراه في الذمة؛ وإن لم يعلم جاز الشراء وللوكيل والموكل رده. وإذا عيّن له الموكل السلعة فاشتراها وهي معيبة، فإن علم الوكيل بالعيب قبل الشراء لم يجز له الشراء، ولو اشترى لزمه ولم يلزم الموكل إلا إذا رضيه. الوكيل في العقد الفاسد. إذا وكّل في عقد فاسد لم يملك الوكيل عقداً صحيحاً بدلاً منه عند الشافعية والحنابلة ومحمد وزفر، وأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف استحساناً إذا كان خيراً للموكل، كالوكيل بالبيع بألف إذا باع بألفين. الوكيل ومخالفته في شرط الخيار. عند الحنفية إذا أمره أن يبيع بخيار ثلاثة أيام للموكل فباعه بغير خيار أو بخيار أقل، فالبيع باطل وهو ضامن. وإذا أمره بخيار شهر فشرط ثلاثة أيام جاز عند أبي حنيفة استحساناً، ولم يجز عندهما. وعند الشافعية إذا قال «بع بشرط الخيار» فباع مطلقاً لم يصح. وعند الحنابلة يجوز للوكيل شرط الخيار لنفسه ولموكله، ولا يملك شرطه للعاقد معه، لأنه إلزام لموكله بما لم يلتزمه. إقرار الوكيل بالخصومة. يمنعه المالكية والشافعية والحنابلة وزفر، لأن الإقرار يقطع الخصومة فلا يملكه الوكيل بها، ولأن الأمر بالشيء لا يتناول ضده. وأجازه أبو حنيفة ومحمد عند القاضي فقط دون الحدود والقصاص، والقياس عندهما الجواز عند غيره أيضاً، وأجازه أبو يوسف مطلقاً؛ وإذا استثنى الموكل الإقرار فإقرار الوكيل لا يصح ويخرج به عن الوكالة. الوكيل في الخصومة لا يملك المصالحة أو الإبراء أو البيع أو الهبة أو تأجيل الحق، باتفاق. الوكيل بالقبض إذا جحد من عليه الحق. الحنابلة في المذهب والشافعية في وجه يجعلون الوكيل بالقبض وكيلاً في الخصومة لإثبات الحق لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا به، ومنعه أبو يوسف ومحمد والمالكية والحنابلة في وجه والشافعية في وجه. الإذن في القبض ليس إذناً في الخصومة، لا نطقاً ولا عرفاً، لأن من يُرضى للقبض لا يُرضى بالضرورة للخصومة. ويفرق أبو حنيفة بين الوكيل بقبض العين، فلا يكون خصماً فيما يدعيه المدعى عليه من شراء ونحوه، والوكيل بقبض الدين، فيكون خصماً لأن استيفاء الدين مبادلة يملكها الوكيل بالخصومة. وفي حق الوكيل بالخصومة في قبض ما وُكّل بالخصومة فيه: الشافعية والحنابلة في المذهب وزفر والمروي عن أبي يوسف يمنعونه لأن الموكل قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض؛ والحنفية غير زفر والحنابلة في قول يجيزونه، لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمامه. وفي توكيل الوكيل بالخصومة غيره: إذا أذن له الموكل فله ذلك، وإذا نهاه فلا. وعند الإطلاق: الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب يمنعونه لأن الناس يتفاوتون في الخصومة؛ وقيد المالكية والحنابلة ذلك بما يليق بالوكيل، فإن كان مما لا يليق به أو لا يحسنه جاز له التوكيل، وزاد المالكية أنه يوكل من يعينه إذا كثرت الخصومة. وقال ابن قدامة: إن أطلق الوكالة فإن كان العمل مما يترفع عنه الوكيل عادة أو يعجز عنه جاز التوكيل، وإن كان مما يعمله بنفسه وعجز عن جميعه لكثرته جاز، وفيما عدا ذلك روايتان. وإذا وكّل شخصان واحداً في الخصومة وكان أحدهما يخاصم الآخر، فالتوكيل فاسد عند الحنفية؛ وإن وكّل الخصوم جميعاً في جهة واحدة، فجائز. وفي وفاء الدين بالوكيل: إذا قال الموكل «اقضه ولا تشهد» فلا ضمان على الوكيل إن أنكره الدائن، وإن أمره بالإشهاد فلم يشهد فيضمن. وإن أمره بالقضاء دون إشهاد فقضاه ولم يشهد، ضمن عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب، لأنه مفرّط. ولا يضمن إذا قضى بحضرة الموكل، عند المالكية والحنابلة في المذهب والشافعية في أصح الوجهين، ويضمن عند الشافعية في الوجه الآخر. التوكيل باقتضاء الدين. إذا قبضه الوكيل برئ المدين، والمقبوض ملك للموكل وأمانة في يد الوكيل، وليس للوكيل أن يهب الدين أو يؤخره أو يبرئ منه؛ وعند الحنفية ليس له أن يأخذ به رهناً، ويجوز له أن يأخذ كفيلاً؛ وعند المالكية والحنابلة ليس له أن يصالح عن الدين إلا بإذن الموكل. دفع الحق إلى من يدعي وكالة الغائب. يجبر الحاكم المدين على الدفع إذا أقام المدعي بينة على الوكالة باتفاق. وإن لم تقم بينة، فالمالكية والشافعية والحنابلة يرون أن المدين لا يلزمه الدفع إلى مدعي الوكالة إلا إن صدّقه، والمدين إذا دفع باختياره وأنكر الدائن الوكالة، رجع الدائن على الدافع وحده، ويرجع الدافع على الوكيل إن تلف بتعدٍّ أو تفريط. أما الحنفية فيفرقون بين الدين والعين، ويرون أن المدين إن صدّق مدعي الوكالة أُمر بالدفع، وإن كذّبه فالوكيل وحده يُلزم بما قبضه. إذا أقام الغريم البينة أن الطالب جحد الوكالة وأخذ منه المال، قُبلت، لأنه يثبت بذلك انقطاع حق الطالب عن المدفوع، فينتقض يد الوكيل ضرورة. أما إن كان الحق عيناً كالوديعة فصدّقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه، لأنه إقرار بقبض مال الغير، بخلاف الدين فيؤمر بدفعه. وإذا سلّم المودع الوديعة إلى مدعي الوكالة فهلكت وأنكر المالك الوكالة ضمّن المودِع، وله أن يحلّفه، وليس له أن يرجع على الوكيل إلا إذا ضمّنه وقت الدفع. تعدد الوكلاء. يجوز للموكل أن يوكّل أكثر من وكيل في تصرف معين غير الخصومة، فإن وكّلهم بكلام واحد في وقت واحد، فلا ينفرد أحدهم بالتصرف إلا أن يجيز ذلك الموكل؛ وعند الحنفية إن كان التصرف مما يحتاج إلى الرأي والمشورة كالبيع والنكاح وقبض الدين فلا ينفرد أحدهما، وإن كان مما لا يحتاج إليه كتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين فينفرد كل منهم. وإن وكّلهم بكلامين مرتبين، فأيهم تصرف جاز عند الحنفية والمالكية. أما الوكيلان بالخصومة فينفرد كل منهما عند الحنفية، عدا زفر، وعند الحنابلة في قول والشافعية في مقابل الأصح، لأن الغرض إعلام القاضي، ويمنعه زفر والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب. توكيل الوكيل غيره. أ- مع الإذن يجوز بالاتفاق. ب- مع النهي لا يجوز بالاتفاق. ج- مع التفويض، كقوله «اصنع ما شئت» أو «اعمل برأيك»، يجوز عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويمنعه الشافعية لاحتمال الألفاظ. د- مع الإطلاق: جمهور الفقهاء يمنعونه لأن الموكل رضي برأي الوكيل والناس يتفاوتون في الرأي، واستثنى بعضهم صورتين: أن يترفع الوكيل عن العمل أو يعجز عنه، فيجوز، وأن يكون العمل مما يعمله بنفسه لكنه يعجز عن جميعه لكثرته، فيجوز عند الحنابلة في المذهب والشافعية في قول، ويقتصر عند المالكية والشافعية في المذهب على الزائد عن طاقته. وأحمد وابن أبي ليلى يجيزانه مطلقاً. اشتراط الأمانة فيمن يوكّله الوكيل. يجب أن يكون أميناً، إلا أن يعيّن الموكل غير أمين فيتبع الوكيل تعيينه؛ وإن صار الوكيل الثاني خائناً فالحنابلة والشافعية في قول يوجبون على الوكيل عزله، والشافعية في الأصح لا يملكون عزله. تكييف وكالة من يوكّله الوكيل. إذا قال الموكل «وكّل عني» أو «فوّض إليه»، فالوكيل الثاني وكيل الموكل ولا ينعزل بعزل الأول، وينعزل الاثنان بموت الموكل؛ وإذا قال «وكّل عنك» فالثاني وكيل الأول، فينعزل بعزله وموته، والموكل عند الشافعية والحنابلة له عزل الفرع. وإن قال «وكّل» ولم يقل «عني» ولا «عنك» فالحنفية والمالكية والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب يجعلونه وكيل الموكل. والتوكيل بغير إذن أصلاً لا يصح عند الجمهور، ويصححه أحمد وابن أبي ليلى في رواية. الوكيل أمين على ما تحت يده من مال موكله، فهو بمنزلة الوديعة، فلا ضمان عليه فيما يهلك إلا إن تعدى أو فرّط، سواء أكان بأجر أم متبرعاً، لأن يده يد الموكل، ولأن الوكالة عقد إرفاق. ويترتب على أمانته أن قوله مقبول في دفع الضمان عن نفسه مع يمينه، لأن مبنى الوكالة على التسامح والإرفاق. اشتراط الضمان أو نفيه. قال ابن قدامة إن ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه؛ وعن أحمد ما يدل على نفي الضمان بالشرط، والأول ظاهر المذهب. التعدي والتفريط. يضمن الوكيل إذا حمّل الدابة فوق طاقتها، أو لبس الثوب بغير إذن، أو ضيّع المال ولا يعرف كيف ضاع، أو خلط مال موكله بماله خلطاً لا يتميز، أو امتنع عن الرد بلا عذر، أو أخر الرد بعد زوال العذر. وإذا دفع الموكل الدين بنفسه ثم دفعه الوكيل، فلا ضمان على الوكيل إن لم يعلم، فإن علم ضمن لأن علمه بفعل الموكل علم بالعزل؛ وعند أبي حنيفة يضمن الوكيل في الزكاة مطلقاً. وإن باع الوكيل بالحلول فسلّم المبيع قبل قبض الثمن فجحده المشتري، ضمن قيمة المبيع. وإذا أخر تسليم الثمن بغير عذر حتى هلك في يده ضمن، وإن كان له عذر فلا ضمان. ومن ذبح الشاة خطأ ضمن لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وإذا أمره بقبض الوديعة كلها فقبض بعضها ضمن ويسقط الضمان إن قبض الباقي قبل هلاك الأول. كيفية الضمان. المثلي يُضمن بمثله، والقيمي بقيمته، والمثلي إذا تعذر مثله بقيمته، وتُعتبر القيمة يوم التعدي أو الهلاك لا غيره. تقديم البيان. يلتزم الوكيل بأن يقدم للموكل ما يطلبه من بيانات عما تصرف فيه، وقال ابن حجر إن كل أمين طُلب منه البيان والحساب لزمه، والعبرة بالجواب والدعوى لا بالخط. رد ما في يد الوكيل. يجب عليه رد ما في يده لموكله، فإن امتنع عن الرد مع المطالبة بلا عذر حتى تلف ضمن، وكذا إن زال العذر فأخّر الرد حتى تلف. إذا اتفق الموكل والوكيل على أجر وجب الأجر باتفاق. وإن لم يتفقا: عند الحنفية إن كان الوكيل ممن لا يعمل بالأجر فالوكالة تبرع، وإن كان من أصحاب المهن التي يعمل أهلها بالأجر، كالسمسار والدلّال، استحق أجر المثل. وقد نصت المادة (١٤٦٧) من مجلة الأحكام العدلية على ذلك. وقت استحقاق الأجر. يستحقه الوكيل بتسليم ما عُهد إليه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه، كالثوب الذي ينسجه أو يخيطه؛ وإن وكّل في بيع أو شراء أو حج استحق الأجر المتفق عليه بإتمام العمل، إلا إذا اشترط الموكل تسليم الثمن أولاً فلم يسلمه الوكيل فلا أجر له. شروط استحقاق الأجر: أن يكون العمل معلوماً، وأن تكون الأجرة معلومة المقدار، وألا تكون الأجرة جزءاً من المعقود عليه عند بعض الفقهاء، وأن ينفّذ الوكيل الوكالة تنفيذاً صحيحاً. ومن الجعل المجهول قول «جعلك عُشر ثمنه» فيكون له أجر المثل. وإذا باع الوكيل بيعاً فاسداً فلا جعل له، لأن الإذن المطلق في البيع يقتضي الصحيح فقط، فإن باع صحيحاً وتلف الثمن في يده فله الأجر لوجود العمل. رجوع الوكيل على الموكل بما دفعه. إذا أمره بقضاء دين عليه فقضاه من ماله رجع عليه شرط الرجوع أو لم يشترط؛ وإذا وكّله بالشراء ولم يدفع إليه الثمن فدفعه من ماله، فعند الحنفية، عدا زفر، له حبس المبيع حتى يستوفي الثمن من الموكل، لأنه عاقد وجب له الثمن. ويرى زفر أنه لا يحبسه، لأن المبيع أمانة في يده، وعلى أبي يوسف يكون الضمان ضمان الرهن، وعلى زفر ضمان الغصب. الجهة التي تتعلق بها حقوق العقد الذي يعقده الوكيل. العقود نوعان: ما يجوز إضافته إلى الوكيل، كالبيع والإجارة، فحقوقه تعود إليه كالمالك، فيسلّم المبيع ويقبض الثمن ويطالب به؛ وما يلزم إضافته إلى الموكل، كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فحقوقه تعود إلى الموكل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر. والشافعية وأحمد في رواية يجعلون حقوق العقد متعلقة بالوكيل مطلقاً، والحنابلة في المذهب بالموكل مطلقاً. إذا أمر الوكيل بقبض الثمن ملك المطالبة، وأيهما طلبه المشتري أُجبر على تسليمه إليه؛ وإذا نهى الموكل الوكيل عن القبض فنهيه صحيح، لكن المشتري إذا نقد الثمن إلى الموكل برئ استحساناً. وإذا استحق المبيع في يد المشتري رجع بالثمن على من نقده إليه، الوكيل أو الموكل؛ وكذا العيب يخاصم فيه الوكيل إن كان هو المتسلم. العقود التي يلزم إضافتها إلى الموكل، كالنكاح والخلع والعتق على مال والكتابة والصلح عن دم العمد، تكون حقوقها للموكل وعليه، والوكيل فيها سفير ومعبّر، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يملك وكيل المرأة قبضه. وعند المالكية يطالب وكيل البيع بالثمن وقبضه، ووكيل الشراء بقبض المبيع وتسليمه، ويرد المعيب إن لم يكن عالماً بعيبه، ويطالب بالثمن ما لم يصرح بالبراءة منه. كيفية انصراف حكم العقد إلى الموكل. جمهور الفقهاء (الحنفية في الصحيح، والشافعية في الصحيح، والمالكية والحنابلة) يرون أن الحكم ينتقل إلى الموكل مباشرة لأن العقد له، والكرخي يرى أن الحكم يثبت للوكيل أولاً ثم ينتقل إلى الموكل، وأبو زيد يجعله نائباً في الحكم أصيلاً في الحقوق. اختلاف الوكيل والموكل. في أصل الوكالة: القول قول الموكل لأن الأصل عدم الوكالة. وفي صفة الوكالة كالعين والثمن والنقد والنسيئة: قول الموكل عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في وجه؛ واستثنى المالكية صورتين يكون فيهما القول قول الوكيل بيمينه، وعند الحنابلة في المذهب قول الوكيل لأنه أمين. تلف ما بيد الوكيل بغير تفريط: القول قول الوكيل مع يمينه باتفاق، لأنه أمين، ويتعذر عليه الإشهاد، والمالكية يقيدونه بالتهمة، والحنابلة بالسبب الخفي كالسرقة؛ وإن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب فعند القاضي من الحنابلة عليه إثبات الحادث الظاهر ثم يحلف. والتعدي والتفريط في الحفظ: القول قول الوكيل مع يمينه، لأنه منكر. الاختلاف في التصرف المأذون فيه وقبض الثمن: تفصيل الحنفية في بيع الوكيل وقبضه الثمن وهلاكه، وقد يكون المبيع مسلّماً إلى الوكيل أو غير مسلّم؛ فإن صدّقه الموكل في البيع والقبض دون الهلاك، فالقول للوكيل في الهلاك مع يمينه؛ وإن كذّبه الموكل في ذلك كله لم يصدّق الوكيل في حق الموكل في القبض، والمشتري بالخيار إن شاء نقد ثانياً وإن شاء فسخ. وعند المالكية إذا قال الوكيل «تصرفت كما أذنت» فالقول قوله، لأنه أمين. وعند الشافعية إن جرى الاختلاف بعد الانعزال لم يُقبل قوله إلا ببينة، وإن جرى قبله فقولان، أظهرهما للأكثرين قول الموكل، وقيل ما يستقل به الوكيل يُقبل قوله فيه بيمينه. وعند الحنابلة في المذهب: إذا قال الوكيل «بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف» فالقول قوله. دعوى رد ما بيد الوكيل. القول قول الوكيل مع يمينه عند الجمهور، سواء كانت بأجر أو بغير أجر عند الحنفية والمالكية؛ وعند الشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في المذهب لا يُقبل قوله إن كان يعمل بأجر إلا ببينة. انتهاء الوكالة. أولاً: العزل، فالوكالة عقد غير لازم، فيجوز لكل من الطرفين فسخها بالعزل. انتهاء الوكالة، وأولها العزل. يجوز للموكل عزل الوكيل وأن ينهاه عن التصرف، وللوكيل أن يعزل نفسه، باتفاق الفقهاء في الجملة. شروط صحة عزل الوكيل من موكله: الأول، علم الوكيل بالعزل، فيشترطه الحنفية وقول عند المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة، ولا يشترطه المالكية في قول والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب. ويتم علم الوكيل عند الحنفية بحضور العزل، أو بكتاب الموكل الغائب، أو بالرسول الذي يبلغه، ولو كان غير عدل أو صغيراً، أو بخبر عدلين أو عدل، وإن كان الخبر من غير عدل فصدّقه ينعزل؛ وأبو حنيفة لا يجعله منعزلاً إن كذّبه ولو ظهر صدق الخبر، لأن الإخبار عن العزل شبيه بالشهادة، وخالفه أبو يوسف ومحمد. الثاني، ألا يتعلق بالوكالة حق الغير، فعند الحنفية لا يجوز العزل بغير رضا صاحب الحق، كالمرتهن الذي وُكّل ببيع الرهن، والمدعي الذي وكل المدعى عليه بالخصومة؛ والشافعية يجيزون عزل الوكيل إذا كانت الوكالة بسؤال الخصم، والمالكية يمنعون عزله بعد أن يقاعد الخصم ثلاثاً. الثالث، ألا تكون الوكالة بإجارة، فهي لازمة. الرابع، ألا يترتب على العزل مفسدة، فيحرم العزل إن كان يؤدي إلى استيلاء ظالم على مال المولى عليه. عزل الوكيل نفسه لا يشترط فيه علم الموكل عند جمهور الفقهاء، إلا عند الحنفية إن كانت الوكالة بالخصومة أو بشراء شيء معين. الوفاة. تبطل الوكالة بموت الموكل أو الوكيل باتفاق، لأن الموت مبطل للأهلية، والمال انتقل إلى الورثة. وعند الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب لا يُشترط علم الوكيل بالموت، وعند المالكية ينعزل الوكيل إن كان المتعاقد معه حاضراً في بلد الموت وعلم بالوكالة إن علم بالموت، وإلا فلا ينعزل إلا بعلمه بالموت. الجنون. الحنفية يبطلون الوكالة بالجنون المطبق، وحده عند أبي يوسف بالشهر، ومحمد بالسنة، والمطبق لا تعود الوكالة بإفاقته؛ والشافعية والحنابلة في المذهب يبطلونها بالجنون، والمالكية لا تنعزل إلا أن يطول جنون الموكل فيُنظر فيه الحاكم، والحنابلة في قول يرونها لا تبطل. الإغماء. جمهور الفقهاء لا يبطلونها به، والشافعية في الأصح يبطلونها إلحاقاً بالجنون. الحجر. الحنفية يرون أن الحجر على الموكل أو الوكيل يبطل الوكالة، لكن تخصص الحنفية فتبطل بالحجر على الموكل إن كانت في العقود والخصومة لا في قضاء الدين وقبض الوديعة؛ والحنابلة تبطل بالحجر للسفه، وبفلس الموكل فيما حُجر عليه فيه؛ والشافعية تبطل بالحجر بسفه أو فلس في كل تصرف لا ينفذ؛ والمالكية تبطل بفلس الموكل الأخص لا الأعم. الردة. الحنفية: إذا حُكم بلحاق المرتد بدار الحرب بطلت وكالته ولا تعود بعوده مسلماً على المذهب، وتصرفاته قبل اللحاق موقوفة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد نافذة. والمالكية ينعزل الوكيل بردة موكله بعد أيام الاستتابة، والشافعية يبنون ذلك على زوال ملك المرتد وفيه أقوال، وأظهرها أن ملكه موقوف. والحنابلة: الصحيح في المذهب أن الوكالة لا تبطل بردة الوكيل، وتبطل بردة الموكل. الفسق. نص الحنابلة على أن الوكالة لا تبطل بفسق الوكيل إلا فيما ينافيه الفسق، كالإيجاب في عقد النكاح، فينعزل بفسقه أو بفسق موكله؛ وإن كان وكيلاً فيما تشترط فيه الأمانة، كوكيل ولي اليتيم أو ناظر الوقف، انعزل بفسق نفسه وفسق موكله. وأبطلها الشافعية بفسق الموكل فيما تشترط فيه السلامة من الفسق. السكر. عند الشافعية ينعزل الوكيل إذا سكر أحدهما بغير تعدٍّ، وإن سكر بتعدٍّ فيحتمل الانعزال ويحتمل عدمه. وعند الحنابلة لا تبطل بالسكر إلا فيما ينافيه كالإيجاب في النكاح. وعند الحنفية لا تبطل بالسكر مطلقاً، فالوكيل بالطلاق إذا طلق وهو سكران لم يقع، والوكيل بالبيع إذا باع وهو سكران لم ينفذ على موكله. خروج محل التصرف عن ملك الموكل. إذا تصرف الموكل في المحل بنفسه، كأن يبيع السلعة قبل أن يبيعها الوكيل أو تستحق لغيره، أو تزوّج المرأة بنفسه، بطلت الوكالة. والمالكية إذا باع الموكل لواحد والوكيل لآخر، فالبيع الأول لازم، والثاني فضولي، إلا أن يقبض الثاني السلعة، فيمضي ويرد الأول إن لم يعلم الثاني والمشتري منه بالبيع الأول. وعند الحنابلة تبطل الوكالة بإقرار الوكيل على موكله بقبض ما وُكّل في قبضه، لاعترافه بذهاب محل الوكالة. عودة الوكالة إذا عاد المحل إلى الموكل. قال محمد تعود، لأن العائد بالفسخ عين الملك الأول فيعود بحقوقه، وقال الشافعية وأبو يوسف لا تعود، لأن تصرف الموكل يتضمن عزل الوكيل. وقال ابن عابدين إنها تعود إن عاد الملك بما هو فسخ، لا بما ليس بفسخ. تعدي الوكيل فيما وُكّل فيه. الشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب: لا تبطل الوكالة بالتعدي، لأن التصرف صدر بإذن، والأمانة تبطل بالتعدي والتصرف يبقى، كالرهن. والشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في قول تبطلها، لأنها عقد أمانة كالوديعة. وقال المرداوي: إن أتلف الوكيل بتعديه عين ما وُكّل فيه بطلت الوكالة، وإن بقيت العين لم تبطل. الإنكار. الحنابلة والحنفية في قول لا تبطلها جحود الوكيل أو الموكل، لأن الجحود لا يدل على دفع الإذن السابق؛ والحنفية في قول عليه الفتوى والحنابلة في قول تبطلها. والشافعية: الإنكار لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس عزلاً، فإن تعمد أحدهما الإنكار بلا غرض انعزل. تلف محل الوكالة. تبطل الوكالة بتلف العين الموكل فيها، وبموت المرأة الموكل بطلاقها. وعند الحنفية تنعزل الوكالة بافتراق الشريكين الذين وكّلا شخصاً، ولو لم يعلم الوكيل. إنجاز التصرف. ينعزل الوكيل عند الحنفية بانتهاء المأمور به، كأن يقبض الدين أو يعقد النكاح. الرجوع دلالة. تبطل الوكالة عند الحنابلة برجوع الموكل دلالة، كوطء الزوجة التي وكّل في طلاقها، أو برجوع الوكيل دلالة، كقبوله وكالة عتق عبد كان قد وكّل في شرائه.وَكيرة
الوَكِيرة في اللغة من الوَكْر، وهو عش الطائر، ويقال وكّر فلان اتخذ الوكيرة، والوكيرة طعام يتخذه الشخص عند فراغه من البناء فيدعو إليه؛ وفي الاصطلاح هي الطعام الذي يُتخذ عند الفراغ من بناء الدور فيدعى إليه. الوليمة في اللغة طعام العرس أو كل طعام يُصنع لدعوة، وهي في الاصطلاح ما يُتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما، وتُطلق بمعناها الأعم على دعوات المناسبات الخاصة كالشندخية والإعذار والخرس والعقيقة والوكيرة والنقيعة والتحفة والحذاق والشنداخ والعتيرة. فعل الوكيرة. قال الشافعية هي مستحبة لا واجبة على المذهب، وهي دون وليمة العرس في التأكيد، وخرّج بعضهم قولاً في وجوب الولائم كلها. وقال الحنابلة فعل الدعوات لغير العرس مباح لا يُكره ولا يُستحب نصاً، والدعوة إلى غير العرس فيما روي عن عثمان بن أبي العاص مما كانوا لا يأتونه زمن النبي؛ والعقيقة تُسن، ودعوة المأتم تُكره. وقال ابن قدامة إن الدعوة في غير التزويج ليس لها فضيلة مختصة لعدم ورود الشرع بها، ولكن فاعلها يُؤجر على شكر النعمة وإطعام الإخوان. حكم إجابة الدعوة إلى الوكيرة. الحنفية والشافعية في المذهب والحنابلة: الإجابة غير واجبة، فهي سنة عند الحنفية ومستحبة عند الشافعية والحنابلة، لحديث البراء «أمرنا بإجابة الداعي»، ولجبر قلب الداعي. وقال الشافعية في قول بوجوب إجابة الدعوة إلى الوكيرة وسائر الولائم، لحديث «من دُعي إلى عرس ونحوه فليجب». والمالكية في قول يكرهونها، وفي قول يبيحونها. الحكمة في الإجابة إدخال السرور على الداعي وجبر قلبه، وينبغي أن يقصد المدعو الاقتداء بالسنة وزيارة أخيه وإكرامه. الأكل من طعام الوكيرة. يُستحب لمن حضر ودُعي أن يأكل إن كان غير صائم، عند جمهور الفقهاء؛ وذكر ابن حجر احتمال الوجوب، ونقل عن النووي أنه اختار الوجوب. أما الصائم فإن كان صومه واجباً أتمه ولم يأكل، وإن كان متطوعاً استُحب له الإفطار إن شقّ على صاحب الدعوة صومه، لحديث أبي سعيد في طعام النبي وأصحابه. قال ابن تيمية: لا ينبغي لصاحب الدعوة أن يلحّ على المدعو في الأكل إذا امتنع من الفطر في التطوع، أو من الأكل إن كان مفطراً، فكلا الأمرين جائز، وإذا ألزمه بما لا يلزمه كان من نوع المسألة المنهي عنها. وشروط إجابة الدعوة إلى الوكيرة تُفصّل في مادة «وليمة»، ولا تُذكر هنا.وَلاء
الوَلاء لغةً من الوَلْي، وهو أصل يدل على القرب، ويُستعار للقرب في المكان والنسب والدين والصداقة والنصرة. والولاء والتوالي معناهما المتابعة. وقصر جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) الولاءَ على القرابة الحكمية الناشئة عن زوال الملك عن الرقيق بالحرية؛ فعرفه المالكية بأنه اتصال كالنسب نشأ عن عتق، وعرفه الشافعية بأنه عصوبة ناشئة عن حرية حدثت بعد زوال الملك، متراخية عن عصوبة النسب، تقتضي للمعتِق وعصبته الإرث وولاية النكاح والصلاة عليه والعقل عنه، وعرفه الحنابلة بأنه ثبوت حكم شرعي، وهو عصوبة ثابتة، بعتق أو تعاطي سببه كالاستيلاد والتدبير. وعرّفه الحنفية بأنه قرابة حكمية حاصلة من عتق أو موالاة، ومن آثاره الإرث والعقل وولاية النكاح؛ وهو عندهم نوعان: ولاء العتاقة (ولاء النعمة)، وسببه الإعتاق؛ وولاء الموالاة، وسببه العقد بأن يعاهد شخص آخر على أنه إن جنى فعليه أرشه، وإن مات فميراثه له. الألفاظ ذات الصلة: العتق، وهو سبب الولاء، والإرث، وهو الأثر الذي يترتب عليه، والعقل، وهو الدية. ولاء العتاقة. هو عصوبة متراخية عن عصوبة النسب، تقتضي للمعتِق ولعصبته الذكور من بعده الإرث والعقل وولاية النكاح والصلاة على من أعتقه؛ ويقع اسم «مولى العتاقة» على المعتِق وعلى العتيق، وقيل هو المعتِق وحده. مشروعيته بقول النبي «إنما الولاء لمن أعتق»، رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. سببه العتق. اتفق الفقهاء على أن الولاء للمعتِق إن لم يكن العتق محظوراً، سواء كان بصنعه أو بما يجري مجرى العتق شرعاً كشراء القريب وقبول الهبة والصدقة والوصية، أو بغير صنعه كأن يرث قريبه؛ وسواء كان بغير بدل أو ببدل، منجزاً أو معلقاً أو مضافاً، صريحاً أو كناية، وكذا العتق بالتدبير والاستيلاد والكتابة؛ وكذا إذا أعتق عن واجب، كالكفارة والظهار والإفطار والإيلاء واليمين والنذر، عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب؛ والرواية الثانية عند الحنابلة أنه لا ولاء له في هذه الأحوال. الولاء في العتق المحظور. العتق قد يكون محظوراً، كأن يغلب على ظن المعتِق أن العبد إن أُعتق لحق بدار الحرب أو ارتد، أو يخاف منه السرقة وقطع الطريق، أو يُعتَق للشيطان أو للصنم. قال الحنفية إن العتق ينفذ مع تحريمه، والولاء ثابت للمعتِق؛ وصرحوا بأن المعتِق للشيطان أو للصنم يكفر على الأظهر. وقال الحنابلة إن الإعتاق في هذه الأحوال مكروه، وإذا غلب الظن بإفضائه إلى المحظور كان محرماً، وإن أعتقه صح. الولاء في الإعتاق سائبة، أي من يُعتق دون أن يكون عليه منه شيء. ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة على الأصح وابن نافع من المالكية إلى أن الولاء للمعتِق، لقول النبي «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأن الولاء لحمة كالنسب فلا يزول بالشرط؛ وذهب المالكية في المعتمد إلى كراهته، وقال أصبغ بجوازه، ومنعه ابن الماجشون؛ والحنابلة في الرواية الثانية: لا ولاء له، وما يرجع من ميراث المعتِق يُشترى به رقاب يعتقون، والصحيح أنه لبيت المال. اختلاف الدين وأثره في الولاء. جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) يرون أن المعتِق يثبت له الولاء وإن اختلف دينه عن دين المعتَق؛ واشترط المالكية تساوي الدينين، فإن كان السيد كافراً فلا ولاء له على عتيقه المسلم، بل يكون ولاؤه لجميع المسلمين، ولا يعود إليه بإسلامه. بيع الولاء وهبته. لا يصحان عند الفقهاء الأربعة، لنهي النبي عن بيع الولاء وعن هبته، ولأنه معنى يُورث به فلا ينتقل كالقرابة. انتقال الولاء بالموت. الولاء للمعتِق ثم لعصبته بأنفسهم دون أصحاب الفروض، ولا ترث المرأة بالولاء إلا من عتيقها وأولاده وعتقائه؛ وقال إبراهيم النخعي وشريح وطاوس إن الولاء يجري مجرى المال فيورث من المعتِق كما يورث ماله. الميراث بالولاء. اتفق الفقهاء على أن السيد يرث جميع مال عتيقه إذا مات واتفق دينهما ولم يخلف وارثاً سواه، لقول النبي «الولاء لحمة كلحمة النسب»، ولحديث الحسن في إعطاء النبي مولاه ماله إن لم يكن له وارث. ويقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء. وإن كان للمعتِق عصبة من نسبه أو ذو فروض تستغرق المال فلا شيء للمولى، لحديث «ألحقوا الفرائض بأهلها». اختلاف الدين في التوارث. الحنفية والشافعية وأحمد في رواية لا يرث المعتِق المعتَق مع اختلاف دينهما، لحديث «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»؛ وإن اجتمعا على الإسلام توارثا. والمالكية: إذا أعتق الكافر عبده المسلم فالولاء للمسلمين لا له، ولو أسلم بعد ذلك. أما الحنابلة في المذهب فيرون أن المسلم يرث من الكافر بالولاء، لحديث «لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته». وجمهور الفقهاء يمنعون أن يرث المعتَق من معتِقه، لأنه لا قرابة بينهما، وروي عن شريح وطاوس خلاف ذلك. تحمل الدية بالولاء (العاقلة). العاقلة عند جمهور الفقهاء هي العصبة النسبية، ثم العصبة بسبب العتق. فعند الحنفية إن كان القاتل معتقاً أو مولى موالاة فعاقلته مولاه وقبيلة مولاه، لقوله «مولى القوم من أنفسهم». وعند المالكية في المعتمد العاقلة عصبته النسبية، فإن لم تكن فالمعتِقون، ثم بيت المال. وعند الشافعية العاقلة عصبة النسب ثم المعتِق ثم عصبته، ثم بيت المال، والعتيق لا يعقل عن معتِقه في الأظهر. وعند الحنابلة عاقلة الإنسان عصباته كلهم من النسب والولاء إلا عمودي نسبه. ولاء الموالاة. هو أن يعاهد شخص شخصاً آخر على أنه إن جنى فعليه أرشه، وإن مات فميراثه له. وفي حكمه ثلاثة أقوال: الأول، للحنفية وروي عن عمر وعلي وابن مسعود، إنه ولاء ثابت بعقد مشروع، يقع به التوارث والعقل، واستدلوا بقوله تعالى «والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم»، وبحديث تميم الداري «هو أولى الناس بمحياه ومماته»، وبأن الصحابة لم يثبتوا الولاء بمجرد الإسلام. والثاني، للمالكية في المشهور والشافعية والحنابلة، إنه غير مشروع ولا حكم له، لقوله «إنما الولاء لمن أعتق»، ولنهي «لا حلف في الإسلام»، ولأن فيه إبطال حق جماعة المسلمين الذين يعقلون عن المتوفى ويرثونه. والثالث، لإسحاق وأحمد في رواية والمالكية في مقابل المشهور، إن الولاء يثبت بنفس الإسلام على يد آخر، ويُروى عن عمر وعطاء وعمر بن عبد العزيز. سبب ثبوت ولاء الموالاة. عند أصحاب القول الثالث هو نفس الإسلام على يد آخر؛ وعند الحنفية هو عقد الموالاة بالإيجاب والقبول، بأن يقول «أنت مولاي، ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت»، فيقول «قبلت». ولو أسلم شخص على يد رجل ووالى غيره فهو مولى للذي والاه. شروط عقد الموالاة عند الحنفية تسعة، أولها عقل العاقد؛ فالبلوغ شرط للانعقاد في الإيجاب، ولا ينعقد إيجاب الصبي ولو عاقلاً، أما في القبول فهو شرط النفاذ، فينعقد موقوفاً على إجازة الأب أو الوصي. والإسلام ليس شرطاً، فتصح موالاة الذمي للذمي والمسلم، والذكورة وداراً الإسلام والحرب ليست شروطاً. من شروط عقد الموالاة عند الحنفية: ألا يكون لمن يعقد ولاء عتاقة، لأن ولاء العتاقة أقوى، فلا يُرفع الأقوى بالأضعف؛ وألا يكون له ولاء موالاة مع آخر قد عقل عنه، لأنه تأكد ولزم؛ وألا يكون قد عُقل عنه من بيت المال، لأن ولاءه صار لجماعة المسلمين. وأن يكون حراً مجهول النسب، أي لا يُنسب إلى غيره، لأن من عُرف نسبه لا يجوز أن يوالي غيره، وهو المعتمد في المذهب؛ وأن لا يكون من العرب، لأن العربي له قبيلة تنصره فلا يصير مولى، وأن لا يكون من موالي العرب، لأن مولاهم منهم. وأن يشترط العقل والإرث، أي أن يعقل عنه إذا جنى ويرثه إذا مات. صفة عقد الموالاة. الحنفية يرونه عقداً جائزاً غير لازم، لكل من طرفيه فسخه بإرادته المنفردة، كالوكالة والشركة والوصية، ما لم يكن قد عقل عنه، فإذا عقل صار لازماً لتعلق حق الغير؛ ويكون الفسخ بحضرة الآخر، فإن والى الأسفل آخر فهو نقض دلالة. الأثر المترتب على عقد الموالاة: العقل في الحياة، والإرث بعد الموت؛ وعند الحنفية يرث الأسفل من الأعلى إذا شرطا ذلك في العقد، لقوله «المسلمون على شروطهم». انتقال عقد الموالاة. الولاء الثابت بهذا العقد لا يحتمل البيع أو الهبة أو الوصية، لأنه ليس مالاً، ولقوله «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»؛ ولو باعه الأسفل لآخر كان ذلك نقضاً للأول وموالاة للثاني. ما يثبت به عقد الموالاة: عند الحنفية بما يثبت به ولاء العتاقة، من الشهادة المفسّرة أو الإقرار، ولو في مرض الموت، لأنه غير متهم إذ لا وارث معلوم له.وَلد
الولد في اللغة المولود، ويُقال للواحد والجمع والصغير والكبير والذكر والأنثى. والابن عند الجرجاني حيوان ذكر يتولد من نطفة شخص من نوعه، وخص الابن بالذكر والولد بالذكر والأنثى؛ والبنت مؤنث الابن؛ والحفيد ولد الولد؛ والسبط ولد الابن والبنت عند اللغويين، وعند الشافعية يخص ولد البنت، وعند الحنابلة يطلق على كليهما؛ والذرية تطلق عند الجمهور على الأبناء والبنات وأولادهم، ومن الحنابلة من أخرج أولاد البنات؛ والنسل أعم من الولد. الولد يتبع خير الأبوين ديناً باتفاق الفقهاء، فلو كان أحد الزوجين مسلماً فالولد مسلم، وإن أسلم أحد الأبوين وله ولد صغير صار الولد مسلماً بإسلامه، نظراً للولد. وعند الحنفية لو كان أحدهما كتابياً والآخر مجوسياً فالولد كتابي، لأن المجوسية شر، ويشترط لتبعية الولد لخير الأبوين اتحاد الدار. يتبع الولد أبويه في الدين، ويكون الحكم بالتبعية ديناً أو دار الإسلام، فإن كان الصغير في دارنا والأب في دار الكفر أُلحق بالمسلمين حكماً، ولا يتبع الأب إن كان الأب في دار الإسلام والصغير في دار الكفر. ردة الصبي المميز. أبو يوسف وزفر والشافعي وقول لأحمد يقولون إنها لا تصح، لأن أقوال الصبي غير معتبرة في الضار؛ وأبو حنيفة ومحمد والمالكية والمشهور عن أحمد يحكمون بها، لأن الإسلام يتعلق به كمال العقل دون البلوغ. وإذا ثبتت ردته ترتبت عليه أحكام الردة: لا يرث ولا يورث، وتبين امرأته، ولا يصلى عليه، ويجبر على الإسلام؛ ولا يُقتل لأن القتل عقوبة وليس من أهلها. يُسن الأذان في يمنى أذني المولود، والإقامة في يسراهما. ويُقدم في الصلاة على الميت أبوه ثم ابنه ثم ابن ابنه. إمامة ولد الزنى وولد اللعان تفصيلهما في مواضعهما؛ والحنابلة لا بأس بإمامة الولد المنفي باللعان إذا سلم دينه وكان صالحاً للإمامة، وقالت عائشة في ولد الزنى «ليس عليه من خطيئة أبويه شيء». لا يجوز بالاتفاق دفع الزكاة إلى الولد من المزكي، لاتصال منافع الأملاك بينهما. وزكاة الفطر يخرجها الشخص عن نفسه وعمن تلزمه نفقته ومنهم الأولاد، وفي إخراجها عن الولد الذي مات أو ولد بعد الوجوب خلاف. يجوز عند جمهور الفقهاء حج الولد عن والديه، لحديث المرأة من خثعم. نسب الولد يثبت من أمه بالولادة، ومن أبيه بالفراش والإقرار والبينة، ولا ينتفي إلا باللعان. التضحية عن الولد. إذا كان الولد كبيراً فلا تجب على والده، وإن كان صغيراً ولا مال له فعند الحنفية روى الحسن عن أبي حنيفة وجوبها، وعنه لا تجب ويستحب من مال الأب؛ وإذا كان للصبي مال فيضحي عنه أبوه أو وصيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد وزفر. والمالكية يسنّون التضحية عن الأبوين الفقيرين والولد الصغير حتى يبلغ الذكر، والشافعية يجيزونها للأب والجد من ماله فقط. العقيقة، وهي ما يُذبح عن المولود شكراً لله، سنة عند الشافعية والحنابلة، ومندوبة عند المالكية، ومباحة عند الحنفية. من أحكام الولد المتصلة بالوالدين ومنها: الختان (قطع القلفة من الذكر والنواة من الأنثى، وفيه الوجوب والسنية)، وتسميته، وحضانته، وإرضاعه ونفقته وتعليمه وتأديبه، ووجوب طاعة الولد لوالديه في غير معصية وبرهما، ودعاء الولد لوالده، والنهي عن دعاء الوالد على ولده، وكراهة أن يدعو الولد أباه باسمه عند الحنفية، ويُسن ذلك عند الشافعية أن لا يسمي الولد أباه باسمه؛ وهذه الأحكام مفصلة في مواضعها. تفضيل بعض الأولاد في العطية. الحنفية والمالكية والشافعية يستحبون التسوية، والحنابلة وأبو يوسف يوجبونها. وتفضيلهم في المحبة لا بأس به عند الحنفية لأنها عمل القلب. هبة المشغول. عند الحنفية لا تجوز هبة الدار المشغولة بمتاع الواهب، وتصح هبة الدار المعارة، وللأب الرجوع في هبة ولده عند المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب، ويمنع الحنفية وأحمد في رواية ذلك. الوقف على الأولاد: الأولاد الصلبيون ذكوراً وإناثاً يدخلون بالاتفاق، وأولاد الأولاد مختلف فيهم. وفي الوصية للأقارب: الحنفية لا يدخل الوالدان والولد في ظاهر الرواية، والحنابلة وقول عند الشافعية يدخلونهما، والشافعية في الأصح لا يدخل الوالدان ولا الولد لكن الجد والأحفاد يدخلون. يسن للولد أن يعدل في العطية لوالديه، وإن فضل فليفضل الأم، قال الدارمي. استئذان الوالدين في السفر: كل سفر يشتد فيه الخطر لا يخرج الولد إليه بغير إذنهما عند الحنفية، وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يجوز له الخروج إليه إذا لم يضيعهما. لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين، بحسب ما ورد في الصفحة التالية من المادة. الجهاد لا يجوز إلا بإذن الأبوين المسلمين، أو بإذن أحدهما إن كان الآخر كافراً، إلا إذا تعين الجهاد، كأن ينزل العدو بقوم من المسلمين. أخذ الأبوين من مال ولدهما. جمهور الفقهاء: لا يأخذ الوالد من مال ولده شيئاً إلا عند الحاجة؛ والحنفية يفرّقون بين أن يكونا في المصر فيأكل الوالد الفقير بغير شيء، وأن يكونا في مفازة فيأكل بالقيمة. والحنابلة يجيزون للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، بشرطين: ألا يجحف بالابن، وألا يعطيه لولد آخر. واستدلوا بحديث «أنت ومالك لأبيك»، وبأن الله جعل الولد موهوباً لأبيه. ونقل ابن هانئ عن أحمد أنه لا يقطع الوالد إذا أخذ من مال ولده، وأنه لا تتصدق المرأة من مال ابنها إلا بإذنه. الخلع على نفقة الولد وإرضاعه. الولد الفطيم: لا يصح الخلع على نفقته إلا بمدة معينة، لأن نفقته تمتد عمره. والرضيع: يصح الخلع على إرضاعه ونفقته، وإن لم يوقتا تُرضعه الأم حولين كاملين، لقوله تعالى «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة»، ولقوله «لا رضاع بعد فصال». وإن عاد الزوج أو ماتت الزوجة أو الولد قبل تمام المدة رجع الزوج ببقية النفقة عند الحنفية والحنابلة؛ والشافعية لا يصححون الخلع بغير توقيت. الخلع على حضانة الولد. الحنفية يصححون الخلع ويبطلون الشرط، لأن حق الولد أن يكون عند أمه ما كان إليها محتاجاً؛ والمالكية يجيزون الخلع على إسقاط حضانة الأم ويصير الأب أحق بها، ما لم يخش ضرر أو يتعلق القلب بالأم. والشافعية لا تسقط حضانة الأم بنكاحها غير أبي الطفل إذا اختلعت بالحضانة مدة معلومة، لأنها إجارة لازمة. ميراث الولد يثبت بين الولد ووالديه بشروط، وولد الزنى ينسب إلى أمه ويرث بجهتها فقط، وولد اللعان لا توارث بينه وبين الملاعن لانتفاء نسبه منه؛ وتفاصيلها في مواضعها. النذر بذبح الولد. الحنفية: القياس لا شيء عليه، والاستحسان يلزمه شاة، ولو كان له أولاد فشاة عن كل ولد، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، والحنابلة في رواية. والمالكية لا شيء عليه، والشافعية لا يصح نذره لأنه ليس بقربة. وروي عن أحمد في امرأة نذرت نحر ولدها أن تذبح كبشاً عن كل ولد. ولد الميتة. من استهل أو صدر منه ما يعرف به حياته أخذ حكم الأحياء في الأحكام، ومن ولد ميتاً فإنه ولد في حق غيره تنتهي به العدة، والدم بعده نفاس. أما حكم الولد في حق نفسه من تغسيله والصلاة عليه والإرث والوصية فتفصيله في مواضعه. بيع الأب مال ولده القاصر: يجوز بالاتفاق في الجملة لانتفاء التهمة وإشفاقه؛ ويجوز للجد عند الحنفية والشافعية لأن له الولاية على المال، ولا يجوز عند المالكية والحنابلة. بيع الوكيل مال موكله لولده أو شراؤه له. الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية يمنعون بيعه لولده الصغير، لأنه كالبيع من نفسه ولا يجمع الواحد طرفي العقد. وفي الولد الكبير: الحنفية والشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في رواية يمنعونه، والمالكية وأبو يوسف ومحمد يجيزونه بمثل القيمة، والشافعية في الأصح يجيزونه، والحنابلة في الرواية الثانية بشرطين: أن يزيد الوكيل في النداء، وأن يتولى النداء غيره؛ والحنفية يجيزونه إذا كانت الوكالة بعموم المشيئة. شراء الرجل لنفسه من مال ولده الطفل، وشراؤه له من نفسه: يجوز عند الفقهاء للأب. قبض الأب المال الذي اشتراه من ولده: عند الحنفية الأب لا يصير قابضاً بنفس البيع، ولا يبرأ من الثمن حتى ينصب القاضي وكيلاً للصغير فيقبضه؛ وعند المالكية إذا اتحدت يد القابض والمقبض وقع القبض بالنية؛ والحنابلة يجيزون للأب أن يوجب ويقبل ويقبض. ولاية الولد لاستيفاء القصاص: يثبت لكل ورثة المقتول صغيرهم وكبيرهم، وتفصيله في القصاص. قتل الولد. يحرم على الوالد قتل ولده، لقوله تعالى «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق»، ولحديث ابن مسعود «أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك». فإذا قتل الوالد ولده لم يُقتص منه عند جمهور الفقهاء، والجد لا يُقتص منه بولد ولده؛ والمالكية يفصّلون فيقتصون إن أضجعه فذبحه أو بقر بطنه، ولا يُقتص إن قتله بالسيف أو العصا. قتل الولد بوالديه: يُقتل الولد بكل واحد من الوالدين عند جمهور الفقهاء، لعموم الآيات والأحاديث، ولأن الحاجة إلى الزجر في جانب الولد، ولأن الأب أعظم حرمة من الأجنبي فلا يُترك القصاص فيه. قتل الوالد ولده ليس عليه قصاص عند جمهور الفقهاء، فقد أهدرت جنايته على نفس الولد؛ وأحمد في رواية يقول إن الابن لا يُقتل بأبيه، لأن الأب لا تقبل شهادته له. ومن قتل الباغي أو العادل أحد أبويه أو ولده في القتال لضرورته فلا ضمان، وفي غيره يضمن. شهادة الولد لوالده والعكس لا تجوز، وتجوز شهادة أحدهما على الآخر. دخول الولد في العاقلة: المالكية والحنفية في قول والحنابلة في إحدى الروايتين يدخل الآباء والأبناء في تحمل الدية، والشافعية والحنفية في قول آخر والحنابلة في الرواية الثانية لا يدخلون. سرقة الوالد من مال ولده، والعكس. جمهور الفقهاء لا قطع في سرقة الوالد من مال ولده، لحديث «أنت ومالك لأبيك» و«إن أولادكم من كسبكم»، ولأن الحدود تُدرأ بالشبهات. وأبو ثور وابن المنذر يقطعان الأب، لظاهر آية السرقة. وأما الولد إذا سرق من مال أبيه فالجمهور لا قطع عليه، والمالكية وأحمد في رواية والخرقي يقطعونه. قذف الوالد ولده. الحنفية والمالكية في المذهب والشافعية والحنابلة لا يُحَد الوالد بقذف ولده، قياساً على عدم قتله به، ويُعزَّر عند الشافعية والحنفية؛ ومن قذف امرأة ورثها ولده لم يحد إن لم يشاركه فيها غيره؛ وللمالكية في قول يطالب الابن بحد القذف على أبويه. إسقاط حد الحرابة عن الولد. الحنفية يسقطون حد الحرابة إذا كان ولد للمقطوع عليه الطريق أو ذو رحم محرم منه، لوجود شبهة الإذن بالتناول عادة، والحدود تُدرأ بالشبهات؛ والشافعية والحنابلة يقولون بذلك في أخذ الولد مال أبيه حرابة، أما قتل الولد أباه فيوجب القصاص. ولد الأضحية: بعض الفقهاء يوجبون ذبحه معها، وبعضهم لا يوجب، وتفصيله في الأضحية. ولد الشاة إذا كان على صورة كلب: الحنفية يفصلون بالتجربة (الشرب، الأكل، ظهور الأمعاء أو الكرش) في الحل والحرمة، والشافعية يتركونه ورعاً ما لم يترجح بالخلقة الحل.وَقْف
الوقف في اللغة الحبس، ومنه وقفت الدار حبستها في سبيل الله، ومنه المنع والسكون، ويُطلق على الشيء الموقوف. وفي الاصطلاح تعريفات متعددة: عند الحنفية حبس العين على حكم ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق بالمنفعة؛ وعند المالكية إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً؛ وعند الشافعية حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود؛ وعند الحنابلة تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه يُصرف ريعه إلى جهة بر تقرباً إلى الله. الألفاظ ذات الصلة: التبرع (التطوع بالشيء دون عوض، وهو أعم من الوقف)، والصدقة (تمليك في الحياة بغير عوض، وقد تُطلق على الوقف كما في حديث عمر في أرضه)، والهبة (العطية بلا عوض)، والعارية (إباحة الانتفاع بالعين مع بقاء ملكها للمعير)، والوصية. والفرق بين الوقف والهبة أن الوقف تمليك المنفعة مع بقاء العين على ملك الله فلا يجوز التصرف فيها، والهبة تمليك للعين. الوصية: الحنفية تعريفها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، والشافعية نحو ذلك؛ والفرق بينها وبين الوقف أن الوصية تكون بعد الموت وقد تكون بالعين أو المنفعة، أما الوقف فتبرع في الحياة وبالمنفعة فقط. مشروعية الوقف: ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعيته ولزومه واعتباره من القُرَب المندوب إليها، واستدلوا بحديث ابن عمر في أرض عمر بخيبر وقول النبي له «إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها»، وبحديث «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث...»، وبأثر جابر في أن من له مال من المهاجرين والأنصار حبس مالاً؛ وقال ابن قدامة إن ذلك إجماع من الصحابة. ونقل ابن عابدين عن الإسعاف أن الوقف جائز عند أبي حنيفة وأصحابه، وأن الخلاف في اللزوم، فعند أبي حنيفة يجوز جواز العارية ولا يلزم إلا بحكم القاضي أو بإخراجه مخرج الوصية؛ ونقل ابن قدامة عن شريح أنه لم يره. وفي الحكم التكليفي: الأصل أنه قربة مندوبة، وقد يكون فرضاً إن نُذر، ومباحاً إن كان بلا قصد القربة كوقف الذمي فلا ثواب له، وحراماً إن كان على معصية كالكنيسة. وذكر الكتاب أن بعض المالكية قالوا إن الوقف على البنين دون البنات حرام لشبهه بفعل الجاهلية، لكن ابن القاسم رأى الكراهة فيمضي. أركان الوقف: عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) أربعة: الصيغة والواقف والموقوف عليه والموقوف، وعند الحنفية الركن الصيغة فقط. ولا ينعقد الوقف إلا بالإيجاب، واختلفوا في اشتراط القبول لانعقاده. صيغة الإيجاب: ما يدل على إرادة الواقف من لفظ أو إشارة مفهمة أو كتابة أو فعل. والألفاظ الصريحة عند المالكية والشافعية والحنابلة: «وقفت»، وكذا «حبست» عند المالكية والحنابلة والشافعية على الصحيح، و«سبّلت» عند الشافعية والحنابلة على الصحيح؛ ويصير الوقف بها دون زيادة لعرف الاستعمال، ولأن النبي قال لعمر «إن شئت حبست أصلها». والكناية: لفظ «تصدقت»، إلا أن يضيفه إلى جهة عامة كالفقراء وينوي الوقف عند بعض الشافعية، وكذا «حرّمت» و«أبّدت» عند الحنابلة والأصح عند الشافعية، ولا يحصل الوقف بها إلا بضم قرينة كقوله «صدقة موقوفة» أو «صدقة لا تُباع ولا توهب ولا تورث» أو نية الوقف. إذا اجتمع في يد القيّم من غلة الوقف ما يصح صرفه في وجه من وجوه البر، كفكّ الأسرى المسلمين أو إعانة الغازي المنقطع، والوقف محتاج إلى الإصلاح، فإن لم يكن في تأخير الإصلاح إلى غلة السنة التالية ضرر بيّن يُخشى معه خراب الوقف، صُرفت الغلة إلى وجه البر وأُخّرت المرمة، وإن كان في التأخير ضرر بيّن صُرفت الغلة أولاً إلى المرمة ثم ما فضل إلى وجه البر. وذكر ابن نجيم أن المتولي إذا صرف الغلة للمستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها كان ضامناً، لأن ما يحتاج إليه الوقف من العمارة والمؤنة مستثنى من حق الفقراء. عند الحنفية إذا كانت العمارة ضرورية، كرفع سقف أو بناء جدار، قُدّمت على جميع جهات الصرف، لأنه ليس من النظر أن يخرب المسجد لأجل ما يُعطى للإمام والمؤذن؛ فإن فضل شيء عن التعمير أُعطي ما هو أقرب إلى الوقف مما في قطعه ضرر بيّن. وإن لم تكن العمارة ضرورية، بحيث لا يؤدي تركها إلى خراب العين لو أُخّرت إلى غلة السنة القادمة، قُدّم الأهم فالأهم. وفرّق الحنفية بين أن يشترط الواقف تقديم العمارة كل سنة، فيُمسك القيّم كل سنة قدرها وإن لم تكن محتاجة الآن، وبين السكوت عنه، فلا تُدّخر العمارة عند عدم الحاجة إليها. وإذا انهدم شيء من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارته، فإن كان التهيؤ للعمارة ثابتاً في الحال صُرف إليها، وإلا حُفظ حتى يتهيأ ذلك. وعند الشافعية يُدّخر من زيادة غلة المسجد على حاجته، بتقدير هدمه، ويُشترى بالباقي عقار فيُوقف، لأن ذلك أحفظ له، ولا يُشترى من الموقوف على عمارته، لأن الواقف وقفه عليها. اختلف الفقهاء في الجهة التي يُنفق منها على الموقوف وعمارته. فالحنفية والمالكية يرون أن ذلك من غلة الوقف شرط الواقف أو لم يشرط، لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله لا تجري إلا بهذا الطريق، وقال المالكية إن شرط الواقف غير ذلك بطل شرطه. وإذا وقف الواقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى من ماله لا من الغلة، إذ الغرم بالغنم، فإن امتنع أو عجز لفقره آجرها القاضي منه أو من غيره وعمّرها من أجرتها، ولا يُجبر الآبي على العمارة، وهو قول المالكية أيضاً. وقال المالكية إن الفرس الموقوف للغزو يُنفق عليه من بيت المال، فإن عُدم بيت المال بيع وعوض بثمنه سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة. وذهب الشافعية والحنابلة إلى اتباع شرط الواقف. فعند الشافعية تكون النفقة ومؤنة التجهيز والعمارة من حيث شُرطت، وإلا فمن منافع الموقوف نفسه، ككسب العبد وغلة العقار، فإذا تعطلت منافعه فالنفقة ومؤنة التجهيز من بيت المال، أما العمارة فلا تجب على أحد، لأن العقار يشبه الملك المطلق، بخلاف الحيوان لصيانة روحه وحرمته. وعند الحنابلة يُرجع إلى شرط الواقف، فإن عيّن الإنفاق من غلته أو من غيرها عُمل به؛ فإن لم يعيّن وكان الموقوف ذا روح كالرقيق والخيل أُنفق عليه من غلته، فإن لم تكن له غلة فنفقته على الموقوف عليه المعيّن، فإن تعذر الإنفاق لعجزه بيع وصُرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً، وإن أمكن إجارته أُجر بقدر نفقته. وإن كان الوقف على غير معيّن كالمساكين فنفقته في بيت المال، وإن كان الوقف عقاراً ونحوه لم تجب عمارته على أحد إلا بشرط الواقف. ذهب الفقهاء إلى أن من تعدى على الوقف بهدم أو غيره ضمن. فعند الحنفية من آجر دار الوقف فجعل المستأجر رواقها مربطاً للدواب فخرّبها ضمن، لأنه فعل بغير إذن. وعند المالكية من هدم وقفاً تعدياً فعليه إعادته على ما كان عليه ولو كان المهدوم بالياً، والراجح عندهم أن عليه قيمته كسائر المتلفات، وهو ما ارتضاه ابن عرفة وشهره عياض. وعند الشافعية لا ضمان على من تلف في يده شيء من الكتب الموقوفة على طلب العلم بلا تعدٍّ، فإن تعدى ضمن، ومن التعدي استعماله فيما لم يُوقف له. إذا احتاج الموقوف إلى تعمير أو نفقة ولم تكفِ الغلة، فهل يجوز للناظر الاستدانة على الوقف، وهل يحتاج إلى إذن؟ ذهب المالكية والحنابلة والحنفية في قول إلى جواز ذلك للناظر من غير إذن الحاكم، كسائر تصرفاته، لأنه مؤتمن مطلق التصرف. وقال المالكية إن من التزم حين أخذ النظر أن يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع بما صرفه. وعند الشافعية لا يجوز للناظر الاقتراض دون شرط الواقف أو إذن الإمام، ويجوز للإمام أن يقرض الناظر من بيت المال، أو يأذن له في الاقتراض، أو في الإنفاق من ماله على العمارة بشرط الرجوع؛ فإن اقترض بلا إذن ولا شرط لم يجز ولا يرجع بما صرفه لتعديه. والمعتمد عند الحنفية أنه لا تجوز الاستدانة على الوقف إلا لمصلحته كالتعمير وشراء البذر، وتجوز بشرطين: إذن القاضي، فإن بَعُد عنه استدان المتولي بنفسه، وألا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها. وذكر ابن عابدين أن الاستدانة لا تجوز بغير أمر الواقف، لأن الدين لا يثبت ابتداءً إلا في الذمة، والوقف لا ذمة له، والفقراء وإن كانت لهم ذمة فلكثرتهم لا تتصور مطالبتهم، فلا يثبت الدين إلا على القيّم. وترك القياس عند الضرورة، فالمختار عند أبي الليث أن الاستدانة تجوز بأمر القاضي إذا لم يكن من الاستدانة بد ولم يكن القاضي بعيداً عن المتولي، لأن ولايته أعم في مصالح المسلمين. أما ما له منه بد، كالصرف على المستحقين، فلا تجوز الاستدانة لأجله، إلا ما يُعطى للإمام والخطيب والمؤذن، وكذا الحصير والزيت للمسجد على القول الراجح. وإذا لزم إذن القاضي فادعى المتولي الإذن، فالظاهر أنه لا يُقبل إلا ببينة وإن كان مقبول القول فيما في يده، لأنه يريد الرجوع في الغلة؛ فإن لم يستأذن حرم عليه الأخذ من الغلة، لأنه متبرع ما لم يوجد إذن. وقال ابن عابدين إن المتولي إذا أنفق من ماله لإصلاح الوقف كان له الرجوع بذلك في غلته، وفي فتاوى الحانوتي أن له الرجوع ديانة، لكن لا يُقبل ادعاؤه ذلك إلا أن يُشهد أنه أنفق ليرجع، ويجب تقييد ذلك بما إذا كانت للوقف غلة، فإن لم تكن له غلة فلا بد من إذن القاضي. ثانياً: بيع الموقوف والاستبدال به. إذا تعطّل الموقوف وصار بحال لا يُنتفع بها، أجاز الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في رأي بيعه وجعل ثمنه في مثله. وأجاز الحنفية البيع والاستبدال ولو لم يتعطل الموقوف، لكن بشروط خاصة، وفرّق المالكية بين العقار والمنقول في الجملة. للاستبدال عند الحنفية ثلاث صور. الأولى أن يشترط الواقف لنفسه أو لغيره استبدال أرض الوقف بأرض أخرى حين الوقف، وله صيغتان: الأولى أن يقول «أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبداً على أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضاً أخرى» فتكون الثانية وقفاً بشرائط الأولى. وذهب أبو يوسف وهلال والخصاف إلى جواز الوقف والشرط استحساناً، وهو الصحيح على ما في فتاوى قاضيخان، لأن هذا الشرط لا يُبطل حكم الوقف، فالوقف يحتمل الانتقال من أرض إلى أخرى، والثانية تقوم مقام الأولى. ومثال ذلك أن أرض الوقف إذا غصبها غاصب فأجرى عليها الماء حتى صارت بحراً لا تصلح للزراعة ضمن قيمتها واشترى بها أرضاً تكون وقفاً على شروط الأولى، وكذلك إذا قلّ ريعها لآفة ولم تفضل غلتها عن مؤنتها، فصلاح الوقف في الاستبدال، فيصح أن يشترط الواقف ولاية الاستبدال وإن لم تكن الضرورة قائمة في الحال. وقال محمد ويوسف بن خالد السمتي إن الوقف صحيح والشرط باطل، وهو القياس. ووجّه السرخسي قول محمد بأن هذا الشرط لا يؤثر في المنع من زوال الوقف، فيتم الوقف ويبقى الاستبدال شرطاً فاسداً باطلاً في نفسه، كالمسجد إذا شُرط الاستبدال به أو شُرط أن يُصلّى فيه قوم دون قوم. وقال بعض فقهاء الحنفية إن الوقف والشرط فاسدان. ونقل الكمال بن الهمام عن الأنصاري أن الشرط صحيح، لكن لا يُباع إلا بإذن الحاكم، وينبغي للحاكم إذا رُفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعه إذا رآه أنظر لأهل الوقف. ولو شرط الواقف أن يبيع الأرض ويشتري بثمنها أرضاً أخرى ولم يزد صح استحساناً، وصارت الثانية وقفاً بشروط الأولى من غير تجديد وقف، لأن الأرض تعيّنت للوقف فيقوم ثمنها مقامها. والقياس البطلان، لأنه لم يذكر إقامة أرض أخرى مقام الأولى. والصيغة الثانية: لو شرط أن للقيّم الاستبدال ولم يشرطه لنفسه كان له أن يستبدل لنفسه، لأن إفادة الولاية لغيره فرع كونه يملكها. ولو شرط الاستبدال لرجل آخر مع نفسه، ملك الواقف الاستبدال وحده ولا يملكه الآخر وحده. وإذا شرط الاستبدال جاز ولو كانت العين ذات ريع ونفع، إذ لا يلزم خروج الوقف عن الانتفاع، ولا مباشرة القاضي له، ولا عدم ريع يُعمَّر به. وقيّد الحنفية الاستبدال بما اشترطه الواقف من قدر ونوع؛ فإن شرط الاستبدال بأرض لم يجز بدار، وإن شرط أرض قرية لم يجز بغيرها لتفاوت أراضي القرى مؤنة واستغلالاً، وإن لم يُقيّد البدل فله أن يستبدل من جنس العقارات بأي أرض أو دار أو بلد شاء. وإن شرط الاستبدال فليس له أن يستبدل الأرض الثانية بأرض ثالثة، لأن الشرط وجد في الأولى فقط، إلا أن يذكر عبارة تفيد ذلك. الصورة الثانية: ألا يشترط الواقف الاستبدال حين الوقف، سواء شرط عدم الاستبدال أو سكت، لكن صار الوقف بحيث لا يُنتفع به بالكلية، بأن لا يحصل منه شيء أو لا يفي بمؤنته؛ فالاستبدال في هذه الصورة جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي ورأى فيه المصلحة. ونقل ابن عابدين عن البحر أن كلام قاضيخان اختلف، ففي موضع جوّز للقاضي الاستبدال بلا شرط من الواقف حيث رأى المصلحة، وفي موضع منع ذلك ولو صارت الأرض بحال لا يُنتفع بها. والمعتمد أنه يجوز للقاضي الاستبدال بالشروط الآتية: أ- أن يخرج الموقوف عن الانتفاع بالكلية. ومن شروط الاستبدال عند الحنفية، كما ذكروا، ألا يكون البيع بغبن فاحش، وأن يكون للوقف ريع يُعمَّر به، وأن يكون المستبدل ممن يُعدّ من أهل العلم والعمل، لئلا يُتطرّق إلى إبطال أوقاف المسلمين. وأن يكون البدل عقاراً لا دراهم ودنانير، وألا يُباع ممن لا تُقبل شهادته له أو ممن له عليه دين. وأن يكون البدل والمبدل من جنس واحد؛ وقال ابن عابدين نقلاً عن قنالي زاده إن الظاهر أن اتحاد الجنس لا يُشترط في الموقوف للاستغلال، لأن المنظور فيه كثرة الريع وقلة المرمة والمؤنة، فلو استُبدل الحانوت بأرض تُزرع وتحصل منها غلة بقدر أجرة الحانوت كان أحسن، أما الموقوف للسكنى فالمقصود فيه الانتفاع بالسكن. وفي القنية أن مبادلة دار الوقف بدار أخرى تجوز إذا كانت في محلة واحدة أو في محلة خير منها، ولا تجوز في العكس وإن كانت المملوكة أكثر مساحة وقيمة وأجرة، لاحتمال خرابها في المحلة الأدنى. ونقل الكتاب عن شرح منظومة ابن وهبان في البحر الرائق سؤالاً: هل يجوز الاستبدال إذا شرط الواقف عدمه، أو كان الناظر معزولاً قبل الاستبدال؟ فقال الطرسوسي إنه لا نقل فيه، وإن مقتضى قواعد المذهب أن للقاضي أن يستبدل إذا رأى المصلحة فيه. وروي عن محمد أنه إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيّم يجد بثمنها أخرى أكثر ريعاً، جاز له بيعها وشراء ما هو أكثر ريعاً؛ ومن المشايخ من منع البيع والاستبدال تعطل الوقف أو لم يتعطل، وقال قاضيخان إن الوقف المرسل، أي الذي لم يُذكر فيه شرط الاستبدال، لا يجوز بيعه ولا الاستبدال به ولو كانت أرضه سبخة لا ينتفع بها، لأن سبيل الوقف أن يكون مؤبداً لا يُباع، وإنما تثبت ولاية الاستبدال بالشرط. الصورة الثالثة: ألا يشترط الواقف الاستبدال، وللوقف ريع وغلات ولم يتعطل، لكن في استبداله نفع في الجملة وبدله خير منه نفعاً وريعاً. قال ابن عابدين إن هذا لا يجوز استبداله على الأصح المختار، كما حرره قنالي زاده. ونقل ابن عابدين عن الأشباه أنه لا يجوز استبدال العامر إلا في أربع مسائل: الأولى إذا شرط الواقف الاستبدال؛ والثانية إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء حتى صار بحراً، فيضمن القيمة ويشتري المتولي بها أرضاً بدلاً؛ والثالثة إذا جحده الغاصب ولا بينة، وأراد دفع القيمة، فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً؛ والرابعة إذا رغب فيه إنسان ببدل أكثر غلة وأحسن موقعاً، فيجوز على قول أبي يوسف وعليه الفتوى، وقال صاحب النهر إن ذلك معارض بقول صدر الشريعة: نحن لا نفتي بقول أبي يوسف. الاستبدال بالموقوف عند المالكية. يفرق المالكية بين العقار والمنقول في البيع والاستبدال. فأجازوا الاستبدال في المنقول إذا لم توجد جهة تنفق عليه وخيف هلاكه، أو تعطلت منافعه فصار لا ينتفع به فيما حُبس من أجله. فالفرس الموقوف في سبيل الله كالغزو والرباط تكون نفقته في بيت المال، فإن عُدم بيت المال بيع وعوّض بدله سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة. ويُباع كل حبس منقول لا ينتفع به، كفرس أصيب بداء الكلب، أو ثوب يخلق، أو عبد يهرم، أو كتب تبلى؛ ويُجعل ثمنه في مثله إن أمكن، أو في شقص منه إن تعذر شراؤه كاملاً، فإن تعذر تُصدّق بالثمن. ومن ذلك ذكور الحيوانات الموقوفة للغزو أو للنسل إذا فاض عن الحاجة أو كبرت الإناث حتى لا ينتفع بها، فتُباع ويُشترى بثمنها إناث صغار لتمام النفع، وتكون وقفاً كأصلها، كما ذكر الدردير في النعام. أما العقار فالمذهب عند المالكية أنه لا يُباع ولو خرب وصار لا ينتفع به، داراً كان أو حوانيت أو غيرها، ولا يُستبدل بمثله غير خرب؛ وقد روى أبو الفرج عن مالك أن الإمام إذا رأى البيع لمصلحة جاز أن يُجعل ثمنه في مثله. وأجاز بعضهم معاوضة الربع الخرب، فقد نقل التاج والإكليل منع بيع ما خرب من ربع الحبس، وعلّل ابن الجهم ذلك بأنه يوجد من يُصلحه بإجارته سنين فيعود كما كان، واختُلف في معاوضة الربع الخرب بربع غير خرب؛ وقال ابن رشد: إن انقطعت منفعة القطعة جملة وعجز عن عمارتها وكرائها، فلا بأس بالمعاوضة بمكان يكون حبساً مكانها، بحكم من القاضي بعد ثبوت السبب وتحقق الغبطة للمعوّض عنه، ويُسجَّل ذلك ويُشهد به. وأجاز المالكية بيع العقار لضرورة توسعة مسجد جامع، سواء كان الوقف على معينين أو غير معينين. وقال ابن رشد إن ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد، وقول سحنون، وفي النوادر عن مالك وغيره أن ذلك في مساجد الجوامع إن احتيج إليه، لا في مساجد الجماعات؛ لأن الضرورة فيها ليست كالجوامع. كما يجوز بيع الوقف لتوسعة مقبرة أو طريق لمرور الناس، ولو جبراً على المستحقين أو الناظر، ويجب على المستحقين أن يُجعل ثمنه في حبس غيره، ولا يجبرهم الحاكم على الجعل في حبس غيره. وقال الشرح الصغير إن ما وُسّع به المسجد من الرباع يُدفع ثمنه إذا كان حبساً على معيّن، أما الحبس على غير معيّن كالفقراء فلا يلزم تعويضه، لأنه لم يتعلق به حق لمعيّن، ولأن ما يحصل من الأجر للواقف إذا دخل في المسجد أعظم مما قصده أولاً. وقال المالكية إن اشترط الواقف التغيير والتبديل عُمل بشرطه، أما إذا شرط أنه إن وجد فيه ثمناً مرغوباً بِيع واشتُري غيره، فقد ذكرت النوادر والمتيطية أنه لا يجوز ذلك، فإن وقع مضى وعُمل بشرطه. ونقل فتح العلي المالك واقعة: أرض موقوفة على سبيل في طريق المسلمين، شرط واقفها ألا تُباع ولا تُستبدل، ثم استبدل ناظر السبيل بها أرضاً من أراضي الديوان، فقال الدردير إن المبادلة باطلة حيث شرط الواقف عدم الاستبدال وأطلق، ويجب على الناظر رد أرض الديوان لصاحبها وأخذ أرض الوقف بعينها، ومن امتنع زجره الحاكم. الاستبدال بالموقوف عند الشافعية. جاء في المهذب أنه إذا وقف مسجداً فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك، ولم يجز التصرف فيه، لأن ما زال عنه الملك لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كمن أعتق عبداً ثم زَمِن. وقال الشربيني إن الأصح جواز بيع حصير المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا تضيع ويضيق المكان بها، فتحصيل نزر يسير من ثمنها للوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك في بيع الوقف لأنها صارت في حكم المعدوم، وهذا ما جرى عليه الشيخان. وقال الرافعي إن القياس أن يُشترى بثمن الحصير حصير لا غيرها، وقال الأذرعي إن المراد بذلك مقام التبن في الطين؛ أما الجذوع التي تصلح لغير الإحراق، كألواح وأبواب، فلا تُباع قطعاً. وإذا خِيف على المسجد السقوط نُقض، وبنى الحاكم بنقضه مسجداً آخر إن رأى ذلك، وبناؤه بقربه أولى، ولا يُبنى به بئر. وإذا وقف على قنطرة فانحرق الوادي وتعطلت القنطرة، جاز نقلها إلى محل الحاجة؛ وغلة وقف الثغر إذا حصل فيه الأمن يحفظها الناظر لاحتمال عوده ثغراً. وإن وقف نخلة فجفّت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعاً على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان: الأصح عدم جواز البيع كما في المسجد، والثاني يجوز لأنه لا يُرجى نفعه. وإذا قيل بالبيع، فحكم ثمنه حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف؛ فإن قيل إن الملك في رقبة الموقوف للموقوف عليه، كان الثمن له، وإن قيل إنه لله تعالى وهو الأظهر، اشتُري به مثله ليكون وقفاً مكانه. وقال أبو حامد الإسفراييني إن الثمن يُشترى به مثله ليكون وقفاً مكانه بلا خلاف. الاستبدال بالموقوف عند الحنابلة. يجوز الاستبدال عندهم إذا لم يعد الوقف صالحاً للغرض الذي وقف من أجله ولا للانتفاع به، سواء كان منقولاً أو عقاراً، ومسجداً أو غيره. فيحرم بيع الوقف ولا يصح، ولا تصح مناقلته ولو بخير منه نصاً، إلا أن تتعطل منافعه المقصودة بخراب ولم يوجد في ريعه ما يعمره فيُباع، أو تتعطل منافعه بغير خراب كخشب تشعث وخِيف سقوطه. وإذا كان الوقف مسجداً وتعطل نفعه المقصود لضيقه على أهله، وتعذرت توسعته، أو لخراب محلته، أو لكون الموضع قذراً يمنع من الصلاة فيه، قال القاضي يصح بيعه ويُصرف ثمنه في مثله، لأن إبقاءه كذلك إضاعة للمال، وإنما يُستبقى الغرض في عين أخرى، واتصال الأبدال يجري مجرى الأعيان. ويصح بيع شجرة موقوفة يبست، وجذع موقوف انكسر أو بلي أو خِيف انكساره أو هدمه؛ وقال في التلخيص إذا أشرف جذع الوقف على الانكسار، أو داره على الانهدام، وعُلم أنه لو أُخّر خرج عن كونه منتفعاً به، بِيع رعاية للمالية؛ والمدارس والربط والخانات المسبّلة إذا خربت يجوز بيعها عندهم على وجه واحد. والفرس الموقوف للغزو إذا لم يصلح له يُباع ويُشترى بثمنه فرس يصلح، وإذا اشتُري البدل صار وقفاً. وشرط الواقف عدم البيع فاسد. والذي يتولى البيع الحاكم إن كان الوقف على وجوه الخير كالمساكين والمساجد والقناطر، والناظر الخاص إن كان الوقف على شخص معيّن أو جماعة معيّنين، والأحوط ألا يفعل إلا بإذن الحاكم. وإذا اشتُري البدل لجهة الوقف صار وقفاً، والاحتياط أن يُوقف بصيغة جديدة حتى لا ينقضه من لا يرى وقفيته بمجرد الشراء. رجوع الوقف إلى ملك الواقف. ذهب محمد بن الحسن من الحنفية إلى أنه إذا خرب ما حول المسجد واستُغني عنه، ولو مع بقائه عامراً، أو خرب المسجد ولا ما يُعمَّر به واستُغني عنه ببناء مسجد آخر، عاد إلى ملك الباني إن كان حياً، وإلى ورثته إن مات، خلافاً لأبي يوسف. وعلّل محمد ذلك بأن الواقف عيّن الوقف لنوع قربة وقد انقطعت فينقطع هو أيضاً، فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استُغني عنه، وقنديله إذا خرب المسجد، فيعود إلى ملك متخذه، كالكفن إذا افترسه السبع يعود إلى مالكه، وكهدي الإحصار إذا زال الإحصار فأدرك الحج. وعند أبي يوسف يُنقل إلى مسجد آخر بإذن القاضي، فيُباع نقضه بإذنه ويُصرف ثمنه إلى بعض المساجد. ويتفرع على الخلاف أنه إذا انهدم الوقف ولا غلة فيه تعمّره، عاد إلى الباني أو ورثته عند محمد، لكن عند محمد إنما يعود إلى الملك ما خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية، كحانوت احترق ولا يُستأجر بشيء؛ وما كان معداً للغلة لا يعود إلى الملك إلا أنقاضه، وتبقى ساحته وقفاً تُؤجَّر ولو بشيء قليل. وقال الشافعية في مقابل الأصح إن الموقوف إذا تعطلت منفعته بسبب غير مضمون، كأن جفت الشجرة أو اقتلعتها ريح أو سيل، ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها، انقطع الوقف وعاد ملكاً للواقف أو وارثه، أما الأصح عندهم فلا يعود ملكاً بل يبقى وقفاً، والحكم كذلك عند الحنابلة. النظر على الوقف. اتفق الفقهاء على أن النظر على الوقف يتبع شرط الواقف، فإذا جعل النظر لشخص معيّن اتُّبع شرطه، كما فعل عمر بن الخطاب حين جعل وقفه إلى ابنته حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها، كما نقل ابن قدامة. واختلفوا إذا شرط الواقف النظر لنفسه: فعند الحنفية والشافعية والحنابلة يجوز ذلك، أما المالكية فإن لم يحُز الموقوف عليه الوقف بطل بموت الواقف أو مرضه أو فَلَسه، وإن حازه الموقوف عليه وشرط الواقف النظر لنفسه صح الوقف، وأُجبر الواقف على أن يجعل النظر لغيره، إذ لا يجوز له أن يجعله لنفسه. وإن لم يشترط الواقف ناظراً، فعند المالكية والحنابلة: إن كان الوقف على غير معيّن كالفقراء والمساكين والمساجد، ولّى الحاكم عليه من يشاء، لأنه لا يمكنه تولي النظر بنفسه. وإن كان على معيّن رشيد فهو الذي يتولى أمره، لأنه ملكه ونفعه له فكان نظره إليه كملكه المطلق، فإن كان غير رشيد تولّى أمره وليّه، وفي احتمال عند الحنابلة، اختاره ابن أبي موسى، أن ينظر فيه الحاكم. عند الحنفية اختلف الأقوال في ولاية النظر إذا لم يشترطها الواقف. فعند أبي يوسف، وهو الأصل، أن الولاية للواقف، ثم لوصيّه إن كان له وصي، وإلا فللحاكم؛ وعند هلال، وهو ظاهر المذهب، أنها للواقف، ثم لوصيّه أو للحاكم، لأن المتولي إنما يستفيد الولاية من الواقف بشرطه، فيستحيل أن يكون له الولاية وغيره يستفيدها منه، ولأن الواقف أقرب الناس إلى الوقف فيكون أولى بولايته. وعند محمد لا تكون الولاية للواقف ما لم يشترطها، لأن التسليم إلى القيّم عنده شرط لصحة الوقف، فإذا سُلّم لم يبق للواقف ولاية فيه. وإن مات الواقف ولم يجعل ولايته لأحد، جعل القاضي قيّماً من أهل بيت الواقف ما وجد من يصلح، لأنه أشفق أو لأن قصد الواقف نسبة الوقف إليه، فإن لم يجد فمن الأجانب من يصلح. وعند الشافعية إذا لم يشترط الواقف النظارة لأحد، فالنظر للقاضي على المذهب، لأن له النظر العام؛ وقيل النظر للواقف لأنه كان إليه فيبقى على نظره؛ وقيل للموقوف عليه لأن الغلة له. شروط الناظر. اشترط الفقهاء لصلاحية الناظر شروطاً منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه. الشرط الأول: التكليف. يتفق الفقهاء على أن الناظر يشترط فيه البلوغ والعقل، فلا تصح تولية الصبي ولا المجنون لعدم أهليتهما، وذلك في الجملة. فعند المالكية والحنابلة إن لم يشترط الواقف ناظراً معيّناً، وكان الموقوف عليه معيّناً كزيد وعمرو، تولى أمر الوقف بنفسه، فإن كان صغيراً أو مجنوناً فوليّه يقوم مقامه. وقال الحنابلة إن الملك في الموقوف ينتقل إلى الموقوف عليه إن كان آدمياً معيّناً أو جمعاً محصوراً، وينظر فيه إن كان رشيداً مكلفاً، أو وليّه إن كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً، وقال ابن أبي موسى ينظر فيه الحاكم. وعند الحنفية نقل ابن عابدين عن الإسعاف أن التولية للصبي تبطل في القياس مطلقاً، وفي الاستحسان تبطل ما دام صغيراً، فإذا كبر كانت له الولاية؛ وقال الشلبي إن الإسناد للصغير لا يصح بحال، لأن النظر ولاية والصغير مولّى عليه فلا يولّى على غيره. ورأى ابن عابدين في فتاوى رشيد الدين أن القاضي إذا فوّض التولية إلى صبي جاز إذا كان أهلاً للحفظ، وحمل ما في الإسعاف على من لا يقدر على التصرف. وكما يمنع الجنون التولية ابتداءً يمنعها بقاءً، فلو جُنّ الناظر عُزل؛ ونقل ابن عابدين عن الفتح أن الناظر ينعزل بالجنون المطبق سنة لا أقل، فإن برئ عاد إليه النظر، قال في النهر إن هذا في المشروط له النظر، أما منصوب القاضي فلا. ونص الشافعية على أن الجنون تنسلب به الولايات، وقال الشبراملسي إن المجنون إذا أفاق تعود إليه ولاية النظارة بنفس الإفاقة إذا كانت بشرط الواقف. الشرط الثاني: العدالة. يُشترط في ناظر الوقف أن يكون عدلاً، وفي ذلك تفصيل. فالحنفية اختلفوا في كونها شرط صحة أو شرط أولوية؛ فقال الإسعاف لا يُولّى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه، لأن ليس من النظر تولية الخائن، ورأى ابن عابدين أن العدالة شرط أولوية لا شرط صحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل، كالقاضي إذا فسق. وعند المالكية تُعتبر العدالة إذا كان الناظر منصوباً من القاضي أو من الواقف، فالنظر في الحبس لمن يجعله إليه الواقف، لمن يُوثق بدينه وأمانته؛ فإن كان الناظر سيئ النظر غير مأمون عزله القاضي، إلا أن يكون الموقوف عليه مالكاً أمر نفسه ويرضى به. وذكر القرافي أن القاضي لا يعزل ناظراً إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو بغير جنحة. وعند الشافعية تُشترط العدالة الظاهرة والباطنة في المنصوب من الحاكم، وقال السبكي ينبغي أن يُكتفى في المنصوب من الواقف بالعدالة الظاهرة، وقال الأذرعي تُشترط الظاهرة والباطنة فيه أيضاً، ورجّح الشربيني الخطيب الأول. وإذا فسق الناظر انعزل، فالنظر للحاكم. وقال الشافعية إن الناظر إذا فسق ثم صار عدلاً، عادت إليه الولاية إن كانت مشروطة في أصل الوقف منصوصاً عليها بعينها، وإلا فلا، أفتى بذلك النووي. وقال الحنابلة إنه إذا كان النظر لغير الموقوف عليه، وكانت التولية من الحاكم، أو من ناظر أصلي، فلا بد من العدالة لأنها ولاية على مال، كالولاية على مال اليتيم؛ فإن لم يكن عدلاً أُزيلت يده حفظاً للوقف، فإن عاد إلى أهليته عاد حقه. وإن كان الناظر مشروطاً من الواقف فلا تُشترط فيه العدالة، ويُضم إلى الفاسق عدل، لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية فاسق، وإن كان النظر للموقوف عليه عدلاً كان أو فاسقاً فهو أحق به، وقيل يُضم إليه أمين. الشرط الثالث: الكفاية، أي قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما ينظر فيه. نص الشافعية والحنابلة على اشتراطها، لأن حفظ الوقف مطلوب شرعاً. فإن اختلت الكفاية، قال الشافعية ينزع الحاكم النظر من الناظر وإن كان مشروطاً له، وقال النووي إن زال الاختلال عاد نظره إن كان مشروطاً منصوصاً عليه بعينه. وقال الحنابلة إن اختلت الكفاية لا يُعزل الناظر، بل يُضم إليه أمين قوي ليحصل المقصود. أما الحنفية فقالوا يُعزل الناظر وجوباً إذا كان غير مأمون أو عاجزاً؛ وكلام المالكية يفيد اشتراط الكفاية أيضاً. الشرط الرابع: الإسلام. قال الحنابلة يُشترط الإسلام في الناظر إن كان الموقوف عليه مسلماً، أو كانت الجهة كالمسجد، استناداً إلى سورة النساء، آية ١٤١، التي يستدل بها الحنابلة على هذا الشرط، فإن كان الوقف على كافر معيّن جاز أن يكون الناظر كافراً. وأجاز الحنفية أن يكون الناظر ذمياً، ولا يشترطون الإسلام؛ فلو عزله القاضي لسبب ثم أسلم لم تعد إليه الولاية. وقال الرملي إن القياس على الوصية والنكاح صحة تولية الذمي للنظر إذا كان الموقوف عليه ذمياً وعدلاً في دينه، لكن يُرد ذلك باشتراط العدالة الحقيقية في باب الوقف، وقال الشبراملسي إن الرد هو المعتمد؛ وفرّق بينه وبين تزويج الذمي موليته بأن ولي النكاح يحمله وازع طبيعي على الحرص على تحصين موليته. أجرة ناظر الوقف. تشمل المسألة أحقية الناظر في الأجرة، وتقديرها من الواقف أو القاضي، ومقدارها، وهل يستحق أجراً إذا لم يجعل له أحد أجراً. أ- أحقية الناظر: ذهب الفقهاء إلى أن الناظر يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه. واستدلوا بقول عمر حين وقف أرضه بخيبر، إن على من يليها أن يأكل بالمعروف أو يُطعم صديقاً غير متمول فيه، وبفعل علي حين جعل نفقة العبيد الذين وقفهم ليقوموا بعمارتها من الغلة، وبالقياس على عامل الزكاة، وبحديث «ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»، وقال ابن حجر إن مراد العامل فيه القيّم على الأرض، فيدل على مشروعية أجرته. ب- تقدير الأجرة. إما أن تكون مشروطة من الواقف، فيأخذ الناظر ما شرطه ولو زاد على أجر المثل، وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة؛ فعند الحنفية إن عيّن الواقف أقل من أجر المثل كمّل القاضي له أجر المثل بطلبه. وعند الشافعية إن جعل الواقف النظر لنفسه وشرط لنفسه أجراً لم يزد على أجرة المثل، فإن شرط أكثر لم يصح الوقف لأنه وقف على نفسه. وقال الحنابلة إن شرط الواقف للناظر أجرة مقدرة، فإن كانت بقدر أجرة المثل اختص بها، وإن كانت أكثر فكلفة ما يحتاجه الوقف من أمناء وغيرهم تُصرف من الزيادة حتى يبقى له أجر مثله، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصاً. أما المالكية فلم يحددوا شيئاً وتركوا ذلك لتقدير الواقف أو القاضي. وإن لم يعيّن الواقف أجراً، فالأجر يقدّره القاضي: فعند الحنفية والحنابلة لا يزيد المقدَّر عن أجرة المثل، فإن عيّن زائداً مُنع عنه الزائد. وقال المالكية يُترك الأمر لاجتهاد القاضي، وقال ابن فتوح يجوز للقاضي أن يجعل لمن قدّمه للنظر رزقاً معلوماً في كل شهر باجتهاده بحسب عمله، وفعله الأئمة. وقال الشافعية إن لم يذكر الواقف للناظر أجرة فلا أجرة له على الصحيح، وليس له أن يأخذ شيئاً من مال الوقف، فإن فعل ضمن ولم يبرأ إلا بتسليمه إلى الحاكم، وهذا المعتمد. وإن رفع الناظر الأمر إلى القاضي ليقرر له أجرة، فهو كالوليّ إذا رفع أمر حفظ مال الطفل إلى القاضي؛ وذكر العراقي أن مقتضاه أنه يأخذ الأجرة مع الحاجة، إما قدر النفقة كما رجّحه الرافعي، أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجّحه النووي. ج- إذا لم يعيّن الواقف أجراً للناظر. قال الرملي من الحنفية إن الناظر لا يستحق شيئاً إلا إذا جعل له القاضي أجرة مثل عمله. وحرر ابن عابدين أن الواقف إن عيّن شيئاً للناظر فهو له كثيراً كان أو قليلاً، عمل أو لم يعمل، ما لم يشترطه في مقابلة العمل؛ وإن لم يعيّن الواقف وعيّن القاضي أجرة مثله جاز، وإن عيّن أكثر مُنع الزائد، وإن لم يعمل فلا يستحق أجرة. وإن نصبه القاضي ولم يعيّن له شيئاً، فإن كان المعهود ألا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط، وإلا فلا شيء له. وذكر ابن نجيم عن القنية رأيين للحنفية في منصوب القاضي إذا لم يعيّن له أجرة: الأول أنه لا شيء له ولو سعى فيه سنة، والثاني أن القيّم يستحق مثل أجر سعيه، شُرط له أجر أو لم يُشترط، لأنه لا يقبل القوامة ظاهراً إلا بأجر، والمعهود كالمشروط. وعند الشافعية إذا لم يشرط الواقف للناظر شيئاً فلا يستحق أجرة على الصحيح، فإن رُفع الأمر إلى الحاكم أُعطي عند الحاجة. وعند الحنابلة ثلاثة آراء: الأول أن للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، محتاجاً كان أو غير محتاج، إلحاقاً له بعامل الزكاة، وهو ما ذهب إليه أبو الخطاب؛ والثاني أن له أن يأخذ الأقل من أجر المثل أو كفايته، قياساً على ولي اليتيم، ولا يستحق هذا إلا إذا كان فقيراً؛ والثالث أن للناظر المشهور بأخذ الأجر على عمله حقاً في أجر المثل، وهو قياس المذهب. وظاهر كلام المالكية أن القاضي يجعل للناظر أجرة في الأحباس، أو رزقاً معلوماً في كل شهر باجتهاده بحسب عمله، كما قال ابن فتوح. جهة الأجرة. ذهب جمهور الفقهاء، وهم الحنفية والمالكية، ما عدا ابن عتاب، والشافعية والحنابلة، إلى أن ما يستحقه الناظر من أجر، مشروطاً من الواقف أو مقدراً من القاضي، يكون من غلة الوقف، واستدلوا بقول عمر حين وقف أرضه: لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالاً. وقال ابن عتاب من المالكية إن أجر الناظر لا يكون إلا من بيت المال، فإن أُخذ من الأحباس رُدّ وأُخذ من بيت المال، فإن لم يُعط منها فأجره على الله؛ وعلّل الحطاب ذلك بأن الأحباس لا يُغيَّر لها شيء لأنها للوصايا، وأفتى بمثل قوله ابن ورد، لكن الدسوقي ضعّف قول ابن عتاب. العمل الذي يستحق به الناظر الأجرة. هو حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء المستحقين، لأن ذلك هو المعهود. وتكون الأجرة من وقت ولايته، لأنها في مقابل العمل فلا تُستحق إلا بقدره. وقال الحنابلة إن الناظر إذا فرّط سقط من معلومه بقدر ما فوّته على الوقف من العمل الواجب، فيوزع المقدر على ما عمله وما لم يعمله ويسقط قسط ما لم يعمله. وقال الحنفية إن أهل الوقف إذا نازعوا القيّم وقالوا إن الواقف جعل الأجر في مقابلة العمل وهو لا يعمل شيئاً، فلا يكلفه الحاكم من العمل ما لا يفعله الولاة؛ فإن حلّت به آفة يمكنه معها الأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر، وإلا فلا أجر له. ولو جعل الواقف له أكثر من أجر المثل جاز. ومن مسائلهم: لو وقف أرضه على مواليه ثم مات، فجعل القاضي للوقف قيّماً وجعل له عشر الغلة، وفي الوقف طاحون في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها إلى قيّم، والمستحقون يقبضون غلتها منه، فلا يستحق القيّم عشر غلتها، لأن ما يأخذه بطريق الأجرة، ولا أجرة بدون عمل. محاسبة ناظر الوقف. من وظيفة الناظر تحصيل غلة الوقف والإنفاق منها على ما يحتاجه الوقف والصرف إلى المستحقين، ويتفق الفقهاء على محاسبته على ما ينفقه، سواء من القاضي أو من المستحقين، لكنهم يختلفون في قبول قوله في الإنفاق دون بينة، وفي قبوله مع اليمين إن لم تكن بينة. قال الحنفية إنه لا يلزم القاضي أن يحاسب المتولي تفصيلاً على كل ما صرفه من غلات الوقف، بل يكتفي منه بالإجمال إن كان معروفاً بالأمانة، أما إن كان متهماً فإن القاضي يجبره على التفسير شيئاً فشيئاً، ولا يحبسه، بل يحضره يومين أو ثلاثة ويخوّفه، فإن فسّر وإلا اكتفى منه باليمين. ونقل الدر عن القنية أن القاضي إن اتهمه حلّفه، ولو كان أميناً، كالمودع يدعي هلاك الوديعة. وتباينت أقوال الحنفية فيما لو ادعى المتولي الدفع إلى المستحقين: فقال الدر إنه يُقبل قوله بلا يمين، وخالف الإسعاف والبحر، فقال الإسعاف إن قال المتولي قبضت الأجرة ودفعتها إلى المستحقين وأنكروا، كان القول قوله مع يمينه، كالمودَع إذا ادعى رد الوديعة، ويبرأ مستأجر عقار الوقف من الأجرة لاعتراف المتولي بقبضها. ونقل ابن عابدين عن الخير الرملي أن الفتوى على أنه يحلف في هذا الزمان؛ وفي الفتاوى الحامدية عن أبي السعود أن المتولي إن كان مسرفاً مبذراً لا يُقبل قوله بصرف مال الوقف بيمينه، وعن الشلبي أن من اتصف بصفات مخالفة للشرع صار بها فاسقاً لا يُقبل قوله فيما صرفه إلا ببينة. وأما قبول قول الناظر الثقة بعد العزل، فذكر الحموي أن ظاهر كلامهم القبول، لأن العزل لا يخرجه عن كونه أميناً. ونقل صاحب الدر عن المنلا أبي السعود تفصيلاً: إن ادعى المتولي الدفع من غلة وقف على أولاده أو أولاد أولاده قُبل قوله، وإن ادعى الدفع لأرباب الوظائف كالإمام والمؤذن لم يُقبل، كمن استأجر شخصاً للبناء في الجامع بأجرة معلومة ثم ادعى تسليمها له، وقد استحسن التمرتاشي هذا التفصيل. وقال المالكية إن مات الواقف وعُدم كتاب الوقف، قُبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أميناً، ما لم يكن للوقف شهود في أصله فلا يصرف إلا باطلاعهم. وإن ادعى أنه صرف من ماله على الوقف صُدّق بلا يمين إن لم يكن متهماً، وإلا حلف. وذكر الحطاب واقعة سُئل فيها السيوري عن إمام مسجد ومؤذنه ومتولي أموره، اتهمه محتسب بعد أعوام بفضلة في غلة حوانيت، فقال المتولي إنه لم يفضل شيء، فأجاب السيوري بأن القول قوله فيما زعم أنه أخرجه إذا كان يشبه ما قال، وقال البرزلي إن ذلك ما لم يُشترط عليه دخل وخرج بإشهاد. وفرّق الشافعية بين أن يكون المستحقون معيّنين كزيد وعمرو، فالقول قولهم ولهم مطالبة الناظر بالحساب، وبين أن يكونوا غير معيّنين كالفقراء، فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ وجهان أوجههما الأول، ويُصدَّق في قدر ما أنفقه عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلّفه؛ والمراد إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامة، بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعيّن فلا يُصدَّق فيه لأنه لم يأتمنه. وفرّق الحنابلة بين الناظر المتبرع بنظره وغيره، وهو الذي يأخذ أجراً؛ فيُقبل قول المتبرع في الدفع لمستحق، وإن لم يكن متبرعاً لم يُقبل قوله إلا ببينة. وقال البهوتي والمرداوي إنه لا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الواقف إذا كان أميناً، ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى عمله، ولولي الأمر أن ينصب ديواناً يستوفي حساب أموال الأوقاف عند المصلحة. عزل ناظر الوقف ومن له حق العزل. سبق بيان شروط الناظر وحكم عزله إذا اختل شرط منها؛ وفيما يلي من له حق العزل. أولاً: حق الواقف في العزل. الشافعية والحنابلة يفرّقون بين أن يشترط الواقف النظر لنفسه في ابتداء الوقف ثم يسنده إلى غيره، وبين أن يشترطه لغيره من البداية. فإن شرطه لنفسه ثم أسنده إلى غيره، فله عزله ونصب غيره، لأن ذلك نائب عنه، كما يعزل الموكل وكيله؛ وهذا الصحيح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة على تصحيح الفروع. ونبه الشربيني الخطيب إلى أن مقتضى ذلك أن للواقف العزل بلا سبب، وصرّح به السبكي، وأفتى كثير من المتأخرين، منهم ابن رزين، بأنه لا يجوز العزل بلا سبب. وفي وجه عند الشافعية والحنابلة ليس له العزل، لأن ملكه قد زال. أما إذا شرط الواقف النظر لشخص حال الوقف، فليس له عزله ولو لمصلحة عند الشافعية، لأنه لا نظر له بعد أن شرطه لغيره؛ ولذلك لو عُزل الناظر المشروط نفسه أو فسق، فتولية غيره إلى الحاكم لا إلى الواقف. وقال الحنابلة إن شرط الواقف النظر لغيره وشرط أن له عزله، كان له عزله، وإلا فلا. وعند الحنفية يرى محمد بن الحسن أنه لو شرط الواقف أن تكون الولاية له ولأولاده في تولية القوّام وعزلهم والاستبدال، وسلّم الوقف إلى المتولي، جاز ذلك وكان له العزل؛ وإن لم يشترط لنفسه ولاية العزل فليس له عزله بعد تسليم الولاية، لأنه قائم مقام أهل الوقف، وقال الصدر الشهيد إن الفتوى على قول محمد. وقال ابن عابدين إن ذلك مبني على الخلاف في اشتراط التسليم إلى المتولي، فهو شرط عند محمد، أما عند أبي يوسف فالولاية ثابتة للواقف سواء شرط ذلك أو لم يشرطه، لأن التسليم ليس شرطاً عنده، وهو قول هلال وظاهر المذهب، وإذا ولّى الواقف غيره كان وكيلاً عنه وله عزله. قال الرملي إن هذا صريح في جواز العزل بجنحة وبغيرها، لأنه وكيل وللموكل عزل الوكيل مطلقاً؛ وقال الدر إن الفتوى على قول أبي يوسف، وقال البحر إن مشايخ بلخ يفتون بقوله. وعند المالكية لا يجوز أن يشترط الواقف النظر لنفسه، وإنما يتبع شرطه في تعيين الناظر، فإن شرط أن يكون فلان ناظراً لم يجز العدول عنه. وقال البدر القرافي إن للواقف عزله ولو لغير جنحة، ونص ابن عرفة على أن المحبس له عزل من رأى له أهلاً واستبداله، وقال الحطاب إن من حبس شيئاً وجعله على يد غيره ثم أراد عزله ليس له ذلك إلا بموجب يظهر، كالقاضي إذا قدّم أحداً. ثانياً: حق القاضي في العزل. للقاضي الولاية العامة، فيثبت له عزل الناظر المشروط له النظر من قبل الواقف إذا ثبتت خيانته، أو لم يتوفر فيه شرط من الشروط السابقة، ولا يجوز له عزله بلا سبب. أما إذا كان القاضي هو الذي أسند إليه النظارة، فذهب المالكية والشافعية وبعض الحنفية إلى أنه لا يجوز عزل من ولاه القاضي إلا بسبب كخيانة أو غيرها، وعند الحنابلة وبعض الحنفية يجوز عزل الناظر بلا خيانة. تعدد نظار الوقف. يجوز أن يكون للوقف ناظر واحد أو أكثر كما نص الفقهاء. فإن أسند الواقف النظر لاثنين، فعند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة لا يصح تصرف أحدهما مستقلاً عن الآخر، لأن الواقف لم يرض برأي أحدهما، إلا إذا شرط لكل واحد النظر فيصح تصرف كل منهما منفرداً. ولو جعل عمارة الوقف لواحد وتحصيل ريعه للآخر صح، ولكل منهما ما شرطه. وعند أبي يوسف يجوز أن ينفرد كل من الناظرين بالتصرف، وقال الحنفية إن جعل الواقف النظر لرجل ثم جعل وصياً لآخر كانا ناظرين شريكين، إلا أن يخصص كل منهما بما فُوّض إليه في مجلس واحد، فينفرد كل منهما بما فُوّض إليه. ولو جعل الواقف النظر لأفضل أولاده وكانوا سواء في الفضل فلا يشتركون فيه، وإنما يكون لأكبرهم سناً. وإذا قبل أحد الناظرين وردّ الآخر، أو مات أحدهما، أو قام به مانع، أقام الحاكم مقامه آخر، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة. وعند الشافعية إذا شرط الواقف أن يكون الناظر الأرشد من أولاده، فادعى كل منهم الأرشدية، اشتركوا في النظر إن وُجدت الأهلية فيهم، ولا يستقل أحد منهم بالتصرف، لأن الأرشدية سقطت بتعارض البينات وبقي أصل الرشد. تفويض الناظر النظر لغيره. لا يجوز للناظر أن يفوّض النظر إلى من أراد أو يوصي به إلى غيره، إلا إذا جعل له الواقف ذلك. قال الحنفية إن كان تفويض الواقف للمتولي عاماً، أي أقامه مقام نفسه وجعل له أن يسند النظر ويوصي به إلى من شاء، جاز له التفويض في صحته وفي مرض موته المتصل بالموت؛ وإن لم يكن عاماً، فلا يصح التفويض في الصحة، ويصح في مرض الموت لأنه بمنزلة الوصي، وللوصي أن يوصي إلى غيره. وقال الشافعية إن الواقف إذا جعل النظر لفلان وله أن يفوض النظر إلى من أراد، فالمذهب أن نظر المفوِّض يزول، فليس للواقف ولا للمفوَّض إليه عزل المفوَّض إليه، ولا يعود النظر إلى المفوِّض بعد موته، لأن التفويض بمثابة التمليك؛ والرأي الثاني، وهو للسبكي، أن المفوَّض إليه وكيل عن المفوِّض، فإن مات المفوِّض عاد النظر إليه، وإن مات المفوَّض إليه عاد النظر إلى المفوِّض. وقال الحنابلة إن الناظر المشروط له النظر إن كان موقوفاً عليه، فله نصب وكيل عنه وعزله، لأصالة ولايته، وإن لم يكن موقوفاً عليه فليس له نصب ناظر ولا الوصية بالنظر ما لم يُشترط له ذلك. انتهاء الوقف. من صور انتهاء الوقف عودة الموقوف إلى ملك الواقف، سواء بسبب تعطل الموقوف وخرابه وعدم صلاحيته للانتفاع، أو بسبب الوقف على جهة تنقطع، أو بالنسبة للوقف المؤقت الذي أجازه المالكية، وقد ذُكرت هذه المسائل في ثنايا البحث.وَسط
الوسط في كلام الفقهاء يأتي بثلاثة معانٍ: المعتدل، والخيار، وما بين طرفي الشيء، ولا يخرج الاصطلاح عن اللغة. والأصل أن الواجب في كل جنس وسطه، ومن تطبيقاته أن الواجب في زكاة الماشية الوسط، لقوله: «ولكن من وسط أموالكم». ويكون الجلد في الحدود والتعزير بسوط متوسط، لا جديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، وتكون حجارة الرجم متوسطة كالكف، ويكون إطعام الكفارة من أوسط ما يطعم الأهل، وللفقهاء في تحديد ذلك خلاف. ويأتي الوسط بمعنى الخيار في الصلاة الوسطى، وفي تحديدها خلاف مفصل. وأما بمعنى ما بين الطرفين فيُندب وقوف الإمام في وسط الصف، ويُكره وقوفه في ميمنته أو ميسرته، ويندب وقوف إمامة النساء وسطهن، ويكره الأكل من وسط القصعة والخبز، والجلوس في وسط الحلقة يكره عند جمهور الفقهاء ويحرم عند بعض الشافعية.وَصْف
الوصف في اللغة النعت، ويقال وصف الطبيب الدواء إذا عيّنه باسمه ومقداره. وفي الاصطلاح عبارة عمّا دلّ على الذات باعتبار معنى مقصود، أو ما دل على ذات بصفة. وعند الأصوليين تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص غير شرط ولا غاية. يصح البيع بالوصف عند جمهور الفقهاء كما يصح بالرؤية لأنه يفيد العلم بالمعقود عليه؛ وعند الشافعية في الأظهر لا يصح بيع الغائب الذي لم يره المشتري ولو وُصف، للنهي عن بيع الغرر. وفي المسلم فيه يشترط أن يكون ديناً موصوفاً في الذمة بما ينضبط به، وصرح الشافعية بوجوب ذكر الأوصاف في صيغة العقد فلا يصح ذكرها بعده ولو في المجلس. وعند الأصوليين إضافة الحكم إلى وصف مناسب تُفهم منه علّية الوصف للحكم، كإضافة القطع إلى السرقة، ويسمّى إيماءً. ومفهوم الصفة: تعليق الحكم على الذات بأحد أوصافها، فالشافعي ومالك والأكثرون يرون دلالته على نفي الحكم عما عداه، وأبو حنيفة وجماعة من المالكية والشافعية منهم الغزالي يرون أنه لا ينفيه.وَشْم
الوَشْم في اللغة العلامة، ويُطلق أيضاً على ما يظهر من النبات أول نباته، وعلى تغيّر لون الجلد من ضربة أو سقطة. واصطلاحاً: غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم، ثم يُذرّ عليه نحو نيلة أو كحل ليزرق الأثر أو يخضر. والمستوشمة من يُفعل بها ذلك طلباً لذلك، والواشمة من تَشِم الوجه أو الذراع أو الشفاه أو الصدر أو غيرها من البدن. والوَسْم علامة بالنار أو بالشرط، وهو يختلف عن الوشم في الآلة والحكم. ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم الوشم للأحاديث الصحيحة في لعن الواشمة والمستوشمة، وعدّه بعض المالكية والشافعية من الكبائر، وقال بعض متأخري المالكية بالكراهة. واستثنى بعض الفقهاء حالتين: أن يتعيّن الوشم طريقاً للتداوي من مرض، وأن تتزين المرأة به لزوجها بإذنه، ونُسب في ذلك أثر إلى عائشة لم يقف الكتاب على مصدر حديثي له. واتفق الفقهاء على أن الوشم نجس، لانحباس الدم في موضعه بما ذُرّ عليه. واختلفوا في إزالته: الحنفية يكتفون بالغسل ولا يلزم السلخ، لأنه أثر يشق زواله، وتصح الصلاة والإمامة معه؛ والمالكية لا يكلفون صاحبه إزالته بالنار إذا وقع على الوجه الممنوع، بل هو من النجس المعفوّ عنه؛ والشافعية توجب الإزالة ما لم يخف ضرراً يبيح التيمم، فإن خافه لم تجب ولا إثم عليه بعد التوبة، وإن فعله غير بالغ أو مُكرَه فلا تلزمه إزالته؛ والحنابلة يقيسونه على الجرح المخيط بخيط نجس، فلا تجب إزالة النجس مع خوف الضرر، وتجب الإزالة إذا لم يكن ضرر، ومن مات وهو ملزم بإزالته أُزيل عنه إلا إن كانت الإزالة مُثلة به. وعند الحنفية ما تأخذه الواشمة أجرةً على الوشم المحرّم سحتٌ وحرام.وَصِيّ
الوصي في اللغة فَعيل بمعنى مفعول، وهو من عُهد إليه الأمر، ويُطلق أيضاً على الموصي فهو من الأضداد. واصطلاحاً من عهد إليه الرجل أموره ليقوم بها بعد موته فيما يرجع إلى مصالحه كقضاء ديونه، وهو أعم من القيّم، وصلته بالوكيل أن كلّاً منهما يقوم مقام غيره ويتولى أمره، إلا أن الوصي يعمل بعد الموت والوكيل في الحياة. وقبول الإيصاء: عند الحنفية لا ينبغي للإنسان أن يقبله لأنه على خطر، ونقل عن أبي يوسف أن الدخول فيه أول مرة غلط، والثانية خيانة، والثالثة سرقة؛ وعند الشافعية يسنّ القبول لمن يعلم من نفسه الأمانة، ومن علم ضعف نفسه حرم عليه، وعند الحنابلة الدخول فيه للقوي عليه قربة مندوبة. وشروط الوصي متفق عليها: العقل والإسلام إذا كان الموصى عليه مسلماً، والقدرة على التصرف، ومختلف في البلوغ والعدالة، وفي وقت اعتبار الشروط (ر: إيصاء، وصاية). ويصح قبول الوصي للإيصاء في حياة الموصي وبعد موته عند الجمهور، وعند الشافعية في الأصح لا يعتد بقبوله في حياة الموصي. وتتحدد سلطة الوصي بما أُوصي به عموماً وخصوصاً، ويجوز تعدد الأوصياء بتعدد الأغراض، فإذا أوصى إلى رجلين مطلقاً ومات أحدهما لم ينفرد الآخر، وأقام القاضي أميناً مكانه. وإذا فقد الوصي شرطاً من شروط توليته انعزل، ولكل وصي أن يعزل نفسه في حياة الموصي باتفاق. ويجوز جعل أجرة للوصي في الجملة لأنها بمنزلة الوكالة. وإن أذن الموصي لوصيّه أن يوصي إلى من يشاء فله ذلك، وإن عجز الوصي عن القيام بالوصية ضُم إليه آخر. ويتصرف الوصي في مال الموصى عليه بالمصلحة وجوباً، لقول الله تعالى في مال اليتيم (سورتي الإسراء والبقرة)، وأما تزويج الوصي فللفقهاء فيه خلاف.وَصِيَّة
الوصية في اللغة من وصيت الشيء بالشيء أصِيه، أي وصلته، وتُطلق على الموصى به. وفي الاصطلاح الوصية بالمال تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء في الأعيان أو المنافع. والإيصاء والوصاية والهبة والصدقة ألفاظ ذات صلة: فالوصية تمليك بعد الموت، والهبة في الحياة بلا عوض، والصدقة في الحياة لمحتاج لأجل الثواب. والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع: فالقرآن قدّم الوصية والدين على الميراث، والسنة قدّمت الدين على الوصية؛ وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن الثلث كثير، وأن ترك الورثة أغنياء خير من تركهم عالة. وفي حديث معاذ أن الله تصدّق بثلث الأموال عند الوفاة زيادةً في الحسنات، وفي حديث ابن عمر أن المسلم لا ينبغي أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. وحكمة مشروعيتها تحصيل ذكر الخير والثواب، وصلة القرابة غير الوارثين، ونفع المحتاجين، بشرط ألا يُضار فيها أحد، وأن تُقصر على الثلث، وألا تنفذ لوارث إلا بإجازة الورثة منعاً للتباغض. والجمهور على أن الوصية بجزء من المال ليست بواجبة، بل مستحبة لمن ترك خيراً، ونُسخ الوجوب في حق الوارثين بحديث «لا وصية لوارث»، وبقي الاستحباب في حق من لا يرث. ويُستحب أن لا يستوعب الموصي الثلث، والحنابلة يرون الخمس أفضل للغني، ونُقل عن ابن عباس وجماعة استحباب الربع. وإذا كان الورثة فقراء استُحب النقص من الثلث، والفقير ذو الورثة المحتاجين لا يُستحب له أن يوصي عند الحنفية والحنابلة. وذهب بعض السلف، كالزهري وطاوس ومسروق وغيرهم، إلى وجوب الوصية للأقربين غير الوارثين، واحتجوا بالآية وبحديث ابن عمر. وأركان الوصية عند الجمهور أربعة: صيغة وموصٍ وموصى له وموصى به. وعند الحنفية الركن الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة وصاحبيه، وعند زفر الإيجاب وحده. والصيغة كل لفظ يدل على التمليك بعد الموت، وتنعقد بالكتابة عند الجمهور، والشافعية يعدّونها كناية لا تنعقد إلا بالنية، والحنابلة يشترطون ثبوت خط الموصي، والإشارة من القادر على النطق لا تنعقد عند الجمهور، ويجيزها المالكية. قبول الوصية أو ردها بالدلالة: أن يتصرف الموصى له في الموصى به تصرف الملاك كالبيع والهبة والإجارة. وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي وقبل القبول دخل الموصى به في ملك ورثته عند الحنفية، لأن الوصية تمت من جهة الموصي بموته؛ وذهب المالكية والحنابلة والشافعية في قول إلى اشتراط القبول لمعيّن، ولا يكفي عدم الرد، فإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت. واتفق الفقهاء على أن الوصية تبطل برد الموصى له بعد موت الموصي، ولا عبرة بالقبول أو الرد قبل موت الموصي عند الجمهور. ولا يشترط أن يكون القبول أو الرد فوراً بعد الموت، بل هما على التراخي، وأضاف الشافعية والحنابلة أن للوارث مطالبة الموصى له بالقبول أو الرد، فإن امتنع حكم القاضي بالرد. وفي الرجوع عن القبول ثلاثة آراء: الجمهور لا يجوز الرد بعد القبول، والشافعية والحنابلة في قول يجيزونه قبل القبض، وقول ثالث يجيزه في المكيل والموزون قبل القبض. وفي تجزؤ القبول: احتمالان عند الشافعية، والراجح عند زكريا الأنصاري البطلان. والموصى له المعين يملك القبول أو الرد بنفسه إن كان كامل الأهلية، والموصى له غير المعين أو الجماعة غير المحصورة كالفقراء والمساجد لا يحتاج إلى قبول، والمحجور عليه يقبل له وليه بما فيه الحظ. وإذا مات الموصى له المعين بعد موت الموصي دون قبول ولا رد، فللحنفية غير زفر قول بالصحة استحساناً، وقال زفر وبعض الحنابلة يكون الموصى به لورثة الموصي فتبطل، وجمهور الفقهاء يجعلون ورثة الموصى له يقومون مقامه. وتعليق الوصية على شرط أو إضافتها إلى المستقبل جائز بالاتفاق عند الحنفية والشافعية، وعند المالكية تبطل إن قال: إن مت من مرضي هذا فلفلان كذا ولم يمت منه، وعند الحنابلة تصح إذا كانت الصفة يرتقب وقوعها بعد الموت. والوصية عقد غير لازم، ويجوز للموصي الرجوع عنها كلها أو بعضها في حياته مرضاً أو صحة، لأثر عمر «يغيّر الرجل ما شاء في وصيته». والرجوع يكون بالقول كنقض الوصية وإبطالها، وبالدلالة كالبيع والهبة والرهن واستهلاك الموصى به، وخلطه، وطحن الحنطة وغزل القطن ونحو ذلك. وجمهور الفقهاء يرون جحود الوصية ليس رجوعاً. والموصي يشترط فيه أن يكون أهلاً للتبرع: العقل فلا تصح من المجنون والمعتوه والمغمى عليه؛ والبلوغ فيشترطه الحنفية والشافعية في المذهب والحنابلة في قول، ويجيزها المالكية والحنابلة في المذهب والشافعية في قول لمميز، ويجيز المالكية وصية المميز ممن بلغ عشر سنين فأقل بحسب حاله. والحرية شرط عند الفقهاء فلا تصح وصية العبد، والرضا والاختيار شرط فلا تصح وصية المكره والهازل والمخطئ. ولا يشترط إسلام الموصي عند الجمهور، فتصح وصية غير المسلم، ونص الشافعية والحنابلة على صحة وصية الكافر ولو كان حربياً، وقيّد الشافعية صحة وصية المرتد بألا يموت كافراً، وأبطلها المالكية في حال الردة. وفي وصية المستأمن الحربي عند الحنفية تفصيل: تنفذ إن كانت قائمة بعينها إذا أسلم أهل داره أو صاروا ذمة، فإن استُهلكت بطلت. والموصى له هو من تبرع له الموصي بجزء من ماله بعد وفاته، ويشترط أن يكون موجوداً حال الوصية عند الحنفية والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب، وأجازها المالكية والشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في قول لمن سيوجد، كالحمل. ويشترط أن يكون الموصى له أهلاً للتملك، فإن أوصى لميت لا يعلم الموصي بموته بطلت، والمالكية يصرفونه لدين الميت أو لورثته. والوصية للحمل صحيحة إن وُجد حال الوصية، ويُعلم وجوده بولادته حياً لأقل من ستة أشهر، وعند الشافعية والحنابلة لأقل من أربع سنين إن لم تكن الأم ذات زوج أو سيد، وعند الحنفية لسنتين. ويشترط أن يكون الموصى له معلوماً، فلو أوصى لأحد رجلين فالوصية باطلة عند أبي حنيفة وزفر والمالكية والشافعية والحنابلة، وأجازها أبو يوسف إن اصطلحا، وقال محمد الخيار للورثة. والوصية لجماعة لا يمكن حصرهم كالفقراء والمساكين صحيحة، ثم اختلفوا في وجوب التعميم: المالكية لا يلزمونه، والشافعية في الأظهر يكفي الدفع إلى ثلاثة، والحنابلة يكفي الدفع إلى واحد. وإذا أوصى لقبيلة لا تُحصى كتميم وعقيل فالوصية باطلة عند الحنفية والشافعية في مقابل الأظهر، لاشتراط أن يكون الموصى له معلوماً، وتصح إن كانوا يُحصَون؛ وفي تفسير الإحصاء أقوال. والوصية لذات الدابة باطلة، وأما الوصية لعلف دابة فلان فجائزة وتُصرف في علفها، وللشافعية والحنابلة تفصيل في الوصية لفرس بعينه أو لفرس حبيس. والوصية للجهة العامة كبناء المسجد وترميمه صحيحة من المسلم لأنها قربة، وأجاز المالكية والشافعية والحنابلة الوصية لجهة مباحة. ولا تجوز وصية المسلم لبناء كنيسة أو بيعة عند الجمهور لأنها معصية. وفي وصايا أهل الذمة عند الحنفية تفصيل: ما هو قربة عندنا وعندهم يجوز بالاتفاق، وما هو قربة عندنا فقط لا يجوز، وما هو قربة عندهم فقط فيجوزه أبو حنيفة ويمنعه الصاحبان. والوصية لله تعالى تصرف في وجوه البر عند الشافعية ومحمد بن الحسن، وبقوله يُفتى عند الحنفية. والوصية في سبيل الله تُصرف عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف في الغزو، ويزيد محمد والحنابلة في قول الحج. والوصية لأعمال البر تُصرف عند الحنابلة في القُرب كلها ويُبدأ بالغزو، وعند الحنفية كل ما ليس فيه تمليك من أعمال البر. وإذا قال الموصي: ضعوا ثلثي حيث أراك الله، فالحنابلة يصححونه ويصرف في أي جهة قربة، والشافعية يرون صرفه إلى أقاربه الذين لا يرثونه ثم إلى محارمه ثم إلى جيرانه. الوصية لقاتل الموصي: يشترطها ألا يكون الموصى له قاتلاً عند الحنفية والحنابلة في المذهب والشافعية في مقابل الأظهر والثوري، لحديث «ليس لقاتل وصية»، وهو حديث ضعّفه الدارقطني، والقتل المانع هو المضمون بقصاص أو دية أو كفارة ولو خطأ. والحنفية يشترطون المباشرة ووجود وارث للموصي. والمالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة في رواية لا يشترطون ذلك؛ وعند المالكية إن علم الموصي بسبب القتل صحت الوصية، وإن جهله ففيه تأويلان، والظاهر عند الدسوقي عدم الصحة. وعند الفقهاء يشترط ألا يكون الموصى له وارثاً وقت موت الموصي إن كان هناك وارث آخر، لحديث «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»، ومعناه أن الوصية للوارث لا تنفذ إلا بإجازة الورثة. وإذا أجاز بعض الورثة دون بعض صحت الوصية في حصة المجيز وبطلت في حق غيره عند الجمهور، والمالكية وقول للشافعية وللحنابلة يرون الوصية باطلة وتحتاج إلى قبول جديد بعد الإجازة. ويشترط في المجيز أن يكون أهلاً للتبرع، وأن تكون الإجازة بعد موت الموصي عند الجمهور. والمالكية يرون أن الإجازة في مرض الموصي تلزم بشروط، ومنها أن يكون المرض مخوفاً، وألا يصح الموصي بعدها. والعبرة بكون المستحق وارثاً وقت موت الموصي لا وقت الإيصاء. ووردت عبارات تتعلق بالموصى له تختلف في معناها عند الفقهاء: فالوصية للجيران عند أبي حنيفة للملاصقين، والصاحبان للملاصقين ومن يسكن المحلة ويجمعهم مسجدها، والمالكية للملاصقين من الجهات الست وللمقابلين بزقاق صغير، والشافعية في المذهب والحنابلة لأربعين داراً من كل جانب، والحنابلة أيضاً لمن يسمع النداء. والوصية للأقارب عند أبي حنيفة للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم، دون الوالدين والولد؛ والصاحبان لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام؛ والمالكية لأقارب أبيه غير الورثة؛ والشافعية لكل قرابة وإن بعدت، إلا الأصل والفرع في الأصح؛ والحنابلة لأولاد الآباء الأربعة. والوصية لأقرب الأقارب عند الشافعية تشمل الأصل والفرع، والأصح تقديم الابن وإن سفل على الأب، وتقديم الأخ على الجد، والحنابلة يفصّلون بين الأبوين والأب والأم. والوصية للأصهار والأختان والآل والعلماء لها تفصيل عند الحنفية: فالأصهار كل ذي رحم محرم من امرأته، والأختان أزواج المحارم، والآل آل بنيه وقبيلته، والعلماء عند الجمهور أهل الفقه والحديث، وأضاف الشافعية والحنابلة أهل التفسير. والوصية لغير المسلم: تصح للذمي عند الفقهاء، واشترط الحنابلة أن يكون معيناً؛ وتصح للمستأمن عند الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة؛ وللحربي ثلاثة أقوال: الشافعية في الأصح والحنابلة في الصحيح يجيزونها للحربي المعيّن، والحنفية والمالكية في المذهب يمنعونها في دار الحرب؛ وللمرتد الحنفية والمالكية والحنابلة في وجه يمنعونها، والشافعية والحنابلة في الصحيح يجيزونها للمعيّن. والركن الرابع الموصى به: يشترط أن يكون مالاً، فيشمل النقد والعين والديون والحقوق المقدرة بمال، والمنافع التي تُباع وتُوهب وتُؤجر؛ وخالف ابن أبي ليلى وابن شبرمة في الوصية بالمنافع. ويشترط أن يكون متقوّماً في الشرع: فلا تصح من مسلم ولا لمسلم بالخمر والخنزير والكلب العقور والسباع التي لا تصلح للصيد، وتصح من النصراني لمثله بما يتقوم عنده، وتجوز بالكلب المعلم والسباع الصالحة للصيد. ويشترط أن يكون ما أوصي به من المال متقوماً؛ وتصح الوصية بجلد ميتة قابل للدباغ عند الشافعية، والوصية بإناء ذهب أو فضة جائزة لأنه مال يُنتفع به في غير حال الاستعمال. والوصية بالمال القابل للتمليك بعد الموت بعقد: الحنفية والشافعية في قول يشترطون ذلك، فتصح بثمر نخيل عام أو أبداً، ولا تصح عند الحنفية استحساناً بما تلده أغنامه، والجمهور يصححون الوصية بالمعدوم مطلقاً كالسلم والمساقاة والإجارة. وتصح الوصية بالمجهول كشاة من غنمه بالاتفاق، وبما لا يُقدر على تسليمه كالبعير الشارد. وتجوز بالمشاع والمقسوم عند الجمهور. وعند الحنفية يُشترط وجود الموصى به في المستقبل وفق نوع المال: إن كان معيناً بذاته كدار معينة يُشترط وجوده عند الوصية، وإن كان شائعاً في كل المال كالثلث أو الربع فعند موت الموصي، وإن كان شائعاً في بعض المال فعند الوصية. ويُشترط أن يكون الموصى به مملوكاً للموصي: فعند المالكية والشافعية في وجه والحنابلة في المذهب لا تصح الوصية بمال الغير ولو ملكه بعد الوصية، وعند الحنفية والشافعية في وجه آخر والحنابلة في قول تصح موقوفة على إجازة المالك. ويمتنع بيع أو وصية بمحرم، لأن القصد من الوصية تدارك الإحسان، ولا تنفذ الوصية بما استغرقه الدين إلا بإبراء الغرماء عند الحنفية والشافعية، والمالكية يرون وصية المستغرق الذمة لا تنعقد. والوصية في الثلث: إن كان للموصي وارث لا تنفذ الزيادة عن الثلث إلا بإجازة الورثة عند الجمهور، فإن أجازوا نفذت، وإن ردوا بطلت. وإن لم يكن له وارث فعند الحنفية تكون الوصية في جميع المال. وأما الوصية بسهم من المال فلها أقوال: منها أن يكون للموصى له السدس إن كانت الفريضة أقل من ستة أسهم عند أبي حنيفة والحنابلة في المذهب، ومنها مثل أقل سهام الورثة، والمالكية لهم تفصيل بحسب العول. والوصية بجزء أو حظ من المال مجملة، فيعطيه الورثة ما شاؤوا بعد الموت إن لم يبيّن الموصي، عند الحنفية والشافعية والحنابلة. والوصية بشاة تشمل الصغيرة والكبيرة والذكر والأنثى بحسب القرينة، وعند الحنابلة تُعطى ما يقع عليه الاسم عرفاً، والوصية بدابة تُعطى فرساً أو بغلاً أو حماراً بالعرف، والوصية بكلب لا كلب له باطلة. والوصية بطبل من طبول الحرب تُعطى واحداً منها، وبطبول اللهو تصح إن صلح لمنفعة مباحة. والوصية بالمنافع جائزة عند جمهور الفقهاء، وتُخرج قيمتها من الثلث، فإن لم تخرج أُجيز منها بقدر الثلث. وإذا مات الموصى له بالمنفعة عند الحنفية عادت المنفعة إلى صاحب العين؛ وعند الشافعية والحنابلة تُورث الوصية على تفصيل. والوصية بالمنفعة المؤقتة بسنة معينة تُحسب من الثلث بحسب ما نقصته المنفعة، وإذا وُصّي بمنفعة عبد لواحد ورقبته لآخر فالرقبة لصاحب الرقبة والخدمة لصاحب الخدمة. والمنفعة المشتركة بين الموصى له والورثة تُستوفى بقسمة الغلة، أو قسمة العين إن قبلت القسمة، أو مهايأة زمانية أو مكانية، وانتهاء الوصية بالمنفعة يكون بمضي المدة قبل الوفاة، أو إسقاط الموصى له حقه، وعند الحنفية بوفاته قبل الاستيفاء. منع الموصى له من الانتفاع بالعين الموصى بمنفعتها: عند الحنفية إن منعه أحد الورثة ضمن له بدل المنفعة، وإن منعه الجميع ضمنوا كذلك، وليس له أن يطالب بمدة أخرى بعد فوات المدة. وعند المالكية من فوّت المنفعة ضمنها، وعند الشافعية والحنابلة كل حق تعلق بالعين تعلق ببدلها، فإذا قُتل الحيوان الموصى بمنفعته اشتُري بالقيمة ما يقوم مقامه. وقال الشافعية: لو أوصى لشخص بمنفعة دار سنة ثم أجّرها الموصي ومات عقب الإجارة بطلت الوصية، وإن مات بعد ستة أشهر بطلت في النصف الأول واستحق الموصى له النصف الباقي. ونفقة العين الموصى بمنفعتها على صاحب المنفعة عند الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب، وعند الشافعية على مالك الرقبة في الأصح في المؤبدة وكالمأجورة في المؤقتة. وتصح الوصية بحقوق الارتفاق التي تنتقل بالإرث كحق الشرب والمسيل والمجرى، ويُفصَّل في الوصية بما يتضمن قسمة التركة بين الورثة. والوصية لكل وارث بقدر حصته شائعاً لغو عند الشافعية لأنه يستحقه بغير الوصية، والوصية لكل وارث بعين تفتقر عند الشافعية في الأصح إلى إجازة الورثة لاختلاف الأغراض. وفي ثبوت ملكية الموصى به: الموصى له المعين عند الحنابلة في المذهب والمالكية والشافعية في قول لا يملك إلا بالقبول بعد الموت فيكون النماء قبل القبول للورثة؛ والحنفية والمالكية في الراجح يجعلون النماء بعد الموت للموصى له؛ والشافعية في الأظهر يوقفون الملك على القبول أو الرد. وتنفذ التبرعات الموصى بها من ثلث المال بعد تجهيز الميت ووفاء ديون العباد؛ وأما ديون الله كالحج والزكاة والنذر والكفارة فتخرج عند الحنفية من الثلث فقط، وعند الجمهور من أصل التركة. وتبطل الوصية عند الحنفية بالجنون المطبق ونحوه الطارئ على الموصي، سواء اتصل بالموت أو أفاق قبله، والجنون المطبق عند أبي يوسف شهر فأكثر، وعند محمد سنة؛ ولا تبطل بالإغماء ولا بالجنون غير المطبق. وقال ابن النجار: المبرسم لا تصح وصيته، لكن إن كان يفيق أحياناً فأوصى حال إفاقته صحت. وصرح الشافعية بأن طروء الجنون على الموصي لا يبطل الوصية. ردة الموصي تبطل الوصية عند الحنفية والمالكية، وأضاف المالكية أنه إن رجع إلى الإسلام جازت الوصية المكتوبة وإلا فلا. ردة الموصى له لا تبطلها عند الشافعية وبعض المالكية، وتبطلها عند المالكية في المذهب. والوصية عقد غير لازم فللموصي الرجوع عنها متى شاء، لأثر عمر «يغير الرجل ما شاء من وصيته»، وقال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي يغيّر ما شاء إلا العتق. والرجوع إما صريح كقول الموصي رجعت عن وصيتي أو نقضتها، وهو متفق عليه، وإما دلالة كالتصرف الذي يخرج العين عن ملكه كالبيع والهبة والصدقة والوقف، أو الفعل فيها كذبح الشاة وغزل القطن ونسج الغزل، أو التصرف الذي يزيل اسم الشيء كطحن الحنطة وتحويل الخشبة باباً؛ وجحود الوصية ليس رجوعاً عند جمهور الفقهاء. وتبطل الوصية برد الموصى له بعد وفاة الموصي، وتبطل بموت الموصى له المعين قبل موت الموصي باتفاق، وكذلك عند الجمهور إذا مات بعد موت الموصي قبل القبول، وعند الحنفية لا تبطل. وقتل الموصى له الموصي فيه خلاف، وتبطل الوصية بهلاك الموصى به المعين قبل القبول، أو باستحقاقه، لفوات محل الوصية. والوصية للوارث تبطل عند الفقهاء إلا بإجازة الورثة. والأصل أن الوصية لا تجوز بأكثر من ثلث المال إن كان هناك وارث، فإن زادت الوصايا على الثلث ولم يجز الورثة، تحاص الموصى لهم في الثلث بنسبة ما لكل منهم. وقدّم الحنفية حقوق الله على حقوق العباد إذا اجتمعت الوصايا، فيُقسم الثلث على جهات الفرائض ثم الواجبات ثم التطوعات؛ ووصايا العباد لا يُعتبر فيها التقديم إلا بنص أو لكونها عتقاً أو محاباة. وإن تساوى السبب بين الموصى لهم قُسم الثلث بينهم بالتساوي عند الحنفية، وإذا أوصى لأحدهما بالكل والآخر بالثلث ولم يجز الورثة ففيه خلاف: أبو حنيفة يقسم الثلث نصفين، وأبو يوسف ومحمد يتحاصان على أربعة أسهم، والصحيح قول الإمام عند ابن عابدين. وذهب المالكية إلى أن بعض الوصايا يقدَّم على بعض إذا ضاق الثلث عنها، كفك الأسير ثم تدبير الصحة ثم الزكاة ثم زكاة الفطر ثم كفارات الظهار والقتل والأيمان ثم النذر، وما كان في مرتبة واحدة يتحاص. وفي تزاحم الوصايا التي لا تبدئة فيها، يتحاص أهلها في الثلث كما يتحاص الغرماء في مال المفلس، وقد أورد الكتاب أمثلة المالكية في النصف والثلث والربع. وعند المالكية يدخل التحاص وصايا المجهول مع المعلوم، ويُضرب للمجهول بالثلث، وسحنون يرى المطلق بلا أجل كأنه وصية بثلث المال. وعند الشافعية تتقسط التبرعات المتعلقة بالموت على الثلث بالقيمة أو المقدار، ولا يُقدَّم بعضها على بعض بالسبق، والعتق مع غيره يُقسط عليه بالقيمة، وفي قول يُقدم العتق. وعند الحنابلة يقسم الثلث بين الموصى لهم على قدر وصاياهم، وروي عن أحمد تقديم العتق. وكتابة الوصية مستحبة، ويبدأ الموصي بالبسملة والثناء والصلاة على النبي ثم الشهادتين ثم الإشهاد؛ ويُذكر أن الصحابة كانوا يكتبون في صدور وصاياهم هذا مع البسملة. وتثبت الوصية بالشهادة والكتابة: فالحنفية والشافعية يعتبرون الكتابة إذا قُرئت على الشهود أو أقر بها الموصي، ولا يُكتفى بالخط المجرد؛ والمالكية تثبت الوصية بخط الموصي مع الإشهاد عليها؛ والحنابلة يقبلون الكتابة المعروفة الخط بإقرار الورثة أو ببينة. وإذا تركت الوصية أموالاً حاضرة وغائبة أو ديوناً، تنفذ الوصية من الحاضر بقدر الثلث عند الحنفية والحنابلة، وتتعلق بالعين المعينة كذلك؛ والشافعية يوقفون التصرف في الغائب حتى يحضر ما يُخرج الحاضر من الثلث. وتكون الوصية بالأنصباء أو بالأجزاء أو بالجمع بينهما، ومنها الوصية بمثل نصيب أحد الورثة المعين؛ فالجمهور يستحق الموصى له نصيب ذلك الوارث مضموماً إلى المسألة، والمالكية لهم تفصيل بحسب الإجازة، والشافعية والحنابلة يعطونه مثل نصيب أقل الورثة إن تفاضلوا. وفي الوصية بجزء من الورثة: إذا أوصى بجزء من ماله مساوٍ لأحد أبنائه فعند الحنفية تصح، وإن كان ابنه غير وارث فلا شيء له عند الجمهور؛ والمالكية يعطونه نصيب الابن إن قال لو كان يرث. والوصية بجزء معلوم بالثلث فما دونه: يحسب بجزء المخرج من الفريضة، وإن لم ينقسم الباقي على الورثة تُضرب مسألة الورثة في مخرج الوصية أو وفقهما، ويُعتبر ذلك عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويُمثَّل لذلك بثلاثة بنين وثلث مال. وفي الوصية بجزأين أو أكثر في حدود الثلث تُضرب مخارج الأجزاء بعضها في بعض، وما اجتمع مخرج للفريضتين، ومن أمثلة المالكية ثلاثة بنين مع سدس وسبع، ومن أمثلة الشافعية أبوان مع الثمن والخمس، وتُفصّل عند الحنابلة الكسور بنظيرها. والوصية بأكثر من الثلث إن لم تستغرق المال تتوقف على إجازة الورثة، فإن أجازوا قُسم المال على قدر الوصايا، كمن أوصى بنصف ماله وآخر بثلثه وآخر بربعه، وتُعال الفريضة بسهم في المثال، وذلك باتفاق الفقهاء. وإذا ردّ الورثة الوصايا الزائدة على الثلث، اختلف الفقهاء في كيفية قسمة الثلث بين الموصى لهم. فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد إلى أن الثلث يُقسم بين الموصى لهم على قدر سهامهم كأن الإجازة حاصلة، ويُقسم الثلثان على الورثة، ولا فرق بين من تجاوزت وصيته الثلث ومن لم تتجاوزه. وذهب أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر إلى أن الزيادة على الثلث تبطل عند عدم الإجازة، فلا يُضرب الموصى له بالزائد إلا بالثلث، لأن الوصية بالزائد وقعت على غير وجه مشروع فلا تنفذ، والتفضيل الثابت في ضمنها يبطل ببطلانها. ومن أمثلة ذلك: من أوصى لرجل بربع ماله ولآخر بنصفه فردّ الورثة، فعند الجمهور يُقسم الثلث على ثلاثة أسهم، سهمان لصاحب النصف وسهم لصاحب الربع، وعند أبي حنيفة على سبعة أسهم، أربعة لصاحب النصف وثلاثة لصاحب الربع. ومن أوصى بثلث ماله ونصفه وربعه فردّ الورثة، فعند الجمهور تُحسب القسمة من ثلاثة عشر سهماً، وعند أبي حنيفة من أحد عشر سهماً. وإذا أغرقت الوصايا المال وأجازها الورثة، جرت مجرى العول في الفرائض، فتُجعل وصاياهم كالفروض التي فرضها الله للورثة. فإن ردّ الورثة الزيادة على الثلث قُسم الثلث بين الموصى لهم على نسبة أنصبائهم، عند الجمهور؛ وعند أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر لا يُضرب الموصى له عند عدم الإجازة بأكثر من الثلث. ومن أوصى لزيد بماله كله ولعمرو بثلثه: إن أجاز الورثة عالت القسمة إلى أربعة، لزيد ثلاثة ولعمرو سهم؛ وإن ردّوا قُسم الثلث بين الموصى لهما على أربعة، وتكون القسمة من اثني عشر عند الجمهور. وفي فقرة الحنفية عن عدم إجازة الابنين (ص 17343) تُذكر أرقام لا يتضح نصّها في المسح، فلا تُنقل هنا؛ وهي موضع شك في القراءة. الحالة الثالثة: الجمع بين الوصية بالأجزاء والأنصباء، وله صور: الوصية بمثل نصيب وارث مع جزء من جميع المال، والوصية بجزء من جزء يبقى بعد النصيب، والوصية بالنصيب مع استثناء جزء من المال. فمن ذلك عند الحنفية: ابنان، وأوصى لرجل بثلث المال ولآخر بمثل نصيب أحدهما، فأجازا الوصيتين فالحساب من تسعة: ثلاثة لصاحب الثلث، ويُقسم الباقي بين الابنين وصاحب النصيب أثلاثاً، فلكل ابن سهمان ولصاحب النصيب سهمان. وإذا أجاز الابنان لصاحب النصيب دون صاحب الثلث احتيج إلى حساب أدق، وأقل مخرجه ثمانية عشر سهماً. والشافعية والحنابلة يختلفون في تنزيل الموصى له بالنصيب: فالشافعية يُدخلونه كأحد الورثة حين لا تزيد الوصية على الثلث، والحنابلة على قولين، أحدهما وهو المذهب أن لصاحب النصيب ثلث المال عند الإجازة، والآخر أن له مثل ما يحصل لأحد الابنين. ومن صور الوصية بجزء من جزء يبقى بعد النصيب: عند الحنفية، خمسة بنين وأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم ولآخر بثلث ما بقي من الثلث، فالفريضة من أحد وخمسين سهماً، لصاحب النصيب ثمانية، ولصاحب ثلث ما بقي ثلاثة، ولكل ابن ثمانية. وعند المالكية ثلاثة بنين بمثال مماثل تُخرج فيه الأنصبة بالدراهم المجهولة، وعند الشافعية والحنابلة أمثلة بالتصحيح والجبر وطريقة التعديل بالخطأ الأول والثاني. وفي الوصية بالنصيب مع استثناء جزء من المال، عند الحنابلة: ابن واحد أوصى لرجل بمثل نصيبه إلا نصف المال، فالموصى له يأخذ ربع المال. ومثال الاستثناء من النصيب بسبع المال على ثلاثة بنين يُعمل على مخرج يبلغ ثلاثة وستين. والاستثناء مع ذكر الأنصباء والكسور على أربعة أضرب: الأول أن يكون المستثنى جزءاً مما يبقى بعد النصيب، وفيه مثال خمسة بنين بفريضة من سبعة وخمسين. والثاني أن يكون المستثنى جزءاً مما يبقى بعد الوصية، ومثاله ثلاثة بنين وربع الباقي بعد الوصية، والمخرج ثلاثة عشر. والثالث أن يكون المستثنى جزءاً مما يبقى من جزء بعد الوصية، وفيه ثلاثة بنين ونصف الباقي من الثلث. والرابع أن يكون المستثنى جزءاً مما يبقى من جزء المال بعد النصيب، ومثاله ثلاثة بنين وثلث ما يبقى من ثلث المال، والفريضة تسعة وثلاثون. وإذا أطلق الموصي الاستثناء فلم يقل بعد النصيب ولا بعد الوصية، ففيه رأيان: الأول يُحمل على ما بعد النصيب، لأن المذكور هو النصيب، وعزاه ابن قدامة إلى جمهور الفقهاء. والثاني يُحمل على الباقي بعد الوصية، لأن المستثنى يكون حينئذ أكثر فيقل نصيب الموصى له، وتُنزّل الوصايا على الأقل المتيقن؛ وهذا قول أكثر الشافعية، وعزاه ابن قدامة إلى محمد بن الحسن الشيباني وإلى البصريين.وَسْم
الوَسْم في اللغة أثر الكيّ، والوسم بالكيّ في الحيوان مشروع، بل عند الشافعية والحنابلة وسم نَعَم الزكاة والفيء والجزية سنة، ويُكتب على صدقة الزكاة مثل «زكاة» أو «صدقة»، وعلى نَعَم الجزية «جزية». ويكون الوسم في موضع صلب ظاهر، والأولى في الغنم الأذن، وفي الإبل والبقر الأفخاذ، والوسم في الوجه حرام على الأصح عند الشافعية، لأن النبي لعن من وسم وجه الحمار، ومكروه عند المالكية والشافعية في مقابل الأصح وبعض الحنابلة، وأما وسم الآدمي فحرام إجماعاً إلا للتداوي.وَسْوَسة
الوسوسة والوِسواس في اللغة الصوت الخفي، وهي في الاستعمال الفقهي على معانٍ: حديث النفس وما يقع فيها من التردد، وما يلقيه الشيطان في روع الإنسان، وما ينشأ عن المبالغة في الاحتياط والتورع حتى يعيد الشخص الفعل مراراً، والموسوس المختلّ في عقله. وحديث النفس المرفوع عن الأمة ما لم يقترن به قول أو عمل، فلا إثم فيه ولا يقع به طلاق ولا نذر، لحديث «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها». ومدافعة حديث النفس في الصلاة مشروعة، والخشوع فضيلة؛ وفي بطلان الصلاة بغلبة الوسواس اختلف فقهاء الحنابلة: ابن تيمية لا يبطلها، وابن حامد وابن الجوزي يبطلانها. والوسوسة الشيطانية تُدفع بذكر الله، وقد قسّم الغزالي الوسواس بحسب مصدره إلى ثلاثة أصناف. ومما يعرض للمؤمن من وساوس الكفر، وقد عدّ ابن تيمية ذلك دليلاً على صريح الإيمان ما دام صاحبه يكرهه ويدفعه، أما من أجاب هذه الوساوس فقد يكفر أو ينافق. والوسوسة الناشئة عن المبالغة في الورع خروج عن الورع إلى التشدد في الدين، وقد نبّه الفقهاء إلى أن الشيء الذي لا يتنازعه دليلان بين الحل والحرمة، وأن الوهم المجرد لا يُعتد به؛ ومن أمثلته ترك التزوج في بلد كبير خشية محرم، ومن الأمثلة الواردة في السنة قول النبي في امرأة قالت إنها أرضعت المتزوج، وقوله لسودة: «احتجبي منه». وذكر الجويني وابن الجوزي صوراً من أفعال الموسوسين، من الإسراف في الماء والغسل المتكرر للثوب الطاهر، وقالوا إن الشريعة سمحة. وسبب الوسوسة سوء فهم قاعدة الاحتياط واتقاء الشبهات، ومن علاجه الاقتداء بهدي السلف وترك التشدد؛ وقد نهى النبي عن الغلو والتشدد في الدين وعن الإسراف في الوضوء. ومن الأحكام الخاصة بالموسوس: أن النجاسة المرئية تزال بالقلع، وتقدر الغسلات في حقه بثلاث، وكراهة البول في مكان الاستحمام، وانتضاح الفرج بالماء بعد الاستنجاء عند الشافعية والحنابلة، وهو عند الحنفية مما يُنضح ولا يلتفت إليه. ويستمر الموسوس في الوضوء ولا يستأنف إذا كان الشك وهماً، والمالكية يحكمون بأن شكه كالعدم، والمأموم يتابع إمامه ولا يتخلف إلا لعذر خلقي لا لوسوسة ظاهرة. وأما الموسوس المغلوب على عقله فلا يقع طلاقه ولا تقع منه ردة، وقد أجمعوا على عدم وقوع طلاق زائل العقل كما نقل ابن القيم.وَطَن
الوطن في اللغة منزل الإقامة أو مكان الإنسان ومقره، ويُقال لمربض الغنم والبقر والإبل وطن، وجمعه أوطان، وأوطن أقام، واستوطنه اتخذه وطناً. وفي الاصطلاح هو منزل إقامة الإنسان ومقره، ولد به أو لم يولد. والمحلّة منزل قوم الإنسان، وهي أخص من الوطن. أنواع الوطن بحسب تعلق الأحكام: وطن أصلي، ووطن إقامة، ووطن سكنى. الوطن الأصلي: عند الحنفية موطن ولادة الإنسان أو تأهله أو توطنه، ويُسمى الأهلي ووطن الفطرة؛ والتأهل التزوج، والتوطن العزم على القرار. وعند الشافعية والحنابلة هو المكان الذي يقيم فيه الشخص لا يرحل عنه صيفاً ولا شتاءً إلا لحاجة، ويلحق به عند الحنابلة في الصحيح البلد الذي فيه زوجة له أو تزوج فيه، لحديث عثمان في من تأهل في بلد أن يصلي صلاة المقيم، ويؤخذ من رواية عن أحمد أن البلد الذي فيه أهل أو ماشية وطن. وعند المالكية الوطن محل سكنى الشخص بنية التأبيد، وموضع الزوجة المدخول بها وإن لم يكثر سكناه عندها. وطن الإقامة: عند الحنفية ما خرج إليه الإنسان بنية إقامة مدة قاطعة لحكم السفر، ويُسمى المستعار أو الحادث؛ وبقية الفقهاء يوافقونهم في المعنى ويختلفون في المدة. وطن السكنى: عند الحنفية المكان الذي يقصد الإنسان المقام به أقل من المدة القاطعة للسفر. شروط الوطن: تختلف بحسب نوعه. فالوطن الأصلي عند المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون مبنياً بناء مستقراً بما جرت العادة به؛ والحنفية يعتبرون مكان الولادة أو التأهل أو التوطن وطناً أصلياً. وشروط وطن الإقامة: نية الإقامة، ومدة الإقامة المعتبرة، واتخاذ مكان الإقامة، وصلاحية المكان، وألا يكون وطناً أصلياً للمقيم، وشروط وطن السكنى: عدم نية الإقامة فيه، وعدم الإقامة فيه فعلاً المدة القاطعة للسفر، وألا يكون وطناً أصلياً للمقيم فيه. ما ينتقض به الوطن: عند الحنفية الوطن الأصلي لا ينتقض إلا بالانتقال منه إلى مثله بنقل الأهل وترك السكنى؛ وعند الحنابلة لا ينتقض باتخاذ وطن أصلي آخر، ومن له زوجتان في بلدين فكلاهما وطن أصلي عند الحنفية والمالكية والحنابلة. وينتقض وطن الإقامة بالوطن الأصلي وبالسفر، وينتقض وطن السكنى بالوطن الأصلي وبوطن الإقامة وبوطن السكنى. الأحكام المتعلقة بالوطن: قصر الصلاة، وجمع الصلوات، والإفطار في رمضان، والأضحية، وصلاة الجمعة والعيدين. فالقاطن في وطنه الأصلي أو وطن الإقامة لا يقصر الصلاة، ويجب على العائد إلى وطنه الإتمام من حين الدخول. وللمسافر عند جمهور الفقهاء الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وخالف الحنفية. وللمسافر أن يفطر في رمضان ما دام مسافراً، فإذا انقطع السفر وجب الإمساك إن كان في أثناء النهار. وفي الأضحية: الحنفية يوجبونها ويشترطون لوجوبها الإقامة، وجمهور الفقهاء يرونها سنة ولا يشترطون الإقامة. صلاة الجمعة: من كان في سفر فإذا انقطع السفر قبل إقامة الجمعة وجبت عليه، وينقطع السفر بدخول الوطن الأصلي مطلقاً، وبعده مقيماً في وطن الإقامة بشروطه. صلاة العيدين: واجبة عند الحنفية، وسنة مؤكدة عند المالكية والشافعية، وفرض كفاية عند الحنابلة؛ وذهب الجمهور إلى أن شرط التكليف بها الإقامة أو الاستيطان، خلافاً للشافعية، فلا يكلَّف بها المسافر عند الجمهور. نقل الزكاة: اتفقوا على أن أولى الناس بزكاة المال أهل البلد الذي فيه المال والمزكي، أما إذا كان المزكي في بلد والمال في آخر فاختلفوا في المعتبر: بلد المال أو بلد المزكي. توطن الحربية بدار الإسلام: إذا دخلت الحربية دار الإسلام بأمان وتزوجت مسلماً أو ذمياً صارت ذمية، لأنها تابعة للزوج بالسكنى. تغريب الزاني الغريب: صرّح الشافعية والحنابلة بأن الغريب إذا زنى غُرِّب إلى بلد غير وطنه؛ وقال المالكية إن زنى فور نزوله البلد سُجن فيه، وإن زنى بعد أنسه بأهله غُرِّب إلى بلد آخر. هجرة من في دار الحرب من وطنه: تختلف أحوالها بين واجبة ومستحبة ولا تجب على آخرين، وتفصيلها في باب الهجرة. التوطن في دار الحرب: لا يجوز للمسلم السفر من دار الإسلام إلى دار الحرب للتوطن فيها على التأبيد؛ والسفر للتجارة مختلف فيه بين التحريم والكراهة والجواز إذا لم يُلزم بمحرم أو ترك واجب، والسفر لمصلحة شرعية كمفاداة مسلم أو تبليغ رسالة جائز.وَثِيقة
الوثيقة في اللغة الإحكام في الأمر، وفي الاصطلاح ما يُتخذ لتأمين الحقوق من الفوات بجحد أو نسيان أو إفلاس أو غير ذلك من المخاطر. وأصلها في الكتاب آيات المداينة وفي السنة قوله: «الزعيم غارم». والوثائق ثلاثة: الشهادة لخوف الجحد، والرهن والضمان لخوف الإفلاس، والكتابة لخوف النسيان. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالكتابة ندب لا وجوب، لأن المسلمين يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذهب بعضهم ومنهم الطبري إلى وجوبها. وحكمة الكتابة والإشهاد أن الدين إذا تأخرت فيه المطالبة يتخلله النسيان ويدخله الجحد. والرهن مال يُجعل وثيقة بالدين ليُستوفى من ثمنه، والضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، فيثبت الحق في ذمتيهما.وَظِيفة
الوظيفة من كل شيء ما يُقدَّر من طعام أو رزق أو عمل في زمن معيَّن، ويُطلق على الورد من القراءة ونحوه، وعلى المنصب والخدمة المعينة وهو لفظ مولد، وعلى العشر والخراج مجازاً. والمِهنة: الخدمة والعمل، والوظيفة أعم منها. أولاً: الوظيفة بمعنى العمل المطلوب القيام به، وهي نوعان: عامة وخاصة. الوظائف العامة: من له حق تولية الوظائف العامة هو من تنفذ أوامره وتجوز نظره، إما السلطان المستولي على الأمور، أو وزير التفويض، أو عامل عام الولاية كعامل إقليم؛ ويُشترط فيمن يُولّى أن يوثق بأمانته ويستقل بكفايته وأن يكون أصلح الناس لها، واستدل الكتاب بحديث في من استعمل رجلاً وفي الناس من هو أولى منه، وقد أشار إلى ضعف بعض رواته. يلزم عند التولية تعيين العمل الذي يختص به الموظف، والعلم برسومه وحقوقه، وتحديد المكان الذي يمارس فيه العمل. ولاية النظر في الوظيفة لها ثلاث حالات بحسب ما قدّره المولي: أن تكون بمدة محصورة بالشهور أو السنين، أو بعمل معيّن ينتهي بانتهائه، أو مطلقة لا تقدير فيها؛ وفرّق الماوردي بين لزوم العمل للعامل إذا كان الأجر معلوماً وعدم لزومه إذا لم يتقدر بما يصح في الأجور. وإذا صح التقليد فالنظر مستديم كالجباية والقضاء ما لم يُعزل، أو منقطع، ومنه ما يعود في كل عام كالخراج، وفيه وجهان: الاقتصار على عام التولية، أو الحمل على كل عام ما لم يُعزل اعتباراً بالعرف. الوظائف الخاصة: وهي المرتبطة بالعقود التي ينشئها المتعاقدون، ومنها الوقف، ويحرم على الإمام وغيره إحداث وظيفة فيه لم تكن في شرط الواقف، ويفسق من فعل ذلك وينعزل الناظر. صيغة تولية الوظائف: إما بألفاظ صريحة أو كنائية، وجاز التولية باللفظ وبالكتابة إذا اقترنت بشواهد، وتفصيلها في باب التولية. صيغة تولية الوظائف (تتمة): تصح التولية باللفظ الصريح والكناية، وبالكتابة إذا اقترنت بشواهد الحال، وباللفظ المنجَّز. وفي تعليق التولية على شرط: الحنفية والشافعية في وجه مقابل الأصح يجيزونه، واستدلوا بتأمير النبي زيداً ثم جعفراً ثم ابن رواحة في غزوة مؤتة، وهو ما يؤخذ من عبارات المالكية والحنابلة؛ والشافعية في الأصح لا يجوزون تعليق الولايات بشرط إلا في الضرورة كالإيصاء والإمارة. الاعتياض عن الوظائف بمال: الشافعية وهو رأي عند الحنفية والمالكية يمنعونه، والحنابلة والحنفية في المفتى به والمالكية في رأي ضعيف عند الحطاب وبعض الشافعية كالسبكي يجيزونه. الغيبة التي يستحق بها الموظف العزل: للحنفية تفصيل، فإن خرج الموظف مسيرة سفر ثم رجع لم يستحق ما مضى من معلومه، وإن أقام في الريف خمسة عشر يوماً فأكثر لغير عذر سقط، ولعذر كطلب المعاش عفو إلا إن زادت الغيبة على ثلاثة أشهر فلغيره أخذ وظيفته؛ والكتاب ينقل تفصيل ابن الشحنة والرملي والقنية، وأن ذلك لا يجوز إذا نصّب الموظف نائباً. وعن الخصّاف أنه إذا أصاب القيّم عذر يمنعه المباشرة لا يستحق المعلوم، وإن أمكنه الكلام والأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر. النزول عن الوظائف: الحنفية يرون أن المتولي لو عزل نفسه لا ينعزل حتى يبلغ القاضي فينصب غيره؛ والحنابلة يرون أن من نزل عن وظيفة لمن فيه أهلية لها لا يُقرّر غير المنزول له، فإن قرره من له الولاية تم، وإن لم يُقرّره فالوظيفة للنازل؛ ونقل الكتاب تفصيل الرحيباني في شروط تمام النزول بالقبول والإمضاء. تقرير أولاد الموظفين في وظيفة آبائهم بعد وفاتهم: ذكر الحنفية أن من مات وله وظيفة في بيت المال لحق الشرع وإعزاز الإسلام، وله أبناء يقومون بها، فهم أولى بها، وتفصيله في الصفحة التالية. تقرير أولاد الموظفين في وظيفة آبائهم بعد وفاتهم: نص الحنفية على أن من مات وله وظيفة في بيت المال لحق الشرع وإعزاز الإسلام، وله أبناء يقومون بها، جاز للإمام أن يعطيها لأبنائه لا لغيرهم، لحصول المقصود وجبر القلوب؛ وقال البيري إن ذلك عرف مرضي في الحرمين الشريفين ومصر والروم، إذا كانوا أهلاً. موت صاحب الوظيفة قبل استيفاء الأجر: إن كان العمل مما لا يجوز الاستئجار عليه كالمعاصي سقط حقه، وإن جاز أُعطي بقدر ما باشر ويكون ميراثاً؛ وإن كان العمل عبادة كالأذان والإمامة وتعليم القرآن والحج فاختلفوا بحسب اختلافهم في جواز الاستئجار على العبادة. استحقاق الأجرة على الوظيفة: الوظيفة إما عمل خاص وإما ولاية عامة للدولة كالإمارة والقضاء والإمامة والأذان وتعليم القرآن، وفي أخذ الأجر عليها اختلف الفقهاء، والمعاصي لا يصح الاستئجار عليها باتفاق، وتفصيله في الإجارة. وقال الماوردي وأبو يعلى إن جاري العامل على عمله ثلاثة أحوال: أن يُسمّى معلوماً فيستحق المسمى إن وفى العمل، وإن قصّر روعي تقصيره، وأن يُسمّى مجهولاً فيستحق جاري المثل، وأن لا يُسمّى فيه شيء، وفيه أربعة مذاهب عند الشافعي وأصحابه: الشافعي يرى لا جاري له لأنه متطوع، والمزني يرى له جاري المثل، وابن سريج يفرق بين من اشتُهر بأخذ الجاري وغيره، وأبو إسحاق المروزي يفرّق بين من دُعي إلى العمل ومن ابتدأ بالطلب؛ وقال أبو يعلى مثل ابن سريج، وإن لم يكن للعمل مال يُجبى ففي بيت المال من سهم المصالح. الوظيفة بمعنى الورد: ما يرتبه الإنسان على نفسه كل يوم أو ليلة من عمل، وتفصيله في الورد. الوظيفة بمعنى ما يجب في الأرض من عشر أو خارج، والخراج قسمان: خراج الوظيفة وخراج المقاسمة، وتفصيله في باب الخراج. الوظيفة بمعنى ما يُقدَّر في كل يوم من طعام أو رزق: إن كان المعطى من بيت المال فهو رزق، فالمعتبر حد الكفاية؛ وإن كان من غيره فالمعتبر ما حدده المعطي قل أو كثر.وَزْنيّ
الوَزني في اللغة المقدّر بالميزان، والكيلي المقدّر بالكيل، وكلاهما من المثليات، ولا يخرج الاصطلاح عن اللغة. وفي كون الشيء وزنياً قولان: جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وغير أبي يوسف من الحنفية يرون أن ما كان موزوناً في عهد النبي لا يتغير، استناداً إلى قوله: «الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال المدينة»، بينما يرى أبو يوسف أن العرف معتبر مطلقاً. وما لم يكن معلوماً في عهد النبي أو جُهل حاله، فيرجع فيه إلى عرف موضع البيع، لأنه لا حدّ له في الشرع ولا في اللغة، وللشافعية أقوال: أن يُعتبر الكيل لأن أكثر ما ورد فيه مكيل، أو الوزن لأنه أضبط، أو التخيير عند التساوي، أو اعتبار الأصل المعلوم للشيء. والوزني المنصوص عليه هو الذهب والفضة، ويلحق بهما جواهر الأرض كالحديد والنحاس والرصاص والزجاج والزئبق، ومنه الحرير والقطن والكتان والصوف وغزلها. وتجري الربا في الوزنيات بحسب الخلاف في علة الربا في الوزني المنصوص عليه، وتفصيله في مدخل الربا.السكنى حولاً وصيةً للمتوفى عنها زوجها
يبيّن الشعراوي في تفسير آية 240 حكمين: أربعة أشهر وعشر فرض على المتوفى عنها زوجها، وأن الزوج قد يوصي بأن تبقى في بيته حولاً كاملاً لا تُخرجها منه أحد، فإن خرجت باختيارها فلا جناح عليها.الولاية على المال
الولاية على المال هي قدرة الشخص شرعاً على التصرف في ماله أو في مال غيره. وتتصل بالولاية على النفس، فكلتاهما تشتركان في تنفيذ القول على الغير. سبب هذه الولاية عند الكاساني شيئان في التحقيق: الأبوة، والقضاء؛ فالجد من قبل الأب أب بواسطة، ووصي الأب والجد يستفيد الولاية منهما فهي ولاية الأبوة معنى، ووصي القاضي يستفيدها من القاضي فهي ولاية القضاء.ولاية على النفس
الولاية على النفس: سلطة الإشراف على الشؤون المتعلقة بشخص المولّى عليه ونفسه، وأنواعها ثلاثة: ولاية الحضانة، والكفالة، وولاية التزويج. الحضانة حفظ الولد في مبيته وذهابه ومجيئه والقيام بمصالحه من طعامه ولباسه وتنظيف جسمه وموضعه، وهي واجبة شرعاً لأن المحضون قد يهلك أو يتضرر بترك الحفظ. وإذا استغنى الصغير عن الحاضنة انتقل إلى مرحلة الكفالة، وتنتهي الحضانة عند التمييز في قول، وقيل تسمى حضانة أيضاً. في بداية هذه الولاية: الشافعية والحنابلة يخيّرون الصبي إذا بلغ سبع سنين عاقلاً بين أبويه المؤهلين، والحنفية يجعلون الأب يأخذه بعد السبع مع تفصيل بين الذكر والأنثى، والمالكية تستمر حضانة النساء إلى بلوغ الذكر، وللأنثى حتى تتزوج ويدخل بها زوجها. وعند الحنفية يشترط لثبوت الحضانة للرجال: العصوبة، فيتقدم الأقرب فالأقرب، الأب ثم الجد، ثم الإخوة والأعمام على ترتيب مذكور، وللجارية لا تُسلَّم إلى ابن العم لأنه ليس بمحرم منها؛ والأمانة، فإن كان الصغير جارية لا يكون لعصبتها حق إن كانوا غير مأمونين، فيُجعل عند امرأة ثقة؛ واتحاد الدين، فلا حق للعصبة في الصبي إلا أن يكون على دينه. كفالة الخنثى المشكل. الشافعية والحنابلة يعاملون الخنثى المشكل بعد البلوغ معاملة البنت البكر، والحنفية يرون أنه كالأنثى في الأحكام إلا في مسائل مستثناة ليست منها الكفالة، والمالكية يرون كفالة الأم لا تسقط ما دام مشكلاً. انتهاء ولاية الكفالة ببلوغ الغلام والجارية، لاكتفائهما بأنفسهما، ويختلف الوقت إذا كان المكفول مجنوناً أو غير عاقل. ومن الحالات التي يبقى فيها الغلام البالغ تحت الكفالة: عند الحنفية إذا لم يكن مأموناً على نفسه فلأبيه ضمه لدفع الفتنة أو العار؛ وعند المالكية للأب ضم ابنه البالغ إذا خاف عليه السفه؛ وعند الشافعية والحنابلة يُمنع الأمرد أو من يخاف عليه الانفراد من مفارقة أبويه. ولاية التزويج الأصل فيها أنها ولاية نظر، وثبوت النظر للقادر على العاجز أمر معقول مشروع، لأنه من الإعانة على البر والإحسان وإغاثة الضعيف. وتفصيل أنواعها في موضعه.وِلاية
الوِلاية بالكسر في اللغة من الوَلْي، وهو القرب، ويقال وليه أي دنا منه، وتولى الأمر أي تقلده؛ والولاية بالفتح النصرة والمحبة، وولي اليتيم والقتيل والمرأة من يقوم بأمرهم. والولاية في الاصطلاح عند جل الفقهاء تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، فتشمل الإمامة العظمى والقضاء والحسبة والمظالم والشرطة، وتشمل قيام الكبير الراشد على القاصر في تدبير شؤونه؛ وتُطلق على سلطة الزوج في تأديب زوجته الناشز، وسلطة الوالد في تأديب ولده الصغير، وسلطة المعلم على تلاميذه. وعند المالكية الولاية آصرة موجبة للإرث، فهي خمسة أنواع: ولاية الإسلام، ولا يورث بها إلا عند عدم غيرها، وولاية الحلف، وولاية الهجرة، وكان التوارث بهما في أول الإسلام ثم نُسخ، وولاية القرابة، وولاية العتق، والميراث بهما ثابت. وأوضح ابن رشد مرادهم: فولاية الإسلام عامة بنص القرآن، وولاية الحلف كانت التوارث بها أول الإسلام ثم نُسخت بآية أولي الأرحام، وولاية الهجرة كانت التوارث بها أول الإسلام ثم نُسخت بذلك، وولاية النسب ثابتة بالقرآن، وولاية العتق توجب الميراث عند انقطاع النسب. وولاية الله للمؤمنين معناها أن يتولى أمرهم بالمحبة والهداية والنصرة؛ وقال ابن القيم إنها عامة لكل مؤمن تقي، وخاصة لمن قام بجميع حقوق الله. الألفاظ ذات الصلة: النيابة، وهي أن يقوم الإنسان عن غيره بفعل أمر، والولاية أعم منها مطلقاً، فكل نيابة ولاية وليس كل ولاية نيابة. والعمالة، وهي أجرة من يلي الصدقة، والوالي أعم من العامل. والقوامة، وهي الحفظ والرعاية والتدبير، والقيّم هو المتولي والناظر على الصغير والمجنون والسفيه وعلى مال الوقف. الألفاظ ذات الصلة بالولاية: القوامة، وهي أخص من الولاية، وتعني الحفظ والصيانة؛ والوصاية، وهي إقامة الإنسان غيره مقامه بعد وفاته للنظر في تركته وشؤون أولاده الصغار، وهي أخص من الولاية؛ والوكالة، وهي تفويض الشخص غيره فيما يقبل النيابة في حياته، وهي أخص من الولاية. الولاية العامة سلطة على إلزام الغير وإنفاذ التصرف عليه بغير تفويض منه، تتعلق بأمور الدين والدنيا والنفس والمال، وتهيمن على مرافق الحياة العامة، لجلب المصالح ودرء المفاسد، وهي منصب ديني ودنيوي شرع لثلاثة أمور: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل. ومراتبها تتدرج من الإمام الأعظم إلى نوابه وولاته، وبها تُجهز الجيوش وتُسد الثغور وتُجبى الأموال وتُصرف في محلها، وتُعيّن القضاة والولاة، وتُقام الحدود والتعازير، ويُقمع البغاة، ويُفصل بين الخصوم، ويُنصب الأوصياء والنظار ويُحاسبون. وقال ابن تيمية إن مقصود الولايات في الإسلام أن يكون الدين كله لله. واعتبرت الشريعة ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، لأن الناس لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع ولابد لهم من رأس، ولقوله «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم». الشروط المشتركة للولاية العامة: الإسلام، بالإجماع، لقوله تعالى في سورة النساء (الآية ١٤٤ والآية ٥٩)؛ والبلوغ، بالإجماع، للحديث «رُفع القلم عن ثلاث»؛ والعقل، بلا خلاف؛ والحرية، فلا يتولاها العبد؛ والذكورة، عند جمهور أهل العلم، لقوله تعالى «الرجال قوامون على النساء» (سورة النساء، الآية ٣٤)، ولقوله «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»؛ والعدالة، عند الجمهور؛ والعلم بالأحكام الشرعية، عند الجمهور، ويشترط السمناني العلم بأصول الدين والاجتهاد في فروعه، فيما نقل عن بعض المعاصرين أن ذلك يقتضي ألا يصح لإمام إمامة في عصره. الكفاية الجسمية، وهي أن يكون الوالي سميعاً بصيراً ناطقاً، لأن الخلل في الأعضاء والحواس يعجزه عن كمال التصرف، وقال الجويني إن نقص الحواس يحول دون الانتهاض في الملمات. الرأي والكفاية، وهما تختلفان بحسب الولاية؛ فما يلزم في الإمامة العظمى من المقدرة السياسية والحربية والفكرية لا يشترط فيما دونها. واستشهد الفقهاء بقول النبي لأبي ذر «إنك ضعيف، وإنها أمانة»، وبقوله «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». تقديم الأمثل عند الاضطرار. إذا تعذر اجتماع الشروط في الناس، فلا يُعطَّل إسناد الولايات، بل يُقدم الأصلح والأمثل، لأن الضرورة تبيح المحظورات، ولأن حفظ بعض المصالح أولى من تضييعها كلها، ولقوله تعالى «فاتقوا الله ما استطعتم»؛ وقال العز بن عبد السلام إن تعذرت العدالة في الناس لم يجز تعطيل المصالح، بل يُقدّم أمثل الفسقة. وتُوجب الضرورة السعي في إصلاح الأحوال حتى تكمل الشروط. واجبات صاحب الولاية العامة تختلف بحسب ولايته. والالتزام بأحكام الشريعة في الأقوال والأعمال والأخلاق واجب عليه، لأنه قدوة للناس؛ وأداء الأمانة واجب، لقوله تعالى «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» (سورة النساء، الآية ٥٨). قال النبي «ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة»، وقال «من استعمل رجلاً من عصابة وفيها من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله»، فيجب على من ولي شيئاً من أمر المسلمين أن يستعمل في كل موضع أصلح من يقدر عليه وأمثلهم؛ وقال ابن تيمية إن العدول عن الأحق لقرابة أو ولاء أو صداقة أو موافقة في بلد أو مذهب أو جنس، أو رشوة، أو ضغن، فهو خيانة لله ورسوله والمؤمنين. وأداء الأمانة عنده مبني على خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وترك خشية الناس. العدل ميزان الله في الأرض وقوام الدين والدنيا، وقد نص الفقهاء على أن الولاية إذا شملها العدل كانت من أفضل الطاعات، وأن العادل من الأئمة والولاة أعظم أجراً، وأن ولاة الجور أعظم الناس وزراً، وجماع السياسة العادلة أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مقصود الولايات كلها، وهو فرض على كل قادر، ويصير فرض عين على القادر إذا لم يقم به غيره، وذوو السلطان أقدر فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم. وتختلف الولايات: فبعضها بمنزلة الشاهد المؤتمن المطلوب منه الصدق، وبعضها بمنزلة الأمين المطاع المطلوب منه العدل. مشورة أهل العلم وذوي الرأي والتجربة واجبة على صاحب الولاية، لقوله تعالى «وأمرهم شورى بينهم» (سورة الشورى، الآية ٣٨)؛ وقال ابن خويز منداد إن الوالي يستشير العلماء فيما لا يعلم، ووجوه الجيش في الحرب، ووجوه الناس في المصالح، والكتاب والعمال والوزراء في عمارة البلاد. رعاية حاجات الأمة ومصالحها واجب في كل ولاية، لقوله «من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته»؛ وقال القرافي إن الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة. حقوق صاحب الولاية: طاعته في المعروف، وهو متفق عليه، لقوله تعالى «أطيعوا أولي الأمر منكم»، ولقوله «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية». وحرمة الخروج على ولي الأمر العادل متفق عليها، والخروج على الجائر مختلف فيه. ونصيحته واجبة، لقوله «الدين النصيحة... ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وتكون بالرفق والتلطف لا بالفضح. وللمتولي حق في بيت المال يُرتب له منه ما يكفيه وعياله، قياساً على عامل الصدقة، لأنه متفرغ لمصالح المسلمين، ولئلا يُدفع إلى الرشوة أو الكسب الحرام. أنواع الولاية العامة تختلف بحسب الأقاليم والأعصار والأعراف، وقد بلغت عند الفقهاء أكثر من عشرين نوعاً. منها الإمامة الكبرى، وهي الرئاسة العظمى في حراسة الدين وسياسة الدنيا خلافة عن النبي، وتُسمى كبرى تمييزاً لها عن إمامة الصلاة؛ والوزارة، وهي ولاية شرعية يخولها الإمام لشخص موثوق، وتنقسم إلى وزارة تفويض ووزارة تنفيذ؛ وولاية القضاء، وحقيقتها تبيين الحكم الشرعي مع الإلزام به وفصل الخصومات، ومنها ولاية جزئية كمتولي العقود في الأنكحة وحدها، أو النظر في الأيتام وحدها. ولاية المظالم، قال الماوردي إنها قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، ويشترط فيمن يتولاها جلالة القدر ونفاذ الأمر وعظم الهيبة وظهور العفة وقلة الطمع وكثرة الورع؛ فإن كان ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج إلى تقليد، وإلا احتاج إليه. ولاية الإمارة على ضربين: إمارة استكفاء تنعقد باختيار الإمام، عامة لبلد أو إقليم، أو خاصة بتدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة دون القضاء والخراج؛ وإمارة استيلاء يعقدها الإمام اضطراراً لمن غلب على بلد بالقوة. ولاية الشرطة. أعوان السلطان، ووظيفتها عند ابن الأمين القرطبي أمران: معونة الحكام في الحبس والإطلاق والإشخاص، والنظر في الجنايات وإقامة الحدود؛ وسماها ابن خلدون بحسب البلاد الحاكم أو صاحب المدينة أو الوالي. وقال التاج السبكي إن للشرطة الفحص عن المنكرات كالخمر والحشيش وسد الذريعة فيها والستر على من ستره الله، وليس لها التجسس على الناس ولا كبس البيوت بمجرد القيل والقال، بل ترسل رجلاً مأموناً ينهى عن المنكر بقدره. وسمّى ابن تيمية هذه الولاية «ولاية الحرب الصغرى»، تمييزاً لها عن «الحرب الكبرى»، ومعتمدها المنع من الفساد في الأرض وقمع أهل الشر والعدوان، وذكر أنها في بلاد الشام ومصر تختص بالحدود التي فيها إتلاف وبالحكم في المخاصمات، وفي المغرب ينفذ الوالي ما يأمر به القاضي. ولاية الحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وهي من الخطط الدينية كالصلاة والفتيا والقضاء والجهاد؛ وهي نوعان: أصلية من الشارع لكل من طُلب منه، ومستمدة من عهد الخليفة أو الأمير، وهي للمحتسب. ولاية الإمارة على الجهاد تختص بقتال المشركين، وهي ضربان: مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب، أو مفوّضة إلى الأمير جميع أحكامه من قسمة الغنائم وعقد الصلح، وإذا عُقدت على غزوة واحدة لم يغزُ غيرها، وإذا عُقدت عموماً لزمه معاودة الغزو. ولاية حروب المصالح تختص بقتال غير المشركين، كأهل الردة وأهل البغي وقطاع الطريق. وولاية السعاية وجباية الصدقة تنحصر في الأموال الزكوية، ولا يكون متولّيها إلا عالماً بأحكام الصدقات ومقاديرها وصفاتها، حليماً غير عنيف. الولاية الخاصة. تُطلق على ثلاثة ضروب: النيابة الجبرية على القاصر في شؤونه الشخصية (الولاية على النفس)، وشؤونه المالية (الولاية على المال)؛ وولاية المتولي على الوقف، وهي ولاية مالية محضة؛ والسلطة التي جعلها الشرع لأهل القتيل في استيفاء القصاص أو العفو عنه إلى الدية، لقوله تعالى «ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً»، وقوله «من قُتل له قتيل فأهله بين خيرتين». انتقال الولاية الخاصة إلى الولي العام عند عدم أهلها، لقوله «السلطان ولي من لا ولي له»، فيمارسها السلطان بنفسه أو بنوابه. والولاية الخاصة مقدمة على العامة لأنها أقوى؛ فولاية المتولي على الوقف ووصي اليتيم أقوى من ولاية القاضي، والقاضي أقوى من ولاية إمام المسلمين. ومن الفروع: القاضي لا يتصرف في الوقف مع وجود متولٍّ عليه، ولا في مال اليتيم مع وجود وصي الأب، ولا يزوج اليتيمة إلا عند عدم الولي أو عضله، وللولي الخاص العفو عن القصاص مجاناً، وليس للإمام ذلك؛ وإذا أجّر القاضي حانوت الوقف وأجّره المتولي، فإجارة المتولي معتبرة. وللولي العام الإشراف العام، فله أن يحاسب الأوصياء والنظار ويعزل الخائن منهم ولو شرط الواقف عدم مداخلته. الولاية الخاصة على المال نوعان: قاصرة، وهي سلطة المرء على ماله، ومتعدية، وهي سلطة المرء على مال غيره، وهي أصلية كولاية الأب والجد على مال القاصر، ونيابية كالوصي والوكيل. وتثبت الولاية المتعدية على المحجور عليهم: الصغير، والمجنون، والمعتوه، والسفيه، ومن بهم غفلة، وتستمر ما دام الوصف قائماً. وعن السفيه: الشافعية والمالكية والحنابلة والصاحبان يجيزون الحجر عليه، وأبو حنيفة لا يجيزه. المحجور عليه، كالسفيه وذي الغفلة، وحكم ذي الغفلة حكم السفيه. من له الولاية على مال المحجور عليهم. عند الحنفية الترتيب: الأب، ثم وصيه، ثم وصي وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ثم وصي وصيه، ثم القاضي، ثم من نصبه القاضي؛ لأن الولاية مبنية على الشفقة، وشفقة الأب فوق شفقة كل أحد. وليس للأم ولا للأخ ولا للعم ولاية التصرف في مال الصغير، لقصور شفقة الأخ والعم، ولقصور الرأي عند النساء. وعند المالكية: الأب، ثم وصيه، ثم وصي الوصي، ثم الحاكم أو وصيه. وعند الشافعية: الأب، ثم الجد، ثم من يوصي إليه المتأخر منهما، ثم القاضي أو أمينه، ولا تلي الأم في الأصح، ومقابله تلي. وعند الحنابلة: الأب، ثم وصيه، ثم الحاكم، ثم أمين الحاكم عند عدمه، ولا ولاية للجد ولا للأم. ما يجوز للولي من التصرفات. لا يجوز له التصرف إلا على وجه النظر والاحتياط وما فيه حظ للمحجور، لقوله «لا ضرر ولا ضرار». فلا يملك الهبة بغير عوض، ولا الوصية، ولا الصدقة، ولا العتق، ولا المحاباة في المعاوضة، ويضمن ما تبرع به. وأما الهبة بعوض فعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يجوز، وعند محمد والحنابلة يجوز. وله الاتجار بمال المحجور، ودفعه مضاربة بجزء شائع من ربحه، وبيعه نسيئة للمصلحة، وإيداعه عند أمين، وشراء عقار له بمثل القيمة أو بأقل، وبيع عقاره وإجارته بثمن المثل أو بما فيه حظ له، وأن يوكل بذلك. إقراض مال المحجور. الحنفية والمالكية يمنعونه، لأن القرض إزالة للملك بلا عوض للحال، بخلاف القاضي الذي يُقرض لحفظ الدين؛ والشافعية يجيزونه عند الخوف من النهب أو الحريق أو الغرق لثقة مليء؛ والحنابلة يجيزونه لمصلحة كالسفر، ويستحب الرهن أو الكفيل. وللولي أن يطالب بحقوق المحجور ويقيم البينة ويحلف الخصم، ويصالح بالشيء الذي تقوم به بينة. شراء الولي مال المحجور لنفسه أو بيعه له. المالكية يجيزون للأب شراء مال ابنه الصغير لنفسه وبيع ماله له إن كان فيه نظر للولد؛ والشافعية للأب والجد فقط؛ والحنابلة وزفر يمنعون، إلا الأب؛ والحنفية للأب ذلك بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس بمثله، وأجازوا لوصي الأب أن يشتري لنفسه مال اليتيم إن كان فيه خير له عند أبي حنيفة وأبي يوسف دون محمد. أكل الولي من مال موليه. الحنفية يجيزون للوصي أجرة مثل عمله استحساناً إن كان محتاجاً، وبعضهم يمنع؛ والمالكية يمنعون الغني، ويجيزون الفقير كفايته بالمعروف، لقوله تعالى «ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف»؛ والشافعية: أقل الأمرين من الأجرة والنفقة للفقير المشغول بالولاية؛ والحنابلة: الأقل من أجرة المثل أو الكفاية، إلا الحاكم وأمينه. والجصاص يمنع الولي من الأكل مطلقاً. وهل يلزم رد بدل ما أكله الولي الفقير عند يساره؟ الجمهور لا يلزمه، لأنه عوض عن عمله؛ وأبو العالية وعبيدة السلماني والشافعية في مقابل الأظهر يلزمونه الضمان. الإنفاق على المحجور واجب بالمعروف، من غير إسراف ولا تقتير. تنمية الولي مال اليتيم. ثلاثة أقوال: الأول للجمهور: للولي أن يتجر فيه وينميه، لأنه أصلح له، ولا يتجر به لنفسه؛ ويقول مالك «لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى إذا كان الولي مأموناً»، وروي عن عمر «ابتغوا في أموال اليتامى». والثاني للشافعية في الأصح: يجب تنميته بقدر النفقة والزكاة إن أمكن. والثالث للجصاص وبعض الشافعية وابن تيمية: مندوب، لقوله تعالى «قل إصلاح لهم خير»؛ ويستحب عند ابن تيمية. الولاية على النفس، وهي سلطة على شؤون القاصر المتعلقة بشخصه، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل. وأسبابها ثلاثة: الصغر، والجنون (ويلحق به العته)، والأنوثة. الولاية على النفس عند الفقهاء: سلطة على شؤون القاصر ونحوه المتعلقة بشخصه، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل، وأسبابها: الصغر، والجنون (ويلحق به العته)، والأنوثة. ولاية التربية والتأديب. منشؤها مسؤولية الأبوين عن الأولاد في شؤونهم الدنيوية والأخروية، لقوله تعالى «قوا أنفسكم وأهليكم ناراً»، ولقوله «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقال النووي إن على الأب تعليم ولده ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا واجب على الأب وسائر الأولياء قبل البلوغ. وقال الغزالي إن الطفل أمانة عند والديه، وقلبه قابل لكل نقش. وفي الحديث «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وجمهور الفقهاء يثبتون ولاية التأديب للأب والأم والجد والوصي والقيم من قبل القاضي، بأمر الصغير بالطاعات ونهيه عن المحظورات، وتأديبه بالقول، ثم الوعيد، ثم التعنيف، ثم الضرب، ولا يرقى إلى الأشد ما يحصل الغرض بالأخف. ويشترط في الضرب أن يغلب على الظن تحصيل المصلحة، وألا يكون مبرّحاً، وأن يتوقى الوجه والمواضع المهلكة؛ والحنفية يقصرونه على اليد، وألا يجاوز الثلاث. ومن موجبات الولاية على الصغار مداواته ورعايته صحياً، وتعليمه ما يستعد له من العلوم والحرف، بأجرة من ماله، وإيجار نفسه إن كان مميزاً بالمعروف، عند جمهور الفقهاء. ولاية التزويج. للأب ولاية تزويج ابنه وابنته الصغيرين، باتفاق الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة؛ وفي غير الأب خلاف، فالحنفية يجيزون للجد والأخ تزويجهما مع الخيار عند البلوغ، والحنابلة يمنعون غير الأب. وللمجنون ولي يدبر شؤونه وينفق عليه ويداويه ويقيّده إن خيف منه الأذى. ويجوز تزويجه إذا اقتضت مصلحته، فإن كانت له إفاقة لم يزوج بغير إذنه. الأنوثة سبب للولاية على النفس، وتنحصر في أمرين: تزويج المرأة، وتأديب الزوجة عند النشوز؛ وتنقسم ولاية التزويج إلى الإجبار والاختيار. ولاية الإجبار علتها عند المالكية والشافعية والحنابلة في الراجح البكارة، فيجبر الولي البكر البالغة العاقلة؛ وعند الحنفية علتها الصغر، فلا يجبر البالغة العاقلة، وإلى ذلك ذهب ابن تيمية وابن القيم. ولاية المرأة في تزويج نفسها: الشافعية والمالكية والحنابلة يمنعونه ولا يصح النكاح إلا بولي؛ وأبو حنيفة لا يشترط الولي للحرة البالغة العاقلة؛ وروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وأبي يوسف أنه لا يجوز بغير إذن الولي، فإن فعلت كان موقوفاً على إجازته. عضل الولي، وهو منعه المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك ورغب فيها كفء، وموجبه انتقال الولاية إلى غيره. الولاية التأديبية للزوج: للزوج تأديب زوجته إذا استعصت ونشزت، لقوله تعالى «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن»، فيعظها بالرفق أولاً، ثم يهجرها في المضجع، ثم يضربها ضرباً غير مبرّح. ولاية ناظر الوقف ولاية خاصة تقتضي تنفيذ القول على الغير، وهي حق مقرر شرعاً على كل عين موقوفة، تُحفظ وتُعمر وتُؤجر وتُصرف غلتها إلى جهتها بحسب شرط الواقف، ولا يولى إلا الأمين القادر. وهي أصلية للواقف أو الموقوف عليه أو القاضي، أو فرعية بشرط أو تفويض أو توكيل أو إيصاء. ولاية الله تعالى. قال ابن القيم إنها نوعان: عامة، وهي ولاية كل مؤمن تقي، لقوله تعالى «والله ولي المؤمنين» و«الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور»؛ وخاصة، وهي القيام لله بجميع حقوقه، وإيثاره على كل ما سواه. وقال ابن تيمية إن الظالم لنفسه من أهل الإيمان معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه. وقال الشوكاني إن المراد بأولياء الله خلّص المؤمنين، لأنهم قربوا من الله بطاعته، وقال الغنيمي إن الولي بمعنى المفعول من تولاه الله برعايته، وبمعنى الفاعل من تولى عبادته وطاعته. ولا تعني سلامتهم من الهفوات العصمة، إذ لا عصمة إلا لنبي، بل إن الله يحفظه من التمادي في الزلل. الفرق بين الولي والنبي. الأنبياء معصومون وجوباً، والأولياء ليسوا كذلك، فقد يقترفون الذنوب، ولكن الولي محفوظ من الإصرار؛ والأنبياء يجب الإيمان بجميع ما يخبرون به وطاعتهم فيما يأمرون، والأولياء يُعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة؛ والأنبياء يتلقون الوحي، والولي يتبع النبي، ولو ادعى النبوة كان عدواً لله؛ والنبوة ختمت بنبينا، والولاية باقية إلى قيام الساعة؛ ومن سب نبياً كفر، ومن سب ولياً لم يكفر إلا إن خالف أصلاً من أصول الإيمان. وأجمع أهل السنة على تفضيل الأنبياء على الأولياء، وقال ابن تيمية إن أفضل أولياء الله أنبياؤه، وأفضل الرسل أولو العزم، وأفضلهم نبينا. معيار التفرقة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ليس الخوارق، فقد تقع على أيدي الأعداء، وإنما الصفات والأفعال والأحوال التي دل عليها الكتاب والسنة؛ ومن كان متبعاً لهما فكراماته رحمانية، ومن لم يتمسك بهما فأحواله شيطانية. وضابط ابن القيم في ذلك ما يتلبس به العبد من قول وفعل وحال، ويُكشف عن ذلك في الصلاة ومحبة السنة وأهلها والدعوة إلى الله ورسوله. الكرامة في الاصطلاح، كما قال ابن عابدين، ظهور أمر خارق للعادة على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبي، مقترن بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، غير مقترن بدعوى النبوة. وأهل السنة أثبتوا جوازها ووقوعها، وأنكرها المعتزلة. الفرق بين الكرامة والمعجزة. المعجزة تقترن بالتحدي، وتجب إظهارها لحاجة الناس إلى معرفة صدق النبي، والكرامة لا تقترن بالتحدي ويستحب سترها؛ ودلالة المعجزة قطعية، ودلالة الكرامة ظنية، ولا يعلم أحد أن صاحبها ولي؛ وتدل المعجزة على عصمة صاحبها ووجوب اتباعه، والكرامة لا تدل على ذلك؛ وقال بعض الفقهاء إن الكرامة لا تبلغ مبلغ المعجزة في جنسها وعظمها، وقال آخرون: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، لكن المعجزة تقترن بدعوى النبوة. الخوارق قبل البعثة تُسمى إرهاصاً، وليست معجزات. وكرامة الولي معجزة للنبي من جهة أن الولي من أمته، فلا يكون ولياً إلا إذا كان محقاً في التصديق بالرسول وطاعته. وما يظهر على يد ظاهر الفسق مطابقاً لدعواه يسمى استدراجاً، وعلى يد مدعي النبوة من أهل الضلال يسمى إهانة. وقد ذكر ابن تيمية أن الدجال يأتي بخوارق، فلا تثبت بها ولاية أو إسلام، ولا بد من الوقوف عند الأمر والنهي.وِلاية العهد
ولاية العهد في الاصطلاح: عهد الإمام في حياته بالخلافة إلى واحد ليكون إماماً للمسلمين بعده، وهي من طرق انعقاد الإمامة، وصورتها أن يستخلف الإمام شخصاً عيّنه في حياته، ويُعبّر عنها بقوله «عهدت إليه»، كما عهد أبو بكر إلى عمر. شروط صحتها أن يكون الإمام جامعاً لشروط الإمامة، وأن يقبل المستخلف في حياة الإمام، وأن يتراخى القبول عن الاستخلاف، وأن يتحرى الإمام الأصلح. ويجوز أن تكون الخلافة لأكثر من واحد بالترتيب، فإن مات الأول في حياة الإمام فالخلافة للثاني، وإن مات الإمام والثلاثة أحياء فلمن انتصب منهم أن يعهد بها إلى غير الأخيرين، ولا يملك أهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني إذا لم يعهد الإمام إلى أحد. ولا يشترط موافقة أهل الحل والعقد. وجعل الإمام الأمر شورى بين جمع كما فعل عمر بين ستة من الصحابة فكالاستخلاف، ولا يعيّن أهل الشورى ولياً قبل موت الإمام إلا بإذنه. والإمام يجوز له أن يوصي بالخلافة لمن رآه صالحاً، وإن استعفى المستخلف أو الموصى له بعد القبول لم ينعزل حتى يُعفى ويوجد غيره، ويصح استخلاف الغائب إذا عُلمت حياته. وللإمام تبديل ولي العهد لأن الخلافة انتهت إليه، وليس لولي العهد نقلها إلى غيره، ولا عزل نفسه إلا بالتراضي مع الإمام.ولاية مال اليتيم
يبيّن الشعراوي أن مال اليتيم والسفيه يُدار بالحكمة والقوامة، فلا يُعطى السفيه ماله، ويُختبر اليتيم في رشده قبل تسليم المال، ويُشهد عند التسليم، ويأكل الولي الفقير بالمعروف، ويحذّر من إسراف الولي في مال اليتيم.وَرِك
الوِرك في اللغة مفصل الفخذ بالساق، وللإنسان وركان فوق الفخذين، ولا يخرج الاصطلاح عن اللغة. والتورّك في الجلوس للتشهد مستحب في الجملة، فالمالكية يرونه في كل جلوس في الصلاة، والشافعية والحنابلة في التشهد الأخير، والحنابلة لا يرونه في صلاة ليس فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة، والحنفية يجعلون الافتراش للرجل والتورّك للمرأة. وقد اختلف الحنابلة في التورّك في تشهد سجود السهو، وقال القاضي بالتورّك فيه مطلقاً. وفي القصاص اتفق الفقهاء في الجملة على وجوب القصاص في قطع الرجل من أصل الورك، لإمكان المماثلة، إذا توفرت شروط القصاص في الأطراف. وفي دية الرِّجل إذا قطعت من الورك خلاف: فجمهور المالكية والحنابلة وأبو يوسف يرون أن الدية خمسون من الإبل كما في حديث عمرو بن حزم، بينما يرى أبو حنيفة ومحمد والشافعية والقاضي من الحنابلة أن يوجب مع دية القدم حكومة عدل فيما فوق الكعبين. وإذا قُطعت الرجل من الكعبين ثم قُطعت من الركبة أو الورك وجبت حكومة في المقطوع ثانياً باتفاق.وِصاية
الوصاية في اللغة الأمر بالتصرف بعد الموت، ويقال أوصى له بشيء وأوصى إليه جعله وصيّه. والوصاية في الاصطلاح هي الأمر بالتصرف بعد الموت، وتفارق الوصيةَ، وهي تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع، ويفارق الوكالةَ أنها بعد الموت والوكالة في الحياة، والولاية أعمّ منها. وحكمها للموصي: تجب إذا كانت لرد المظالم والديون المجهولة، أو للأولاد الصغار إذا خِيف ضياعهم، وتستحب لقضاء دين معلوم وإنفاذ الوصايا والنظر في أمر الصغار الذين لا يُخشى عليهم الضياع. وللموصى إليه القبول إذا قدر ووثق من نفسه. والأوصياء نوعان: وصي القاضي يعينه القاضي للإشراف على شؤون القاصر المالية، ووصي الميت يختاره الأب أو الجد أو من له حق الولاية من قبلهما. ونص الحنفية على فروق بين النوعين، منها أن وصي الميت يجوز له البيع من نفسه إذا فيه نفع ظاهر عند أبي حنيفة، ووصي القاضي لا يملك ذلك، وأن القاضي يملك عزل وصي القاضي دون وصي الميت العدل الكافي. وذكر الحنفية مواضع ينصب فيها القاضي وصياً، منها ما إذا كان على الميت دين أو له، أو لتنفيذ وصيته، أو إذا كان له ولد صغير، أو إذا كان في الورثة صغير أو غائب. إذا عجز الوصي عن القيام بمهامه ضم القاضي إليه غيره عند الحنفية والحنابلة والشافعية إذا كان وصي الأب أو الجد، وإن ظهرت منه خيانة أو فسق عُزل عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأقيم مكانه غيره. والوصي إما متطوع وهي أمانة محضة، وإما مستجعَل: فإن كان بعقد فهي إجارة لازمة يُستأجر عليه من ماله عند العجز، وإن كان بغير عقد فهي جعالة، معينة أو غير معينة، وتفصّل أجرتها بقدر العمل. أركان الوصاية أربعة: الوصي، والموصي، والموصى به، والصيغة. أما الوصي فيشترط فيه العقل والإسلام إن كان الموصى عليه مسلماً والقدرة على التصرف، ومختلف في الوصاية إلى الصبي والمرأة والأعمى والفاسق والعبد والكافر. فلا تصح الوصاية إلى غير المميز بالاتفاق، وإلى المميز عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على الصحيح، وعند القاضي من الحنابلة تصح إذا جاوز العشر. وذهب أكثر أهل العلم إلى صحتها للمرأة، ونُقل أن عمر أوصى إلى حفصة، وصحّ عند عامتهم للأعمى، وخالف الشافعية في مقابل الأصح. وفي اشتراط العدالة في الوصي قولان: الحنفية والمالكية وأحمد في رواية لا يشترطونها، والشافعية وأحمد في رواية يشترطونها. وفي الوصاية إلى العبد قولان: الشافعية وأبو يوسف ومحمد لا تصح، والمالكية والحنابلة تصح، وأبو حنيفة يجيزها لعبد الموصي إذا لم يكن في الورثة رشيد. واتفق الفقهاء على منع الوصاية للكافر على المسلم، واختلفوا في الكافر على الكافر على ثلاثة أقوال. واختلفوا في وقت اعتبار شروط الوصي على أربعة أقوال: عند موت الموصي، أو عند الإيصاء، أو عندهما معاً، أو فيهما وفيما بينهما. وتصح الوصاية إلى اثنين فأكثر، ولكل منهما ما خُصّ به؛ وإذا أطلق الموصي الوصاية لهما ولم يحدد فالجمهور على أن لا ينفرد أحدهما بالتصرف، واستثنى الحنفية أمورا منها تجهيز الميت وطعام الصغار وكسوتهم، وقبول الهبات، وبيع ما يخشى تلفه، وجمع الأموال الضائعة. وإذا مات أحد الوصيين أو فسق أو جنّ أقام القاضي مكانه آخر عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ورأى المالكية أن يقضي القاضي بالأصلح من استقلال الباقي أو ضم غيره. واختلف الفقهاء في اقتسام المال بين الوصيين عند اختلافهما في حفظه: فالمالكية والحنابلة يمنعونه لأن الموصي لم يأمن أحدهما على الحفظ، والحنفية يجيزون القسمة إن قبلها المال، وإلا تهايآ أو أودعاه عند أمين، والشافعية أن أمين الحفظ لا ينفرد أحدهما بحال. ويرتب الفقهاء الوصي في الولاية على القاصر: عند الحنفية الأب ثم وصيه ثم وصي وصيه، ثم أبو الأب، ثم القاضي، وعند المالكية والحنابلة الأب ثم وصيه ثم القاضي، ويرى المالكية للأم شروطا لتوصي، والشافعية لا يجوزون للأب نصب وصي إذا كان الجد حاضراً. الركن الثاني الموصي، ويشترط فيه التكليف وهو العقل والبلوغ، فلا تصح من مجنون ولا من غير مميز، وفي المميز خلاف. ويشترط في الموصي الحرية عند الجمهور، وخالف الحنابلة في غير المال، والرشد عند المالكية والحنابلة دون الحنفية والشافعية، والعدالة عند الشافعية دون الحنفية والحنابلة، والولاية على من يوصى عليه، والإسلام في الوصاية على الأولاد المسلمين. الركن الثالث الموصى به: ويشترط أن يكون تصرفاً معلوماً يملك الموصي فعله، مثل قضاء الدين والنظر في أمر الصغير. الركن الرابع الصيغة: ولا بد من الإيجاب والقبول، ويصح الإيجاب بكل لفظ يدل على تفويض الأمر، وجمهور الفقهاء يصححون التعبير بلفظي الوكالة والولاية، والأخرس تكفي إشارته المفهِمة. ويصح قبول الوصاية وردها في حياة الموصي عند جمهور الفقهاء بتفصيل، وعند الشافعية في الأصح لا يصح قبولها أو ردها إلا بعد الوفاة. والتعليق والتأقيت في صيغة الوصاية جائزان بالاتفاق. ومن واجبات الوصي حفظ أموال اليتامى وتثميرها والنفقة عليهم بالمعروف وإخراج ما تعلق بها من حقوق. واجبات الوصي: إن كانت الوصاية مطلقة لزمه القيام بما وُصّي به من حفظ مال الصغير وتثميره والنفقة عليه بالمعروف وإخراج ما تعلق بماله من حقوق لله وللناس، وولايته بقدر ولاية الموصي. عدّ الحنفية من واجباته تجهيز الميت وشراء كفنه، وقضاء حاجة الصغار، ورد الوديعة وقضاء الدين، ورد المغصوب، وبيع ما يخشى تلفه، وتنفيذ الوصية المعينة، والخصومة في حق الميت. وقال المالكية: للوصي اقتضاء الدين وتأخيره بحسب المصلحة، والنفقة على الصغير بالمعروف، وإخراج زكاة الفطر، ودفع المال قراضاً أو بضاعة وله عدم دفعه. وعدّ الشافعية أربعة واجبات: حفظ الأصول، وتثمير الفروع، والإنفاق بالمعروف، وإخراج ما تعلق بالمال من حقوق، وفصّلوا في الضمان عند التفريط أو الإهمال بالعمارة. والتجارة بمال الصغير مندوبة بأربعة شروط: أن يكون المال ناضّاً، والزمان آمناً، والسلطان عادلاً، والتجارة مربحة؛ والاستغلال بالإجارة، والنفقة بالمعروف لا سرف فيها ولا تقصير. وحقوق الله المتعلقة بالمال زكاة الفطر والأعشار (واجبة إجماعاً)، وزكاة الأموال أسقطها أبو حنيفة إلا عن بالغ عاقل. وحقوق الآدميين: الدين يقضيه الولي إذا ثبت وطالب الدائن، والجناية على المال تُغرم من المال، والجناية على النفس الخطأ على العاقلة، والعمد فيه قولان. وذكر الحنابلة من واجبات الوصي قضاء الديون وتفريق الوصية والنظر في أمر غير المكلف، ورد الودائع والمغصوب، وحد القذف. وزكاة الفطر واجبة في مال الصغير عند المالكية والشافعية والحنابلة وأبي حنيفة وأبي يوسف، وخالف محمد وزفر فلم يجيزا للوصي إخراجها. وأما تضحية الوصي عن الصغير فأوجبها أبو حنيفة وأبو يوسف على الموسر، وسنّها المالكية، وجازها الحنابلة من مال الصغير الكثير، ومنعها الشافعية ومحمد وزفر من مال الصغير. تصرفات الوصي: لا يباع العقار إلا لحاجة أو مصلحة ظاهرة، والمنقول يباع ويشترى من أجنبي بمثل القيمة أو بغبن يسير، والبيع والشراء من النفس ممنوع عند الجمهور؛ وعند الحنفية يجوز وصي الأب ذلك عند أبي حنيفة ولا يجوز وصي القاضي. والاتجار بمال الموصى عليه ثلاثة طرق: أن يتجر الوصي لنفسه، أو يتجر في مال اليتيم لليتيم، أو يدفعه مضاربة. فالحنفية والمالكية يمنعون الاتجار لنفسه، والحنفية يوجبون ضمان رأس المال والتصدق بالربح عند أبي حنيفة ومحمد. واتجار الوصي في مال اليتيم لليتيم جائز عند الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب، وممنوع عند المالكية في قول والحنابلة في وجه. والمضاربة بمال اليتيم مشروعة؛ والجمهور على استحبابها، والشافعية على وجوبها. وتأجير الصبي الموصى عليه للغير جائز باتفاق المذاهب، وإجارة الصبي نفسه للوصي فيها تفصيل بعد البلوغ، وتأجير أرض الصبي إجارة طويلة لا يصح عند الحنفية. وإذا بلغ الصبي رشيداً أثناء الإجارة اختلف الفقهاء في فسخها: فالحنفية ليس للصبي فسخ الإجارة على ماله، والمالكية والشافعية والحنابلة بتفصيل بحسب علم الوصي بالبلوغ. ولا يجوز للوصي التبرع بمال الصغير هبة أو صدقة أو وصية عند الفقهاء الأربعة، لأن ذلك ضرر محض. وفي هبة الوصي مال الصغير بعوض ثلاثة أقوال: عند أبي حنيفة وأبي يوسف والمالكية والشافعية لا يجوز، وعند محمد يجوز، وعند الحنابلة يجوز إن كان العوض بقدر القيمة فأكثر. وطلب الوصي الشفعة للصغير إن كان فيه حظ: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يجيزونه، وعند الشافعية والحنابلة ومحمد وزفر يجب. وإذا كان الترك في مصلحة الصغير جاز تركها عند الجميع. وإذا استوت المصلحة في الأخذ والترك فللشافعية ثلاثة أوجه: التحريم، والوجوب، والتخيير. وإقراض الوصي مال الصغير لنفسه ممنوع عند الحنفية والمالكية والحنابلة للتهمة، وأجازه محمد وقول للمالكية إذا كان فيه وفاء. وإقراضه للغير لا يجوز عند الحنفية والشافعية والحنابلة إلا لضرورة أو حاجة أو مصلحة، ورأى المالكية وإحدى روايتي أحمد منع تسليف المال على وجه المعروف. ويجيز الحنفية استقراض الوصي مالاً للصغير إذا دعت الحاجة إليه. ورهن الوصي مال الصغير بدين عليه يجوز بمصلحة عند ثقة عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويجيزه الحنفية في دين التجارة؛ ورهنه بدين للوصي على الصغير ممنوع عند الحنفية والمالكية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة. وإذا اختلف الوصي والصغير في قدر النفقة فالقول قول الوصي بيمينه في نفقة المثل عند الفقهاء الأربعة، ونص الحنفية على اثنتي عشرة مسألة يُقبل فيها قول الوصي بلا بينة. وإذا اختلفا في مدة النفقة أو في تاريخ موت الموصي فالقول قول الصغير عند المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد، وقال أبو يوسف القول قول الوصي. وإذا اختلفا في دفع المال للصغير بعد بلوغه فللفقهاء ثلاثة أقوال: القول قول الصغير عند المالكية في المشهور والشافعية، وقول الوصي بيمينه عند الحنفية، والحنابلة يفرّقون بين المتبرع فيقبل قوله وبين المستأجر فلا يقبل. وأجرة الوصي: إن فرضها الأب أو القاضي أخذها الغني والفقير، ولا يأخذ الغني شيئاً إن لم تُفرض، وأما الفقير إن لم تُفرض فللحنفية في الاستحسان والمالكية والشافعية والحنابلة أن يأخذ بضوابط، والقياس عند الحنفية المنع. وإيصاء الوصي إذا لم يُعيّن له من يوصيه: يجيزه الحنفية والمالكية وأحمد في رواية، ويمنعه الشافعية والحنابلة في المذهب. وإقرار الوصي بدين على الميت لا يجوز عند الحنفية والحنابلة إلا أن يكون المقِرّ وارثاً فيصح في حصته. وشهادة الوصيين لوارث صغير بمال باطلة عند الحنفية، لأنهما يثبتان ولاية لأنفسهما؛ وشهادتهما لوارث كبير في مال الميت لا تقبل، وفي غيره تقبل. شهادة الوصي لمن في حجره لا تقبل عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح لأنه متهم، وللشافعية أن يشهد لغيره فيما وُصّي فيه إلى معيّن. وشهادة الوصي على من في حجره تقبل عند المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح، ولا تقبل عند الحنفية وأحمد في رواية. وفي توكيل الوصي غيره: يجيزه الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة في طريقة، فيوكل بكل ما يجوز له فعله؛ ويمنعه المالكية والشافعية على المعتمد والحنابلة في المذهب فيما جرت العادة بمباشرته لمثله. وإقرار الوصي على الصغير أو المجنون لا يصح عند الفقهاء الأربعة، لأنه إقرار على الغير، ويكون شاهداً لمن أقر له. وإيداع مال الموصى عليه: يجيزه الحنفية والمالكية والحنابلة إذا كان في مصلحته؛ والشافعية لا يودعون ولا يقرضون إلا عند الخوف من نهب أو حريق أو غرق أو السفر، ويودعون عند ثقة، ويقرضون ثقة مليئاً، والقرض عندهم أولى. وإعارة مال الصغير: يمنعها جمهور الفقهاء لأنها تبرع، ويجيزها بعض الحنفية استحساناً لأنها من توابع التجارة. وخلط الوصي ماله بمال اليتيم: يجيزه الحنفية إذا كان أنفع للصغير، والمالكية رفقاً به، والحنابلة إذا كان أرفق، والشافعية لا يجيزونه إلا في المأكول مما لا بد منه للإرفاق. وقسمة الوصي نيابة عن الورثة أو الموصى له: يجيز الحنفية قسمته نيابة عن الورثة مع الموصى له بالثلث، ولا يجوز عندهم عكسه؛ والمالكية لا يقسم على غائب بلا حاكم؛ والشافعية لا يستقل بقسمة مشترك بينه وبين الموصى عليه؛ والحنابلة يجيزون له قسم مال الموصى عليه مع شريكه. وضمان الوصي: تصرفه المحقق للمصلحة صحيح، وغير المحقق يُضمّن؛ ويده يد أمانة لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط. وعزل الوصي وانعزاله: للوصي عزل نفسه في حياة الموصي، وينعزل بفقد شرط من شروط الوصاية.وِزارة
الوزارة في اللغة من الوِزر أو الأَزْر أو الوَزَر، وهي نوع من الولاية، فالوزير عون على الأمور وظهير في السياسة وملجأ عند النوازل. وقد ورد في القرآن سؤال موسى ربه أن يجعل له وزيراً من أهله هارون، فأجابه، وفي السنة قوله: وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، وحديث عائشة في أن الله إذا أراد بالأمير خيراً جعل له وزير صدق. وعدّ الماوردي جواز الوزارة في النبوة دليلاً على جوازها في الإمامة من باب أولى، لأن الإمام لا يقدر على تدبير شؤون الأمة وحده. والوزارة قسمان: وزارة التفويض، وهي أصل الولايات بعد الخلافة، إذ ينظر وزيرها في كل ما ينظر فيه الخليفة، ووزارة التنفيذ، وهي أضعف حكماً، يؤدي فيها الوزير عن الإمام ما أمر به ويبلغ عنه. ويشترط في وزير التفويض الإسلام، فالطاعة مطلوبة لأولي الأمر منكم، والذكورة لقوله تعالى في القوامة، والعقل والرشد بكمال النضج والخبرة، ويرى بعض الفقهاء أن الرشد يبلغ بالأربعين، والعدالة، والأمانة في الأموال، والاجتهاد في الدين وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، والكفاية في إدارة الأمور، وسلامة الحواس، والشجاعة، وألا يشتغل بالتجارة حتى يتفرغ لعمله. وينعقد تقليد الوزارة بلفظ صريح يسند إليه عموم النظر ويطلب منه النيابة، فلا يكفي الإذن المجرد ولا اللفظ المحتمل، ويصح بعض الألفاظ المعيّنة وتتفاوت الآراء فيها. ويستقل وزير التفويض بالولايات العامة كتعيين القضاة والولاة وتجنيد الجند وصرف الأموال وبعث الجيوش، وكل ما صح للإمام يصح له إلا ولاية العهد، والاستعفاء من الإمامة، وعزل من قلّده الإمام. ولا يجوز تقليد وزيري تفويض معاً على الاجتماع؛ فإن أُشرك بينهما في النظر اتفقا على ما اتفقا عليه، وإن أُفرد كل منهما بعمل خاص فهو وال على عمل محدود لا وزير تفويض. ويراجع وزير التفويض الإمام في مجامع الخطوب ويطلعه على ما أمضاه من التدبير، ويستعين بوزراء التنفيذ والأمراء والكتّاب والسعاة، ويختار المعاونين بالصفات الشرعية، ويتفقد أعمالهم. وشروط وزير التنفيذ أخف: الثقة والأمانة وصدق اللهجة وقلة الطمع والسلامة من العداوة والذكاء والذكر والخبرة وعدم اتباع الهوى، ولا يشترط الاجتهاد ولا العلم بالأحكام لأنه لا يحكم، وفي الذكورة والإسلام خلاف: فأجاز الماوردي وأبو يعلى أن يكون ذمياً في التنفيذ دون التفويض، ومنع الجويني ذلك، وأنكر عمر على أبي موسى اتخاذه كاتباً نصرانياً. وتعيين الوزير عقد جائز يجوز لكل من الطرفين فسخه، فللإمام عزل الوزيرين لمصلحة الأمة، ولوزير التفويض عزل وزير التنفيذ الذي عيّنه، ولكل منهما أن يعزل نفسه مراعاة للمصلحة؛ وينعزل الوزير بخيانة ظهرت أو تقصير أو عجز، وقد يُنقل إلى عمل أسهل أو يُرقى.وُضوء
الوضوء في اللغة من الوَضاءة، أي الحسن والنظافة. والوُضوء بالضم الفعل، وبالفتح الماء الذي يُتوضأ به، وقيل هما لغتان أو مصدران. وعرّفه الفقهاء: الحنفية بأنه الغسل والمسح على أعضاء مخصوصة؛ والمالكية بأنه طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص؛ والشافعية بأنه أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية؛ والحنابلة بأنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة في الشرع، مرتبة متوالية. والغُسل استعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص، والوضوء والغسل كلاهما يرفع الحدث، فيرفع الوضوء الحدث الأصغر والغسل الأكبر. والطهارة أعم من الوضوء، وهي ارتفاع الحدث وزوال النجس. والتيمم في اللغة التوخي والقصد، وفي الاصطلاح مسح الوجه واليدين بصعيد طاهر على وجه مخصوص، ويكون من الحدث الأصغر أو الأكبر. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوضوء من الشرائع القديمة، وأن الذي خُصّت به هذه الأمة هو الكيفية المخصوصة أو أثر الوضوء، وهو الغرّة والتحجيل، واستدلوا بأحاديث وضوء الأنبياء وسارة وجريج. وذهب المالكية في قول، والشافعية في مقابل الأصح، وبعض الحنفية، إلى أن الوضوء نفسه من خصائص هذه الأمة. وقد فُرض الوضوء بمكة مع الصلاة، والمعيّة هنا للمكان لا للزمان، وكان النبي لا يصلي إلا بوضوء. ومشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع، ومن الكتاب آية المائدة، وقد عدّها بعض الفقهاء دليل الفرضية، وذهب الجمهور إلى أن المقصود إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدِثون. ومن السنة قوله: لا تُقبل صلاة بغير طهور. وأجمع أهل السير أن الوضوء فُرض بمكة بتعليم جبريل ، وأجمعت الأمة على مشروعيته ووجوبه. ونص الفقهاء على أن من أنكر وجوب الوضوء للصلاة يكفر؛ وقال الحنفية إن إنكار وجوبه لغير الصلاة، كمس المصحف، لا يُكفِّر لوقوع الخلاف في تفسير آيته. أما من ترك الوضوء عمداً ثم صلى محدثاً: فعند الحنفية يكفر من استخف بالدين كالصلاة بلا وضوء عمداً؛ وعند المالكية يُقتل بترك الطهارة كالصلاة؛ وعند الشافعية يُستتاب، فإن لم يتب قُتل حداً لا كفراً؛ وعند الحنابلة من ترك شرطاً مجمعاً عليه كالطهارة فحكمه حكم تاركها، ومن ترك الصلاة جاحداً أو غير جاحد دُعي إليها ثلاثة أيام فإن لم يصلِّ قُتل. الحكم التكليفي للوضوء يختلف باختلاف ما يُتوضأ له. أولاً: ما يكون الوضوء له فرضاً. الصلاة: اتفق الفقهاء على أنه فرض على المحدث إذا أراد القيام لصلاة فرض أو نفل. والحنفية يوجبونه لصلاة الجنازة لأنها صلاة، ويشترط لها ما يشترط لبقية الصلوات، وجمهور الفقهاء يوجبونه لسجدة التلاوة. والطواف: الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يوجبونه للطواف فرضه ونفله، والحنفية يرونه واجباً، ويترتب على ذلك أن من طاف الفرض محدثاً لزمه دم، ومن طاف جنباً لزمته بدنة. ومس المصحف: الجمهور على أنه فرض لمسه، والدليل آية الواقعة. ثانياً: ما يكون الوضوء له سنة. قال الحنفية والحنابلة والشافعية غير البغوي إن الوضوء للنوم سنة، واستدلوا بحديث الاضطجاع على الشق الأيمن بعد الوضوء، المروي في الصحيحين. وقال المالكية إنه مستحب، وفي قول لهم أن وضوء الجنب للنوم سنة، وفي قول واجب. ثالثاً: ما يكون الوضوء له مندوباً. ضابطه كل وضوء ليس شرطاً في صحة ما يُفعل به بل من كماله. ومن ذلك: قراءة القرآن وقراءة الحديث وروايته، وذكر الله، والأذان، والإقامة على خلاف بين الفقهاء، والخطبة، ودراسة العلم الشرعي، والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة، وزيارة النبي ودخول مسجده. وفي تجديد الوضوء اختلف الفقهاء. ويستحب للجنب الوضوء عند إرادة الأكل والشرب ومعاودة الوطء والنوم عند جمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، والمالكية يرون أن الوضوء للأكل والشرب والجماع ليس على الجنب، وإنما يُستحب غسل اليدين والفرج. ويندب عند الحنفية المحافظة على الوضوء بتجديده كلما أحدث، والوضوء للخروج من خلاف العلماء. رابعاً: ما يباح له الوضوء. عند المالكية الوضوء للتنظيف والتبرد؛ وذكر القاضي عياض أن الوضوء المباح للدخول على الأمراء وركوب البحر ونحوه من المخاوف، وأنه قد يكون مستحباً، واستظهر الحطاب الاستحباب فيها ما عدا التنظيف والتبرد. وهذا الوضوء لا يرفع الحدث ما لم يُنوَ. خامساً: الوضوء الممنوع، وعند المالكية هو المجدَّد قبل أن تُفعل به عبادة، أو الوضوء لغير ما شُرع له. وفضيلة الوضوء: وردت أحاديث في سقوط الخطايا به، منها أن الطهور شطر الإيمان، وما رُوي عن عثمان في وضوء النبي وأن من توضأ هكذا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وحديث عمر في أبواب الجنة الثمانية، وحديث أبي هريرة في الغُرّ المحجّلين. شروط الوضوء: منها شروط الوجوب، ومنها شروط الصحة، ومنها ما هو للوجوب والصحة معاً؛ وأول شروط الوجوب العقل، إذ لا خطاب على غير العاقل. الواجب في غسل الأعضاء في الوضوء: يكفي عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) جريان الماء على العضو دون دَلك، وانفرد المالكية والمزني بشرط الدلك. وعند الحنفية يكون الغسل بإسالة الماء مع التقاطر ولو قطرة، وعن أبي يوسف يكفي مجرد بلّ المحل. وعند الشافعية المراد بالغسل الانغسال، سواء بفعل المتوضئ أو بفعل غيره أو بلا فعل كنزول المطر. الوجه: ما تحصل به المواجهة، فيُغسل ظاهره كله. وحدّه عرضاً ما بين الأذنين، وطولاً من منابت الشعر في الرأس إلى أسفل الذقن. وعند المالكية والحنابلة يكون الطول في من لا لحية له إلى منابت الشعر، وفي من له لحية إلى منتهى اللحية. والشعر المسترسل خارج دائرة الوجه: عند الحنفية لا يجب غسله، والشافعية يوجبونه إن كان خفيفاً ظاهراً وباطناً، وإن كان كثيفاً فظاهره فقط، وفي قول لهم لا يجب. غسل الشعر النابت على الوجه: عند الحنفية لا يجب غسل أصول الشعر الكثيف للحرج، ويجب غسل الخفيف ظاهراً وباطناً إلى البشرة. وعند المالكية يجب تخليل الخفيف وإيصال الماء إلى البشرة، ولا يُخلَّل الكثيف بل يكفي إمرار الماء على ظاهره. وعند الشافعية تُغسل شعور الهدب والحاجب والشارب والعذار والعنفقة ظاهراً وباطناً، وقد تُغسل لحية المرأة والخنثى كذلك؛ وفي لحية الرجل يُغسل الخفيف ظاهراً وباطناً، ويُغسل الكثيف ظاهره فقط، والمعتمد عندهم أنه إن تميّز الخفيف عن الكثيف فلكل حكمه، وإن اختلطا غُسل الكل. وعند الحنابلة يجب غسل اللحية وما خرج عن حد الوجه من الشعر المسترسل، ويجب غسل الكثيف من الشعور في الوجه كالعنفقة والشارب والحاجب ولحية المرأة والخنثى، ويُسنّ تخليل اللحية. غسل ماق العين وداخلها: يُغسل مع الوجه ماق العين، فإن كان عليها رمص وجبت إزالته. أما داخل العين فالجمهور على أنه لا يُغسل مع الوجه في الوضوء، لأن النبي لم يفعله ولا أمر به، ولأنه يضره الماء الحار والبارد؛ وروي عن أحمد وجوب غسله بشرط أمن الضرر. وإن تنجس داخل العين أوجب المالكية والشافعية وأحمد في قول غسله، وعند الحنفية والحنابلة في المذهب يُعفى عنه في الصلاة. غسل موضع الغمم، وهو ما نزل من الشعر عن المعتاد من حد منبته في الرأس إلى حد ينتهي إلى المعتاد وقدر ما يتم به الواجب، فيُغسل مع الوجه. وموضع التحذيف، وهو ما نبت عليه الشعر الخفيف بين العذار والنزعة، فيه خلاف: عند جمهور الشافعية والمالكية في رأي والحنابلة في الصحيح أنه من الرأس فلا يُغسل مع الوجه؛ وعند الحنفية والمالكية في رأي والحنابلة في قول والشافعية في قول، وهو الأصح عند الغزالي والرافعي، أنه من الوجه فيُغسل. البياض بين العذار والأذن: عند الشافعية والحنابلة وظاهر المذهب عند الحنفية وبه يُفتى أنه من الوجه، وعن أبي يوسف رواية أنه ليس منه؛ وعند المالكية يُغسل البياض المحاذي لوتد الأذن. الشفتان: يجب غسل ما يظهر من حمرتهما عند انضمامهما الطبيعي، وقيل عند الحنفية في وجه إن الشفة تبع للفم. وغسل جزء من الرأس عند غسل الوجه واجب عند الفقهاء، وزاد الشافعية غسل جزء من الحلق وما تحت الحنك والأذنين، لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب. العذار يُغسل مع الوجه، ويُغسل ما ظهر من الأنف بالجدع عند الشافعية، والوترة (الحاجز بين المنخرين) عند المالكية. وعند جمهور الفقهاء داخل الفم والأنف ليسا من الوجه، فلا يجب غسلهما فيه؛ وعند الحنابلة الفم والأنف من الوجه، فتجب المضمضة والاستنشاق في الطهارتين، واستندوا إلى حديث عائشة في أنهما من الوضوء الذي لابد منه، وقد أعلّه الدارقطني بالإرسال عند بعض الرواة. الصدغ وموضع الصلع والنزعتين: جمهور الفقهاء على أنها من الرأس لا من الوجه؛ وعند الحنابلة في قول أن الصدغ من الوجه؛ وقال الشربيني يُسنّ غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه للخلاف. والمالكية يغسلون أسارير الجبهة وما غار من جفن ونحوه إن أمكن إيصال الماء إليه بدلك، فإن لم يمكن سقط. الأذنان: خالف الزهري الجمهور فجعلهما من الوجه يُغسلان معه، واستدل بحديث في سجود الوجه، والجمهور أجابوا بأن الأذنين من الرأس، واستشهدوا بمسح النبي أذنيه مع رأسه، وأن إضافتهما إلى الوجه لمجاورتهما له، والشيء يُسمى باسم ما جاوره. من غسل ظاهر شعر اللحية ثم زال الشعر أو انقلعت جلدة من وجهه بعد غسلها: فعند الحنفية والمالكية في الراجح والحنابلة والشافعية في أحد الوجهين لا يلزمه غسل ما ظهر ولا إعادة وضوئه، لأن الفرض انتقل إلى الشعر، وعند الشافعية في الأصح والمالكية في قول وابن جرير يجب غسل البشرة إذا ظهرت، قياساً على ظهور قدم الماسح على الخف. الفرض الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين، وهو ركن من أركان الوضوء وفرض باتفاق، بالكتاب، وبحديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي، وبالإجماع. وجمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب والحنفية ما عدا زفر) يوجبون غسل المرفقين مع اليدين، لأن «إلى» في الآية إن كانت بمعنى «مع» فالدخول ظاهر، وإن كانت للغاية فالحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، ولحديث عباد العبدي في صفة الوضوء. وقال زفر وأحمد في قول والمالكية في قول بعدم دخول المرفق، قياساً على الليل في آية الصوم؛ وفي قول آخر للمالكية يدخل احتياطاً. قطع بعض ما يجب غسله من اليد: يجب غسل ما بقي منه بالاتفاق، لحديث «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور. وحكم قطع اليد من المرفق ينظر فيه الحنفية وغيرهم، ويتصل بالصفحة التالية (ص 17392 فما بعد)، وقد بقي هذا الجزء من المدخل غير مكتمل. قطع اليد من المرفق: عند الجمهور القائلين بوجوب غسل المرفق يُغسل موضع القطع، والحنفية والحنابلة في المذهب والشافعية في المشهور والمالكية في قول يوجبون غسل العظم الذي هو طرف العضد، لأن غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب فإذا زال أحدهما غسل الآخر. وعند المالكية والشافعية في مقابل المشهور لا يجب غسل موضع القطع، لأن المرفق في الذراع وقد وقع عليه القطع، إلا أن يُعرف بقاء شيء من المرفق في العضد فيُغسل موضع القطع. قطع اليد من فوق المرفق: يسقط وجوب الغسل لعدم محله، لكن الشافعية نصوا على ندب غسل باقي العضد لئلا يخلو العضو من طهارة، وقالوا إن قُطع من المنكب ندب غسل محل القطع بالماء. غسل ما زاد من أصبع أو كف أو يد: الحنفية والمالكية والشافعية والقاضي من الحنابلة يوجبون غسل الإصبع أو الكف الزائدة إن نبتت في محل الفرض مع الأصلية. وإن نبتت في غير محل الفرض كالمنكب أو العضد، فجمهور الفقهاء يوجبون غسل ما حاذى منها محل الفرض، والحنابلة في الأصح لا يوجبون غسل المتميزة منها في غير محل الفرض. غسل ظفر اليد أو ما تحته: الحنفية والشافعية والحنابلة يوجبون غسل الظفر وإن طال لأنه متصل باليد اتصال خلقة فيدخل في مسمى اليد. وعند المالكية والحنابلة في قول لا يضر الوسخ اليسير تحت الظفر ولو منع وصول الماء، واحتج المرداوي بأنه مما يكثر وقوعه، فلو اشترط زواله لبيّنه النبي. وعند الحنفية، بحسب الفتاوى، إن بقي من موضع الوضوء قدر رأس إبرة أو لزق بأصل الظفر طين يابس أو رطب لم يجز، وإن تلطخت اليد بخميرة أو حناء جاز؛ وإذا طال الظفر وجب إيصال الماء إلى ما تحته، وإذا قصر فلا يجب؛ وإذا طالت الأظفار حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها بالاتفاق. ونقل الكتاب عن بعض الحنفية التفريق بين أهل المدن وأهل القرى، ونقل الدبوسي الفتوى بالجواز. والشافعية يوجبون غسل الشعر الظاهر على اليد ظاهراً وباطناً وإن كثف، وإلا غسلوا ما ظهر منه فقط. والمالكية على المشهور يوجبون تخليل أصابع اليدين، ويجب عندهم معاهدة عقد الأصابع ورؤوسها وتكاميش الأنامل؛ ولا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة، ويجب نزع الخاتم غير المأذون فيه إلا أن يكون واسعاً يدخل الماء تحته فيكفي تحريكه. غسل اليد الزائدة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يوجبون غسل يد زائدة نبتت في محل الفرض. وإن نبتت في غير محل الفرض، فعند الحنفية والشافعية والحنابلة في قول يجب غسل ما حاذى منها محل الفرض، وعند المالكية إن لم يكن لها مرفق، فإن كان لها مرفق غُسلت كلها. وعند الحنفية، إن خُلق له يدان، فالتي يبطش بها هي الأصلية تُغسل، والأخرى زائدة؛ وعند الشافعية يجب غسل الزائدة التي لم تتميز عن الأصلية. غسل الجلد المتدلي من العضد: الحنفية والشافعية يوجبون غسل ما حاذى محل الفرض منه فقط، والحنابلة يوجبون غسل الجلدة المتقلعة من العضد إذا تدلت من الذراع كالإصبع الزائدة. وغسل الجلد المتدلي من الذراع واجب عند الفقهاء؛ وإن التحم رأسه بالعضد غُسل ما حاذى محل الفرض، ثم إن تجافى عنه غُسل ما تحته. الفرض الثالث: مسح الرأس، وهو باتفاق الفقهاء من أركان الوضوء أو فروضه، بالكتاب، وبالأحاديث في وصف وضوء النبي، ومنها حديث عثمان. والمسح إمرار اليد المبتلة بالماء على الرأس بلا تسييل. وتبدأ مسائل مسح الرأس، ومنها القدر المجزئ فيه، ويُختلف فيه. مسح الرأس: قال المالكية على المشهور والحنابلة على الصحيح في المذهب بوجوب مسح الرأس كله، ويدخل فيه الجلد والشعر من منابت الشعر المعتادة من مقدم الرأس إلى نقرة القفا، مع مسح شعر الصدغين، ولا يُمسح العظم الناتئ الذي هو من الوجه بل يُغسل معه. وفي الأقوال عند المالكية: أشهب يكفي عنده مسح النصف، وعنه أن مسح الناصية يجزئ، ومحمد بن مسلمة يجزئ مسح الثلثين، وأبو الفرج يجزئ مسح الثلث، ويُرد اليد تحت الشعر ليحصل التعميم، والرد سنة. وعند الحنابلة يجب مسح ظاهر الرأس كله، وعن أحمد يجزئ أكثره، واختلفوا في تحديد الأكثر، وعن أحمد يجزئ قدر الناصية، وعنه يجزئ بعضه دون تحديد؛ ولو مسح البشرة فقط لم يجزئه. وعند الحنفية ركن الوضوء مسح الرأس مرة فوق الأذنين، والمقدار المفروض في أشهر الروايات ربع الرأس وهو المعتمد في المذهب، وفي رواية أنه قدر الناصية، وفي رواية ثالثة قدر ثلاث أصابع، وفي البدائع أنها رواية الأصول، وفي الظهيرية عليها الفتوى. وعند الشافعية يجزئ مسمى المسح على بعض بشرة الرأس أو بعض شعره داخل حد الرأس، ويصدق المسح على البشرة أو الشعر، لأن الرأس اسم لما رأس وعلا. كيفية المسح: عند الحنفية على الأصح يُمسح بثلاث أصابع من اليد، فلو مسح بإصبع أو إصبعين لم يجز في ظاهر الرواية، ويجوز بالسبابة والإبهام مفتوحتين مع ما بينهما من الكف لأنها تعادل ثلاثة. وعند الحنابلة يجزئ المسح على أي كيفية، باليد أو بحائل، على الصحيح في المذهب. ما نزل عن الرأس من الشعر: الحنفية والشافعية والحنابلة لا يجب مسحه، والمالكية يوجبون مسح ما استرخى منه ولو طال جداً لأنه من شعر الرأس. غسل الرأس بدل مسحه: جمهور الفقهاء يجزئ، لأنه مسح وزيادة، واشترط الحنابلة في الصحيح أن يمرّ يده على الرأس، وعن أحمد يجزئ غسله دون إمرار اليد؛ ويُكره عند الحنفية والمالكية في الأظهر والحنابلة غسل الرأس ابتداءً بدل مسحه، لأنه خلاف المأمور به، وقال بعض المالكية والشافعية وأحمد في قول إنه لا يجزئ لأنه لا يُسمى مسحاً. حلق شعر الرأس بعد الوضوء: جمهور الفقهاء يرون أنه لا يؤثر، وقال الحنفية لا يُعاد الوضوء، لأن المسح على الشعر ليس بدلاً عن البشرة. وعند المالكية في رأي تجب إعادة مسح الرأس بعد الحلق، والدسوقي يرى هذا الرأي ضعيفاً؛ وعن ابن جرير الطبري الإعادة. وعن ابن رجب أن أحمد استحب أن يمس الرأس بالماء بعد الحلق ولم يوجبه. تكرار المسح: الحنفية والمالكية والحنابلة على أن المسح مرة واحدة، لأن التكرار يصير غسلاً، واستدل الحنابلة بأن أكثر من وصف الوضوء ذكر مسح الرأس مرة، وقال أبو داود إن أحاديث عثمان كلها تدل على ذلك؛ والشافعية يسنّون تثليث مسح الرأس. الشعور المضفورة: عند المالكية ما ضُفر بنفسه لا يُنقض مطلقاً، وما ضُفر بثلاثة خيوط يجب نقضه، وما ضُفر بأقل منها يُنقض إن اشتد، والصاوي يرى أن النساء ينفعهن تقليد الشافعي أو أبي حنيفة. المسح على العمامة: تفصيله في باب المسح، ويُحال إليه. الفرض الرابع، غسل الرجلين إلى الكعبين، وفيه أربعة أقوال. القول الأول، وهو مذهب الجمهور، أنه من أركان الوضوء غسل الرجلين، ويثبت ذلك بالإجماع، وقد نقل عبد الرحمن بن أبي ليلى أن أصحاب النبي أجمعوا على غسل القدمين، وقال الماوردي إن فرضهما عند كافة الفقهاء الغسل دون المسح، ونقل النووي عن أبي حامد وغيره إجماع المسلمين على وجوب غسلهما. القول الثاني: أن فرض الرجلين المسح دون الغسل، وروي ذلك عن علي وابن عباس وأنس والشعبي وغيرهم، واستدلوا بقراءة الجر في آية المائدة، وقد ثبت رجوع علي عنه بأمره بغسل الأقدام، وقال ابن قدامة إنه لم يعلم من فقهاء المسلمين من يقول بالمسح غير من ذُكروا. القول الثالث: الحسن البصري والجبائي وابن جرير الطبري في إحدى الروايات أن المتوضئ مخيّر بين غسل الرجلين ومسحهما. القول الرابع: لبعض أهل الظاهر وجوب الجمع بين الغسل والمسح، لأن القراءتين في آية واحدة بمنزلة آيتين، ولا تنافي بين الغسل والمسح في محل واحد. ويجب عند جمهور الفقهاء إدخال الكعبين في الغسل، ولم يخالف إلا زفر. والكعبان العظمان الناتئان في أسفل الساق. ثانياً: الفرائض المختلف فيها في الوضوء. أولاً: النية، فالجمهور على أنها شرط لا يصح الوضوء إلا بها، وقال بعضهم إنها سنة، وقال آخرون إنها فرض، وتفصيلها في باب النية. رفض النية: إذا رفض المتوضئ النية بعد كمال الوضوء لم يؤثر ذلك عند المالكية والشافعية على الصحيح والحنابلة على الصحيح؛ ومقابل الصحيح عند الحنابلة أنه يبطل. أما إذا رفضها أثناء الوضوء، فالشافعية في الأصح لا يبطل ويُستأنف النية لما بقي، والحنابلة في الصحيح يبطل ما مضى، والمالكية على الراجح لا يغتفر الرفض فيبطل. ثانياً: الموالاة، وهي غسل الأعضاء على التعاقب بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني؛ فالحنفية والشافعية في القول الجديد الصحيح والمالكية في قول والحنابلة في رواية يرونها سنة، ومنها قول ابن عمر وقول الحسن وسعيد بن المسيب والثوري. وعند المالكية على المشهور والشافعية في القديم والحنابلة في المذهب أنها واجبة، وبه قال عمر بن الخطاب والأوزاعي. ثالثاً: الترتيب، أي أن يأتي بالأعضاء على الترتيب في الغسل والمسح. فالشافعية والحنابلة في المذهب والمالكية في قول يرونه ركناً، وهو قول عثمان وابن عباس وقتادة وأبي ثور وأبي عبيد وإسحاق، واستدلوا بآية المائدة لأن المسح دخل بين الغسلين، وبأن كل من حكى وضوء النبي حكاه مرتباً. وعند الحنفية والمالكية على المشهور وبعض الشافعية ورواية عن أحمد أن الترتيب سنة، وهو قول ابن مسعود وغيره، واستدلوا بأن الآية عطفت بالواو، وهي لا تقتضي ترتيباً، وبأن الغسل دفعة واحدة يرفع الحدث. رابعاً: الدلك، وهو إمرار اليد على العضو إمراراً متوسطاً، ولو لم تزل الأوساخ، ولو بعد صب الماء قبل جفافه، عند المالكية. فجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة وقول عند المالكية يرونه سنة، ويزيد الشافعية أن يبالغ في العقب خصوصاً في الشتاء؛ والمالكية في المشهور يرونه فرضاً، واستدلوا بأمر النبي عائشة أن تدلك جسدها، وهو حديث لم يُسند عند التعليق في الكتاب. الدلك، وفيه ثلاثة أقوال عند المالكية: المشهور الوجوب، لأنه شرط في حصول مسمى الغسل، ومن قال به استدل بأمر عائشة بدلك جسدها؛ والثاني، وهو لابن عبد الحكم، أنه لا يجب لصدق اسم الغسل بدونه؛ والثالث أنه واجب لا لنفسه بل لتحقق إيصال الماء، فمن تحقق إيصاله بطول مكث أجزأه. سنن الوضوء. أولاً: التسمية في أول الوضوء. فجمهور الحنفية والشافعية وأحمد في رواية على أنها سنة، والمالكية في المشهور على أنها مستحبة، وقيل مكروهة، والحنابلة على أنها واجبة. وعند الحنفية تحصل التسمية بكل ذكر، والوارد عن النبي والمنقول عن السلف «بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام»، وقيل الأفضل «بسم الله الرحمن الرحيم»؛ وعند الشافعية أقلها «بسم الله» وأكملها بكمالها. وعند الحنابلة يجب أن تكون بلفظ «بسم الله» ولا يقوم غيره مقامه على الأشهر. وأما التسمية عند غسل كل عضو، فعند الحنفية من الآداب، وذكروا فيها حديث البراء بن عازب في ذكر الشهادتين عند كل عضو، وقال العيني إن إسناده واه. وظاهر كلام الحنابلة أنها لا تستحب عند كل عضو. ثانياً: غسل اليدين إلى الرسغين، ويُسن في ابتداء الوضوء اتباعاً لفعل النبي، ويجب غسلهما اتفاقاً إن كانتا نجستين. ثالثاً: المضمضة، فجمهور الفقهاء على أنها سنة، والحنابلة على أنها واجبة. ويُحال في تفصيلها إلى بابها. رابعاً: الاستنشاق، فجمهور الفقهاء على أنه سنة، والحنابلة على أنه فرض أو واجب. خامساً: الاستنثار، وهو سنة عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، لحديث «إذا استنشقت فانتثر»؛ وعند المالكية طرح الماء من الأنف بالنَّفَس مع وضع السبابة والإبهام من اليسرى عليه، وعند الشافعية إخراج ما في الأنف بخنصر اليسرى، وعند الحنابلة يُسنّ الاستنثار باليسار. سادساً: مسح كل الرأس. وقد سبق أن المالكية في المشهور والحنابلة يوجبونه، والحنفية والشافعية يرونه سنة. واستدل الحنفية بحديث مسح كل الرأس، وبحديث مسح النبي بناصيته، فيكون مسح الربع فرضاً ومسح الجميع سنة؛ وقالوا إن من داوم على ترك استيعاب الرأس بلا عذر يأثم. وعند الشافعية يُسنّ مسح كل الرأس اتباعاً وخروجاً من خلاف من أوجبه. مسائل تتعلق بمسح الرأس: أ- تكرار المسح: الحنفية يرون أن يُمسح الرأس كله مرة بماء واحد، ومن روى التثليث فهو محمول على مسح بماء واحد، وعن الحسن عن أبي حنيفة أن المسح ثلاثاً بماء واحد مسنون؛ وأما المسح ثلاثاً بماء متجدد ففيه ثلاثة أقوال: يُكره، أو بدعة، أو لا بأس به، والكتاب ينقل ترجيح ابن عابدين للكراهة. وعند الشافعية يُسنّ تثليث الممسوح؛ ولو مسح بعض الرأس ثلاثاً حصل التثليث. ب- كيفية المسح المسنون: عند الحنفية الأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم الرأس ويمدهما إلى القفا، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه. وعند الشافعية أن يضع يديه على مقدم الرأس ويلصق السبابة بالأخرى، ويُمرّ إبهاميه على الصدغين، ثم يذهب بهما إلى القفا ويردّهما إلى المكان الذي ذهب منه إن كان له شعر ينقلب؛ ومن لا شعر له يقتصر على الذهاب، ويُنظر في المسح كله بالفرض والسنة. وصرّح الحنابلة بأنه لا يُستحب تكرار مسح الرأس. يذكر الكتاب من السنن في مسح الرأس: أن يُعاد المسح إلى حيث بدأ، وذكر الترمذي حديث أبي حية في وضوء علي وفيه مسح الرأس مرة، وروى أبو داود حديث ابن عباس أن النبي مسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة. وعن أحمد يُستحب تكرار المسح بماء جديد، نصره أبو الخطاب وابن الجوزي، وكذا الأذنان. وعدّ المالكية من السنن رد المتوضئ مسح رأسه إلى حيث بدأ، لأن الشعر الطويل لا يحصل تعميمه إلا بالرد، ويكون الرد سنة إن بقي في اليد بلل من المسح الواجب، ويُكره تجديد الماء له. صفة مسح الرأس: عند المالكية والشافعية أن يأخذ الماء بيده اليمنى ويفرغه على باطن اليسرى ثم يمسح، يبدأ بمقدم الرأس ويضم أطراف أصابعه ويجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه إلى طرف الشعر مما يلي القفا ثم يردهما إلى حيث بدأ. وعند الحنابلة الصفة المسنونة أن يمرّ يديه من المقدم إلى القفا ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، لحديث عبد الله بن زيد، ثم يدخل سبابتيه في الصماخين ويمسح بإبهاميه ظاهرهما؛ وإن كان ذا شعر يخاف انتفاشه بالرد لم يردّ، لحديث الربيع بنت معوذ. وسئل أحمد عن مسح المرأة فوصف مسح الرأس مع الرد. سابعاً: مسح الأذنين. عند الحنفية والمالكية على المشهور والشافعية أنه من سنن الوضوء مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، استناداً إلى حديث المقدام بن معدي كرب في مسح الأذنين وإدخال الأصابع في الصماخين، وعند جمهور الفقهاء ظاهر الأذنين ما يلي الرأس وباطنهما ما كان مواجهاً؛ وقال المالكية في رأي إن الظاهر هو المواجه. وعن المالكية أن السنن المتعلقة بالأذنين ثلاث: مسح ظاهرهما وباطنهما، ومسح الصماخين، وتجديد الماء لهما. وعند الشافعية يُسنّ مسح الأذنين بماء جديد. وعند الحنابلة وبعض المالكية يجب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، لأنهما من الرأس، ويُسنّ مسحهما بماء جديد بعد مسح الرأس، والبياض فوق الأذنين من الرأس فيجب مسحه معه. والمسنون عند الحنابلة أن يدخل سبابتيه في صماخيهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ولا يجب مسح ما استتر من الأذن بالغضاريف. وعند الحنفية يكفي مسح جميع الرأس والأذنين بماء واحد، لأنهما من الرأس، وأظهر الصفات عندهم أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم الرأس ويمدهما إلى القفا، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه، وإن مسحهما بالبلة الباقية كفى، ومسحهما بماء جديد أولى مراعاة للخلاف؛ وعند الحنفية يندب إدخال الخنصر المبلولة في الصماخ. ثامناً: تخليل اللحية وشعور الوجه، وهو سنة في الجملة، وتفصيله في غسل الوجه. تاسعاً: تخليل أصابع اليدين والرجلين، ويُحال إلى بابه. عاشراً: التثليث، وهو سنة عند الفقهاء في غسل الأعضاء، وفي حديث النبي إنه توضأ مرة وقال إنها الوضوء الذي لا تُقبل الصلاة إلا به، ومرتين وقال إنه يُضاعف الأجر، وثلاثاً وقال إنه وضوؤه ووضوء الأنبياء. الحادي عشر: الاستياك. جمهور الفقهاء على أنه سنة عند الوضوء، لحديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء»؛ وعند الحنفية سنة مؤكدة، وعند المالكية في المشهور مستحب، ويرى الدسوقي أن ظاهر الحديث يقتضي السنة وإن خالف المشهور. وتفصيل السواك في بابه. الثاني عشر: المسح على العمامة، وفيه خلاف يُحال إلى بابه. الثالث عشر: عدم الإسراف في الماء، ويُحال إلى بابه. الرابع عشر: التيامن في اليدين والرجلين. فالحنفية والمالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب يرونه مستحباً، استناداً إلى حديث عائشة في تيمّن النبي في شأنه كله، وإلى وصف عثمان وعلي لوضوء النبي بأنه بدأ باليمنى قبل اليسرى. والشافعية وبعض الحنفية يرونه سنة لحديث «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم»، وقال ابن الهمام إنه سنة لثبوت مواظبته. وفي رواية عن أحمد أنه واجب، حكاها الفخر الرازي وشذّذه الزركشي، وقيل يُكره تركه؛ ونقل ابن قدامة الإجماع على أن من بدأ بيساره قبل يمينه لا إعادة عليه. الخامس عشر: إطالة الغرة والتحجيل، وهي تجاوز موضع الفرض في غسل الوجه واليدين والرجلين. فالشافعية والحنابلة في الصحيح يرونها سنة؛ والحنفية يرونها من آداب الوضوء، وغايتها في الوجه غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس، وفي اليدين والرجلين استيعاب العضدين والساقين. والأصل حديث «غراً محجلين»، وهو عند الشافعية والحنابلة من خصائص هذه الأمة. ومذهب المالكية ورواية عن أحمد أنها لا تندب، بل تُكره عند مالك لأنها من الغلو في الدين، وحملوا الإطالة في الحديث على إدامة الطهارة لا على زيادة الغسل. السادس عشر: استقبال القبلة في الوضوء، فالحنفية والمالكية يرونه من آدابه ويقيدونه بالإمكان من غير مشقة، والشافعية والحنابلة يرونه من سننه. السابع عشر: الجلوس في مكان مرتفع، وهو من آداب الوضوء عند الحنفية والمالكية، تحرّزاً عن الماء المستعمل وصونا للثياب من المتقاطر؛ ويسنّ عند الشافعية أن يتوقّى المتوضئ الرشاش. الثامن عشر: التوضؤ في مكان طاهر، وهو من المستحبات عند الحنفية والمالكية، ويكره عند المالكية الوضوء في بيت الخلاء لأنه ليس شأنه الطهارة. التاسع عشر: ترك الاستعانة. الشافعية والحنابلة يرونه سنة، والحنفية من آداب الوضوء؛ واستعان النبي بالمغيرة بن شعبة في الصب، وصبّ صفوان بن عسال عليه الماء، وكان ترك الاستعانة أفضل. وفرّق الشافعية بين الاستعانة بالصب والاستعانة بإحضار الماء، فالثانية لا بأس بها، وتجب إذا لم يمكن التطهر إلا بها لعذر. وقال ابن مودود إن الاستعانة تكره إلا عند العجز، وفصّل ابن عابدين: الاستعانة بالصب أو الاستقاء أو الإحضار لا كراهة فيها، والاستعانة بالغسل والمسح مكروهة بلا عذر. العشرون: مسح الرقبة، فالحنفية وأحمد في رواية يرونه من مستحبات الوضوء، وقيل سنة؛ والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح لا يسنّونه لأنه لم يثبت فيه شيء، والنووي يرى أنه بدعة، والمالكية يرون أنه يُكره لأنه من الغلو. الحادي والعشرون: تحريك الخاتم في الوضوء. الحنفية والشافعية يرونه من مستحبات الوضوء في الخاتم الواسع، وكذلك القرط، وفي الضيق إن علم وصول الماء، وإلا فهو فرض؛ وقال أحمد بن حنبل إن كان الخاتم ضيقاً فلا بد من تحريكه، وقد تُكمل تفاصيله في الصفحة التالية. الخاتم: إن وصل الماء تحته أجزأه، وروي أن النبي كان يحرّك خاتمه في الوضوء، ومن شك في وصول الماء وجب التحريك، لأن الأصل عدمه. وعند المالكية الخاتم المأذون فيه لا يجب نزعه أو تحريكه ولو كان ضيقاً، وغير المأذون فيه يجب نزعه إن كان حراماً، ويجزئ تحريكه إن كان واسعاً. الثاني والعشرون: البدء بمقدم الأعضاء. يُسنّ عند الشافعية البدء بأعلى الوجه وأطراف الأصابع ومقدم الرأس، وعند الحنفية والمالكية يُستحب البدء في كل عضو بمقدمه، من منابت الشعر في الوجه، ومن أطراف الأصابع إلى المرفقين، ومن منابت الشعر إلى نقرة القفا، ومن الأصابع إلى الكعبين. الثالث والعشرون: عدم الكلام. يستحب عند الحنفية والشافعية ترك الكلام لغير حاجة، ويكره عند المالكية والحنابلة في الصحيح، وقال المالكية وابن مفلح إن الكراهة تكون بغير ذكر الله. الرابع والعشرون: السلام على المتوضئ وردّه. ذهب المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أنه يُشرع السلام على المتوضئ ويُشرع رده، وقال شيخ الإسلام من الشافعية إن الرد واجب. وقال الفروع إن ظاهر كلام أكثر الحنابلة لا يكره السلام ولا رده، وقال أبو الفرج وغيره من الحنابلة إنه يكره، وروى الكتاب حديث أم هانئ في سلامها على النبي وهو يغتسل. الخامس والعشرون: الدعاء عند كل عضو. ذهب الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية وجماعة من الحنابلة إلى استحبابه، وذكر الكتاب الأدعية المأثورة عند كل عضو وهي معروفة عند القائلين بها، وأن ابن عابدين رأى أن الحديث الوارد فيها بلغ مرتبة الحسن بتعدد طرقه، والضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال بشروط. وذهب الشافعية في رأي والحنابلة على الأصح إلى أنه لا يُستحب، ونص الحنابلة على كراهته بمعنى ترك الأولى؛ وقال النووي إن دعاء الأعضاء لا أصل له، وقال ابن القيم إن الأذكار التي يقولها العامة عند كل عضو لا أصل لها عنه عليه الصلاة والسلام. السادس والعشرون: الدعاء بعد الوضوء. الشافعية والحنابلة يسنّون أن يقول المتوضئ بعد فراغه، مستقبلاً القبلة رافعاً يديه وبصره إلى السماء، الشهادتين، لحديث عمر بن الخطاب في أبواب الجنة الثمانية، ثم الدعاء المأثور بالتوبة والتطهر، ثم «سبحانك اللهم وبحمدك» لحديث أبي سعيد عند النسائي الموقوف عليه، والحنابلة والشافعية يقرأون سورة القدر ثلاثاً. والحنفية والمالكية والشافعية يسنّون الصلاة على النبي بعد الوضوء، والحنفية والمالكية يزيدون الدعاء المأثور بعدها. وقال البهوتي إن الحكمة في ختم الوضوء بالاستغفار أن العباد مقصرون عن حقوق الله. السابع والعشرون: تنشيف الأعضاء من بلل الوضوء. ذهب المالكية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح إلى الجواز، وعند الحنابلة ترك التنشيف أفضل، وعند الحنفية من آداب الوضوء التنشيف، وعند الشافعية في الأصح المسنون تركه إلا لعذر، والكراهة في قول عند الحنفية والشافعية. السابع والعشرون: ترك نفض اليد أو الماء. فالحنفية والشافعية في الأصح يستحبون ألا ينفض المتوضئ يده، لحديث «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان»، وقال ابن حبان فيه إنه منكر؛ والحنابلة في الصحيح والشافعية في رأي يكرهون نفض الماء. وقال ابن قدامة إن نفض الماء عن البدن لا يُكره، ويُكره نفض اليد، وقال صاحب غاية المطلب إن الأصح عدم الكراهة. الثامن والعشرون: الشرب من فضل ماء الوضوء. نص الحنفية والشافعية على استحبابه عقب الوضوء، لحديث علي في شرب النبي من فضل وضوئه، ويستحب أن يكون قائماً مستقبلاً عند الكمال، وقيل قاعداً، ويقال عقب الشرب دعاء مرويّ عن الفقهاء لم يقف عليه الكتاب مأثوراً. التاسع: صلاة ركعتين عقب الوضوء. يستحبها الحنفية والشافعية والحنابلة، لحديث عقبة بن عامر في الجنة، والحنفية والحنابلة يصلونها في غير أوقات الكراهة، والشافعية يصلونها في الأوقات كلها لأن لها سبباً. الثلاثون: تجديد الوضوء، أي التوضؤ على وضوء قائم لم ينتقض. فقال بعض الفقهاء إنه سنة، وقال بعضهم مستحب، وقال بعضهم ممنوع قبل أن تُفعل به عبادة، وفي رواية عن أحمد لا فضل فيه؛ ويُحال إلى بابه. الحادي والثلاثون: عدم نقص ماء الوضوء عن مُدّ. فالجمهور يستحبون ألا ينقص عن مد، لحديث أنس في وضوء النبي بالمد، والمالكية في المشهور والحنفية في قول يرون أن الماء لا يُحدّ بحد، وأن المقصود فضيلة الاقتصاد؛ ونقل ابن عابدين عن الحلية إجماعاً بأن ما يجزئ غير مقدّر، وقال ابن شعبان من المالكية إنه لا يجزئ أقل من مد. الثاني والثلاثون: عدم النفخ في الماء حال غسل الوجه، وهو من آداب الوضوء عند الحنفية، وأن يتوضأ من متوضأ العامة. الثالث والثلاثون: الترتيب بين السنن. يُسنّ عند الحنفية والشافعية في المذهب ترتيب السنن فيما بينها، ويندب عند المالكية والحنفية في قول ترتيبها في أنفسها؛ ولو حصل تنكيس بين السنن أو بين السنن والفرائض لم تُطلب الإعادة، لأن المندوب إذا فات لا يؤمر بفعله. والشافعية في أحد الوجهين يوجبون الترتيب في المسنون قياساً على أركان الصلاة. الرابع والثلاثون: أخذ الماء بيديه جميعاً عند غسل الوجه. فالشافعية في الصحيح يستحبون أن يأخذ الماء بيديه جميعاً، لحديث عبد الله بن زيد في إدخال اليدين، وفي قول لهم يأخذه بيده، وفي وجه ثالث لزاهر السرخسي يغرف بكفه اليمنى ويضع ظهرها على بطن اليسرى، لحديث ابن عباس؛ والحنابلة يذكرون أن الغرف بيديه جميعاً أو اليمنى مضمومة إليها الأخرى هو السنة. المكروهات. عدّ الفقهاء أموراً من مكروهات الوضوء: أولاً: لطم الوجه وأعضاء الوضوء بالماء، وخص الوجه لشرفه، كراهة عند الحنفية والشافعية. ثانياً: التقتير، أي أن يقتصر على ما يدهن الأعضاء بالماء دون أن يظهر التقاطر، وينبغي أن يكون التقاطر ظاهراً ليكون الغسل يقيناً في كل مرة من الثلاث، وهو مكروه عند الحنفية. ثالثاً: الإسراف في الماء، بأن يستعمل فوق الحاجة الشرعية، لحديث سعد مع عبد الله بن عمرو في أن الإسراف يكون في الوضوء ولو على نهر جارٍ، ولأنه من الغلو المفضي إلى الوسوسة، وحديث «لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه»، ونص على كراهته الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. وزاد الحنفية والشافعية أن الماء الموقوف على من يتطهر به، كماء المدارس، يحرم الإسراف فيه، لأن الزيادة غير مأذون فيها، وقيّده ابن عابدين بما ليس بجارٍ، أما الجاري فهو مباح. رابعاً: التوضؤ بفضل ماء المرأة، أي ما فضل عن طهارتها ولم تمسّه بشرب أو تُدخل يدها فيه بلا نية. فذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد إلى كراهته مراعاةً للخلاف؛ وذهب بعض الحنفية ورواية عن أحمد والمالكية في المذهب وبعض الشافعية كالبغوي إلى أنه طاهر مطهّر لا يُكره، واستدلوا بحديث ابن عباس في غسل بعض أزواج النبي من جفنة، وأن الماء لا يجنب. وظاهر مذهب الحنابلة أنه لا يجوز للرجل التطهر بفضل طهور المرأة، لحديث الحكم بن عمرو الغفاري في نهي الرجل عن ذلك؛ وقال المرداوي إن المنع تعبدي لا يُعقل معناه، فيباح للمرأة وحدها. خامساً: تثليث المسح بماء جديد. الحنفية والمالكية يكرهونه، والحنابلة لا يستحبون تكرار مسح الرأس. سادساً: الوضوء في مكان نجس، فيكره، لأن للماء حرمة ولئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر من الأعضاء؛ ونص الحنفية على كراهة إلقاء النخامة والامتخاط في الماء تنزيهاً. سابعاً: التوضؤ في المسجد. يكره إلا في إناء أو في موضع أعد لذلك عند الحنفية وأحمد في رواية ومالك؛ وقال الشافعية والحنابلة في الصحيح إنه يباح إذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد؛ وقال سحنون لا يجوز التوضؤ بصحن المسجد، وروى الكتاب حديثاً في جعل المطاهر على أبواب المساجد، وأشار الهيثمي إلى انقطاع في سنده. ثامناً: إراقة ماء الوضوء في المسجد. الحنابلة يكرهونها، ويكرهونها كذلك في موضع يُداس كالطريق، وقال الشافعية يجوز إسقاطه في أرض المسجد إذا لم يتأذَّ به الناس. تاسعاً: الوضوء بالماء المشمس. فالمالكية في المعتمد والشافعية في المذهب وبعض الحنفية يكرهونه، وجمهور الحنفية والحنابلة والمالكية في قول وبعض الشافعية يجيزونه مطلقاً بلا كراهة. عاشراً: ترك سنة من سنن الوضوء. نص المالكية على كراهة تركها عمداً مع عدم بطلان الصلاة بتركها، ويُسنّ فعلها لما يُستقبل من الصلاة بذلك الوضوء؛ والحنفية يرون ترك المندوب خلاف الأولى، ويعبّرون عنه بأنه مكروه تنزيهاً. نواقض الوضوء. عند الحنفية نقض الوضوء إخراجه عن إفادة المقصود منه كاستباحة الصلاة، وعند المالكية انتهاء حكمه أو رفع استمراره فيما كان يُباح به؛ وقد اختلف الفقهاء في بعضها واتفقوا على بعضها. أولاً: الخارج من السبيلين، وهو متفق عليه في الجملة، لقوله تعالى في آية المائدة وآية النساء، والغائط مجاز عن الحاجة التي تُقضى في المكان المطمئن، فلو جاء أحد من الغائط من غير حاجة لم يجب عليه الوضوء إجماعاً. وفصّل الفقهاء في المعتاد والنادر، وفي المخرج من الدبر أو الذكر أو الفرج أو غيره. ثانياً: خروج النجاسات من غير السبيلين. المالكية والشافعية يرون أنه غير ناقض، ويلزم تطهير موضع النجاسة ويبقى الوضوء؛ والحنفية والحنابلة يرون أن النجاسات الخارجة من سائر البدن كالقيء والدم ناقضة في الجملة مع اختلاف بينهم. ثالثاً: زوال العقل، بالنوم أو الجنون أو السكر أو الإغماء. أما النوم فجمهور الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يرونه ناقضاً في الجملة، استناداً إلى حديث «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ». وتفصيل الحنفية في النائم: إن كان مضطجعاً أو متوركاً نقض، لاسترخاء المفاصل، وإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط فيُنظر في حاله. النوم حالاً حالاً عند الحنفية: إن كان النائم قائماً أو راكعاً أو ساجداً وكان مقعدته لا تزال عن الأرض لم ينتقض، وإن زالت مقعدته عن الأرض فينتقض بالإجماع إن كانت زائلة، وإن لم تزل ففيه روايتان: القدوري بالنقض، والزيلعي بعدم النقض وهو رواية أبي يوسف، والنائم في الصلاة لا ينتقض وضوؤه إذا كان كذلك، ومن نام خارج الصلاة على هيئة السجود ينقض إن لم يكن على هذه الهيئة. والمريض إذا صلى مضطجعاً فنام ينتقض وضوؤه عند الزيلعي للحديث. ومن نام قاعداً فسقط على وجهه أو جنبه ينظر: إن انتبه قبل السقوط أو عند السقوط أو سقط نائماً فانتبه من ساعته لم ينتقض، وإن استقر بعد السقوط نائماً ثم انتبه انتقض؛ وعن أبي يوسف ينتقض بالسقوط. وقال الحنفية إن النوم نفسه ليس حدثاً، وإنما الحدث ما لا يخلو عنه النائم، فأُقيم السبب الظاهر وهو النوم مقامه، كالسفر ونحوه. المالكية لهم طريقتان في اعتبار النوم ناقضاً: الأولى، طريقة اللخمي، وهي أن المعتبر صفة النوم لا هيئة النائم، فالنوم الثقيل ينقض أياً كانت الهيئة، وعلامته أن لا يشعر صاحبه بصوت مرتفع أو بسقوط مروحة من يده؛ والنوم غير الثقيل لا ينقض. والثانية أن النوم الثقيل ينقض على كل حال، وغير الثقيل ينقض في الاضطجاع والسجود دون القيام والجلوس، ونُسبت إلى عبد الحق، والأولى هي الأشهر عندهم. الشافعية يرون أن النوم ينقض كيفما كان إلا نوم المتمكن مقعدته من الأرض أو غيرها، فلا ينقض وإن استند إلى ما لو زال لسقط، لأمن خروج شيء من الدبر؛ ولا عبرة باحتمال خروج شيء من القبل لأنه نادر، واحتجوا بأثر أنس أن أصحاب النبي كانوا ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون، وحُمل على نوم المتمكن. وذكر النووي فروعاً: يُستحب للنائم المتمكن أن يتوضأ احتياطاً؛ ولو تيقن النوم وشك هل كان متمكناً لم يجب الوضوء؛ ولو نام جالساً فزالت أليته قبل الانتباه انتقض، وإن زالت بعد الانتباه أو مع الانتباه أو لم يدر لم ينتقض، لأن الأصل الطهارة؛ ولا فرق بين القليل والكثير من النوم عندهم؛ والمحتبي فيه ثلاثة أوجه، والمختار أنه لا ينقض؛ والمضطجع على قفاه ينقض عند الأصحاب، ولو استثفر وتلجم فالمشهور النقض. الحنابلة يقسمون النوم إلى ثلاثة أقسام: نوم المضطجع، وهو ناقض يسيره وكثيره، ونوم القاعد، فإن كان كثيراً نقض وإن كان يسيراً لم ينقض، ونوم القائم والراكع والساجد؛ واستدلوا بعموم حديث «فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» وبحديث صفوان بن عسال في الخفين. وعند أحمد روايات: في القائم والراكع والساجد المذهب النقض، والثانية لا ينقض إلا إذا كثر، والثالثة لا ينقض نوم الراكع وينقض نوم الساجد. أما القاعد المستند والمحتبي فهو كالمضطجع عند بعضهم، وعن أحمد أنه لا ينقض يسيره، ورأى الوضوء في الاحتباء والاتكاء والاستناد إلا أن يغفو قليلاً. وقال ابن قدامة إن الأولى أن من كان معتمداً بمحل الحدث على الأرض لا ينقض منه إلا الكثير، لأن دليل انتفاء النقض في القاعد لا تفريق فيه. واختلف الحنابلة في حد الكثير: فقال أبو يعلى لا حد له، وقيل هو ما يتغير به النائم عن هيئته كأن يسقط على الأرض أو يرى حلماً؛ وقال ابن قدامة إنه لا حد له لأن التحديد يُعرف بالتوقيف، فمتى وُجد ما يدل على الكثرة كسقوط المتمكن انتقض، وإن شك في كثرته لم ينتقض لأن الطهارة متيقنة. وقال ابن قدامة إن النوم غلبة على العقل، فمن لم تُغلب على عقله فلا وضوء عليه، ومن شك هل نام أو خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا هو أم حديث نفس فلا وضوء عليه. الرأي الثاني: حُكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وحميد الأعرج وعمرو بن دينار أن النوم لا ينقض الوضوء، واستدلوا بأثر أنس في انتظار العشاء حتى تخفق الرؤوس؛ ونقل المرداوي عن الميموني أنه لا ينقض. وكان سعيد بن المسيب ينام مراراً مضطجعاً ثم يصلي ولا يعيد الوضوء، ولعلهم ذهبوا إلى أن النوم ليس حدثاً في نفسه، والحدث مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك. الحنابلة في النوم: إن نام المتوضئ وهو يظن بقاء طهره لم ينتقض وضوؤه، وهو اختيار ابن تيمية؛ وقال الخلال إن هذه الرواية خطأ. ثانياً: الإغماء والغشي ينقضان الوضوء باتفاق. ثالثاً: الجنون، قليله وكثيره، ينقض باتفاق. رابعاً: السكر ناقض باتفاق. خامساً: مس فرج الآدمي، ذكراً كان أو أنثى أو خنثى، مختلف في نقض الوضوء به، وتفصيله في أبوابه. سادساً: التقاء بشرة الرجل والمرأة، مختلف فيه، وتفصيله في أبوابه. سابعاً: الردة. فالحنفية والشافعية في الأصح وجماعة من المالكية والحنابلة في رواية يرون الردة في ذاتها ليست من نواقض الوضوء، وإنما تحبط العمل إذا اتصلت بالموت، فمن ارتد وهو متوضئ ثم عاد إلى الإسلام لم ينتقض وضوؤه بالردة ذاتها. وقال المالكية في المعتمد والحنابلة في الصحيح والشافعية في وجه إن الردة تنقض الوضوء، واستدلوا بآية الزمر، وقالوا إن الخطاب للأمة لا للنبي، وروى موسى بن معاوية عن ابن القاسم ندب الوضوء من الردة. ومعنى الإحباط عند الصاوي في الثواب، وإنما وجب الوضوء على القول المعتمد لأن المرتد بعد توبته بمنزلة من بلغ حينئذ. ثامناً: القهقهة في الصلاة. فجمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) يرون أنها لا تنقض الوضوء وتفسد الصلاة، واستحب الشافعية الوضوء منها؛ والحنفية، وهو ما روي عن الحسن والنخعي والثوري، يرون أن القهقهة في صلاة كاملة، وهي ما لها ركوع وسجود، تنقض الوضوء وتفسد الصلاة. تاسعاً: أكل ما مسته النار. قولان: الأول، وعليه جمهور العلماء وهو محكي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، أنه لا يجب الوضوء منه، واحتجوا بحديث ابن عباس في أكل النبي كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وبحديث جابر أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما غيرت النار، وبحديث «الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل» وأعله ابن حجر بضعف رواته. والثاني، وعليه عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبو قلابة وأبو مجلز، أنه يجب، واستدلوا بحديث «توضأوا مما مست النار» في مسلم عن أبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت. عاشراً: أكل لحم الجزور (الإبل). قولان، الأول: جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد والحنابلة في قول) أنه لا ينقض كسائر الأطعمة، وحكي عن جماعة من الصحابة، والمعنى عند الكاساني أن الحدث خروج النجس أو ما هو سبب خروجه ولم يوجد. والثاني، أنه يجب الوضوء من لحم الإبل خاصة سواء كان قليلاً أو كثيراً، نيئاً أو مطبوخاً، وهو قول الشافعي في القديم وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم، واحتجوا بحديث جابر بن سمرة في سؤال الرجل عن لحم الإبل وأن النبي أمره بالوضوء منه، وحديث البراء. وللحنابلة تفصيل: فالمذهب أنه ينقض لحم الجزور سواء علمه أم جهله، نيئاً أو مطبوخاً؛ وعن أحمد ينقض نيئه دون مطبوخه، وعنه لا ينقض مطلقاً اختاره يوسف الجوزي وابن تيمية، وعنه إن علم النهي نقض وإلا فلا، اختاره الخلال. وبقية أجزاء الإبل كالسنام والدهن والكبد وغيرها لا تنقض على المذهب، وشرب لبن الإبل ومرق لحمها لا ينقض، وعن أحمد ينقض شرب لبنها. حادي عشر: أكل الطعام المحرم. عن أحمد روايات: ينقض الطعام المحرم، أو اللحم المحرم مطلقاً، أو لحم الخنزير فقط؛ والمذهب عند الحنابلة أنه لا ينقض أكل ما سوى لحم الإبل من اللحوم، لأن النقض بلحم الإبل تعبدي فلا يتعدى إلى غيره. ثاني عشر: غسل الميت. لم يذكره الجمهور في نواقض الوضوء، وقال الحنفية يستحب الوضوء بعد غسل الميت. الصحيح من مذهب الحنابلة أن غسل الميت ينقض الوضوء، ولبعضهم احتمال بعدم النقض إذا غسله الغاسل في قميص. ثاني عشر: الشك في الوضوء أو عدمه. ذهب المالكية إلى أن الشك من نواقض الوضوء، لأن الذمة لا تبرأ مما طُلب منها إلا بيقين، وصوره عندهم: أن يشك بعد علمه بتقدم طهره هل حصل ناقض، أو يشك بعد علم حدثه هل حصل وضوء، أو يعلم الطهر والحدث ويشك في السابق منهما. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشك في بقاء الوضوء أو عدمه ليس من نواقضه، فمن أيقن بالطهارة وشك في حدوث الناقض، أو أيقن بالحدث وشك في طروء الوضوء، عمل بما سبق يقينه؛ واستدلوا بحديث مسلم في من وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. ثالث عشر: الغيبة والكلام القبيح. حُكيت عن أحمد رواية بأن الغيبة والفحش ونحوهما من النميمة والكذب والقذف وقول الزور تنقض الوضوء، ونُقل عن عائشة قولها إن أحدهم يتوضأ من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها. وذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب الوضوء الشرعي من الكلام القبيح كالغيبة.وُجُوب
الوجوب في اللغة الثبوت واللزوم، والسقوط إلى الأرض، والموت، وعند الفقهاء شغل الذمة بالواجب، وعند الأصوليين تعلق الإيجاب بأفعال المكلفين. والإيجاب طلب الفعل مع المنع من الترك، والواجب فعل المكلف نفسه، وقد يُنسب الحكم إلى الحاكم فيُسمى إيجاباً، ويُنسب إلى المكلف فيُسمى وجوباً. وقال الزركشي لا فرق عند الشافعية بين الوجوب ووجوب الأداء، أما جمهور الحنفية فيفرّقون: الوجوب شغل الذمة، ووجوب الأداء طلب تفريغها.وُلوغ
الولوغ في اللغة شرب السباع بألسنتها، ومنه ولوغ الكلب في الإناء. والفقهاء مختلفون في نجاسة الإناء بولوغ الكلب، وفي عدد الغسلات، وفي تعدد الولوغ، وفي قبول خبر الثقة عن ولوغ الكلب في أحد الإنائين.يَد
اليد في اللغة من المنكب إلى أطراف الأصابع، وتطلق على النعمة والقدرة والسلطان. وأحكامها في الفقه: الاستنجاء باليسرى، وغسل اليدين في الوضوء وفي الإناء، ورفع الجنابة عن اليد وأثرها في استعمال الماء، ومسح اليد بالتراب في التيمم، وهيئة اليدين في الصلاة والدعاء، وعد الآي والتسبيح بالأصابع، ووضع اليد على الفم عند التثاؤب.يَلَمْلَم
يلملم جبل بتهامة جنوب مكة، وهو ميقات أهل اليمن ثبت بالنص، وقال النبي إن المواقيت لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها.يَمين
اليمين في اللغة الجهة والجارحة وهي خلاف اليسار، وتطلق على القسم لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم حالة التحالف، والمراد في الفقه اليد اليمنى والجهة اليمنى. استحب الفقهاء تقديم اليمين على اليسار في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء والغسل والأكل ودخول المسجد، وتقديم اليسار في كل ما هو من باب الإهانة والأذى كالامتخاط والاستنجاء، وذهب جمهورهم إلى أنه يسن للمصلي وضع يمينه على يساره.يَقين
اليقين في اللغة العلم وإزاحة الشك، وفي الفقه جزم القلب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه. وأحكامه: أصول الدين لا تثبت إلا باليقين، والقواعد الفقهية: اليقين لا يزول بالشك، والأصل بقاء ما كان، وبراءة الذمة، والأصل في الأبضاع التحريم، والأصل في الأشياء العدم.يَأس
اليأس لغة القنوط وقطع الأمل، وفي الاصطلاح انقطاع الرجاء. وأحكامه في الفقه: النهي عن اليأس من رحمة الله، وكونه سبباً للتيمم عند فقد الماء، وتوبة اليائس الذي شاهد دلائل الموت، وسن اليأس من الحيض وعدة اليائسة.يَسير
اليسير في اللغة السهل، وفي الفقه القليل الذي لا يؤثر في الحكم: فالحركة اليسيرة لا تبطل الصلاة، والكلام اليسير المتعمد يبطلها، والفاصل اليسير بين الإيجاب والقبول والاستثناء والمستثنى منه لا يضر، وكذلك الإعراض اليسير بين الرضعات.يَوم السبت
السبت في اللغة الراحة والقطع والدهر ويوم من الأسبوع، وسَبْت اليهود انقطاعهم عن المعيشة والاكتساب، ويستعمله الفقهاء بالمعنى اللغوي. ومن أحكامه كراهة إفراده بالصوم عند الجمهور لحديث النهي عن صومه إلا في المفروض، ومعاملة يهودي في مسائل يومه: فلا يكره عند الحنابلة إكراه المرأة اليهودية على إفساد سبتها مع تأكد حق الزوج، ويسقط حق اليهودي في الشفعة إذا لم يطلبها لسبته، ويكلف بالحضور إلى مجلس القضاء في سبته عند الحنفية والشافعية.يَوم
اليوم في اللغة مقدار من الزمان من طلوع الشمس إلى غروبها، وفي اصطلاح الفقهاء زمان ممتد من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فيكون أطول من النهار. يترتب عليه أحكام في النذر والاعتكاف والتعليق: فمن نذر اعتكاف يوم غير معين لزمه عند الجمهور أن يدخل معتكفه قبل الفجر ويخرج بعد الغروب، ومن علّق طلاقاً بيوم معين وقع في فجر ذلك اليوم عند جمهور الفقهاء.الظلم
الظلم عند كثير من العلماء وضع الأشياء في غير موضعها، وفسّره آخرون بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه — ونقل نحوه عن إياس بن معاوية — فيكون على هذا مستحيلاً على الله إذ كل ما يفعله تصرف في ملكه، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي عمران بن حصين حين سأله عن القدر؛ وفي شرح ابن رجب لقوله في الحديث القدسي «إني حرمت الظلم على نفسي» أن معناه منعه عن عباده، وعلى تعريف الوضع في غير الموضع يدل على أن الله قادر على الظلم لكنه لا يفعله فضلاً وجوداً وكرماً وإحساناً، وأن خلقه أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم إذ لا يوصف إلا بأفعاله؛ وأخرج موقوفاً عن أبي بن كعب ونحوه عن ابن مسعود وزيد بن ثابت «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» وفي إسناده نظر عنده؛ والظلم المحرم بين العباد نوعان: ظلم النفس وأعظمه الشرك لقوله تعالى «إن الشرك لظلم عظيم» [لقمان 13] ثم المعاصي كبائرها وصغائرها، وظلم العبد لغيره وهو المذكور في قوله «وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»، وشهد له خطبة حجة الوداع بتحريم الدماء والأموال والأعراض وحديث ابن عمر «الظلم ظلمات يوم القيامة» وحديث أبي موسى «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». وجعله ابن خلدون مؤذناً بخراب العمران لأن العدوان على الأموال يذهب بآمال الكسب فتنقبض الأيدي عن السعي وتكسد الأسواق، وهو أعم من أخذ المال فكل إيثاق بعمل أو مطالبة بغير حق ظلم، وعلة تحريمه أنه مؤذن بانقطاع النوع وهو الحكمة المرعية في مقاصد الشريعة الضرورية الخمسة
قاعة العرض
678
2010 م · 1431 هـ†فيلم محمد دياب عن ثلاث نساء مصريات يتصدين للتحرش؛ أول فيلم عربي يتناول قضية التحرش الجنسي مباشرة.قطار منتصف الليل
1978 م · 1398 هـ†فيلم آلن باركر عن أمريكي مسجون في تركيا للتهريب؛ أصبح مرجعًا في دراسات الصورة السلبية عن تركيا والسجون العثمانية.الدائرة
2000 م · 1421 هـ†فيلم جعفر بناهي — الأسد الذهبي في البندقية — عن نساء إيرانيات خارج السجن لا يجدن ملاذًا؛ من أفلام المرأة الإيرانية الكبرى.بول
2011 م · 1432 هـ†فيلم شعيب منصور الباكستاني عن عائلة تحت سلطة أب متشدد في لاهور؛ تناول حقوق النساء والمتحولين جنسيًا وكان أعلى الأفلام الباكستانية دخلًا حينها.إن شاء الله ولد
2023 م · 1444 هـ†فيلم أردني لأمجد الرشيد عن أرملة تقاتل قانون الميراث لتحتفظ ببيتها وابنتها؛ أول فيلم أردني في مسابقة كان.كفرناحوم
2018 م · 1439 هـ†فيلم نادين لبكي — جائزة لجنة التحكيم في كان وترشيح الأوسكار — عن طفل يقاضي والديه لأنهما أنجباه؛ أعلى الأفلام العربية دخلًا.نكاح
1982 م · 1402 هـ†فيلم هندي لبي آر شوبرا عن زوجة يطلقها زوجها طلقة ثلاثية في نوبة غضب وما يترتب على شرعية الزواج الثاني؛ أثار نقاشاً وطنياً في الهند عن الطلاق في الإسلام.رشاش
2021 م · 1442 هـ†مسلسل سعودي على شاهد عن رشاش الشيباني، أشهر قاطع طريق في السعودية الثمانينات؛ حقق نسب مشاهدة قياسية.شاهد
2012 م · 1433 هـ†فيلم هنسال ميهتا عن المحامي المسلم شاهد عزمي الذي دافع عن المتهمين في قضايا إرهاب حتى اغتياله.
ما الناقص؟ أخبرنا · يُعدّ المحور مفتوحًا حين يكون له دليل مراجَع و10 أسئلة و25 مادة في 5 أصناف وأصوات من عدة مذاهب وأقاليم.