تُحفظ على هذا الجهاز فقط؛ لا يُرسَل شيء إلى أي مكان.
وَكالة
Wakala (agency, fiqh)
الوكالة بالفتح والكسر في اللغة الحفظ، ومنه الوكيل في أسماء الله بمعنى الحافظ، ومنه التوكل، والتوكيل تفويض التصرف إلى الغير، وسُمّي الوكيل وكيلاً لأن موكّله فوّض إليه القيام بأمره. 1 وفي الاصطلاح تعددت التعريفات: فعرّفها الحنفية بأنها إقامة الغير مقام نفسه في تصرف جائز معلوم، ترفّهاً أو عجزاً؛ وعرّفها المالكية بأنها نيابة ذي حق، غير ذي إمرة ولا عبادة، لغيره فيه غير مشروطة بموته؛ وعرّفها الشافعية بأنها تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته؛ وعرّفها الحنابلة بأنها استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة من حقوق الله وحقوق الآدميين. 12
يفرّق الكتاب بين الوكالة وألفاظ قريبة منها: النيابة، وهي قيام الإنسان عن غيره بفعل أمر، وهي عند بعضهم أعم من الوكالة، وعند آخرين مترادفة؛ والولاية، وهي تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى، وهي نيابة شرعية أو إجبارية، بينما الوكالة نيابة اتفاقية؛ والإيصاء، وهو إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في التصرف بعد الموت، بينما الوكالة في الحياة؛ والقوامة، وهي ولاية يفوضها القاضي إلى راشد للتصرف لمصلحة القاصر، أو ولاية الزوج على زوجته. 2
اتفق الفقهاء على مشروعية الوكالة، واستدلوا عليها بالقرآن: بقصة أصحاب الكهف في بعث أحدهم بورقهم إلى المدينة، وبآية الحكمين في سورة النساء، والحكم وكيل عن الزوجين على رأي. 3 وبالسنة: حديث عروة بن أبي الجعد البارقي الذي أعطاه النبي ﷺ ديناراً ليشتري به شاة، وحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه في شراء الأضحية، وحديث جابر في الوكيل بخيبر، وحديث أبي رافع في زواج النبي بميمونة وكان الرسول بينهما؛ وأجمع الفقهاء على جوازها من عصر النبي إلى اليوم. 34 واستدلوا بالمعقول، وهو أن الحاجة داعية إليها، لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه لمرض أو كبر أو وجاهة، فلو لم تجز لوقع الحرج المنفيّ. 4
أركان الوكالة. يرى جمهور الفقهاء أنها الصيغة والعاقدان (الموكل والوكيل) ومحل العقد (الموكل فيه)، ويرى الحنفية أن ركنها الإيجاب والقبول، لأن وجودهما يستلزم الركنين الآخرين. 4 والصيغة هي الإيجاب والقبول، يُعبّر بهما عن التراضي. 4
الإيجاب. يرى الجمهور أنه ما يصدر من الموكل ويدل على إذنه بالتوكيل، ويرى الحنفية أنه ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين للدلالة على رغبته في إنشاء العقد. 5 ويتحقق بكل ما يدل على الرضا بالوكالة، باللفظ أو الكتابة أو الرسالة أو إشارة الأخرس. 5 فمن اللفظ الصريح: وكلتك، أو فوضت إليك، أو أنبتك، أو أذنت لك، أو أقمتك مقامي، أو أنت وكيلي؛ وأما الأمر كقوله بعه، فيصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة، وعند المالكية إذا جرى العرف به. 6 أما ألفاظ «سأوكلك» و«أوكلك» و«قد عولت عليك» و«قد اعتمدت عليك» فلا تنعقد بها الوكالة عند الشافعية لاحتمالها، إلا أن يُضم إليها لفظ صريح. 67
وتنعقد الوكالة بالرسالة عند الحنفية والمالكية والشافعية، ويكون الوكيل وكيلاً متى بلغه الخبر وقبل، سواء كان المخبر عادلاً أو غير عادل. 67 ويتحقق الإيجاب بالكتابة المستبينة، وبالإشارة المفهومة من الأخرس، وبالفعل الدال على الإذن عند الحنابلة، وبما جرت العادة باعتباره إيجاباً عند المالكية، كتصرف الزوج في مال زوجته وهي عالمة ساكتة. 78 ولا يكون السكوت إيجاباً عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ فمن رأى أجنبياً يبيع ماله فسكت لم يصبح وكيلاً بسكوته. 8
القبول. يتحقق باللفظ، كأن يقول الوكيل قبلت، أو بكلام يشعر بالقبول؛ وزاد الحنفية والشافعية أنه لا بد ألا يرده الوكيل، فإن رده بعد الإيجاب لم تنعقد الوكالة وإن قبل بعد ذلك، ما لم يجدد الإيجاب والقبول. 89 وفي القبول بالفعل ثلاثة آراء: الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية في أصح الوجهين والحنابلة) يرون أنه يتحقق بكل فعل دال عليه، كفعل الوكيل ما أمره به الموكل؛ والشافعية في وجه والحنابلة في قول وزفر من الحنفية يرونه لا يتحقق إلا باللفظ؛ والشافعية في وجه ثالث يفرّقون: إن كانت صيغة الإيجاب أمراً كقوله «بع واشترِ» تحقق القبول بالفعل، وإن كانت صيغة عقد كـ«وكلتك» فلا بد من اللفظ. 9 ويصح القبول بالكتابة المستبينة المعنونة، وبإشارة الأخرس المعلومة، وعند الحنفية يكون سكوت الوكيل قبولاً ويرتد برده. 9
وإذا تراخى القبول عن الإيجاب، فجمهور الفقهاء (الحنفية والحنابلة والشافعية في المذهب والمالكية في أحد القولين) يصححونه، لأن الإذن قائم ما لم يرجع عنه الموكل، فأشبه الإباحة؛ وقيّد الشافعية ذلك بألا يتعين زمان العمل، فإن تعين وخيف فواته كان القبول على الفور، وكذا إذا عرضه الحاكم عليه عند ثبوتها عنده. 10 وذهب المالكية في القول الثاني وأبو حامد المروروذي من الشافعية إلى أن القبول على الفور، لأن الوكالة عقد في حال الحياة فيكون القبول فيه على الفور كالبيع. 10 وقال المازري إن التحقيق يرجع إلى القصد والعوائد: هل المراد من هذه الألفاظ استدعاء الجواب فوراً، أم معجلاً أو مؤجلاً؟ 10
أقسام صيغة الوكالة بحسب وقت ترتّب آثارها: المنجّزة، وهي ألا تكون معلقة بشرط ولا مضافة إلى وقت، والمعلقة، والمضافة إلى المستقبل، والموقتة. 10
الصيغة المنجزة، وهي ألا تُعلّق بشرط ولا تُضاف إلى وقت، كقول الموكل «وكّلتك ببيع الدار الفلانية»، وهي صحيحة باتفاق الفقهاء. 11
الصيغة المعلقة على شرط. اختلف الفقهاء في صحتها على رأيين. الأول، للحنفية والحنابلة على الصحيح عندهم وللشافعية في مقابل الأصح، أنها صحيحة، كقول «إذا قدم الحاج فبع هذا الطعام»، واستدلوا بحديث ابن عمر في إمرة زيد بن حارثة رضي الله عنه في غزوة مؤتة، ثم جعفر، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إن قُتل من قبله، ولأنه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمه وهو إباحة التصرف، فهو أشبه بالوصية. 11 والثاني، للشافعية في الأصح وللحنابلة في قول، أنها فاسدة؛ قال الماوردي إن تعليق الوكالة بالشروط والآجال فاسد. 11 وأجاز الشافعية أن ينجز الموكل الوكالة ويشترط للتصرف شرطاً، كقوله «بعها بعد شهر»، لأن ذلك تأخير لا تعليق؛ ونقل الغزالي عن العراقيين أن قدوم فلان أو مضي شهر شرط للتصرف لا للعقد فيجب على الوكيل الامتثال. 11
الصيغة الدورية، وصورتها أن يقول الموكل «وكّلتك ببيع هذا المال، وكلما عزلتك فأنت وكيلي»، فتتجدد الوكالة كلما عُزل. 1112 وصحّحها الحنفية والحنابلة على الصحيح، بناءً على أن الوكالة تقبل التعليق، ويملك الموكل عزل الوكيل متى شاء عند الحنفية؛ ويحصل العزل عند الحنابلة بقول الموكل «عزلتك، وكلما وكلتك فقد عزلتك». 12 ومنع ابن تيمية صحتها لأنها تجعل العقد الجائز لازماً، والمقصود من التعليق المنع من التوكيل لا فسخ عقد قبل انعقاده. 12 وقال الشافعية في صحتها في الحال وجهان، أصحهما الصحة، فإن عزله ولم يعلم الوكيل أو علم، ففي عوده بعد العزل وجهان، أصحهما المنع؛ وإن قال «كلما عزلتك» تكرر العود أبداً، وإن قال «إذا» أو «متى» فمرة واحدة. 1213
الصيغة المضافة إلى المستقبل، كقول الموكل «وكّلتك على أن تبيع دوابي في شهر رمضان» أو «وكّلتك في بيع هذه الدار غداً»، وقد أجازها الحنفية والحنابلة، ويُقرّ الحنفية أن الوكيل يصبح وكيلاً من الغد فما بعده لا قبله، ويوافقهم الشافعية لأن الوكالة نُجّزت في الحال وعُلّق التصرف على وقت في المستقبل. 13
الصيغة المعلقة على وقت، كقوله «إذا جاء رأس الشهر فقد وكّلتك في بيع داري»، وهي باطلة في الأصح عند الشافعية لأن تعليق الوكالة بالآجال فاسد، وصحيحة عند الحنفية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح. 13 وفرّق الحنفية بين الإضافة والتعليق: فالمضاف سبب ينعقد به العقد في الحال مع تأخّر حكمه إلى الوقت، أما المعلّق ففيه مانع من أن يكون سبباً للحكم في الحال، فلا تنعقد الوكالة إلا عند وجود الشرط. 13
الصيغة المؤقتة، كقوله «أنت وكيلي شهراً»، وهي صحيحة عند الفقهاء. 14 واختلفوا في بقائها بعد الوقت: فالشافعية لا تبقى بعده. وعند الحنفية روايتان فيمن وُكّل ببيع الدار «اليوم» فباعها غداً، فقيل الصحيح أنها لا تبقى، وقيل تبقى لأن ذكر اليوم للتعجيل لا للتوقيت؛ ونقل صاحب منحة الخالق عن البزازية أن الوكالة إلى عشرة أيام لا تنتهي بمضيّ العشرة في الأصح. 14
اقتران الوكالة بشرط. إن كان الشرط فاسداً، فذهب الحنفية وأحمد في أظهر روايتيه وابن أبي ليلى إلى أن الوكالة لا تبطل بأي شرط فاسد، وذهب الشافعية إلى أن الشرط الفاسد يُفسد الوكالة، كأن يقول الموكل «امنع المبيع من المشتري»، لأن منع الحق عمّن يستحق إثبات اليد عليه حرام. 1415 وقال الزركشي إن العقود الجائزة كالشركة والوكالة والمضاربة، فاسدها لا يمنع نفوذ التصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها. 15 وفائدة الفساد سقوط المسمى من الأجرة والرجوع إلى أجرة المثل. 15 ورأى بعض الحنابلة أن الوكالة تبطل كالوديعة لزوال الائتمان، وقال أبو محمد الشافعي إن الإذن ليس منفصلاً عن الوكالة فمعنى فسادها بطلان الإذن. 1516
صفة عقد الوكالة، أي هل هو لازم أو جائز. الرأي الأول، للحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية، أنها عقد جائز من الجانبين لأنها تبرّع لا لزوم فيه، فقد يرى الموكل المصلحة في ترك ما وكّل فيه أو في توكيل غيره، ولأن الوكيل قد لا يتفرغ. 16 واستثنى الحنفية والمالكية ما إذا تعلّق بالوكالة حق الغير، فتلزم، كوكيل الخصومة بطلب الخصم، والوكيل ببيع الرهن في حضور المرتهن. 16 وقال الحنفية إن على عدم لزومها تتفرع ثلاث مسائل: لا يدخلها خيار الشرط، ولا يُحكم بالوكالة مقصودة، وللوكيل أن يستقيل منها متى أراد. 16 الرأي الثاني، إن كانت بأجرة على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب أن تجتمع فيها شرائط الإجارة، وبهذا صرح الشافعية والمالكية في قول. 1617 الرأي الثالث، لبعض المتأخرين من المالكية، أنها لازمة من جانب الوكيل وإن كانت بغير أجرة، قياساً على لزوم الهبة وإن لم تُقبض. 17 وإن كانت على سبيل الجعالة ففيها ثلاثة أقوال عند المالكية: اللزوم من الطرفين، والجواز من الطرفين وهو المعتمد عند الشافعية، واللزوم من جهة الجاعل دون المجعول له. 17
الركن الثاني: العاقدان، وهما الموكل والوكيل. أولاً: الموكل، وهو من يقيم غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم، ويُشترط أن يملك ذلك التصرف وأن تلزمه أحكامه. 17 واتفق الفقهاء على أنه لا تجوز الوكالة من المجنون والمعتوه والمغمى عليه والنائم والصبي غير المميز مطلقاً. 17
يجوز توكيل الصبي المميز في التصرفات النافعة له نفعاً محضاً باتفاق، أما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر فتصح عند الحنفية والمالكية والحنابلة بإذن الولي، وأبطلها الشافعية. 18 ولا تجوز الوكالة من السفيه المحجور عليه فيما لا يستقل به، ويجوز فيما يستقل به. 18
ولا يجوز عند جمهور الفقهاء توكيل المرأة في النكاح، لأنها لا تزوج نفسها فلا توكل فيه، وأجازه الحنفية، وأجازه المالكية في بعض الصور. 18
وفي توكيل المرتد ثلاثة أقوال: الأول، لجمهور الفقهاء (الشافعية في أظهر الأقوال، والحنابلة، وأبي حنيفة)، أنها متوقفة على عودته إلى الإسلام، فإن أسلم نفذت، وإن مات أو قُتل أو لحق بدار الحرب مرتداً بطلت؛ والثاني، للصاحبين وللشافعية في قول، أنها صحيحة نافذة، وزاد الحنفية أن المرتدة يجوز توكيلها باتفاقهم؛ والثالث، للشافعية في قول استوجهه زكريا الأنصاري والشبراملسي، أنها باطلة. 1819
وفي توكيل المسلم الذمي في بيع الخمر والخنزير: ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والصاحبان إلى أنه لا يصح، لأن شرط الوكالة أن يملك الموكل التصرف الذي يوكّل فيه، والمسلم لا يملك بيعهما، وفاقد الشيء لا يعطيه؛ وذهب أبو حنيفة إلى الصحة، لأنه يكفي أن يكون للموكل أهلية أداء تخوّله توكيل الغير. 19
وفي توكيل المحرم لحلال في النكاح: لا يجوز عند جمهور الفقهاء لأنه لا يباشر العقد حال إحرام الموكل، وأجازه الحنفية مطلقاً. 19 ونص الحنابلة على أنه لا تصح الوكالة إذا لم يعرف الوكيل موكله، بأن قيل له «وكّلك زيد» ولم يُنسب ولم يُوصف بما يميّزه. 19
الوكيل. يشترط فيه ما يشترط في الموكل من العقل، فلا يجوز توكيل المجنون والمعتوه والصبي غير المميز باتفاق. 19 وفي اشتراط البلوغ: الحنفية والحنابلة أجازوا وكالة الصبي المميز الذي يعقل العقد ويقصده، وتعود حقوق العقد إلى الموكل لا إليه، وحجتهم أثر أن النبي زوّج أم سلمة بعمرو بن أم سلمة وكان صبياً؛ ومنعه الشافعية لأنه غير مكلف ولا يملك التصرف في حق نفسه فلا يملكه في حق غيره. 20 ويشترط أن يكون الوكيل معيناً، فإذا قال شخص «وكّلت أحد الناس في بيع سلعة» بطلت الوكالة لجهالة الوكيل. 20 وذكر ابن نجيم أن قول الدائن لمدينه «من جاءك بعلامة كذا فادفع ما لي إليه» توكيل مجهول لا يصح، فلا يبرأ المدين بالدفع إليه. 21
علم الوكيل بالوكالة. عند الحنفية العلم بالتوكيل في الجملة شرط، إما علم الوكيل وإما علم من يعامله؛ فلو باع الوكيل قبل علمه وعلم المشتري بالتوكيل لم يجز البيع حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد العلم. وإذا أخبره بالوكالة عدل صار وكيلاً عند الإجماع، فإن أخبره واحد غير عدل فصدّقه صار وكيلاً، وإن لم يصدّقه فليس بوكيل عند أبي حنيفة، وهو وكيل عند أبي يوسف ومحمد. 22 وذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط العلم، لأن الاعتبار في العقود بما في نفس الأمر، وهو ما يؤخذ من الأظهر عند الشافعية. 22 وعدالة الوكيل لا تشترط في الجملة، إلا في عقود معينة كالنكاح، وذكورته لا تشترط في الجملة إلا في بعض العقود كالنكاح. 2223
محل الوكالة، وهو التصرف المأذون فيه من الموكل للوكيل بملك أو ولاية. وشرطه عند الشافعية ثلاثة: أن يكون معلوماً من بعض الوجوه، وأن يقبل النيابة، وأن يملكه الموكل حال التوكيل. 22 وتنقسم الوكالة باعتبار المحل إلى خاصة وعامة. فالخاصة ما كان فيها التوكيل بتصرف معين، ولا يتصرف الوكيل إلا فيه باتفاق. 23 والعامة، ففيها خلاف: الحنفية والمالكية يجيزونها في الجملة مع تفصيل، فقال الحنفية إن قوله «أنت وكيلي في كل قليل وكثير» وكالة بالحفظ فقط، وإن قال «في كل شيء جائز أمرك» صار وكيلاً في جميع التصرفات المالية كالبيع والشراء والهبة والصدقة، واختلفوا في الطلاق والعتاق والوقف، والمفتى به عندهم أنه لا يملكها. 2324 وقال المالكية لا تنعقد بمجرد قوله «وكلتك»، بل يُفوَّض الأمر تفويضاً، وما كان فيه تنمية المال جاز، وما كان كالعتق والهبة والصدقة لثواب الآخرة لا يجوز إلا بإذن صريح. 24 أما الشافعية والحنابلة فلا يصحون التوكيل العام، لكثرة الغرر، فلا يصح قوله «وكلتك في كل قليل وكثير لي»، ويصح قوله «وكلتك في بيع أموالي وقبض ديوني» وإن جُهلت الأموال والديون. 24
ضابط ما يصح أن يكون محلاً للوكالة: كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكّل فيه غيره، لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة لبعض الأحوال فيحتاج إلى التوكيل. 2425 وقد اتفق الفقهاء على جواز التوكيل في البيع والشراء، لأن الحاجة داعية إليه، وفعل النبي ذلك حين وكّل عروة البارقي في شراء الشاة، ودفع إلى حكيم بن حزام ديناراً ليشتري به أضحية. 25 واتفقوا أيضاً على جواز التوكيل في الحوالة والرهن والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والوصية والفسخ والإبراء والمصارفة والإقالة والشفعة، لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل؛ وكذلك في الضمان والصلح والهبة. 25
اتفق الفقهاء على صحة التوكيل في عقد النكاح من الرجل، واستدلوا بتوكيل النبي عمرو بن أمية رضي الله عنه وأبا رافع في قبول النكاح له، وبأن الحاجة داعية إليه إذ قد يحتاج الموكل إلى الزواج من مكان بعيد لا يستطيع السفر إليه، وبزواج النبي أم حبيبة وهي يومئذ بأرض الحبشة. 26
واتفقوا على جواز التوكيل في العبادات المالية كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات، لأن النبي بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها. 2627 واتفقوا على جواز التوكيل في الطلاق والرجعة والخلع، لأن الحاجة إليه كالحاجة إلى التوكيل في البيع والنكاح. 26
ما لا يصح التوكيل فيه باتفاق. الشهادة: لا يجوز التوكيل فيها، لأنها تتعلق بعين الشاهد فيما رآه أو سمعه، ولأنها مبنية على التعبد واليقين؛ فإن استناب فيها كان النائب شاهداً على شهادته يؤدي ما سمع من شاهد الأصل لا وكيلاً. 26 والأيمان والنذور، لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر، وكذلك اللعان والإيلاء والقسامة. 27 والمعاصي كالقتل والسرقة والغصب والقذف، لأنها محرمة لا يصح فعلها من الموكل ولا من الوكيل. 27 والعبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، لأنها تتعلق ببدن من وجبت عليه. 27
ما اختلف فيه. الحج: لا يجوز التوكيل فيه لمن يقدر على الحج بنفسه، أما العاجز فتفصيله في موضعه. 27 والعمرة: يجوز في الجملة أداؤها عن الغير بالوكالة. 27 والنكاح من المرأة: جمهور الفقهاء يمنعون أن توكل المرأة في الزواج أو تتوكل فيه، والحنفية يجيزونه للحرة البالغة العاقلة. 28 والظهار: منعه الجمهور، وأجازه الشافعية في مقابل الأصح، ورأى ابن عبد السلام من المالكية أنه كالطلاق. 28 وتحصيل المباحات كإحياء الموات والاصطياد وحفر المعدن: أجازه المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة، ومنعه الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة لأن الملك للوكيل بوضع اليد. 28 والإقرار بالحقوق: أجازه الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح، ومنعه الشافعية في الأصح والطحاوي لأنه إخبار عن حق كالشهادة. 29
الخصومة: أجازها المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان في الدين والعين وسائر الحقوق، حاضراً كان الموكل أو غائباً، رضي الخصم أو لم يرضَ، واستثنى المالكية ما إذا كان الوكيل عدواً للخصم. 29 واستدلوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكّل عقيلاً عند أبي بكر، وبأن الحاجة داعية إليها. 29 وقال أبو حنيفة لا تجوز الوكالة بالخصومة إلا برضا الخصم، إلا إذا كان الموكل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أيام فأكثر، لأن حضور الموكل لمجلس الحكم حق لخصمه؛ ووجهه أن الدعوى خبر يحتمل الصدق والكذب، فلا يلزم جوابه إلا للضرورة، والضرورة قائمة عند مرض الموكل أو سفره. 30 وذكر الجصاص أنه لا فصل في ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة، واستحسن المتأخرون توكيل المرأة المخدّرة، وقال ابن أبي ليلى لا يجوز إلا توكيل البكر. 30
إثبات القصاص واستيفاؤه: أجاز المالكية والشافعية والحنابلة وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن التوكيل في إثباته، وخالف أبو يوسف فلم يجزه إلا من الموكل لأن الشبهة يُتحرز عنها في الحدود والقصاص. 3031 وفي استيفاء القصاص: المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب أجازوه في حضرة الموكل وغيبته؛ والحنفية وبعض الشافعية والحنابلة لا يجيزونه إن كان الموكل غائباً لاحتمال العفو. 31
إثبات الحدود واستيفاؤها: الحنابلة في المذهب أجازوا التوكيل في إثبات حد الزنا مستندين إلى قصة أُنيس، وقال أبو الخطاب منهم لا يصح؛ والشافعية لا يجيزونه في حدود الله إلا حد القذف لأن الحق لله وقد أُمر بالدرء. 31 وفي الاستيفاء أجازه المالكية والشافعية والحنابلة، واستدلوا بأمر النبي برجم ماعز وبتوكيل عثمان علياً في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة. 32 وقال الحنفية إن حقوق الله نوعان، فالإثبات: لا يجوز التوكيل فيما لا يحتاج إلى خصومة كحد الزنا والخمر، ويجوز فيما يحتاج إليها كحد السرقة والقذف عند أبي حنيفة ومحمد، ومنعه أبو يوسف؛ والاستيفاء في القذف والسرقة يجوز إن كان المقذوف أو المسروق منه حاضراً، واختلف مشايخهم إن كان غائباً. 3233
أحكام الوكالة. تتعلق بالوكيل بأن ينفذها في الحدود التي أذن بها الموكل أو قيّده الشرع أو العرف، وأن يوافي الموكل بالمعلومات الضرورية ويقدم حساب الوكالة، وأن يرد ما للموكل في يده. 33 والوكالة الخاصة تصدر مطلقة وتصدر مقيدة. 33 ومن صورها الوكالة بالبيع، فعند أبي حنيفة الوكيل بالبيع المطلق لا يتقيد بقيد إلا إذا كان متهماً، فيملك البيع بالقليل والكثير وبالنقد والنسيئة وبالعرض، لأن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولأن البيع بغبن فاحش لغرض شراء ما هو أربح متعارف. 33
الوكالة المطلقة في البيع. اختلف الفقهاء في تقييدها على رأيين. الأول لأبي حنيفة، وهو أن الوكيل المطلق لا يتقيد بأي قيد إلا إذا كان متهماً، فيملك البيع بالقليل والكثير وبالنقد والنسيئة وبالعرض، لأن اللفظ المطلق يجري على إطلاقه، ولأن البيع بغبن فاحش لغرض شراء ما هو أربح متعارف. 34 والثاني لجمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) وهو أن الوكيل المطلق مقيد بقيود، منها: أن يبيع بنقد البلد، لأن إطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد، وأن يبيع بثمن المثل فيما لا يتغابن الناس بمثله، فإن باع دونه فعند المالكية يخير الموكل ولو يسيراً، واليسير نصف العشر فأقل، وعند الحنابلة يصح البيع ويضمن الوكيل النقص. 3435 ومنها أن يبيع بالنقود لا بالعرض عند المالكية والحنابلة والصاحبين، وأن لا يبيع نسيئة عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويتخرج عند الحنابلة جواز ذلك. 35 وأن لا يبيع بمنفعة عند الحنابلة. 35
بيع الوكيل لنفسه. جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب والمالكية في المعتمد) يمنعون ذلك، لأن العرف في البيع أن يبيع الإنسان من غيره، ولأن فيه تهمة؛ وأجازه المالكية والحنابلة إذا أذن له الموكل، واستثنى المالكية ما إذا تناهت الرغبات أو كان البيع بحضرة الموكل. 3536 وعن أحمد رواية بالجواز إذا زاد على الثمن في النداء وتولى النداء غيره، ورأى القاضي أن الثاني قد يكون واجباً. 36 وعند المالكية في قول: يجوز إن لم يحاب نفسه. 36
بيع الوكيل لمن لا تُقبل شهادته له. عند الحنفية إن باع ممن لا تُقبل شهادته له بأكثر من القيمة جاز، وبأقل بغبن فاحش لا يجوز بالإجماع، وبمثل القيمة فيه روايتان؛ وأجاز الصاحبان البيع منهم بمثل القيمة إلا من عبده أو مكاتبه. 36 وعند المالكية على المشهور لا يجوز للوكيل أن يبيع لمحجوره من صغير أو سفيه أو رقيق غير مأذون. 37 وعند الشافعية لا يجوز أن يبيع لولده الصغير ولو أُذن له، والأصح جواز بيعه لأصوله ولفروعه غير المحجورين. 37 وعند الحنابلة في المذهب لا يجوز أن يبيع لولده أو والده أو مكاتبه، ويجوز في الوجه الثاني، ومحل الخلاف إن لم يأذن الموكل. 37
الوكالة المقيدة في البيع. يلتزم الوكيل بقيود موكله باتفاق. قال الحنفية إن الوكيل إذا خالف قيد موكله لا ينفذ على الموكل إلا بإجازته، إلا أن يكون الخلاف إلى خير، فيكون ذلك موافقة معنى. فإذا قال «بع ثوبي بألف درهم» فباعه بأقل أو بغير الدراهم لم ينفذ، وإن باعه بأكثر نفذ، وإن قال «بع نسيئة» فباعه حالاً نفذ، وإن أمره بالحلول فباعه نسيئة توقف. 38 ورأى المالكية أن الزيادة في البيع أو النقص في الشراء لا توجب الخيار، لأن ذلك مما يرغب فيه، وأن المخالفة لا توجب الخيار إلا إذا تعلق بها غرض صحيح. 38 وقال الشافعية والحنابلة: لا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه الإذن نطقاً أو عرفاً، فإن كان في أحد التصرفين ضرر بالموكل امتنع، لقوله «لا ضرر ولا ضرار»، وإن كان فيه نظر له لزم، وهو مقتضى النصيحة. 3839 والإذن المقيد بزمان لا يتعداه، والمقيد بمكان يتعلق به غرض، والمقيد بمشترٍ معين لا يتعدى إلى غيره إلا إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عينه. 3940
مخالفة الوكيل في الثمن. في الوصف: إذا أمره ببيع نسيئة فباع حالاً، فجمهور الفقهاء يجيزون البيع وينفذ في حق الموكل لأن الموكل حصل مقصوده وزاده الوكيل خيراً؛ ويرى الحنابلة في قول أنه إن كان للموكل غرض معين في التأجيل بطل البيع، ومنعه الشافعية إن كان للموكل غرض. 4041 وإذا أمره ببيع نسيئة بثمن محدد فباعها نقداً بأقل، فالحنفية والشافعية والحنابلة لا يجيزون البيع، والمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل. 41 وإذا أمره بالحلول فباع نسيئة، فالحنفية والشافعية والحنابلة لا يجيزون البيع لأن للتعجيل غرضاً، والمالكية يجعلونه موقوفاً على الإجازة. 41
وللشافعية والحنابلة أن الوكيل لا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقاً أو عرفاً، فإن كان في أحد التصرفين ضرر بالموكل امتنع، وإن كان فيه نظر له لزم. 3839 والإذن المقيد بزمان لا يتعداه، والمقيد بمكان ذي غرض لا يُتعدّى إلى غيره، والمقيد بمشترٍ معين لا يُتعدى إلى غيره إلا إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عينه. 3940
إذا أمره ببيع السلعة حالاً بألف فباعها بألف نسيئة لم ينفذ، بل يتوقف على إجازة الموكل، وهذا قول الكاساني. 42
مخالفة الوكيل في جنس الثمن. إذا أمره ببيع السلعة بالدنانير فباعها بالدراهم أو بالعروض، فالحنفية والشافعية والقاضي من الحنابلة لا يجيزون البيع وإن كانت قيمته أكثر، لأن الإذن في جنس ليس إذناً في جنس آخر؛ ويرى الحنابلة في المذهب أنه إذا أمره بالبيع بدرهم فباعه بدينار صح، لأنه مأذون فيه عرفاً. 42 والمالكية في تخيير الموكل بين الإمضاء والفسخ قولان إذا كان النقدان من نقد البلد وتساوت قيمتهما، وإلا خُيّر قولاً واحداً. 4243 وإذا أمره بالنقد فباعه بعرض لم يصح عند الحنابلة والمالكية، لأن العروض ليست من جنس الأثمان. 43
مخالفة الوكيل في قدر الثمن. إذا باع بأكثر من الثمن المحدد وكانت الزيادة من جنسه، فالجمهور يصححون البيع لأن المخالفة إلى خير؛ وزاد الشافعية أن يمتنع إذا صرّح الموكل بالنهي عن الزيادة، وفي قول عندهم لا يجوز مطلقاً لأن للمالك غرضاً في إبرار قسمه. 43 وإذا باع بأقل من المحدد، فالمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل، ويرد السلعة إن كانت قائمة، أو يرد قيمتها إن فاتت؛ والشافعية والحنابلة في رواية يبطلونه؛ والحنابلة في المذهب يصححونه مع ضمان الوكيل للنقص، ولهم في قدر النقص وجهان. 4344
مخالفة الوكيل في المكان. إذا عين له مكاناً محدداً فباع في غيره: الشافعية والحنابلة وابن شاس من المالكية يوجبون التقيد إذا كان للمكان غرض معين، كسوق معروفة بجودة النقد أو كثرة الثمن؛ والحنابلة والشافعية في وجه يجيزون البيع في مكان آخر إذا تساوى المكانان في الغرض؛ والحنفية يوجبون التقيد ويضمن الوكيل إن خالف؛ والمالكية يجعلون البيع موقوفاً على الإجازة؛ والشافعية في المعتمد لا يجوزونه. 44
مخالفة الوكيل في الزمان. إذا حدد زمناً فباع في غيره، فالحنفية والشافعية والحنابلة يمنعون البيع ولا يلزم الموكل، لأن الموكل قد يؤثر التصرف في زمن حاجته دون غيره؛ والمالكية يخيّرون الموكل بين الإمضاء والرد. 4445
مخالفة الوكيل في المشتري المعين. إذا قال «لا تبع إلا له» فباع لغيره، فالجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) لا يجيزونه، والشافعية والحنابلة يجيزونه إذا علم الوكيل أن الموكل لا غرض له في عين المشتري؛ والمالكية يخيّرون الموكل. 45
تفريق الصفقة. إذا باع بعض السلعة ولم يبع الباقي، فإن كان التبعيض لا يضر بالموكل صح البيع عند الحنفية والشافعية والحنابلة ما لم ينهه عن ذلك الحنابلة، وقاعدة المالكية أن الموكل يخيّر بين الإجازة والرد. 4546 وإن كان فيه ضرر، فالشافعية والحنابلة يبطلونه، والمالكية وأبو يوسف ومحمد يجعلونه موقوفاً، وأبو حنيفة يجيزه نافذاً. 46
مخالفة الوكيل في جنس المبيع. إذا باع سلعة أخرى مكان المعينة، فالشافعية والحنابلة في الصحيح يبطلون البيع لأن الوكيل لا يملك إلا ما يقتضيه الإذن، والمالكية والحنابلة في رواية يجعلون الموكل مخيّراً. 46
الوكالة بالشراء. يجوز إطلاقها، كقوله «اشترِ لي ما شئت»، عند الحنفية والمالكية وأحمد في رواية، لأن الموكل فوّض الرأي؛ ومنعه الحنابلة في المذهب والشافعية لأنه قد يشتري ما لا يقدر على ثمنه. 47 وشراء الوكيل لموكله من ماله أو من محاجيره: الحنفية يمنعونه، ويجيزه أبو يوسف ومحمد إذا كان بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها؛ وإن كانت الوكالة عامة جاز باتفاقهم. 4748 والمالكية في المعتمد والحنابلة في المذهب يمنعون شراءه مما يملكه، ويجيزونه إذا أذن الموكل، والمالكية يجيزون شراءه من أقاربه إن لم تكن تهمة. 4849 والشافعية يمنعونه مطلقاً من ماله أو من ولده الصغير، ويجيزونه في الأصح من أصوله وفروعه البالغين المستقلين. 49
الوكالة بالشراء المقيدة. تجوز عند الحنفية في الاستحسان والمالكية والحنابلة في المذهب ولو لم يُذكر نوع السلعة، كأن يقول «اشتر لي ثوباً»، قياساً على القراض، ودليلهم حديث دفع الدينار إلى حكيم بن حزام ليشتري أضحية، لأن الجهالة القليلة في الوكالة لا تفضي إلى المنازعة لأن أساسها الفسحة. 49
الشراء بالوكالة المقيدة، والمخالفة فيه. إذا أمره بالشراء بثمن مؤجل لتأجيل مرخص به فاشترى نقداً، فالجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية في وجه والحنابلة في المذهب) يجيزون الشراء ويلزم الموكل إذا لم يزد الوكيل في الثمن، لأن المخالفة في الصورة وفاق في المعنى؛ والشافعية في المعتمد لا يصححونه، لأن الموكل قصد ألا يكون عليه دين؛ والحنابلة في رأي يمنعونه إن تضرر الموكل. 5051 وإن اشترى مؤجلاً وقد أمره بالحلول، فالحنفية يلزمون الوكيل وحده، والمالكية يجعلون الخيار للموكل، والشافعية يبطلون الشراء إن كان بعين ماله، والحنابلة يجعلونه موقوفاً على الإجازة. 51
مخالفة جنس الثمن في الشراء. الشافعية والحنابلة في وجه يبطلونه، والحنابلة في المذهب يجيزون إبدال الدراهم بالدنانير والعكس لأن من رضي بالدرهم رضي بمكانه الدينار، ولا يجوز إبدال العروض مكان النقدين؛ والحنفية: إذا أمره بالشراء بالدنانير فاشترى بغيرها من العروض لم يلزم الموكل، والمشهور عند الكرخي أن الشراء بالدراهم عن الدنانير كذلك لا يلزم الموكل؛ والمالكية يجعلون ذلك موقوفاً على الإجازة، وفي إلزام الموكل بالدراهم عن الدنانير قولان مشهوران. 5152
مخالفة قدر الثمن. إن كانت المخالفة إلى خير، كشراء الدابة بأقل من الثمن المسمى، صح الشراء ولزم الموكل. واستثنى الشافعية والحنابلة ما إذا نهاه الموكل عن النقص. وإن كانت إلى غير خير، فالحنفية يلزمون الوكيل ولا يلزمون الموكل؛ والمالكية يلزمون الموكل الزيادة اليسيرة، كالواحد في العشرين، ويجعلون الزيادة الكثيرة موقوفة على إجازته، ويلزم الوكيل إن التزمها؛ والشافعية والحنابلة في وجه يبطلونه؛ والحنابلة في المذهب يصححونه ويضمن الوكيل الزيادة. 5253
مخالفة المشترى. إذا اشترى غير ما وكل فيه، فالحنفية يجعلون الشراء للوكيل ولا يلزم الموكل؛ والمالكية يخيّرون الموكل فإن رده وقع للوكيل ويدفع ثمنه من ماله؛ والشافعية يبطلون إن اشتراه بعين المال، وإن اشتراه في ذمته ولم يسمِّ الموكل وقع للوكيل ولو نوى الموكل؛ والحنابلة يصححون الشراء في الذمة مع روايتين في لزومه للموكل، والشراء بعين المال باطل على الصحيح. 535455
مخالفة قدر المشترى. الحنفية يفرّقون بين القيميات، فلا ينفذ الزائد على الموكل، وبين الموزونات، فيلزم الموكل قدر ما أمر به عند أبي حنيفة وبعض روايات محمد، ويلزمه الكل عند أبي يوسف ومحمد. والحنابلة والمالكية في مقابل المشهور يلزمون الموكل إذا اشترى شاتين بدينار تساويان كل واحدة منهما ديناراً، والحنابلة يقيدون ذلك بأن تساوي إحداهما الدينار. 5556 والشافعية يفرّقون بين وصف الموكل للشاة أو عدم وصفها. 56
تفريق الصفقة في الشراء. إذا كان المأمور به لا يمتنع تبعيضه عرفاً ولا يضر الموكل، فقد اتفق الفقهاء على جواز التبعيض، فيلزم الموكل ما اشتراه الوكيل، والحنابلة والشافعية في أحد الوجهين يقيدونه بألا يقل الموكل «اشتر ذلك صفقة واحدة». 5657 وإن منع العرف التبعيض أو ترتب عليه ضرر، فالحنفية والمالكية يجعلونه موقوفاً على إجازة الموكل، وجمهور الحنفية يصححون شراء الباقي قبل أن يخاصمه الموكل أمام القضاء، وزفر يرى أن الشراء يقع للوكيل وحده. 57
إذا أمر بشراء سلعة موصوفة فلا يجوز أن يشتريها إلا سليمة، لأن إطلاق البيع يقتضي السلامة من العيوب؛ فإن اشتراها معيبة، فعند الحنفية لا تلزم الموكل إذا كانت الصفة غير متحققة، كأن يشتري له جارية تخدمه فيشتري عمياء أو مقطوعة اليدين، أو يشتري دابة يركبها فيشتري مهراً، باتفاق. 5859 ولو عيّن له السلعة فاشتراها وهي معيبة ولم يعلم الوكيل بالعيب لزمت الموكل وكان له الرد. 59 وإن علم الوكيل بالعيب لم يلزم الموكل. 59 وإذا قبض الوكيل المشترى ثم اطلع على عيب فله رده ما دام في يده، فإن سلّمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه. 59
وعند المالكية يلزم الوكيل المعيب إذا علم بعيبه واشتراه على البت، ولا يلزم الموكل إلا إذا كان العيب يسيراً يغتفر عادة والشراء غبطة. 5960 وعند الشافعية في الشراء في الذمة: إن كان المعيب يساوي بالعيب ما اشتراه به ولم يعلم الوكيل، وقع للموكل، وإن علم فالأصح لا يقع له، وإن لم يساوِ ولم يعلم الوكيل فالأصح يقع للموكل، وإن علم لم يقع. 60 وإن اشترى بعين مال الموكل ولم يعلم العيب وقع للموكل، وإن علم لم يصح. 60
وعند الحنابلة: إذا علم الوكيل بالعيب لم يلزم الموكل ما اشتراه في الذمة؛ وإن لم يعلم جاز الشراء وللوكيل والموكل رده. 61 وإذا عيّن له الموكل السلعة فاشتراها وهي معيبة، فإن علم الوكيل بالعيب قبل الشراء لم يجز له الشراء، ولو اشترى لزمه ولم يلزم الموكل إلا إذا رضيه. 61
الوكيل في العقد الفاسد. إذا وكّل في عقد فاسد لم يملك الوكيل عقداً صحيحاً بدلاً منه عند الشافعية والحنابلة ومحمد وزفر، وأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف استحساناً إذا كان خيراً للموكل، كالوكيل بالبيع بألف إذا باع بألفين. 6263
الوكيل ومخالفته في شرط الخيار. عند الحنفية إذا أمره أن يبيع بخيار ثلاثة أيام للموكل فباعه بغير خيار أو بخيار أقل، فالبيع باطل وهو ضامن. وإذا أمره بخيار شهر فشرط ثلاثة أيام جاز عند أبي حنيفة استحساناً، ولم يجز عندهما. 63 وعند الشافعية إذا قال «بع بشرط الخيار» فباع مطلقاً لم يصح. 6364 وعند الحنابلة يجوز للوكيل شرط الخيار لنفسه ولموكله، ولا يملك شرطه للعاقد معه، لأنه إلزام لموكله بما لم يلتزمه. 64
إقرار الوكيل بالخصومة. يمنعه المالكية والشافعية والحنابلة وزفر، لأن الإقرار يقطع الخصومة فلا يملكه الوكيل بها، ولأن الأمر بالشيء لا يتناول ضده. 64 وأجازه أبو حنيفة ومحمد عند القاضي فقط دون الحدود والقصاص، والقياس عندهما الجواز عند غيره أيضاً، وأجازه أبو يوسف مطلقاً؛ وإذا استثنى الموكل الإقرار فإقرار الوكيل لا يصح ويخرج به عن الوكالة. 6465
الوكيل في الخصومة لا يملك المصالحة أو الإبراء أو البيع أو الهبة أو تأجيل الحق، باتفاق. 65
الوكيل بالقبض إذا جحد من عليه الحق. الحنابلة في المذهب والشافعية في وجه يجعلون الوكيل بالقبض وكيلاً في الخصومة لإثبات الحق لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا به، ومنعه أبو يوسف ومحمد والمالكية والحنابلة في وجه والشافعية في وجه. 6566
الإذن في القبض ليس إذناً في الخصومة، لا نطقاً ولا عرفاً، لأن من يُرضى للقبض لا يُرضى بالضرورة للخصومة. 66 ويفرق أبو حنيفة بين الوكيل بقبض العين، فلا يكون خصماً فيما يدعيه المدعى عليه من شراء ونحوه، والوكيل بقبض الدين، فيكون خصماً لأن استيفاء الدين مبادلة يملكها الوكيل بالخصومة. 6667 وفي حق الوكيل بالخصومة في قبض ما وُكّل بالخصومة فيه: الشافعية والحنابلة في المذهب وزفر والمروي عن أبي يوسف يمنعونه لأن الموكل قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض؛ والحنفية غير زفر والحنابلة في قول يجيزونه، لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمامه. 67
وفي توكيل الوكيل بالخصومة غيره: إذا أذن له الموكل فله ذلك، وإذا نهاه فلا. 6768 وعند الإطلاق: الحنفية والمالكية والحنابلة في المذهب يمنعونه لأن الناس يتفاوتون في الخصومة؛ وقيد المالكية والحنابلة ذلك بما يليق بالوكيل، فإن كان مما لا يليق به أو لا يحسنه جاز له التوكيل، وزاد المالكية أنه يوكل من يعينه إذا كثرت الخصومة. 68 وقال ابن قدامة: إن أطلق الوكالة فإن كان العمل مما يترفع عنه الوكيل عادة أو يعجز عنه جاز التوكيل، وإن كان مما يعمله بنفسه وعجز عن جميعه لكثرته جاز، وفيما عدا ذلك روايتان. 6869
وإذا وكّل شخصان واحداً في الخصومة وكان أحدهما يخاصم الآخر، فالتوكيل فاسد عند الحنفية؛ وإن وكّل الخصوم جميعاً في جهة واحدة، فجائز. 69
وفي وفاء الدين بالوكيل: إذا قال الموكل «اقضه ولا تشهد» فلا ضمان على الوكيل إن أنكره الدائن، وإن أمره بالإشهاد فلم يشهد فيضمن. 69 وإن أمره بالقضاء دون إشهاد فقضاه ولم يشهد، ضمن عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب، لأنه مفرّط. 6970 ولا يضمن إذا قضى بحضرة الموكل، عند المالكية والحنابلة في المذهب والشافعية في أصح الوجهين، ويضمن عند الشافعية في الوجه الآخر. 70
التوكيل باقتضاء الدين. إذا قبضه الوكيل برئ المدين، والمقبوض ملك للموكل وأمانة في يد الوكيل، وليس للوكيل أن يهب الدين أو يؤخره أو يبرئ منه؛ وعند الحنفية ليس له أن يأخذ به رهناً، ويجوز له أن يأخذ كفيلاً؛ وعند المالكية والحنابلة ليس له أن يصالح عن الدين إلا بإذن الموكل. 7071
دفع الحق إلى من يدعي وكالة الغائب. يجبر الحاكم المدين على الدفع إذا أقام المدعي بينة على الوكالة باتفاق. 71 وإن لم تقم بينة، فالمالكية والشافعية والحنابلة يرون أن المدين لا يلزمه الدفع إلى مدعي الوكالة إلا إن صدّقه، والمدين إذا دفع باختياره وأنكر الدائن الوكالة، رجع الدائن على الدافع وحده، ويرجع الدافع على الوكيل إن تلف بتعدٍّ أو تفريط. 7172 أما الحنفية فيفرقون بين الدين والعين، ويرون أن المدين إن صدّق مدعي الوكالة أُمر بالدفع، وإن كذّبه فالوكيل وحده يُلزم بما قبضه. 7273
إذا أقام الغريم البينة أن الطالب جحد الوكالة وأخذ منه المال، قُبلت، لأنه يثبت بذلك انقطاع حق الطالب عن المدفوع، فينتقض يد الوكيل ضرورة. أما إن كان الحق عيناً كالوديعة فصدّقه المودع لم يؤمر بالدفع إليه، لأنه إقرار بقبض مال الغير، بخلاف الدين فيؤمر بدفعه. 74 وإذا سلّم المودع الوديعة إلى مدعي الوكالة فهلكت وأنكر المالك الوكالة ضمّن المودِع، وله أن يحلّفه، وليس له أن يرجع على الوكيل إلا إذا ضمّنه وقت الدفع. 74
تعدد الوكلاء. يجوز للموكل أن يوكّل أكثر من وكيل في تصرف معين غير الخصومة، فإن وكّلهم بكلام واحد في وقت واحد، فلا ينفرد أحدهم بالتصرف إلا أن يجيز ذلك الموكل؛ وعند الحنفية إن كان التصرف مما يحتاج إلى الرأي والمشورة كالبيع والنكاح وقبض الدين فلا ينفرد أحدهما، وإن كان مما لا يحتاج إليه كتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين فينفرد كل منهم. 7475 وإن وكّلهم بكلامين مرتبين، فأيهم تصرف جاز عند الحنفية والمالكية. 7677 أما الوكيلان بالخصومة فينفرد كل منهما عند الحنفية، عدا زفر، وعند الحنابلة في قول والشافعية في مقابل الأصح، لأن الغرض إعلام القاضي، ويمنعه زفر والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب. 77
توكيل الوكيل غيره. أ- مع الإذن يجوز بالاتفاق. ب- مع النهي لا يجوز بالاتفاق. ج- مع التفويض، كقوله «اصنع ما شئت» أو «اعمل برأيك»، يجوز عند الحنفية والمالكية والحنابلة، ويمنعه الشافعية لاحتمال الألفاظ. 78 د- مع الإطلاق: جمهور الفقهاء يمنعونه لأن الموكل رضي برأي الوكيل والناس يتفاوتون في الرأي، واستثنى بعضهم صورتين: أن يترفع الوكيل عن العمل أو يعجز عنه، فيجوز، وأن يكون العمل مما يعمله بنفسه لكنه يعجز عن جميعه لكثرته، فيجوز عند الحنابلة في المذهب والشافعية في قول، ويقتصر عند المالكية والشافعية في المذهب على الزائد عن طاقته. 7879 وأحمد وابن أبي ليلى يجيزانه مطلقاً. 80
اشتراط الأمانة فيمن يوكّله الوكيل. يجب أن يكون أميناً، إلا أن يعيّن الموكل غير أمين فيتبع الوكيل تعيينه؛ وإن صار الوكيل الثاني خائناً فالحنابلة والشافعية في قول يوجبون على الوكيل عزله، والشافعية في الأصح لا يملكون عزله. 80
تكييف وكالة من يوكّله الوكيل. إذا قال الموكل «وكّل عني» أو «فوّض إليه»، فالوكيل الثاني وكيل الموكل ولا ينعزل بعزل الأول، وينعزل الاثنان بموت الموكل؛ وإذا قال «وكّل عنك» فالثاني وكيل الأول، فينعزل بعزله وموته، والموكل عند الشافعية والحنابلة له عزل الفرع. 8081 وإن قال «وكّل» ولم يقل «عني» ولا «عنك» فالحنفية والمالكية والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب يجعلونه وكيل الموكل. 81 والتوكيل بغير إذن أصلاً لا يصح عند الجمهور، ويصححه أحمد وابن أبي ليلى في رواية. 81
الوكيل أمين على ما تحت يده من مال موكله، فهو بمنزلة الوديعة، فلا ضمان عليه فيما يهلك إلا إن تعدى أو فرّط، سواء أكان بأجر أم متبرعاً، لأن يده يد الموكل، ولأن الوكالة عقد إرفاق. 82 ويترتب على أمانته أن قوله مقبول في دفع الضمان عن نفسه مع يمينه، لأن مبنى الوكالة على التسامح والإرفاق. 8283
اشتراط الضمان أو نفيه. قال ابن قدامة إن ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه؛ وعن أحمد ما يدل على نفي الضمان بالشرط، والأول ظاهر المذهب. 8283
التعدي والتفريط. يضمن الوكيل إذا حمّل الدابة فوق طاقتها، أو لبس الثوب بغير إذن، أو ضيّع المال ولا يعرف كيف ضاع، أو خلط مال موكله بماله خلطاً لا يتميز، أو امتنع عن الرد بلا عذر، أو أخر الرد بعد زوال العذر. 8384 وإذا دفع الموكل الدين بنفسه ثم دفعه الوكيل، فلا ضمان على الوكيل إن لم يعلم، فإن علم ضمن لأن علمه بفعل الموكل علم بالعزل؛ وعند أبي حنيفة يضمن الوكيل في الزكاة مطلقاً. 84 وإن باع الوكيل بالحلول فسلّم المبيع قبل قبض الثمن فجحده المشتري، ضمن قيمة المبيع. 8485 وإذا أخر تسليم الثمن بغير عذر حتى هلك في يده ضمن، وإن كان له عذر فلا ضمان. 85
ومن ذبح الشاة خطأ ضمن لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وإذا أمره بقبض الوديعة كلها فقبض بعضها ضمن ويسقط الضمان إن قبض الباقي قبل هلاك الأول. 85
كيفية الضمان. المثلي يُضمن بمثله، والقيمي بقيمته، والمثلي إذا تعذر مثله بقيمته، وتُعتبر القيمة يوم التعدي أو الهلاك لا غيره. 8586
تقديم البيان. يلتزم الوكيل بأن يقدم للموكل ما يطلبه من بيانات عما تصرف فيه، وقال ابن حجر إن كل أمين طُلب منه البيان والحساب لزمه، والعبرة بالجواب والدعوى لا بالخط. 86
رد ما في يد الوكيل. يجب عليه رد ما في يده لموكله، فإن امتنع عن الرد مع المطالبة بلا عذر حتى تلف ضمن، وكذا إن زال العذر فأخّر الرد حتى تلف. 86
إذا اتفق الموكل والوكيل على أجر وجب الأجر باتفاق. وإن لم يتفقا: عند الحنفية إن كان الوكيل ممن لا يعمل بالأجر فالوكالة تبرع، وإن كان من أصحاب المهن التي يعمل أهلها بالأجر، كالسمسار والدلّال، استحق أجر المثل. وقد نصت المادة (١٤٦٧) من مجلة الأحكام العدلية على ذلك. 87
وقت استحقاق الأجر. يستحقه الوكيل بتسليم ما عُهد إليه إلى الموكل إن كان مما يمكن تسليمه، كالثوب الذي ينسجه أو يخيطه؛ وإن وكّل في بيع أو شراء أو حج استحق الأجر المتفق عليه بإتمام العمل، إلا إذا اشترط الموكل تسليم الثمن أولاً فلم يسلمه الوكيل فلا أجر له. 8788
شروط استحقاق الأجر: أن يكون العمل معلوماً، وأن تكون الأجرة معلومة المقدار، وألا تكون الأجرة جزءاً من المعقود عليه عند بعض الفقهاء، وأن ينفّذ الوكيل الوكالة تنفيذاً صحيحاً. ومن الجعل المجهول قول «جعلك عُشر ثمنه» فيكون له أجر المثل. 88 وإذا باع الوكيل بيعاً فاسداً فلا جعل له، لأن الإذن المطلق في البيع يقتضي الصحيح فقط، فإن باع صحيحاً وتلف الثمن في يده فله الأجر لوجود العمل. 8889
رجوع الوكيل على الموكل بما دفعه. إذا أمره بقضاء دين عليه فقضاه من ماله رجع عليه شرط الرجوع أو لم يشترط؛ وإذا وكّله بالشراء ولم يدفع إليه الثمن فدفعه من ماله، فعند الحنفية، عدا زفر، له حبس المبيع حتى يستوفي الثمن من الموكل، لأنه عاقد وجب له الثمن. ويرى زفر أنه لا يحبسه، لأن المبيع أمانة في يده، وعلى أبي يوسف يكون الضمان ضمان الرهن، وعلى زفر ضمان الغصب. 888990
الجهة التي تتعلق بها حقوق العقد الذي يعقده الوكيل. العقود نوعان: ما يجوز إضافته إلى الوكيل، كالبيع والإجارة، فحقوقه تعود إليه كالمالك، فيسلّم المبيع ويقبض الثمن ويطالب به؛ وما يلزم إضافته إلى الموكل، كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد، فحقوقه تعود إلى الموكل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر. 9091 والشافعية وأحمد في رواية يجعلون حقوق العقد متعلقة بالوكيل مطلقاً، والحنابلة في المذهب بالموكل مطلقاً. 90
إذا أمر الوكيل بقبض الثمن ملك المطالبة، وأيهما طلبه المشتري أُجبر على تسليمه إليه؛ وإذا نهى الموكل الوكيل عن القبض فنهيه صحيح، لكن المشتري إذا نقد الثمن إلى الموكل برئ استحساناً. 91 وإذا استحق المبيع في يد المشتري رجع بالثمن على من نقده إليه، الوكيل أو الموكل؛ وكذا العيب يخاصم فيه الوكيل إن كان هو المتسلم. 91
العقود التي يلزم إضافتها إلى الموكل، كالنكاح والخلع والعتق على مال والكتابة والصلح عن دم العمد، تكون حقوقها للموكل وعليه، والوكيل فيها سفير ومعبّر، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر، ولا يملك وكيل المرأة قبضه. 9192 وعند المالكية يطالب وكيل البيع بالثمن وقبضه، ووكيل الشراء بقبض المبيع وتسليمه، ويرد المعيب إن لم يكن عالماً بعيبه، ويطالب بالثمن ما لم يصرح بالبراءة منه. 92
كيفية انصراف حكم العقد إلى الموكل. جمهور الفقهاء (الحنفية في الصحيح، والشافعية في الصحيح، والمالكية والحنابلة) يرون أن الحكم ينتقل إلى الموكل مباشرة لأن العقد له، والكرخي يرى أن الحكم يثبت للوكيل أولاً ثم ينتقل إلى الموكل، وأبو زيد يجعله نائباً في الحكم أصيلاً في الحقوق. 92
اختلاف الوكيل والموكل. في أصل الوكالة: القول قول الموكل لأن الأصل عدم الوكالة. 9293 وفي صفة الوكالة كالعين والثمن والنقد والنسيئة: قول الموكل عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في وجه؛ واستثنى المالكية صورتين يكون فيهما القول قول الوكيل بيمينه، وعند الحنابلة في المذهب قول الوكيل لأنه أمين. 93
تلف ما بيد الوكيل بغير تفريط: القول قول الوكيل مع يمينه باتفاق، لأنه أمين، ويتعذر عليه الإشهاد، والمالكية يقيدونه بالتهمة، والحنابلة بالسبب الخفي كالسرقة؛ وإن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب فعند القاضي من الحنابلة عليه إثبات الحادث الظاهر ثم يحلف. 9394 والتعدي والتفريط في الحفظ: القول قول الوكيل مع يمينه، لأنه منكر. 94
الاختلاف في التصرف المأذون فيه وقبض الثمن: تفصيل الحنفية في بيع الوكيل وقبضه الثمن وهلاكه، وقد يكون المبيع مسلّماً إلى الوكيل أو غير مسلّم؛ فإن صدّقه الموكل في البيع والقبض دون الهلاك، فالقول للوكيل في الهلاك مع يمينه؛ وإن كذّبه الموكل في ذلك كله لم يصدّق الوكيل في حق الموكل في القبض، والمشتري بالخيار إن شاء نقد ثانياً وإن شاء فسخ. 959697 وعند المالكية إذا قال الوكيل «تصرفت كما أذنت» فالقول قوله، لأنه أمين. 97 وعند الشافعية إن جرى الاختلاف بعد الانعزال لم يُقبل قوله إلا ببينة، وإن جرى قبله فقولان، أظهرهما للأكثرين قول الموكل، وقيل ما يستقل به الوكيل يُقبل قوله فيه بيمينه. 97 وعند الحنابلة في المذهب: إذا قال الوكيل «بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف» فالقول قوله. 98
دعوى رد ما بيد الوكيل. القول قول الوكيل مع يمينه عند الجمهور، سواء كانت بأجر أو بغير أجر عند الحنفية والمالكية؛ وعند الشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في المذهب لا يُقبل قوله إن كان يعمل بأجر إلا ببينة. 98
انتهاء الوكالة. أولاً: العزل، فالوكالة عقد غير لازم، فيجوز لكل من الطرفين فسخها بالعزل. 98
انتهاء الوكالة، وأولها العزل. يجوز للموكل عزل الوكيل وأن ينهاه عن التصرف، وللوكيل أن يعزل نفسه، باتفاق الفقهاء في الجملة. 99
شروط صحة عزل الوكيل من موكله: الأول، علم الوكيل بالعزل، فيشترطه الحنفية وقول عند المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة، ولا يشترطه المالكية في قول والشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب. ويتم علم الوكيل عند الحنفية بحضور العزل، أو بكتاب الموكل الغائب، أو بالرسول الذي يبلغه، ولو كان غير عدل أو صغيراً، أو بخبر عدلين أو عدل، وإن كان الخبر من غير عدل فصدّقه ينعزل؛ وأبو حنيفة لا يجعله منعزلاً إن كذّبه ولو ظهر صدق الخبر، لأن الإخبار عن العزل شبيه بالشهادة، وخالفه أبو يوسف ومحمد. 99100 الثاني، ألا يتعلق بالوكالة حق الغير، فعند الحنفية لا يجوز العزل بغير رضا صاحب الحق، كالمرتهن الذي وُكّل ببيع الرهن، والمدعي الذي وكل المدعى عليه بالخصومة؛ والشافعية يجيزون عزل الوكيل إذا كانت الوكالة بسؤال الخصم، والمالكية يمنعون عزله بعد أن يقاعد الخصم ثلاثاً. 100101 الثالث، ألا تكون الوكالة بإجارة، فهي لازمة. الرابع، ألا يترتب على العزل مفسدة، فيحرم العزل إن كان يؤدي إلى استيلاء ظالم على مال المولى عليه. 101
عزل الوكيل نفسه لا يشترط فيه علم الموكل عند جمهور الفقهاء، إلا عند الحنفية إن كانت الوكالة بالخصومة أو بشراء شيء معين. 101102
الوفاة. تبطل الوكالة بموت الموكل أو الوكيل باتفاق، لأن الموت مبطل للأهلية، والمال انتقل إلى الورثة. وعند الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب لا يُشترط علم الوكيل بالموت، وعند المالكية ينعزل الوكيل إن كان المتعاقد معه حاضراً في بلد الموت وعلم بالوكالة إن علم بالموت، وإلا فلا ينعزل إلا بعلمه بالموت. 102
الجنون. الحنفية يبطلون الوكالة بالجنون المطبق، وحده عند أبي يوسف بالشهر، ومحمد بالسنة، والمطبق لا تعود الوكالة بإفاقته؛ والشافعية والحنابلة في المذهب يبطلونها بالجنون، والمالكية لا تنعزل إلا أن يطول جنون الموكل فيُنظر فيه الحاكم، والحنابلة في قول يرونها لا تبطل. 103
الإغماء. جمهور الفقهاء لا يبطلونها به، والشافعية في الأصح يبطلونها إلحاقاً بالجنون. 104
الحجر. الحنفية يرون أن الحجر على الموكل أو الوكيل يبطل الوكالة، لكن تخصص الحنفية فتبطل بالحجر على الموكل إن كانت في العقود والخصومة لا في قضاء الدين وقبض الوديعة؛ والحنابلة تبطل بالحجر للسفه، وبفلس الموكل فيما حُجر عليه فيه؛ والشافعية تبطل بالحجر بسفه أو فلس في كل تصرف لا ينفذ؛ والمالكية تبطل بفلس الموكل الأخص لا الأعم. 104105
الردة. الحنفية: إذا حُكم بلحاق المرتد بدار الحرب بطلت وكالته ولا تعود بعوده مسلماً على المذهب، وتصرفاته قبل اللحاق موقوفة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد نافذة. والمالكية ينعزل الوكيل بردة موكله بعد أيام الاستتابة، والشافعية يبنون ذلك على زوال ملك المرتد وفيه أقوال، وأظهرها أن ملكه موقوف. والحنابلة: الصحيح في المذهب أن الوكالة لا تبطل بردة الوكيل، وتبطل بردة الموكل. 105106
الفسق. نص الحنابلة على أن الوكالة لا تبطل بفسق الوكيل إلا فيما ينافيه الفسق، كالإيجاب في عقد النكاح، فينعزل بفسقه أو بفسق موكله؛ وإن كان وكيلاً فيما تشترط فيه الأمانة، كوكيل ولي اليتيم أو ناظر الوقف، انعزل بفسق نفسه وفسق موكله. وأبطلها الشافعية بفسق الموكل فيما تشترط فيه السلامة من الفسق. 107
السكر. عند الشافعية ينعزل الوكيل إذا سكر أحدهما بغير تعدٍّ، وإن سكر بتعدٍّ فيحتمل الانعزال ويحتمل عدمه. وعند الحنابلة لا تبطل بالسكر إلا فيما ينافيه كالإيجاب في النكاح. وعند الحنفية لا تبطل بالسكر مطلقاً، فالوكيل بالطلاق إذا طلق وهو سكران لم يقع، والوكيل بالبيع إذا باع وهو سكران لم ينفذ على موكله. 107108
خروج محل التصرف عن ملك الموكل. إذا تصرف الموكل في المحل بنفسه، كأن يبيع السلعة قبل أن يبيعها الوكيل أو تستحق لغيره، أو تزوّج المرأة بنفسه، بطلت الوكالة. والمالكية إذا باع الموكل لواحد والوكيل لآخر، فالبيع الأول لازم، والثاني فضولي، إلا أن يقبض الثاني السلعة، فيمضي ويرد الأول إن لم يعلم الثاني والمشتري منه بالبيع الأول. وعند الحنابلة تبطل الوكالة بإقرار الوكيل على موكله بقبض ما وُكّل في قبضه، لاعترافه بذهاب محل الوكالة. 108
عودة الوكالة إذا عاد المحل إلى الموكل. قال محمد تعود، لأن العائد بالفسخ عين الملك الأول فيعود بحقوقه، وقال الشافعية وأبو يوسف لا تعود، لأن تصرف الموكل يتضمن عزل الوكيل. وقال ابن عابدين إنها تعود إن عاد الملك بما هو فسخ، لا بما ليس بفسخ. 108109
تعدي الوكيل فيما وُكّل فيه. الشافعية في الأصح والحنابلة في المذهب: لا تبطل الوكالة بالتعدي، لأن التصرف صدر بإذن، والأمانة تبطل بالتعدي والتصرف يبقى، كالرهن. والشافعية في مقابل الأصح والحنابلة في قول تبطلها، لأنها عقد أمانة كالوديعة. وقال المرداوي: إن أتلف الوكيل بتعديه عين ما وُكّل فيه بطلت الوكالة، وإن بقيت العين لم تبطل. 109
الإنكار. الحنابلة والحنفية في قول لا تبطلها جحود الوكيل أو الموكل، لأن الجحود لا يدل على دفع الإذن السابق؛ والحنفية في قول عليه الفتوى والحنابلة في قول تبطلها. والشافعية: الإنكار لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس عزلاً، فإن تعمد أحدهما الإنكار بلا غرض انعزل. 110
تلف محل الوكالة. تبطل الوكالة بتلف العين الموكل فيها، وبموت المرأة الموكل بطلاقها. وعند الحنفية تنعزل الوكالة بافتراق الشريكين الذين وكّلا شخصاً، ولو لم يعلم الوكيل. 110
إنجاز التصرف. ينعزل الوكيل عند الحنفية بانتهاء المأمور به، كأن يقبض الدين أو يعقد النكاح. 110
الرجوع دلالة. تبطل الوكالة عند الحنابلة برجوع الموكل دلالة، كوطء الزوجة التي وكّل في طلاقها، أو برجوع الوكيل دلالة، كقبوله وكالة عتق عبد كان قد وكّل في شرائه. 111