وَقْف

Waqf (endowment, fiqh)

الوقف في اللغة الحبس، ومنه وقفت الدار حبستها في سبيل الله، ومنه المنع والسكون، ويُطلق على الشيء الموقوف. 1 وفي الاصطلاح تعريفات متعددة: عند الحنفية حبس العين على حكم ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب عند الصاحبين، وعند أبي حنيفة حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق بالمنفعة؛ وعند المالكية إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً؛ وعند الشافعية حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود؛ وعند الحنابلة تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه يُصرف ريعه إلى جهة بر تقرباً إلى الله. 1

الألفاظ ذات الصلة: التبرع (التطوع بالشيء دون عوض، وهو أعم من الوقف)، والصدقة (تمليك في الحياة بغير عوض، وقد تُطلق على الوقف كما في حديث عمر في أرضه)، والهبة (العطية بلا عوض)، والعارية (إباحة الانتفاع بالعين مع بقاء ملكها للمعير)، والوصية. والفرق بين الوقف والهبة أن الوقف تمليك المنفعة مع بقاء العين على ملك الله فلا يجوز التصرف فيها، والهبة تمليك للعين. 12

الوصية: الحنفية تعريفها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، والشافعية نحو ذلك؛ والفرق بينها وبين الوقف أن الوصية تكون بعد الموت وقد تكون بالعين أو المنفعة، أما الوقف فتبرع في الحياة وبالمنفعة فقط. 2

مشروعية الوقف: ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعيته ولزومه واعتباره من القُرَب المندوب إليها، واستدلوا بحديث ابن عمر في أرض عمر بخيبر وقول النبي ﷺ له «إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها»، وبحديث «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث...»، وبأثر جابر في أن من له مال من المهاجرين والأنصار حبس مالاً؛ وقال ابن قدامة إن ذلك إجماع من الصحابة. 23 ونقل ابن عابدين عن الإسعاف أن الوقف جائز عند أبي حنيفة وأصحابه، وأن الخلاف في اللزوم، فعند أبي حنيفة يجوز جواز العارية ولا يلزم إلا بحكم القاضي أو بإخراجه مخرج الوصية؛ ونقل ابن قدامة عن شريح أنه لم يره. 3 وفي الحكم التكليفي: الأصل أنه قربة مندوبة، وقد يكون فرضاً إن نُذر، ومباحاً إن كان بلا قصد القربة كوقف الذمي فلا ثواب له، وحراماً إن كان على معصية كالكنيسة. 34 وذكر الكتاب أن بعض المالكية قالوا إن الوقف على البنين دون البنات حرام لشبهه بفعل الجاهلية، لكن ابن القاسم رأى الكراهة فيمضي. 4

أركان الوقف: عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) أربعة: الصيغة والواقف والموقوف عليه والموقوف، وعند الحنفية الركن الصيغة فقط. 4 ولا ينعقد الوقف إلا بالإيجاب، واختلفوا في اشتراط القبول لانعقاده. 4

صيغة الإيجاب: ما يدل على إرادة الواقف من لفظ أو إشارة مفهمة أو كتابة أو فعل. والألفاظ الصريحة عند المالكية والشافعية والحنابلة: «وقفت»، وكذا «حبست» عند المالكية والحنابلة والشافعية على الصحيح، و«سبّلت» عند الشافعية والحنابلة على الصحيح؛ ويصير الوقف بها دون زيادة لعرف الاستعمال، ولأن النبي قال لعمر «إن شئت حبست أصلها». 5 والكناية: لفظ «تصدقت»، إلا أن يضيفه إلى جهة عامة كالفقراء وينوي الوقف عند بعض الشافعية، وكذا «حرّمت» و«أبّدت» عند الحنابلة والأصح عند الشافعية، ولا يحصل الوقف بها إلا بضم قرينة كقوله «صدقة موقوفة» أو «صدقة لا تُباع ولا توهب ولا تورث» أو نية الوقف. 56

إذا اجتمع في يد القيّم من غلة الوقف ما يصح صرفه في وجه من وجوه البر، كفكّ الأسرى المسلمين أو إعانة الغازي المنقطع، والوقف محتاج إلى الإصلاح، فإن لم يكن في تأخير الإصلاح إلى غلة السنة التالية ضرر بيّن يُخشى معه خراب الوقف، صُرفت الغلة إلى وجه البر وأُخّرت المرمة، وإن كان في التأخير ضرر بيّن صُرفت الغلة أولاً إلى المرمة ثم ما فضل إلى وجه البر. 7 وذكر ابن نجيم أن المتولي إذا صرف الغلة للمستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها كان ضامناً، لأن ما يحتاج إليه الوقف من العمارة والمؤنة مستثنى من حق الفقراء. 7

عند الحنفية إذا كانت العمارة ضرورية، كرفع سقف أو بناء جدار، قُدّمت على جميع جهات الصرف، لأنه ليس من النظر أن يخرب المسجد لأجل ما يُعطى للإمام والمؤذن؛ فإن فضل شيء عن التعمير أُعطي ما هو أقرب إلى الوقف مما في قطعه ضرر بيّن. 7 وإن لم تكن العمارة ضرورية، بحيث لا يؤدي تركها إلى خراب العين لو أُخّرت إلى غلة السنة القادمة، قُدّم الأهم فالأهم. 7 وفرّق الحنفية بين أن يشترط الواقف تقديم العمارة كل سنة، فيُمسك القيّم كل سنة قدرها وإن لم تكن محتاجة الآن، وبين السكوت عنه، فلا تُدّخر العمارة عند عدم الحاجة إليها. 7 وإذا انهدم شيء من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارته، فإن كان التهيؤ للعمارة ثابتاً في الحال صُرف إليها، وإلا حُفظ حتى يتهيأ ذلك. 7

وعند الشافعية يُدّخر من زيادة غلة المسجد على حاجته، بتقدير هدمه، ويُشترى بالباقي عقار فيُوقف، لأن ذلك أحفظ له، ولا يُشترى من الموقوف على عمارته، لأن الواقف وقفه عليها. 8

اختلف الفقهاء في الجهة التي يُنفق منها على الموقوف وعمارته. فالحنفية والمالكية يرون أن ذلك من غلة الوقف شرط الواقف أو لم يشرط، لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله لا تجري إلا بهذا الطريق، وقال المالكية إن شرط الواقف غير ذلك بطل شرطه. 8 وإذا وقف الواقف داره على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى من ماله لا من الغلة، إذ الغرم بالغنم، فإن امتنع أو عجز لفقره آجرها القاضي منه أو من غيره وعمّرها من أجرتها، ولا يُجبر الآبي على العمارة، وهو قول المالكية أيضاً. 8 وقال المالكية إن الفرس الموقوف للغزو يُنفق عليه من بيت المال، فإن عُدم بيت المال بيع وعوض بثمنه سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة. 8

وذهب الشافعية والحنابلة إلى اتباع شرط الواقف. فعند الشافعية تكون النفقة ومؤنة التجهيز والعمارة من حيث شُرطت، وإلا فمن منافع الموقوف نفسه، ككسب العبد وغلة العقار، فإذا تعطلت منافعه فالنفقة ومؤنة التجهيز من بيت المال، أما العمارة فلا تجب على أحد، لأن العقار يشبه الملك المطلق، بخلاف الحيوان لصيانة روحه وحرمته. 8 9 وعند الحنابلة يُرجع إلى شرط الواقف، فإن عيّن الإنفاق من غلته أو من غيرها عُمل به؛ فإن لم يعيّن وكان الموقوف ذا روح كالرقيق والخيل أُنفق عليه من غلته، فإن لم تكن له غلة فنفقته على الموقوف عليه المعيّن، فإن تعذر الإنفاق لعجزه بيع وصُرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً، وإن أمكن إجارته أُجر بقدر نفقته. وإن كان الوقف على غير معيّن كالمساكين فنفقته في بيت المال، وإن كان الوقف عقاراً ونحوه لم تجب عمارته على أحد إلا بشرط الواقف. 9

ذهب الفقهاء إلى أن من تعدى على الوقف بهدم أو غيره ضمن. فعند الحنفية من آجر دار الوقف فجعل المستأجر رواقها مربطاً للدواب فخرّبها ضمن، لأنه فعل بغير إذن. 9 وعند المالكية من هدم وقفاً تعدياً فعليه إعادته على ما كان عليه ولو كان المهدوم بالياً، والراجح عندهم أن عليه قيمته كسائر المتلفات، وهو ما ارتضاه ابن عرفة وشهره عياض. 9 وعند الشافعية لا ضمان على من تلف في يده شيء من الكتب الموقوفة على طلب العلم بلا تعدٍّ، فإن تعدى ضمن، ومن التعدي استعماله فيما لم يُوقف له. 9

إذا احتاج الموقوف إلى تعمير أو نفقة ولم تكفِ الغلة، فهل يجوز للناظر الاستدانة على الوقف، وهل يحتاج إلى إذن؟ ذهب المالكية والحنابلة والحنفية في قول إلى جواز ذلك للناظر من غير إذن الحاكم، كسائر تصرفاته، لأنه مؤتمن مطلق التصرف. 10 وقال المالكية إن من التزم حين أخذ النظر أن يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه ذلك، وله الرجوع بما صرفه. 10 وعند الشافعية لا يجوز للناظر الاقتراض دون شرط الواقف أو إذن الإمام، ويجوز للإمام أن يقرض الناظر من بيت المال، أو يأذن له في الاقتراض، أو في الإنفاق من ماله على العمارة بشرط الرجوع؛ فإن اقترض بلا إذن ولا شرط لم يجز ولا يرجع بما صرفه لتعديه. 10

والمعتمد عند الحنفية أنه لا تجوز الاستدانة على الوقف إلا لمصلحته كالتعمير وشراء البذر، وتجوز بشرطين: إذن القاضي، فإن بَعُد عنه استدان المتولي بنفسه، وألا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها. 10 وذكر ابن عابدين أن الاستدانة لا تجوز بغير أمر الواقف، لأن الدين لا يثبت ابتداءً إلا في الذمة، والوقف لا ذمة له، والفقراء وإن كانت لهم ذمة فلكثرتهم لا تتصور مطالبتهم، فلا يثبت الدين إلا على القيّم. 10 وترك القياس عند الضرورة، فالمختار عند أبي الليث أن الاستدانة تجوز بأمر القاضي إذا لم يكن من الاستدانة بد ولم يكن القاضي بعيداً عن المتولي، لأن ولايته أعم في مصالح المسلمين. 10 أما ما له منه بد، كالصرف على المستحقين، فلا تجوز الاستدانة لأجله، إلا ما يُعطى للإمام والخطيب والمؤذن، وكذا الحصير والزيت للمسجد على القول الراجح. 10

وإذا لزم إذن القاضي فادعى المتولي الإذن، فالظاهر أنه لا يُقبل إلا ببينة وإن كان مقبول القول فيما في يده، لأنه يريد الرجوع في الغلة؛ فإن لم يستأذن حرم عليه الأخذ من الغلة، لأنه متبرع ما لم يوجد إذن. 11 وقال ابن عابدين إن المتولي إذا أنفق من ماله لإصلاح الوقف كان له الرجوع بذلك في غلته، وفي فتاوى الحانوتي أن له الرجوع ديانة، لكن لا يُقبل ادعاؤه ذلك إلا أن يُشهد أنه أنفق ليرجع، ويجب تقييد ذلك بما إذا كانت للوقف غلة، فإن لم تكن له غلة فلا بد من إذن القاضي. 11

ثانياً: بيع الموقوف والاستبدال به. إذا تعطّل الموقوف وصار بحال لا يُنتفع بها، أجاز الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في رأي بيعه وجعل ثمنه في مثله. 11 وأجاز الحنفية البيع والاستبدال ولو لم يتعطل الموقوف، لكن بشروط خاصة، وفرّق المالكية بين العقار والمنقول في الجملة. 11

للاستبدال عند الحنفية ثلاث صور. الأولى أن يشترط الواقف لنفسه أو لغيره استبدال أرض الوقف بأرض أخرى حين الوقف، وله صيغتان: الأولى أن يقول «أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبداً على أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضاً أخرى» فتكون الثانية وقفاً بشرائط الأولى. 11 وذهب أبو يوسف وهلال والخصاف إلى جواز الوقف والشرط استحساناً، وهو الصحيح على ما في فتاوى قاضيخان، لأن هذا الشرط لا يُبطل حكم الوقف، فالوقف يحتمل الانتقال من أرض إلى أخرى، والثانية تقوم مقام الأولى. 11 12 ومثال ذلك أن أرض الوقف إذا غصبها غاصب فأجرى عليها الماء حتى صارت بحراً لا تصلح للزراعة ضمن قيمتها واشترى بها أرضاً تكون وقفاً على شروط الأولى، وكذلك إذا قلّ ريعها لآفة ولم تفضل غلتها عن مؤنتها، فصلاح الوقف في الاستبدال، فيصح أن يشترط الواقف ولاية الاستبدال وإن لم تكن الضرورة قائمة في الحال. 12

وقال محمد ويوسف بن خالد السمتي إن الوقف صحيح والشرط باطل، وهو القياس. ووجّه السرخسي قول محمد بأن هذا الشرط لا يؤثر في المنع من زوال الوقف، فيتم الوقف ويبقى الاستبدال شرطاً فاسداً باطلاً في نفسه، كالمسجد إذا شُرط الاستبدال به أو شُرط أن يُصلّى فيه قوم دون قوم. 12 وقال بعض فقهاء الحنفية إن الوقف والشرط فاسدان. 12 ونقل الكمال بن الهمام عن الأنصاري أن الشرط صحيح، لكن لا يُباع إلا بإذن الحاكم، وينبغي للحاكم إذا رُفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعه إذا رآه أنظر لأهل الوقف. 12

ولو شرط الواقف أن يبيع الأرض ويشتري بثمنها أرضاً أخرى ولم يزد صح استحساناً، وصارت الثانية وقفاً بشروط الأولى من غير تجديد وقف، لأن الأرض تعيّنت للوقف فيقوم ثمنها مقامها. والقياس البطلان، لأنه لم يذكر إقامة أرض أخرى مقام الأولى. 12 والصيغة الثانية: لو شرط أن للقيّم الاستبدال ولم يشرطه لنفسه كان له أن يستبدل لنفسه، لأن إفادة الولاية لغيره فرع كونه يملكها. 12 13

ولو شرط الاستبدال لرجل آخر مع نفسه، ملك الواقف الاستبدال وحده ولا يملكه الآخر وحده. 13 وإذا شرط الاستبدال جاز ولو كانت العين ذات ريع ونفع، إذ لا يلزم خروج الوقف عن الانتفاع، ولا مباشرة القاضي له، ولا عدم ريع يُعمَّر به. 13 وقيّد الحنفية الاستبدال بما اشترطه الواقف من قدر ونوع؛ فإن شرط الاستبدال بأرض لم يجز بدار، وإن شرط أرض قرية لم يجز بغيرها لتفاوت أراضي القرى مؤنة واستغلالاً، وإن لم يُقيّد البدل فله أن يستبدل من جنس العقارات بأي أرض أو دار أو بلد شاء. 13 وإن شرط الاستبدال فليس له أن يستبدل الأرض الثانية بأرض ثالثة، لأن الشرط وجد في الأولى فقط، إلا أن يذكر عبارة تفيد ذلك. 13

الصورة الثانية: ألا يشترط الواقف الاستبدال حين الوقف، سواء شرط عدم الاستبدال أو سكت، لكن صار الوقف بحيث لا يُنتفع به بالكلية، بأن لا يحصل منه شيء أو لا يفي بمؤنته؛ فالاستبدال في هذه الصورة جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي ورأى فيه المصلحة. 13 ونقل ابن عابدين عن البحر أن كلام قاضيخان اختلف، ففي موضع جوّز للقاضي الاستبدال بلا شرط من الواقف حيث رأى المصلحة، وفي موضع منع ذلك ولو صارت الأرض بحال لا يُنتفع بها. والمعتمد أنه يجوز للقاضي الاستبدال بالشروط الآتية: أ- أن يخرج الموقوف عن الانتفاع بالكلية. 13

ومن شروط الاستبدال عند الحنفية، كما ذكروا، ألا يكون البيع بغبن فاحش، وأن يكون للوقف ريع يُعمَّر به، وأن يكون المستبدل ممن يُعدّ من أهل العلم والعمل، لئلا يُتطرّق إلى إبطال أوقاف المسلمين. 14 وأن يكون البدل عقاراً لا دراهم ودنانير، وألا يُباع ممن لا تُقبل شهادته له أو ممن له عليه دين. 14 وأن يكون البدل والمبدل من جنس واحد؛ وقال ابن عابدين نقلاً عن قنالي زاده إن الظاهر أن اتحاد الجنس لا يُشترط في الموقوف للاستغلال، لأن المنظور فيه كثرة الريع وقلة المرمة والمؤنة، فلو استُبدل الحانوت بأرض تُزرع وتحصل منها غلة بقدر أجرة الحانوت كان أحسن، أما الموقوف للسكنى فالمقصود فيه الانتفاع بالسكن. 14 وفي القنية أن مبادلة دار الوقف بدار أخرى تجوز إذا كانت في محلة واحدة أو في محلة خير منها، ولا تجوز في العكس وإن كانت المملوكة أكثر مساحة وقيمة وأجرة، لاحتمال خرابها في المحلة الأدنى. 14

ونقل الكتاب عن شرح منظومة ابن وهبان في البحر الرائق سؤالاً: هل يجوز الاستبدال إذا شرط الواقف عدمه، أو كان الناظر معزولاً قبل الاستبدال؟ فقال الطرسوسي إنه لا نقل فيه، وإن مقتضى قواعد المذهب أن للقاضي أن يستبدل إذا رأى المصلحة فيه. 14 وروي عن محمد أنه إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال، والقيّم يجد بثمنها أخرى أكثر ريعاً، جاز له بيعها وشراء ما هو أكثر ريعاً؛ ومن المشايخ من منع البيع والاستبدال تعطل الوقف أو لم يتعطل، وقال قاضيخان إن الوقف المرسل، أي الذي لم يُذكر فيه شرط الاستبدال، لا يجوز بيعه ولا الاستبدال به ولو كانت أرضه سبخة لا ينتفع بها، لأن سبيل الوقف أن يكون مؤبداً لا يُباع، وإنما تثبت ولاية الاستبدال بالشرط. 14 15

الصورة الثالثة: ألا يشترط الواقف الاستبدال، وللوقف ريع وغلات ولم يتعطل، لكن في استبداله نفع في الجملة وبدله خير منه نفعاً وريعاً. قال ابن عابدين إن هذا لا يجوز استبداله على الأصح المختار، كما حرره قنالي زاده. 15 ونقل ابن عابدين عن الأشباه أنه لا يجوز استبدال العامر إلا في أربع مسائل: الأولى إذا شرط الواقف الاستبدال؛ والثانية إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء حتى صار بحراً، فيضمن القيمة ويشتري المتولي بها أرضاً بدلاً؛ والثالثة إذا جحده الغاصب ولا بينة، وأراد دفع القيمة، فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً؛ والرابعة إذا رغب فيه إنسان ببدل أكثر غلة وأحسن موقعاً، فيجوز على قول أبي يوسف وعليه الفتوى، وقال صاحب النهر إن ذلك معارض بقول صدر الشريعة: نحن لا نفتي بقول أبي يوسف. 15

الاستبدال بالموقوف عند المالكية. يفرق المالكية بين العقار والمنقول في البيع والاستبدال. فأجازوا الاستبدال في المنقول إذا لم توجد جهة تنفق عليه وخيف هلاكه، أو تعطلت منافعه فصار لا ينتفع به فيما حُبس من أجله. 15 فالفرس الموقوف في سبيل الله كالغزو والرباط تكون نفقته في بيت المال، فإن عُدم بيت المال بيع وعوّض بدله سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة. 15 ويُباع كل حبس منقول لا ينتفع به، كفرس أصيب بداء الكلب، أو ثوب يخلق، أو عبد يهرم، أو كتب تبلى؛ ويُجعل ثمنه في مثله إن أمكن، أو في شقص منه إن تعذر شراؤه كاملاً، فإن تعذر تُصدّق بالثمن. 15 ومن ذلك ذكور الحيوانات الموقوفة للغزو أو للنسل إذا فاض عن الحاجة أو كبرت الإناث حتى لا ينتفع بها، فتُباع ويُشترى بثمنها إناث صغار لتمام النفع، وتكون وقفاً كأصلها، كما ذكر الدردير في النعام. 15 16

أما العقار فالمذهب عند المالكية أنه لا يُباع ولو خرب وصار لا ينتفع به، داراً كان أو حوانيت أو غيرها، ولا يُستبدل بمثله غير خرب؛ وقد روى أبو الفرج عن مالك أن الإمام إذا رأى البيع لمصلحة جاز أن يُجعل ثمنه في مثله. 16 وأجاز بعضهم معاوضة الربع الخرب، فقد نقل التاج والإكليل منع بيع ما خرب من ربع الحبس، وعلّل ابن الجهم ذلك بأنه يوجد من يُصلحه بإجارته سنين فيعود كما كان، واختُلف في معاوضة الربع الخرب بربع غير خرب؛ وقال ابن رشد: إن انقطعت منفعة القطعة جملة وعجز عن عمارتها وكرائها، فلا بأس بالمعاوضة بمكان يكون حبساً مكانها، بحكم من القاضي بعد ثبوت السبب وتحقق الغبطة للمعوّض عنه، ويُسجَّل ذلك ويُشهد به. 16

وأجاز المالكية بيع العقار لضرورة توسعة مسجد جامع، سواء كان الوقف على معينين أو غير معينين. وقال ابن رشد إن ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد، وقول سحنون، وفي النوادر عن مالك وغيره أن ذلك في مساجد الجوامع إن احتيج إليه، لا في مساجد الجماعات؛ لأن الضرورة فيها ليست كالجوامع. 16 كما يجوز بيع الوقف لتوسعة مقبرة أو طريق لمرور الناس، ولو جبراً على المستحقين أو الناظر، ويجب على المستحقين أن يُجعل ثمنه في حبس غيره، ولا يجبرهم الحاكم على الجعل في حبس غيره. 16 وقال الشرح الصغير إن ما وُسّع به المسجد من الرباع يُدفع ثمنه إذا كان حبساً على معيّن، أما الحبس على غير معيّن كالفقراء فلا يلزم تعويضه، لأنه لم يتعلق به حق لمعيّن، ولأن ما يحصل من الأجر للواقف إذا دخل في المسجد أعظم مما قصده أولاً. 17

وقال المالكية إن اشترط الواقف التغيير والتبديل عُمل بشرطه، أما إذا شرط أنه إن وجد فيه ثمناً مرغوباً بِيع واشتُري غيره، فقد ذكرت النوادر والمتيطية أنه لا يجوز ذلك، فإن وقع مضى وعُمل بشرطه. 17 ونقل فتح العلي المالك واقعة: أرض موقوفة على سبيل في طريق المسلمين، شرط واقفها ألا تُباع ولا تُستبدل، ثم استبدل ناظر السبيل بها أرضاً من أراضي الديوان، فقال الدردير إن المبادلة باطلة حيث شرط الواقف عدم الاستبدال وأطلق، ويجب على الناظر رد أرض الديوان لصاحبها وأخذ أرض الوقف بعينها، ومن امتنع زجره الحاكم. 17

الاستبدال بالموقوف عند الشافعية. جاء في المهذب أنه إذا وقف مسجداً فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك، ولم يجز التصرف فيه، لأن ما زال عنه الملك لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كمن أعتق عبداً ثم زَمِن. 17 وقال الشربيني إن الأصح جواز بيع حصير المسجد الموقوفة إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت أو أشرفت على ذلك، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا تضيع ويضيق المكان بها، فتحصيل نزر يسير من ثمنها للوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك في بيع الوقف لأنها صارت في حكم المعدوم، وهذا ما جرى عليه الشيخان. 17 وقال الرافعي إن القياس أن يُشترى بثمن الحصير حصير لا غيرها، وقال الأذرعي إن المراد بذلك مقام التبن في الطين؛ أما الجذوع التي تصلح لغير الإحراق، كألواح وأبواب، فلا تُباع قطعاً. 18 وإذا خِيف على المسجد السقوط نُقض، وبنى الحاكم بنقضه مسجداً آخر إن رأى ذلك، وبناؤه بقربه أولى، ولا يُبنى به بئر. 18 وإذا وقف على قنطرة فانحرق الوادي وتعطلت القنطرة، جاز نقلها إلى محل الحاجة؛ وغلة وقف الثغر إذا حصل فيه الأمن يحفظها الناظر لاحتمال عوده ثغراً. 18

وإن وقف نخلة فجفّت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعاً على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان: الأصح عدم جواز البيع كما في المسجد، والثاني يجوز لأنه لا يُرجى نفعه. وإذا قيل بالبيع، فحكم ثمنه حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف؛ فإن قيل إن الملك في رقبة الموقوف للموقوف عليه، كان الثمن له، وإن قيل إنه لله تعالى وهو الأظهر، اشتُري به مثله ليكون وقفاً مكانه. 18 وقال أبو حامد الإسفراييني إن الثمن يُشترى به مثله ليكون وقفاً مكانه بلا خلاف. 18

الاستبدال بالموقوف عند الحنابلة. يجوز الاستبدال عندهم إذا لم يعد الوقف صالحاً للغرض الذي وقف من أجله ولا للانتفاع به، سواء كان منقولاً أو عقاراً، ومسجداً أو غيره. 19 فيحرم بيع الوقف ولا يصح، ولا تصح مناقلته ولو بخير منه نصاً، إلا أن تتعطل منافعه المقصودة بخراب ولم يوجد في ريعه ما يعمره فيُباع، أو تتعطل منافعه بغير خراب كخشب تشعث وخِيف سقوطه. 19 وإذا كان الوقف مسجداً وتعطل نفعه المقصود لضيقه على أهله، وتعذرت توسعته، أو لخراب محلته، أو لكون الموضع قذراً يمنع من الصلاة فيه، قال القاضي يصح بيعه ويُصرف ثمنه في مثله، لأن إبقاءه كذلك إضاعة للمال، وإنما يُستبقى الغرض في عين أخرى، واتصال الأبدال يجري مجرى الأعيان. 19 ويصح بيع شجرة موقوفة يبست، وجذع موقوف انكسر أو بلي أو خِيف انكساره أو هدمه؛ وقال في التلخيص إذا أشرف جذع الوقف على الانكسار، أو داره على الانهدام، وعُلم أنه لو أُخّر خرج عن كونه منتفعاً به، بِيع رعاية للمالية؛ والمدارس والربط والخانات المسبّلة إذا خربت يجوز بيعها عندهم على وجه واحد. 19 والفرس الموقوف للغزو إذا لم يصلح له يُباع ويُشترى بثمنه فرس يصلح، وإذا اشتُري البدل صار وقفاً. 19 وشرط الواقف عدم البيع فاسد. والذي يتولى البيع الحاكم إن كان الوقف على وجوه الخير كالمساكين والمساجد والقناطر، والناظر الخاص إن كان الوقف على شخص معيّن أو جماعة معيّنين، والأحوط ألا يفعل إلا بإذن الحاكم. 19 20 وإذا اشتُري البدل لجهة الوقف صار وقفاً، والاحتياط أن يُوقف بصيغة جديدة حتى لا ينقضه من لا يرى وقفيته بمجرد الشراء. 20

رجوع الوقف إلى ملك الواقف. ذهب محمد بن الحسن من الحنفية إلى أنه إذا خرب ما حول المسجد واستُغني عنه، ولو مع بقائه عامراً، أو خرب المسجد ولا ما يُعمَّر به واستُغني عنه ببناء مسجد آخر، عاد إلى ملك الباني إن كان حياً، وإلى ورثته إن مات، خلافاً لأبي يوسف. 20 وعلّل محمد ذلك بأن الواقف عيّن الوقف لنوع قربة وقد انقطعت فينقطع هو أيضاً، فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استُغني عنه، وقنديله إذا خرب المسجد، فيعود إلى ملك متخذه، كالكفن إذا افترسه السبع يعود إلى مالكه، وكهدي الإحصار إذا زال الإحصار فأدرك الحج. 20 وعند أبي يوسف يُنقل إلى مسجد آخر بإذن القاضي، فيُباع نقضه بإذنه ويُصرف ثمنه إلى بعض المساجد. 20 ويتفرع على الخلاف أنه إذا انهدم الوقف ولا غلة فيه تعمّره، عاد إلى الباني أو ورثته عند محمد، لكن عند محمد إنما يعود إلى الملك ما خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية، كحانوت احترق ولا يُستأجر بشيء؛ وما كان معداً للغلة لا يعود إلى الملك إلا أنقاضه، وتبقى ساحته وقفاً تُؤجَّر ولو بشيء قليل. 20 وقال الشافعية في مقابل الأصح إن الموقوف إذا تعطلت منفعته بسبب غير مضمون، كأن جفت الشجرة أو اقتلعتها ريح أو سيل، ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها، انقطع الوقف وعاد ملكاً للواقف أو وارثه، أما الأصح عندهم فلا يعود ملكاً بل يبقى وقفاً، والحكم كذلك عند الحنابلة. 2021

النظر على الوقف. اتفق الفقهاء على أن النظر على الوقف يتبع شرط الواقف، فإذا جعل النظر لشخص معيّن اتُّبع شرطه، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل وقفه إلى ابنته حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها، كما نقل ابن قدامة. 21 واختلفوا إذا شرط الواقف النظر لنفسه: فعند الحنفية والشافعية والحنابلة يجوز ذلك، أما المالكية فإن لم يحُز الموقوف عليه الوقف بطل بموت الواقف أو مرضه أو فَلَسه، وإن حازه الموقوف عليه وشرط الواقف النظر لنفسه صح الوقف، وأُجبر الواقف على أن يجعل النظر لغيره، إذ لا يجوز له أن يجعله لنفسه. 21 21

وإن لم يشترط الواقف ناظراً، فعند المالكية والحنابلة: إن كان الوقف على غير معيّن كالفقراء والمساكين والمساجد، ولّى الحاكم عليه من يشاء، لأنه لا يمكنه تولي النظر بنفسه. وإن كان على معيّن رشيد فهو الذي يتولى أمره، لأنه ملكه ونفعه له فكان نظره إليه كملكه المطلق، فإن كان غير رشيد تولّى أمره وليّه، وفي احتمال عند الحنابلة، اختاره ابن أبي موسى، أن ينظر فيه الحاكم. 21

عند الحنفية اختلف الأقوال في ولاية النظر إذا لم يشترطها الواقف. فعند أبي يوسف، وهو الأصل، أن الولاية للواقف، ثم لوصيّه إن كان له وصي، وإلا فللحاكم؛ وعند هلال، وهو ظاهر المذهب، أنها للواقف، ثم لوصيّه أو للحاكم، لأن المتولي إنما يستفيد الولاية من الواقف بشرطه، فيستحيل أن يكون له الولاية وغيره يستفيدها منه، ولأن الواقف أقرب الناس إلى الوقف فيكون أولى بولايته. 22 وعند محمد لا تكون الولاية للواقف ما لم يشترطها، لأن التسليم إلى القيّم عنده شرط لصحة الوقف، فإذا سُلّم لم يبق للواقف ولاية فيه. 22 وإن مات الواقف ولم يجعل ولايته لأحد، جعل القاضي قيّماً من أهل بيت الواقف ما وجد من يصلح، لأنه أشفق أو لأن قصد الواقف نسبة الوقف إليه، فإن لم يجد فمن الأجانب من يصلح. 22 وعند الشافعية إذا لم يشترط الواقف النظارة لأحد، فالنظر للقاضي على المذهب، لأن له النظر العام؛ وقيل النظر للواقف لأنه كان إليه فيبقى على نظره؛ وقيل للموقوف عليه لأن الغلة له. 22 23

شروط الناظر. اشترط الفقهاء لصلاحية الناظر شروطاً منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه. 22

الشرط الأول: التكليف. يتفق الفقهاء على أن الناظر يشترط فيه البلوغ والعقل، فلا تصح تولية الصبي ولا المجنون لعدم أهليتهما، وذلك في الجملة. 22 فعند المالكية والحنابلة إن لم يشترط الواقف ناظراً معيّناً، وكان الموقوف عليه معيّناً كزيد وعمرو، تولى أمر الوقف بنفسه، فإن كان صغيراً أو مجنوناً فوليّه يقوم مقامه. 22 23 وقال الحنابلة إن الملك في الموقوف ينتقل إلى الموقوف عليه إن كان آدمياً معيّناً أو جمعاً محصوراً، وينظر فيه إن كان رشيداً مكلفاً، أو وليّه إن كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً، وقال ابن أبي موسى ينظر فيه الحاكم. 23

وعند الحنفية نقل ابن عابدين عن الإسعاف أن التولية للصبي تبطل في القياس مطلقاً، وفي الاستحسان تبطل ما دام صغيراً، فإذا كبر كانت له الولاية؛ وقال الشلبي إن الإسناد للصغير لا يصح بحال، لأن النظر ولاية والصغير مولّى عليه فلا يولّى على غيره. 23 ورأى ابن عابدين في فتاوى رشيد الدين أن القاضي إذا فوّض التولية إلى صبي جاز إذا كان أهلاً للحفظ، وحمل ما في الإسعاف على من لا يقدر على التصرف. 23 وكما يمنع الجنون التولية ابتداءً يمنعها بقاءً، فلو جُنّ الناظر عُزل؛ ونقل ابن عابدين عن الفتح أن الناظر ينعزل بالجنون المطبق سنة لا أقل، فإن برئ عاد إليه النظر، قال في النهر إن هذا في المشروط له النظر، أما منصوب القاضي فلا. 23 24 ونص الشافعية على أن الجنون تنسلب به الولايات، وقال الشبراملسي إن المجنون إذا أفاق تعود إليه ولاية النظارة بنفس الإفاقة إذا كانت بشرط الواقف. 24

الشرط الثاني: العدالة. يُشترط في ناظر الوقف أن يكون عدلاً، وفي ذلك تفصيل. 24 فالحنفية اختلفوا في كونها شرط صحة أو شرط أولوية؛ فقال الإسعاف لا يُولّى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه، لأن ليس من النظر تولية الخائن، ورأى ابن عابدين أن العدالة شرط أولوية لا شرط صحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل، كالقاضي إذا فسق. 24 25

وعند المالكية تُعتبر العدالة إذا كان الناظر منصوباً من القاضي أو من الواقف، فالنظر في الحبس لمن يجعله إليه الواقف، لمن يُوثق بدينه وأمانته؛ فإن كان الناظر سيئ النظر غير مأمون عزله القاضي، إلا أن يكون الموقوف عليه مالكاً أمر نفسه ويرضى به. وذكر القرافي أن القاضي لا يعزل ناظراً إلا بجنحة، وللواقف عزله ولو بغير جنحة. 24

وعند الشافعية تُشترط العدالة الظاهرة والباطنة في المنصوب من الحاكم، وقال السبكي ينبغي أن يُكتفى في المنصوب من الواقف بالعدالة الظاهرة، وقال الأذرعي تُشترط الظاهرة والباطنة فيه أيضاً، ورجّح الشربيني الخطيب الأول. وإذا فسق الناظر انعزل، فالنظر للحاكم. 24 وقال الشافعية إن الناظر إذا فسق ثم صار عدلاً، عادت إليه الولاية إن كانت مشروطة في أصل الوقف منصوصاً عليها بعينها، وإلا فلا، أفتى بذلك النووي. 25 وقال الحنابلة إنه إذا كان النظر لغير الموقوف عليه، وكانت التولية من الحاكم، أو من ناظر أصلي، فلا بد من العدالة لأنها ولاية على مال، كالولاية على مال اليتيم؛ فإن لم يكن عدلاً أُزيلت يده حفظاً للوقف، فإن عاد إلى أهليته عاد حقه. وإن كان الناظر مشروطاً من الواقف فلا تُشترط فيه العدالة، ويُضم إلى الفاسق عدل، لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من إبقاء ولاية فاسق، وإن كان النظر للموقوف عليه عدلاً كان أو فاسقاً فهو أحق به، وقيل يُضم إليه أمين. 25 26

الشرط الثالث: الكفاية، أي قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما ينظر فيه. نص الشافعية والحنابلة على اشتراطها، لأن حفظ الوقف مطلوب شرعاً. 25 فإن اختلت الكفاية، قال الشافعية ينزع الحاكم النظر من الناظر وإن كان مشروطاً له، وقال النووي إن زال الاختلال عاد نظره إن كان مشروطاً منصوصاً عليه بعينه. وقال الحنابلة إن اختلت الكفاية لا يُعزل الناظر، بل يُضم إليه أمين قوي ليحصل المقصود. أما الحنفية فقالوا يُعزل الناظر وجوباً إذا كان غير مأمون أو عاجزاً؛ وكلام المالكية يفيد اشتراط الكفاية أيضاً. 25 26

الشرط الرابع: الإسلام. قال الحنابلة يُشترط الإسلام في الناظر إن كان الموقوف عليه مسلماً، أو كانت الجهة كالمسجد، استناداً إلى سورة النساء، آية ١٤١، التي يستدل بها الحنابلة على هذا الشرط، فإن كان الوقف على كافر معيّن جاز أن يكون الناظر كافراً. 26 وأجاز الحنفية أن يكون الناظر ذمياً، ولا يشترطون الإسلام؛ فلو عزله القاضي لسبب ثم أسلم لم تعد إليه الولاية. 26 وقال الرملي إن القياس على الوصية والنكاح صحة تولية الذمي للنظر إذا كان الموقوف عليه ذمياً وعدلاً في دينه، لكن يُرد ذلك باشتراط العدالة الحقيقية في باب الوقف، وقال الشبراملسي إن الرد هو المعتمد؛ وفرّق بينه وبين تزويج الذمي موليته بأن ولي النكاح يحمله وازع طبيعي على الحرص على تحصين موليته. 27

أجرة ناظر الوقف. تشمل المسألة أحقية الناظر في الأجرة، وتقديرها من الواقف أو القاضي، ومقدارها، وهل يستحق أجراً إذا لم يجعل له أحد أجراً. 27 أ- أحقية الناظر: ذهب الفقهاء إلى أن الناظر يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه. واستدلوا بقول عمر حين وقف أرضه بخيبر، إن على من يليها أن يأكل بالمعروف أو يُطعم صديقاً غير متمول فيه، وبفعل علي حين جعل نفقة العبيد الذين وقفهم ليقوموا بعمارتها من الغلة، وبالقياس على عامل الزكاة، وبحديث «ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة»، وقال ابن حجر إن مراد العامل فيه القيّم على الأرض، فيدل على مشروعية أجرته. 27 28

ب- تقدير الأجرة. إما أن تكون مشروطة من الواقف، فيأخذ الناظر ما شرطه ولو زاد على أجر المثل، وهذا قول الحنفية والشافعية والحنابلة؛ فعند الحنفية إن عيّن الواقف أقل من أجر المثل كمّل القاضي له أجر المثل بطلبه. 28 وعند الشافعية إن جعل الواقف النظر لنفسه وشرط لنفسه أجراً لم يزد على أجرة المثل، فإن شرط أكثر لم يصح الوقف لأنه وقف على نفسه. 28 وقال الحنابلة إن شرط الواقف للناظر أجرة مقدرة، فإن كانت بقدر أجرة المثل اختص بها، وإن كانت أكثر فكلفة ما يحتاجه الوقف من أمناء وغيرهم تُصرف من الزيادة حتى يبقى له أجر مثله، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصاً. أما المالكية فلم يحددوا شيئاً وتركوا ذلك لتقدير الواقف أو القاضي. 28

وإن لم يعيّن الواقف أجراً، فالأجر يقدّره القاضي: فعند الحنفية والحنابلة لا يزيد المقدَّر عن أجرة المثل، فإن عيّن زائداً مُنع عنه الزائد. وقال المالكية يُترك الأمر لاجتهاد القاضي، وقال ابن فتوح يجوز للقاضي أن يجعل لمن قدّمه للنظر رزقاً معلوماً في كل شهر باجتهاده بحسب عمله، وفعله الأئمة. 28 29 وقال الشافعية إن لم يذكر الواقف للناظر أجرة فلا أجرة له على الصحيح، وليس له أن يأخذ شيئاً من مال الوقف، فإن فعل ضمن ولم يبرأ إلا بتسليمه إلى الحاكم، وهذا المعتمد. وإن رفع الناظر الأمر إلى القاضي ليقرر له أجرة، فهو كالوليّ إذا رفع أمر حفظ مال الطفل إلى القاضي؛ وذكر العراقي أن مقتضاه أنه يأخذ الأجرة مع الحاجة، إما قدر النفقة كما رجّحه الرافعي، أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجّحه النووي. 29

ج- إذا لم يعيّن الواقف أجراً للناظر. قال الرملي من الحنفية إن الناظر لا يستحق شيئاً إلا إذا جعل له القاضي أجرة مثل عمله. وحرر ابن عابدين أن الواقف إن عيّن شيئاً للناظر فهو له كثيراً كان أو قليلاً، عمل أو لم يعمل، ما لم يشترطه في مقابلة العمل؛ وإن لم يعيّن الواقف وعيّن القاضي أجرة مثله جاز، وإن عيّن أكثر مُنع الزائد، وإن لم يعمل فلا يستحق أجرة. 29 29 وإن نصبه القاضي ولم يعيّن له شيئاً، فإن كان المعهود ألا يعمل إلا بأجرة مثله فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط، وإلا فلا شيء له. 29 وذكر ابن نجيم عن القنية رأيين للحنفية في منصوب القاضي إذا لم يعيّن له أجرة: الأول أنه لا شيء له ولو سعى فيه سنة، والثاني أن القيّم يستحق مثل أجر سعيه، شُرط له أجر أو لم يُشترط، لأنه لا يقبل القوامة ظاهراً إلا بأجر، والمعهود كالمشروط. 29

وعند الشافعية إذا لم يشرط الواقف للناظر شيئاً فلا يستحق أجرة على الصحيح، فإن رُفع الأمر إلى الحاكم أُعطي عند الحاجة. 30 وعند الحنابلة ثلاثة آراء: الأول أن للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، محتاجاً كان أو غير محتاج، إلحاقاً له بعامل الزكاة، وهو ما ذهب إليه أبو الخطاب؛ والثاني أن له أن يأخذ الأقل من أجر المثل أو كفايته، قياساً على ولي اليتيم، ولا يستحق هذا إلا إذا كان فقيراً؛ والثالث أن للناظر المشهور بأخذ الأجر على عمله حقاً في أجر المثل، وهو قياس المذهب. 30 31 وظاهر كلام المالكية أن القاضي يجعل للناظر أجرة في الأحباس، أو رزقاً معلوماً في كل شهر باجتهاده بحسب عمله، كما قال ابن فتوح. 30

جهة الأجرة. ذهب جمهور الفقهاء، وهم الحنفية والمالكية، ما عدا ابن عتاب، والشافعية والحنابلة، إلى أن ما يستحقه الناظر من أجر، مشروطاً من الواقف أو مقدراً من القاضي، يكون من غلة الوقف، واستدلوا بقول عمر حين وقف أرضه: لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالاً. 31 وقال ابن عتاب من المالكية إن أجر الناظر لا يكون إلا من بيت المال، فإن أُخذ من الأحباس رُدّ وأُخذ من بيت المال، فإن لم يُعط منها فأجره على الله؛ وعلّل الحطاب ذلك بأن الأحباس لا يُغيَّر لها شيء لأنها للوصايا، وأفتى بمثل قوله ابن ورد، لكن الدسوقي ضعّف قول ابن عتاب. 31

العمل الذي يستحق به الناظر الأجرة. هو حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء المستحقين، لأن ذلك هو المعهود. 31 وتكون الأجرة من وقت ولايته، لأنها في مقابل العمل فلا تُستحق إلا بقدره. 31 وقال الحنابلة إن الناظر إذا فرّط سقط من معلومه بقدر ما فوّته على الوقف من العمل الواجب، فيوزع المقدر على ما عمله وما لم يعمله ويسقط قسط ما لم يعمله. 31 وقال الحنفية إن أهل الوقف إذا نازعوا القيّم وقالوا إن الواقف جعل الأجر في مقابلة العمل وهو لا يعمل شيئاً، فلا يكلفه الحاكم من العمل ما لا يفعله الولاة؛ فإن حلّت به آفة يمكنه معها الأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر، وإلا فلا أجر له. ولو جعل الواقف له أكثر من أجر المثل جاز. 31

ومن مسائلهم: لو وقف أرضه على مواليه ثم مات، فجعل القاضي للوقف قيّماً وجعل له عشر الغلة، وفي الوقف طاحون في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها إلى قيّم، والمستحقون يقبضون غلتها منه، فلا يستحق القيّم عشر غلتها، لأن ما يأخذه بطريق الأجرة، ولا أجرة بدون عمل. 31

محاسبة ناظر الوقف. من وظيفة الناظر تحصيل غلة الوقف والإنفاق منها على ما يحتاجه الوقف والصرف إلى المستحقين، ويتفق الفقهاء على محاسبته على ما ينفقه، سواء من القاضي أو من المستحقين، لكنهم يختلفون في قبول قوله في الإنفاق دون بينة، وفي قبوله مع اليمين إن لم تكن بينة. 31

قال الحنفية إنه لا يلزم القاضي أن يحاسب المتولي تفصيلاً على كل ما صرفه من غلات الوقف، بل يكتفي منه بالإجمال إن كان معروفاً بالأمانة، أما إن كان متهماً فإن القاضي يجبره على التفسير شيئاً فشيئاً، ولا يحبسه، بل يحضره يومين أو ثلاثة ويخوّفه، فإن فسّر وإلا اكتفى منه باليمين. 32 ونقل الدر عن القنية أن القاضي إن اتهمه حلّفه، ولو كان أميناً، كالمودع يدعي هلاك الوديعة. 32 وتباينت أقوال الحنفية فيما لو ادعى المتولي الدفع إلى المستحقين: فقال الدر إنه يُقبل قوله بلا يمين، وخالف الإسعاف والبحر، فقال الإسعاف إن قال المتولي قبضت الأجرة ودفعتها إلى المستحقين وأنكروا، كان القول قوله مع يمينه، كالمودَع إذا ادعى رد الوديعة، ويبرأ مستأجر عقار الوقف من الأجرة لاعتراف المتولي بقبضها. 32 ونقل ابن عابدين عن الخير الرملي أن الفتوى على أنه يحلف في هذا الزمان؛ وفي الفتاوى الحامدية عن أبي السعود أن المتولي إن كان مسرفاً مبذراً لا يُقبل قوله بصرف مال الوقف بيمينه، وعن الشلبي أن من اتصف بصفات مخالفة للشرع صار بها فاسقاً لا يُقبل قوله فيما صرفه إلا ببينة. 32

وأما قبول قول الناظر الثقة بعد العزل، فذكر الحموي أن ظاهر كلامهم القبول، لأن العزل لا يخرجه عن كونه أميناً. 32 33 ونقل صاحب الدر عن المنلا أبي السعود تفصيلاً: إن ادعى المتولي الدفع من غلة وقف على أولاده أو أولاد أولاده قُبل قوله، وإن ادعى الدفع لأرباب الوظائف كالإمام والمؤذن لم يُقبل، كمن استأجر شخصاً للبناء في الجامع بأجرة معلومة ثم ادعى تسليمها له، وقد استحسن التمرتاشي هذا التفصيل. 33

وقال المالكية إن مات الواقف وعُدم كتاب الوقف، قُبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أميناً، ما لم يكن للوقف شهود في أصله فلا يصرف إلا باطلاعهم. وإن ادعى أنه صرف من ماله على الوقف صُدّق بلا يمين إن لم يكن متهماً، وإلا حلف. 33 وذكر الحطاب واقعة سُئل فيها السيوري عن إمام مسجد ومؤذنه ومتولي أموره، اتهمه محتسب بعد أعوام بفضلة في غلة حوانيت، فقال المتولي إنه لم يفضل شيء، فأجاب السيوري بأن القول قوله فيما زعم أنه أخرجه إذا كان يشبه ما قال، وقال البرزلي إن ذلك ما لم يُشترط عليه دخل وخرج بإشهاد. 33

وفرّق الشافعية بين أن يكون المستحقون معيّنين كزيد وعمرو، فالقول قولهم ولهم مطالبة الناظر بالحساب، وبين أن يكونوا غير معيّنين كالفقراء، فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ وجهان أوجههما الأول، ويُصدَّق في قدر ما أنفقه عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلّفه؛ والمراد إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامة، بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعيّن فلا يُصدَّق فيه لأنه لم يأتمنه. 33 34

وفرّق الحنابلة بين الناظر المتبرع بنظره وغيره، وهو الذي يأخذ أجراً؛ فيُقبل قول المتبرع في الدفع لمستحق، وإن لم يكن متبرعاً لم يُقبل قوله إلا ببينة. 34 وقال البهوتي والمرداوي إنه لا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الواقف إذا كان أميناً، ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى عمله، ولولي الأمر أن ينصب ديواناً يستوفي حساب أموال الأوقاف عند المصلحة. 34

عزل ناظر الوقف ومن له حق العزل. سبق بيان شروط الناظر وحكم عزله إذا اختل شرط منها؛ وفيما يلي من له حق العزل. 34

أولاً: حق الواقف في العزل. الشافعية والحنابلة يفرّقون بين أن يشترط الواقف النظر لنفسه في ابتداء الوقف ثم يسنده إلى غيره، وبين أن يشترطه لغيره من البداية. فإن شرطه لنفسه ثم أسنده إلى غيره، فله عزله ونصب غيره، لأن ذلك نائب عنه، كما يعزل الموكل وكيله؛ وهذا الصحيح عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة على تصحيح الفروع. 34 ونبه الشربيني الخطيب إلى أن مقتضى ذلك أن للواقف العزل بلا سبب، وصرّح به السبكي، وأفتى كثير من المتأخرين، منهم ابن رزين، بأنه لا يجوز العزل بلا سبب. 35 وفي وجه عند الشافعية والحنابلة ليس له العزل، لأن ملكه قد زال. 35

أما إذا شرط الواقف النظر لشخص حال الوقف، فليس له عزله ولو لمصلحة عند الشافعية، لأنه لا نظر له بعد أن شرطه لغيره؛ ولذلك لو عُزل الناظر المشروط نفسه أو فسق، فتولية غيره إلى الحاكم لا إلى الواقف. 35 وقال الحنابلة إن شرط الواقف النظر لغيره وشرط أن له عزله، كان له عزله، وإلا فلا. 35

وعند الحنفية يرى محمد بن الحسن أنه لو شرط الواقف أن تكون الولاية له ولأولاده في تولية القوّام وعزلهم والاستبدال، وسلّم الوقف إلى المتولي، جاز ذلك وكان له العزل؛ وإن لم يشترط لنفسه ولاية العزل فليس له عزله بعد تسليم الولاية، لأنه قائم مقام أهل الوقف، وقال الصدر الشهيد إن الفتوى على قول محمد. وقال ابن عابدين إن ذلك مبني على الخلاف في اشتراط التسليم إلى المتولي، فهو شرط عند محمد، أما عند أبي يوسف فالولاية ثابتة للواقف سواء شرط ذلك أو لم يشرطه، لأن التسليم ليس شرطاً عنده، وهو قول هلال وظاهر المذهب، وإذا ولّى الواقف غيره كان وكيلاً عنه وله عزله. 35 36 قال الرملي إن هذا صريح في جواز العزل بجنحة وبغيرها، لأنه وكيل وللموكل عزل الوكيل مطلقاً؛ وقال الدر إن الفتوى على قول أبي يوسف، وقال البحر إن مشايخ بلخ يفتون بقوله. 36

وعند المالكية لا يجوز أن يشترط الواقف النظر لنفسه، وإنما يتبع شرطه في تعيين الناظر، فإن شرط أن يكون فلان ناظراً لم يجز العدول عنه. وقال البدر القرافي إن للواقف عزله ولو لغير جنحة، ونص ابن عرفة على أن المحبس له عزل من رأى له أهلاً واستبداله، وقال الحطاب إن من حبس شيئاً وجعله على يد غيره ثم أراد عزله ليس له ذلك إلا بموجب يظهر، كالقاضي إذا قدّم أحداً. 36

ثانياً: حق القاضي في العزل. للقاضي الولاية العامة، فيثبت له عزل الناظر المشروط له النظر من قبل الواقف إذا ثبتت خيانته، أو لم يتوفر فيه شرط من الشروط السابقة، ولا يجوز له عزله بلا سبب. 36 أما إذا كان القاضي هو الذي أسند إليه النظارة، فذهب المالكية والشافعية وبعض الحنفية إلى أنه لا يجوز عزل من ولاه القاضي إلا بسبب كخيانة أو غيرها، وعند الحنابلة وبعض الحنفية يجوز عزل الناظر بلا خيانة. 36

تعدد نظار الوقف. يجوز أن يكون للوقف ناظر واحد أو أكثر كما نص الفقهاء. 36 فإن أسند الواقف النظر لاثنين، فعند الشافعية والحنابلة وأبي حنيفة لا يصح تصرف أحدهما مستقلاً عن الآخر، لأن الواقف لم يرض برأي أحدهما، إلا إذا شرط لكل واحد النظر فيصح تصرف كل منهما منفرداً. 37 ولو جعل عمارة الوقف لواحد وتحصيل ريعه للآخر صح، ولكل منهما ما شرطه. 37 وعند أبي يوسف يجوز أن ينفرد كل من الناظرين بالتصرف، وقال الحنفية إن جعل الواقف النظر لرجل ثم جعل وصياً لآخر كانا ناظرين شريكين، إلا أن يخصص كل منهما بما فُوّض إليه في مجلس واحد، فينفرد كل منهما بما فُوّض إليه. 37

ولو جعل الواقف النظر لأفضل أولاده وكانوا سواء في الفضل فلا يشتركون فيه، وإنما يكون لأكبرهم سناً. 38 وإذا قبل أحد الناظرين وردّ الآخر، أو مات أحدهما، أو قام به مانع، أقام الحاكم مقامه آخر، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة. 38 وعند الشافعية إذا شرط الواقف أن يكون الناظر الأرشد من أولاده، فادعى كل منهم الأرشدية، اشتركوا في النظر إن وُجدت الأهلية فيهم، ولا يستقل أحد منهم بالتصرف، لأن الأرشدية سقطت بتعارض البينات وبقي أصل الرشد. 37

تفويض الناظر النظر لغيره. لا يجوز للناظر أن يفوّض النظر إلى من أراد أو يوصي به إلى غيره، إلا إذا جعل له الواقف ذلك. 38 قال الحنفية إن كان تفويض الواقف للمتولي عاماً، أي أقامه مقام نفسه وجعل له أن يسند النظر ويوصي به إلى من شاء، جاز له التفويض في صحته وفي مرض موته المتصل بالموت؛ وإن لم يكن عاماً، فلا يصح التفويض في الصحة، ويصح في مرض الموت لأنه بمنزلة الوصي، وللوصي أن يوصي إلى غيره. 38 وقال الشافعية إن الواقف إذا جعل النظر لفلان وله أن يفوض النظر إلى من أراد، فالمذهب أن نظر المفوِّض يزول، فليس للواقف ولا للمفوَّض إليه عزل المفوَّض إليه، ولا يعود النظر إلى المفوِّض بعد موته، لأن التفويض بمثابة التمليك؛ والرأي الثاني، وهو للسبكي، أن المفوَّض إليه وكيل عن المفوِّض، فإن مات المفوِّض عاد النظر إليه، وإن مات المفوَّض إليه عاد النظر إلى المفوِّض. 38 39 وقال الحنابلة إن الناظر المشروط له النظر إن كان موقوفاً عليه، فله نصب وكيل عنه وعزله، لأصالة ولايته، وإن لم يكن موقوفاً عليه فليس له نصب ناظر ولا الوصية بالنظر ما لم يُشترط له ذلك. 39

انتهاء الوقف. من صور انتهاء الوقف عودة الموقوف إلى ملك الواقف، سواء بسبب تعطل الموقوف وخرابه وعدم صلاحيته للانتفاع، أو بسبب الوقف على جهة تنقطع، أو بالنسبة للوقف المؤقت الذي أجازه المالكية، وقد ذُكرت هذه المسائل في ثنايا البحث. 39

العمق

نظرة سريعة

العصر
العصر العباسي المبكر
الإقليم
عالمي / الشتات
المراجعة
مسودة الاكتمال 1/5 · ساهم في إكماله

القضاء والمحاكم

قد يهمك أيضًا

الأهلية· الديمقراطية والشريعة — التوافق والتعارض· الفتوى على الفضائيات — نفعها وضررها· العلمانية والإسلام — صدام أم وئام· الرجم· التعريض بالخطبة في العدة· الأمان· الأمانة

المصادر

  1. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17579
  2. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17581
  3. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17582
  4. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17583
  5. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17584
  6. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17585
  7. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17661
  8. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17662
  9. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17663
  10. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17664
  11. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17665
  12. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17666
  13. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17667
  14. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17668
  15. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17669
  16. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17670
  17. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17671
  18. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17672
  19. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17673
  20. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17674
  21. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17675
  22. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17676
  23. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17677
  24. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17678
  25. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17679
  26. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17680
  27. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17681
  28. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17682
  29. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17683
  30. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17684
  31. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17685
  32. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17686
  33. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17687
  34. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17688
  35. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17689
  36. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17690
  37. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17691
  38. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17692
  39. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17693
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «وَقْف». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/waqf-fiqh/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-23.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

الأهلية

الأهلية لغة الصلاحية، وهي نوعان: أهلية وجوب، وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه، وأهلية أداء، وهي صلاحية صدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا. ومناطها الإنسان في أطواره: الجنين، ثم الطفولة، ثم التمييز، ثم البلوغ، ثم الرشد. وأهلية الوجوب تثبت كاملة منذ الولادة، وناقصة للجنين، وأهلية الأداء تكون قاصرة بالتمييز وكاملة بالبلوغ والعقل. وتتأثر الأهلية بعوارض سماوية كالجنون والعته والنوم والإغماء والمرض والرق والحيض والنفاس والموت، ومكتسبة كالجهل والسكر والهزل والسفه والسفر والخطأ والإكراه.