وَلاء

Wala' (clientage, fiqh)

الوَلاء لغةً من الوَلْي، وهو أصل يدل على القرب، ويُستعار للقرب في المكان والنسب والدين والصداقة والنصرة. والولاء والتوالي معناهما المتابعة. 1

وقصر جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) الولاءَ على القرابة الحكمية الناشئة عن زوال الملك عن الرقيق بالحرية؛ فعرفه المالكية بأنه اتصال كالنسب نشأ عن عتق، وعرفه الشافعية بأنه عصوبة ناشئة عن حرية حدثت بعد زوال الملك، متراخية عن عصوبة النسب، تقتضي للمعتِق وعصبته الإرث وولاية النكاح والصلاة عليه والعقل عنه، وعرفه الحنابلة بأنه ثبوت حكم شرعي، وهو عصوبة ثابتة، بعتق أو تعاطي سببه كالاستيلاد والتدبير. 2 وعرّفه الحنفية بأنه قرابة حكمية حاصلة من عتق أو موالاة، ومن آثاره الإرث والعقل وولاية النكاح؛ وهو عندهم نوعان: ولاء العتاقة (ولاء النعمة)، وسببه الإعتاق؛ وولاء الموالاة، وسببه العقد بأن يعاهد شخص آخر على أنه إن جنى فعليه أرشه، وإن مات فميراثه له. 2

الألفاظ ذات الصلة: العتق، وهو سبب الولاء، والإرث، وهو الأثر الذي يترتب عليه، والعقل، وهو الدية. 23

ولاء العتاقة. هو عصوبة متراخية عن عصوبة النسب، تقتضي للمعتِق ولعصبته الذكور من بعده الإرث والعقل وولاية النكاح والصلاة على من أعتقه؛ ويقع اسم «مولى العتاقة» على المعتِق وعلى العتيق، وقيل هو المعتِق وحده. 3

مشروعيته بقول النبي ﷺ «إنما الولاء لمن أعتق»، رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. 33

سببه العتق. اتفق الفقهاء على أن الولاء للمعتِق إن لم يكن العتق محظوراً، سواء كان بصنعه أو بما يجري مجرى العتق شرعاً كشراء القريب وقبول الهبة والصدقة والوصية، أو بغير صنعه كأن يرث قريبه؛ وسواء كان بغير بدل أو ببدل، منجزاً أو معلقاً أو مضافاً، صريحاً أو كناية، وكذا العتق بالتدبير والاستيلاد والكتابة؛ وكذا إذا أعتق عن واجب، كالكفارة والظهار والإفطار والإيلاء واليمين والنذر، عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب؛ والرواية الثانية عند الحنابلة أنه لا ولاء له في هذه الأحوال. 34

الولاء في العتق المحظور. العتق قد يكون محظوراً، كأن يغلب على ظن المعتِق أن العبد إن أُعتق لحق بدار الحرب أو ارتد، أو يخاف منه السرقة وقطع الطريق، أو يُعتَق للشيطان أو للصنم. قال الحنفية إن العتق ينفذ مع تحريمه، والولاء ثابت للمعتِق؛ وصرحوا بأن المعتِق للشيطان أو للصنم يكفر على الأظهر. وقال الحنابلة إن الإعتاق في هذه الأحوال مكروه، وإذا غلب الظن بإفضائه إلى المحظور كان محرماً، وإن أعتقه صح. 4

الولاء في الإعتاق سائبة، أي من يُعتق دون أن يكون عليه منه شيء. ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة على الأصح وابن نافع من المالكية إلى أن الولاء للمعتِق، لقول النبي «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأن الولاء لحمة كالنسب فلا يزول بالشرط؛ وذهب المالكية في المعتمد إلى كراهته، وقال أصبغ بجوازه، ومنعه ابن الماجشون؛ والحنابلة في الرواية الثانية: لا ولاء له، وما يرجع من ميراث المعتِق يُشترى به رقاب يعتقون، والصحيح أنه لبيت المال. 5

اختلاف الدين وأثره في الولاء. جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) يرون أن المعتِق يثبت له الولاء وإن اختلف دينه عن دين المعتَق؛ واشترط المالكية تساوي الدينين، فإن كان السيد كافراً فلا ولاء له على عتيقه المسلم، بل يكون ولاؤه لجميع المسلمين، ولا يعود إليه بإسلامه. 6

بيع الولاء وهبته. لا يصحان عند الفقهاء الأربعة، لنهي النبي عن بيع الولاء وعن هبته، ولأنه معنى يُورث به فلا ينتقل كالقرابة. 6

انتقال الولاء بالموت. الولاء للمعتِق ثم لعصبته بأنفسهم دون أصحاب الفروض، ولا ترث المرأة بالولاء إلا من عتيقها وأولاده وعتقائه؛ وقال إبراهيم النخعي وشريح وطاوس إن الولاء يجري مجرى المال فيورث من المعتِق كما يورث ماله. 67

الميراث بالولاء. اتفق الفقهاء على أن السيد يرث جميع مال عتيقه إذا مات واتفق دينهما ولم يخلف وارثاً سواه، لقول النبي «الولاء لحمة كلحمة النسب»، ولحديث الحسن في إعطاء النبي مولاه ماله إن لم يكن له وارث. ويقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء. وإن كان للمعتِق عصبة من نسبه أو ذو فروض تستغرق المال فلا شيء للمولى، لحديث «ألحقوا الفرائض بأهلها». 7

اختلاف الدين في التوارث. الحنفية والشافعية وأحمد في رواية لا يرث المعتِق المعتَق مع اختلاف دينهما، لحديث «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»؛ وإن اجتمعا على الإسلام توارثا. والمالكية: إذا أعتق الكافر عبده المسلم فالولاء للمسلمين لا له، ولو أسلم بعد ذلك. أما الحنابلة في المذهب فيرون أن المسلم يرث من الكافر بالولاء، لحديث «لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته». وجمهور الفقهاء يمنعون أن يرث المعتَق من معتِقه، لأنه لا قرابة بينهما، وروي عن شريح وطاوس خلاف ذلك. 89

تحمل الدية بالولاء (العاقلة). العاقلة عند جمهور الفقهاء هي العصبة النسبية، ثم العصبة بسبب العتق. فعند الحنفية إن كان القاتل معتقاً أو مولى موالاة فعاقلته مولاه وقبيلة مولاه، لقوله «مولى القوم من أنفسهم». وعند المالكية في المعتمد العاقلة عصبته النسبية، فإن لم تكن فالمعتِقون، ثم بيت المال. وعند الشافعية العاقلة عصبة النسب ثم المعتِق ثم عصبته، ثم بيت المال، والعتيق لا يعقل عن معتِقه في الأظهر. وعند الحنابلة عاقلة الإنسان عصباته كلهم من النسب والولاء إلا عمودي نسبه. 910

ولاء الموالاة. هو أن يعاهد شخص شخصاً آخر على أنه إن جنى فعليه أرشه، وإن مات فميراثه له. وفي حكمه ثلاثة أقوال: الأول، للحنفية وروي عن عمر وعلي وابن مسعود، إنه ولاء ثابت بعقد مشروع، يقع به التوارث والعقل، واستدلوا بقوله تعالى «والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم»، وبحديث تميم الداري رضي الله عنه «هو أولى الناس بمحياه ومماته»، وبأن الصحابة لم يثبتوا الولاء بمجرد الإسلام. والثاني، للمالكية في المشهور والشافعية والحنابلة، إنه غير مشروع ولا حكم له، لقوله «إنما الولاء لمن أعتق»، ولنهي «لا حلف في الإسلام»، ولأن فيه إبطال حق جماعة المسلمين الذين يعقلون عن المتوفى ويرثونه. والثالث، لإسحاق وأحمد في رواية والمالكية في مقابل المشهور، إن الولاء يثبت بنفس الإسلام على يد آخر، ويُروى عن عمر وعطاء وعمر بن عبد العزيز. 101112

سبب ثبوت ولاء الموالاة. عند أصحاب القول الثالث هو نفس الإسلام على يد آخر؛ وعند الحنفية هو عقد الموالاة بالإيجاب والقبول، بأن يقول «أنت مولاي، ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت»، فيقول «قبلت». ولو أسلم شخص على يد رجل ووالى غيره فهو مولى للذي والاه. 1213

شروط عقد الموالاة عند الحنفية تسعة، أولها عقل العاقد؛ فالبلوغ شرط للانعقاد في الإيجاب، ولا ينعقد إيجاب الصبي ولو عاقلاً، أما في القبول فهو شرط النفاذ، فينعقد موقوفاً على إجازة الأب أو الوصي. والإسلام ليس شرطاً، فتصح موالاة الذمي للذمي والمسلم، والذكورة وداراً الإسلام والحرب ليست شروطاً. 13

من شروط عقد الموالاة عند الحنفية: ألا يكون لمن يعقد ولاء عتاقة، لأن ولاء العتاقة أقوى، فلا يُرفع الأقوى بالأضعف؛ وألا يكون له ولاء موالاة مع آخر قد عقل عنه، لأنه تأكد ولزم؛ وألا يكون قد عُقل عنه من بيت المال، لأن ولاءه صار لجماعة المسلمين. 14

وأن يكون حراً مجهول النسب، أي لا يُنسب إلى غيره، لأن من عُرف نسبه لا يجوز أن يوالي غيره، وهو المعتمد في المذهب؛ وأن لا يكون من العرب، لأن العربي له قبيلة تنصره فلا يصير مولى، وأن لا يكون من موالي العرب، لأن مولاهم منهم. 1415 وأن يشترط العقل والإرث، أي أن يعقل عنه إذا جنى ويرثه إذا مات. 15

صفة عقد الموالاة. الحنفية يرونه عقداً جائزاً غير لازم، لكل من طرفيه فسخه بإرادته المنفردة، كالوكالة والشركة والوصية، ما لم يكن قد عقل عنه، فإذا عقل صار لازماً لتعلق حق الغير؛ ويكون الفسخ بحضرة الآخر، فإن والى الأسفل آخر فهو نقض دلالة. 1516

الأثر المترتب على عقد الموالاة: العقل في الحياة، والإرث بعد الموت؛ وعند الحنفية يرث الأسفل من الأعلى إذا شرطا ذلك في العقد، لقوله «المسلمون على شروطهم». 16

انتقال عقد الموالاة. الولاء الثابت بهذا العقد لا يحتمل البيع أو الهبة أو الوصية، لأنه ليس مالاً، ولقوله «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»؛ ولو باعه الأسفل لآخر كان ذلك نقضاً للأول وموالاة للثاني. 16

ما يثبت به عقد الموالاة: عند الحنفية بما يثبت به ولاء العتاقة، من الشهادة المفسّرة أو الإقرار، ولو في مرض الموت، لأنه غير متهم إذ لا وارث معلوم له. 16

العمق

نظرة سريعة

العصر
العصر العباسي المبكر
الإقليم
عالمي / الشتات
المراجعة
مسودة الاكتمال 1/5 · ساهم في إكماله

القضاء والمحاكم

قد يهمك أيضًا

الأهلية· الديمقراطية والشريعة — التوافق والتعارض· الفتوى على الفضائيات — نفعها وضررها· العلمانية والإسلام — صدام أم وئام· الرجم· التعريض بالخطبة في العدة· الأمان· الأمانة

المصادر

  1. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17833
  2. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17834
  3. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17835
  4. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17836
  5. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17837
  6. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17838
  7. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17839
  8. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17840
  9. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17841
  10. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17842
  11. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17843
  12. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17844
  13. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17845
  14. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17846
  15. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17847
  16. الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.17848
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «وَلاء». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/wala-fiqh/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-23.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

الأهلية

الأهلية لغة الصلاحية، وهي نوعان: أهلية وجوب، وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه، وأهلية أداء، وهي صلاحية صدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا. ومناطها الإنسان في أطواره: الجنين، ثم الطفولة، ثم التمييز، ثم البلوغ، ثم الرشد. وأهلية الوجوب تثبت كاملة منذ الولادة، وناقصة للجنين، وأهلية الأداء تكون قاصرة بالتمييز وكاملة بالبلوغ والعقل. وتتأثر الأهلية بعوارض سماوية كالجنون والعته والنوم والإغماء والمرض والرق والحيض والنفاس والموت، ومكتسبة كالجهل والسكر والهزل والسفه والسفر والخطأ والإكراه.