نظرة سريعة
- العصر
- العصر النبوي
- الإقليم
- عالمي / الشتات
- المراجعة
- مسودة الاكتمال 1/5 · ساهم في إكماله
موجز
تعرّف الموسوعة الفقهية الكويتية الإبراء بأنه إسقاط الشخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبَله، فإن لم يكن الحق في ذمة أحد، كحق الشفعة، فتركه إسقاط محض لا إبراء. وتبيّن أنه مشروع في الجملة، وأن الفقهاء اختلفوا هل هو إسقاط أو تمليك، وأن الجمهور على الإسقاط. وتعرض شروطه وأركانه وأنواعه وآثاره على المذاهب الأربعة. 1 2 3
الألفاظ ذات الصلة
الإبراء لغةً التنزيه والتخليص والمباعدة عن الشيء، واصطلاحاً إسقاط الشخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبَله. فإذا لم يكن الحق في ذمة أحد، كحق الشفعة أو حق السكنى الموصى به، فتركه إسقاط محض لا إبراء. وتعدّ الموسوعة الإسقاط أعمّ من الإبراء، فكل إبراء إسقاط ولا عكس. 1 4
وتفرّق الموسوعة بينه وبين البراءة، وهي أثره، فقد تحصل بالوفاء والتسليم أو بالاشتراط، وقد تحصل بإزالة سبب الضمان. وتفرّق بينه وبين المبارأة، وهي اسم من أسماء الخلع يقع بين الزوجين بإسقاط الزوجة حقها على زوجها. وتفرّق بينه وبين الاستبراء، وهو تعرّف براءة الرحم أو طلب نقاء المخرجين. 1 5
وتفرّق بينه وبين الهبة، فهبة الدين للمدين عند الجمهور هي والإبراء بمعنى واحد، أما عند الحنفية فيفترقان في جواز الرجوع. وتفرّق بينه وبين الصلح، فإذا كان الصلح عن إقرار بإسقاط بعض الحق وأداء الباقي أشبه الإبراء. وتفرّق بينه وبين الإقرار، فدعوى الإبراء إقرار بشغل الذمة مع ادعاء الإسقاط. وتذكر أن الإبراء ضد الضمان، ولذلك وضع الشافعية أكثر أحكامه في باب الضمان، وأن الحط والترك يقاربانه معنى. 4 6 7
حكمه التكليفي
الإبراء مشروع في الجملة، وتعرض له الأحكام الخمسة. فيجب إذا سبقه استيفاء، لأنه اعتراف بالبراءة لمستحقها، ومن أمثلته في السلم إذا أحضر المسلَم إليه مال السلم الحال لغرض البراءة فيُجبر المُسلِم على القبول أو الإبراء. ويحرم إذا جاء ضمن عقد باطل، لأن استبقاء الباطل حرام. ويكره إذا أبرأ في مرض الموت وارثه أو غيره عن أكثر من الثلث وأجازه الورثة، لما فيه من تضييع الورثة. والغالب فيه الندب، وهو نوع من الإحسان، ولذا قال الخطيب الشربيني إنه مطلوب فوُسّع فيه. وتستدل الموسوعة بالآية في إنظار المعسر البقرة 280، وتذكر أحاديث في حضّ الدائنين على الإبراء، منها حديث جابر في وفاء دين أبيه، وحديث كعب بن مالك. وذكر بعض الشافعية أن الإبراء للمعسر أفضل من القرض. 7 8
أما الإبراء في غير هذه الأحوال فهو على أصل الإباحة، ولا سيما إذا عجز المبرئ عن تحصيل حقه من المنكر، لأن الإحسان هنا غير وارد. 2
أقسامه
تقسمه بعض المؤلفين إلى إبراء إسقاط وإبراء استيفاء. فالثاني اعتراف بالقبض والاستيفاء، وهو نوع من الإقرار، وتظهر ثمرة التقسيم في الكفالة: فإذا قال الدائن للكفيل «برئت إليّ من المال» برئ الكفيل والمدين، ورجع الكفيل على المدين، لأنه براءة قبض. أما «برئت من المال» أو «أبرأتك» فإسقاط لا رجوع معه. وتذكر الموسوعة أنها لم تقف على التصريح بهذا التقسيم في غير المذهب الحنفي، وإن كانت لسائر المذاهب صور يميزون فيها بين براءة الاستيفاء وبراءة الإسقاط. وإذا أُطلقت البراءة فالمرجع فيها العرف؛ واختار ابن عابدين أنها تُحمل على الاستيفاء لعدم فهم غيرها في عصره. 8 2 9
إسقاط أم تمليك
اختلف الفقهاء في الإبراء هل هو للإسقاط أو للتمليك. فجمهور الحنفية، وقول للمالكية والشافعية، والراجح عند الحنابلة، أنه إسقاط؛ واستدل السبكي بأنه لو كان تمليكاً لصح الإبراء من الأعيان. ونقل بعض الشافعية وابن مفلح أنه تمليك من وجه، والمقصود منه الإسقاط. ونقل ابن مفلح عن جماعة من الحنابلة أنه تمليك. ورأى ابن السمعاني من الشافعية أنه في غير مقابلة الطلاق تمليك من المبرئ وإسقاط عن المبرأ. ويذكر النووي أن الأمر لا يُرجَّح مطلقاً، بل يختلف بحسب المسائل. وتعدّ الموسوعة الإبراء مشتملاً على المعنيين، وتغلب إحداهما بحسب المسألة. 2 10
ومن ثمرات الخلاف أن الحنفية أجازوا توكيل الدائن المدين بإبراء نفسه نظراً إلى جانب الإسقاط، ولم يجيزوه نظراً إلى جانب التمليك. وأن الإبراء عن الزكاة لا يجزئ عند الحنابلة لانتفاء حقيقة الملك. 10
أركانه وصيغته
للإبراء عند الجمهور أربعة أركان: الصيغة، والمبرئ، والمبرأ، والمبرأ منه. وركنه عند الحنفية الصيغة فقط. 10
يحصل إيجابه بكل لفظ يدل على سقوط الحق صراحة، أو كناية مع القرينة، ويشترط انتفاء احتمال المعاوضة أو تأخير المطالبة. فإن قال «أبرأتك على أن تعطيني كذا» فهو صلح بمال، وإن قال «أبرأتك من حلول الدين» فهو تأخير للمطالبة. والإبراء المؤقت لا يصح، كقوله «أبرأتك مما لي عليك سنة»، والإبراء المطلق على التأبيد متفق عليه. ومن الألفاظ التي تدور عليها الصيغة: الإسقاط، والتمليك، والإحلال، والتحليل، والوضع، والعفو، والحط، والترك، والتصدق، والهبة، والعطية، ويُرجع في ذلك إلى العرف والقرائن. وتستدل الموسوعة على تسمية الإبراء بلفظ العفو والتصدق بآيات في المهر والدية والإنظار، منها البقرة 237 والنساء 92 والبقرة 280، وهي تُذكر هنا للاستدلال على الألفاظ فقط. 10 11 12
القبول والرد
اختلف الفقهاء في توقف الإبراء على القبول. فالجمهور (الحنفية، والشافعية في الأصح، والحنابلة) على أنه لا يحتاج إلى قبول لأنه إسقاط، كالطلاق والعتق والقصاص. وذهب المالكية في الراجح والشافعية في قول آخر إلى احتياجه إلى القبول لأنه نقل للملك. وقال القرافي إن الافتقار إلى القبول ظاهر المذهب المالكي، لأن في الإبراء منّةً يضر بذوي المروءات، فجُعل لهم قبوله أو رده. وقرر الحنفية أن ما يُشترط فيه التقابض في المجلس، كالصرف والسلم، يتوقف الإبراء عن بدله على القبول. 11 12 13
وعلى القول بعدم الحاجة إلى القبول لا يرتد الإبراء بالرد عند الحنابلة والشافعية في الأصح والمالكية في المرجوح، لأنه إسقاط حق لا تمليك عين. وعلى القول بالحاجة إليه يرتد بالرد عند المالكية في الراجح والشافعية في قولهم الآخر، والحنفية الذين راعوا فيه معنى التمليك. واستثنى الحنفية صوراً لا يرتد فيها الإبراء: الإبراء في الحوالة، وإبراء الكفيل على الأرجح، ومن طلب الإبراء فأبرأ ثم ردّ، ومن قبل ثم ردّ. 13 14
شروط المبرئ
يشترط في المبرئ أهلية التبرع، أي أن يكون رشيداً غير محجور عليه للسفه أو المديونية. ويشترط أن تكون له ولاية على الحق المبرأ منه، بأن يكون مالكاً له، أو موكلاً بالإبراء منه، أو متصرفاً بالفضالة ولحقته إجازة المالك عند من يصحح تصرف الفضولي. والعبرة بالواقع لا بالظن، فلو أبرأ عن دين لأبيه ظاناً حياته فتبين موته حين الإبراء صح. ويشترط الرضا، فإبراء المكره لا يصح، ولا يصح مع الهزل لما فيه من الإقرار بفراغ الذمة، ومن شوائب الرضا عند الحنابلة كتم المدين مقدار الدين عن الدائن خوفاً من أن يستكثره فلا يبرئه. 14 15
ويصح التوكيل بالإبراء بإذن خاص، ولا يكفي إذن الوكالة بعقد آخر. ويُستثنى من ذلك الوكيل إذا وكّله الدائن بإبراء غرمائه وكان هو منهم، فلا يبرئ نفسه عند الأصح، إلا أن يؤذن له في ذلك صراحة. ولا ينفذ عند الفقهاء إبراء المريض مرض الموت أحد مدينيه إذا كانت التركة مستغرقة بالديون، لتعلق حق الغرماء، وإذا كان المبرأ وارثاً توقف الإبراء كله على إجازة الورثة. 15 16
المبرأ والمبرأ منه
يشترط العلم بالمبرأ وتعيينه، فلا يصح إبراء أحد مدينيه على التردد، إلا إذا قصد مديناً معيناً أو أناساً محصورين. ويصح الإبراء للمنكر. 16
وفي صحة الإبراء عن المجهول ثلاثة اتجاهات: فالجمهور (الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة) على صحته، لأن الإبراء هبة وهبة المجهول جائزة، ولأن جهالة الساقط لا تفضي إلى منازعة. والشافعية ورواية عند الحنابلة على أنه لا يصح عن المجهول مطلقاً، إلا أن يكون المبرئ قد قصد غاية يتيقن أن حقه دونها، واستثنوا الإبراء من الدية المجهولة، وأضاف الرملي الإبراء عما على الشخص بعد موته، فيصح مع الجهل لأنه يجري مجرى الوصية. ويُذكر أن الشافعية يشترطون علم الطرفين إذا وقع الإبراء ضمن معاوضة كالخلع. وتذكر الموسوعة أن المجهول الذي تسهل معرفته، كالإبراء من حصة في تركة، ليس مجهولاً بالمعنى المؤثر. 16 17
شروط الإبراء في ذاته
يشترط ألا يؤدي الإبراء إلى تغيير حكم الشرع، كالإبراء من شرط التقابض في الصرف، أو من حق الرجوع في الهبة أو الوصية (مع خلاف للمالكية)، أو من حق السكنى في بيت العدة، أو من حق الولاية على الصغير، لأن كل ما يؤدي إلى تغيير المشروع باطل. ويشترط ألا يؤدي إلى ضياع حق الغير، كالإبراء من الأم المطلقة عن حق الحضانة مع وجود حق للحاضنة. ويشترط سبق ملك المبرئ للحق المبرأ منه، لأن تصرف الإنسان في ملك غيره لا يصح دون إنابة أو فضالة، وهو موضع اتفاق في حالة ظهوره بمظهر المالك. 17 18
وتعلل الموسوعة شرط سبق الملك بأن المديون عند الوفاء يملك مثل الدين في ذمة الدائن، فتقضى الديون بأمثالها، ويقاس الإبراء على ذلك. ويصح عند الحنفية والحنابلة الإبراء إذا تبين أن المبرئ كان مالكاً في الواقع، ولو اعتقد عدم الملك، كمن أبرأ مديناً لأبيه وهو لا يعلم موته فبان ميتاً. أما الشافعية فاختلفوا بحسب كون الإبراء إسقاطاً أو تمليكاً. 18 9
الإبراء بعد سقوط الحق أو دفعه
الإبراء بعد قضاء الدين صحيح، لأن الساقط بالقضاء المطالبة لا أصل الدين. فإذا أبرأ الدائنُ المدينَ بعد القضاء كان للمدين الرجوع بما أداه إن كان الإبراء إسقاطاً، ولا رجوع إن كان استيفاء. وإذا أطلقت البراءة فالمرجع فيها العرف. وكذلك لو علّق طلاق المرأة بإبرائها الزوج من مهرها، ثم دفع المهر، لا يبطل التعليق. ولم تعثر الموسوعة على رأي للمالكية والشافعية في الرجوع في صور أخرى. 18 9
وجوب الحق أو وجود سببه
الأصل أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه. ويتفق الفقهاء على عدم صحة الإبراء قبل وجود السبب، لأن ما لم يوجد سبب استحقاقه ساقط أصلاً، فلا معنى لإسقاطه، ويكون الإبراء منه وعداً غير ملزم. أما بعد وجود السبب ففيه خلاف: فالجمهور (الحنفية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة) على اشتراط الوجوب، واستدلوا بحديث «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك»، وتمثل الحنفية بالإبراء عن نفقة الزوجية قبل فرضها. ومن الأمثلة في باب الغصب: إذا أبرأ المالك الغاصب من العين المغصوبة برئ من ضمان ردها لأن الرد صار واجباً، أما إن استهلكها الغاصب أو منعها بعد طلبها فلا أثر للإبراء ويضمن القيمة. وأما المالكية فاستظهروا الاكتفاء بوجود السبب، واستدلوا بمسألة إسقاط الزوجة نفقة المستقبل. وصرح الحنفية والحنابلة بأن العبرة بالواقع لا بالاعتقاد، فيصح الإبراء إن صادف حقاً واجباً ولو اعتقد المبرئ أنه لا شيء عليه. ويصح عند الحنابلة الإبراء قبل حلول الدين، لأن الإبراء يتصل بأصل الوجوب لا بصفاته. 9 19 20
موضوع الإبراء
يكون موضوع الإبراء ديناً في الذمة، أو عيناً، أو حقاً من الحقوق التي تقبل الإسقاط. ويتفق الفقهاء على جريان الإبراء في الديون الثابتة في الذمم. أما الإبراء عن العين نفسها بمعنى الإسقاط فغير صحيح اتفاقاً، لأن الأعيان لا تقبل الإسقاط، فإذا أُطلق التعبير فالمراد به الإبراء عن عهدتها أو عن دعواها والمطالبة بها، وعند المالكية سقوط الطلب بقيمة العين إذا فوّتها المبرأ، وسقوطه برفع اليد عنها إن كانت قائمة. وللحنفية تفصيل بين الإبراء عن العين صراحة والإبراء عنها ضمناً في عقد الصلح. وإذا كان الإبراء عاماً شمل الأعيان وغيرها. وإذا كانت العين مضمونة، كالدار المغصوبة، صح الإبراء عنها هالكة أو قائمة، والإبراء عن العين التي هي أمانة يصح قضاءً لا ديانة. 20 21
وتقسم الموسوعة الحقوق إلى حق خالص لله، وحق خالص للعبد، ومختلط يغلب فيه أحدهما، ومالية وغير مالية. فالإبراء عن الحقوق الخالصة للعبد، كالكفالة والحوالة، صحيح بالاتفاق. ولا يصح الإبراء عن حد الزنى، ولا عن حد القذف بعد طلبه، ولا عن حد السرقة بعد الرفع للحاكم. ويصح الإبراء عن التعزير في قذف لا حد فيه، لأن حق العبد غالب. وتنبّه الموسوعة إلى أن الحنفية والمالكية يحملون لفظ «لا حق لي قبل فلان» على الاستيعاب بحسب العرف. 21 22
الإبراء عن الدعوى
يكون الإبراء عن الدعوى عاماً مطلقاً، إذا أسقط حقه في المخاصمة من حيث هي تجاه شخص ما، فهذا لا يجوز، لأنه يتناول ما لم يوجد سبب وجوبه، وذلك باطل اتفاقاً. ومن العام نسبياً الإبراء عن جميع الدعاوى إلى تاريخ الإبراء، فهو صحيح، ولا تُسمع بعده دعوى بحق سابق. أما الخاص، وهو عن دعوى شيء بعينه، فصحيح اتفاقاً، ولا تُسمع الدعوى بعده عن تلك العين. وإذا كان الإبراء عن العين ضمناً فهو إبراء عن دعواها لا عن العين نفسها، لأن الإبراء عن العين نفسها باطل. 22
أنواع الإبراء وشموله
الإبراء عام وخاص، والعموم والخصوص بالنسبة لأصل الصيغة. فالعام ما يبرأ به عن كل عين ودين وحق، وللعرف فيه مدخل. وقد فصّل الحنفية في العموم فجعلوه يستوي فيه الإخبار («هو بريء من حقي») والإنشاء («أبرأتك من حقي»)، وخالفهم من أبطل إنشاء الإبراء عن جميع الدعاوى. أما الخاص فله صور: إبراء عن دين خاص، أو عن كل دين بحسب الصيغة، أو عن عين خاصة، أو عن العين بالإطلاق، أو خاص بالأمانات دون المضمونات. ويتبع الإبراء العمومَ والخصوص، فيدخل في الإبراء العام كل حق ولو غير مالي، كالكفالة بالنفس والقصاص وحد القذف. 23 24
ولا يشمل الإبراء ما بعد تاريخه من ديون أو حقوق، ولا تُسمع بعده دعوى بشيء سابق لتاريخه، فإذا كان خاصاً بشيء معين لم تُسمع الدعوى به أصلاً إذا ادّعاه لنفسه، أما إذا ادّعاه لغيره بوكالة أو وصاية فتُسمع. ولا يشمل ضمان الاستحقاق الحادث بعد الاستحقاق. والمالكية لا يقبلون دعوى المبرئ أن الإبراء إنما كان فيما وقعت فيه الخصومة فقط، ولا دعوى أنه أراد تخصيصه بشيء بعينه. والحنابلة يقبلون دعوى استثناء بعض الدين بقلبه، وللخصم تحليفه. ولا تُقبل دعوى الجهل بقدر المبرأ منه إلا ببينة، ودعوى النسيان، والشافعية يفصلون في الجهل بين من باشر سبب الدين بنفسه ومن رُوجع إليه عند السبب. 24 25
سريانه إلى غير المبرأ
للإبراء سريان لغير المبرأ أحياناً. فإذا أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن، فعند الحنفية والمالكية يستفيد الشفيع من الحط إن كان الباقي يصلح ثمناً، والمالكية والشافعية يقصرونه على المشتري. ومن ذلك الكفالة: فإن إبراء الأصيل يسري إلى الكفيل، أما إبراء الكفيل من الضمان فيبرأ وحده. وعند الرملي إذا أبرأ الدين كله برئ الأصيل، وإذا تعدد الكفلاء استفاد من إبراء غير الأصيل من بعده لأنهم فرعه. وفي الغصب إن أبرأ غاصبَ الغاصب برئ الأول أيضاً، أما إن أبرأ الغاصب الأول فقط فلا يبرأ الثاني. 24
التعليق والإضافة والتقييد
يفرّق الفقهاء بين التعليق، وهو ربط وجود الشيء بوجود غيره فيمنع الانعقاد حتى يحصل الشرط، والتقييد، وهو تعديل لآثار العقد بالشرط لا صلة له بالانعقاد، والإضافة، وهي تأخير بدء الحكم إلى زمن مستقبل. 24 25
فالتعليق على شرط كائن بالفعل في حكم المنجز، والتعليق على الموت كالإضافة لما بعد الموت. والتعليق على شرط ملائم، كقوله «إن كان لي عليك دين فأنت برئ» أو «إن مت فأنت برئ»، جائز اتفاقاً، واحتُج له بقصة أبي اليسر، واختاره ابن تيمية. أما التعليق على شرط من غير ذلك ففيه ثلاثة آراء: عدم الجواز مطلقاً عند الحنفية والشافعية والرواية المنصوصة عن أحمد، لما فيه من معنى التمليك؛ والجواز إذا كان الشرط متعارفاً عند بعض الحنفية؛ والجواز مطلقاً عند المالكية ورواية عن أحمد، لما فيه من معنى الإسقاط. والتقييد بالشرط لا تظهر فيه أداة الشرط، كقوله «أبرأتك على أن تفعل كذا»، والتعليق فيه أداة شرط. وصحة تقييد الإبراء بالشرط جائزة في الجملة عند المذاهب الأربعة. 25 26
أما إضافة الإبراء إلى غير الموت فتُبطله عند الحنفية، ولم تعثر الموسوعة على تصريح لغيرهم بقبول الإضافة، وتصح إضافته إلى ما بعد الموت لأنه وصية بالإبراء. 26
الإبراء بشرط أداء البعض أو بعوض
إذا أبرأ الدائنُ المدينَ من نصف الدين أو جزء معين منه بلا شرط، فالإبراء صحيح اتفاقاً، واستُدل له بأحاديث الوضع. أما إذا قيّد الإبراء عن البعض بشرط أداء الباقي، فالحنفية والمالكية والشافعية على صحته، لأنه استيفاء للبعض وإبراء عن الباقي، واشترط الشافعية الجمع بين لفظي الإبراء والصلح. والحنابلة على عدم الصحة، لأنه كأنه عاوض بعض حقه ببعض. وإذا أبرأ عن البعض بشرط تعجيل الباقي فالشافعية على عدم الصحة لشبهه بربا الجاهلية، فإن عجّل البعض بغير شرط ثم أبرأ من الباقي صح. وعند الحنفية إن لم يُقيّد أداء البعض المعجّل بيوم معين برئ المدين أعطاه الباقي أو لم يعطه. 26 27
وأجاز الشافعية بذل العوض مقابل الإبراء، فيملك الدائن العوض ويبرأ المدين. أما إذا أعطاه بعض الدين على أن يبرئه من الباقي فليس تعويضاً، بل قبض لبعض الحق، والباقي في ذمته، وصوّروا ذلك بالمواطأة. والحنفية يخرّجون الإبراء على عوض على أنه صلح بمال. 27 28
رجوع المبرئ عنه
قد يرجع المبرئ عن الإبراء بعد صدور الإيجاب فقط، أو بعده وبعد القبول وعدم الرد. فالحنفية والحنابلة، وهو قول للشافعية، على أنه لا يستفيد من رجوعه شيئاً، لأن ما كان له سقط بالإبراء، والساقط لا يعود. وذهب المالكية والشافعية في القول الآخر إلى أنه يفيد فيه الرجوع، تغليباً لمعنى التمليك واشتراط القبول. واختار النووي عدم الرجوع ولو قيل إنه تمليك. ويصرح الحنفية بأن الإبراء لا تجري فيه الإقالة، لأنه إسقاط. 28
بطلان الإبراء وفساده
يبطل الإبراء إما أصالةً لتخلف ركن من أركانه أو شرط من شروطه، وإما أن يفسد باقترانه بشرط مفسد، وإما أن يبطل تضمناً إذا كان ضمن عقد فيرتبط مصيره به. فيبطل عند الحنفية والشافعية إذا بطل العقد الذي تضمنه، ما دام خاصاً بذلك العقد، ولا يبطل إذا كان عاماً عن كل حق ودعوى، أو كان خاصاً غير مبني على العقد الفاسد. 28 29
أثر الإبراء
يترتب على الإبراء المستوفي أركانه وشروطه أن تبرأ ذمة المدين مما أُبرئ منه بحسب الصيغة عموماً أو خصوصاً، فلا تُسمع دعوى المبرئ فيما تناوله الإبراء إلى حين وقوعه، ولا تُقبل دعواه بحق مستنداً إلى نسيان أو جهل. وقد يرافقه أثر خاص بحسب المذهب، فالرهن ينفك بالإبراء، أما إبراء المرتهن للجاني فلا أثر له لعدم صحة الإبراء، ولا يسقط به حقه من الوثيقة في الأصح عند الشافعية. ويُعامل الإبراء في بعض الأحكام معاملة القبض، كما لو أُحيل البائع بالثمن على مدين للمشتري ثم أبرأ البائع المحال عليه قبل الفسخ. 29
وقد استثنى الحنفية من الأثر التبعي، وهو منع سماع الدعوى بعده، مسائل: ادعاء ضمان الدرك في البيع السابق، وظهور حق للقاصر بعد بلوغه، وادعاء الوصي أو الوارث ديناً للميت بعد إقراره باستيفاء جميع ما له على الناس. ووجه ذلك أن موضوع الإبراء فيها اكتنفه خفاء يعذر به المبرئ. 3
وسقوط المبرأ منه أثر للإبراء في القضاء، أما في الآخرة ففيه خلاف: فيقال عند الحنفية إنه يسقط قضاء لا ديانة، ويقال إنه يسقط ديانة أيضاً. وفي الإبراء العام مع جهل المبرأ منه يبرأ قضاءً من الكل، أما في الآخرة فلا يبرأ إلا بقدر ما يُظن أن له عليه. وللمالكية قولان: أن المبرئ يبرأ إذا أبرأه صاحب الحق ممن جحده، والآخر أن المطالبة الإلهية لا تسقط بالإبراء. 3
وإذا أقر المبرأ بدين للمدعي بعد الإبراء العام لم يُعتبر الإقرار عند الحنفية والمالكية على الظاهر، لأن الساقط لا يعود، وأفتى بعض المالكية بأنه يعمل به لأنه إقرار جديد. 3
قد يهمك أيضًا
سوق المدينة (حلب)· بازار تبريز· خان الخليلي· سوق الحميدية· سوق واقف· أجر المثل· أخي بابا· العقيق
المصادر
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1415
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1421
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1443
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1417
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1416
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1418
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1419
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1420
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1431
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1422
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1423
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1424
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1425
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1426
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1427
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1428
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1429
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1430
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1432
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1433
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1434
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1435
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1436
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1437
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1438
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1439
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1440
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1441
- الموسوعة الفقهية. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت (كما تذكر صفحة الإصدار). , p.1442
اقتبس هذه الصفحة
مساهمو islam.museum. «الإبراء». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/ibra/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-19.