الله

Allah (God the Unique: the Qur'anic God, his Oneness and his Names)

الله، الإله الواحد الأحد الخالق ورب الحساب، محور الفكر الإسلامي وعلة وجوده؛ وقد عرفه عرب الجاهلية إلهًا من آلهة مكة، ولعله الإله الأعلى وخالق الكون، والمقال يرجح أن اللفظ من «الإله» بأل. وبدأ الوحي بصيغة الرب الخالق، ثم صار التوحيد المحور، وتجلّت صفاته في الأسماء الحسنى 1.

العمق

نظرة سريعة

العصر
العصر النبوي
الإقليم
عالمي / الشتات
المراجعة
الاكتمال 2/5 · ساهم في إكماله

العقيدة

نظرة عامة

الله، الواحد الأحد، الخالق ورب الحساب، تدور حوله الفكرة الإسلامية كلها، وهو علة وجودها. وعرفه عرب الجاهلية إلهًا من آلهة مكة، ولعله الإله الأعلى وخالق الكون بلا ريب، والأرجح أن اللفظ اختصار «الإله» بالألف واللام. 2

في القرآن

تروي الرواية الإسلامية أن سورة العلق كانت أول ما نزل، فكانت رسالة محمد منذ البداية تبليغ كلام الله. والله فيها هو الرب الذي خلق الإنسان، والذي يعلّم الإنسان ما لم يعلم. وتفتتح كل سورة بالبسملة، وقد تكون مفردة «الرحمن» من تراث جنوب الجزيرة قبل الإسلام، وصار الجذر الدال على الرحمة في القرون التالية يعني الإحسان والعفو، وصار تعبير «رحمة الله» في كتب الزهاد إشارة إلى أعماق الألوهية في علاقتها بالإنسان. والقرآن ليس عرضًا منهجيًا للاهوت، وإنما هو كلام الله يتحدث فيه عن نفسه بما يشاء. 1

المحاور الكبرى

تتقدم في القرآن ثلاثة محاور. الأول الله الخالق والقاضي والمجازي، فهو يخلق بأمره ويحكم الحكم الأعلى، وهو مالك الحياة والموت؛ وتعلن السور الأولى سيادته على خلقه، وتنذر بيوم الدين والساعة القريبة. والثاني أن الله واحد أحد، وهذا جوهر الرسالة، فكلمة «إلهكم إله واحد» تتكرر في القرآن كله، وتبين السورة القصيرة المعروفة بالتوحيد وحدانيته بالنسبة إلى الإنسان وفي ذاته. وهذا مضمون الشهادة. والثالث أن الله القادر الرحيم، رب العالمين، وقدرته مقرونة بالمغفرة؛ ويُدعى المؤمن إلى أن يسلم أمره إليه. 3

آيات الله وأسماؤه

آيات الكون آيات لله، والعقل الإنساني مأمور دينيًا بالتفكر فيها، فيرى في الفاني دليلًا على خالق واجب الوجود متعالٍ. والله وحده الباقي، وهو سيُفني كل شيء عند الساعة ثم يعيد خلقه ليوم الجمع. وصفاته هي أسماؤه، وقد جمعت التقوى الإسلامية منها تسعة وتسعين «أسماء حسنى» تحفظ وتتأمل. ومن محاورها أنه الواحد الحي، والحق، والعلي الكبير، والنور، والحكيم، والعزيز. 3

أسماء أخرى، وعلم الله

تشمل الأسماء: القدير، والبديع والخالق والخلاق، والسميع والعليم، والشهيد، والوهاب، والرحمن، والولي، والوكيل، والكريم، والرحيم، والغفور والغفّار، والرؤوف، والودود، وخير الحاكمين. وتتكرر بعضها في القرآن كله، ويُركّز على بعضها في عهد دون آخر. وعلم الله يمتد إلى أصغر فعل لأصغر مخلوق، فالله حاضر تمامًا في كل فعل بشري وفي كل حركة من القلب. 4

جملتان من الآيات

الأولى تتعلق بالجزاء والقضاء. فالقدرة الإلهية تُقرّر بوصفها قضاء نافذًا، وبوصفها عدل القاضي الذي يزن كل فعل، والقرآن يعرضهما على أنهما إثباتان متكاملان لا متناقضان، يُقصد بهما موقف قلبي مطلوب. والقرآن لا يطرح مشكلة القدر اللاهوتية ولا مشكلة الحرية الإنسانية الفلسفية، بل يستحضر سرّ العلاقة بين المخلوق والخالق. وتتحدث الآيات عن المختارين الذين يتفضل الله عليهم وعن الذين يُضلّهم، وتلتقي مسؤولية الإنسان وقضاء الله في الإثبات الأخير للحساب. 5

والثانية هي الآيات المتشابهة، التي تبدو صورها، إذا أُخذت حرفيًا، كأنها تنسب إلى الله صفات بشرية: يجلس على عرشه، وله يد ووجه وعينان. وقد صارت هذه الآيات موضوع جدل تفسيري وكلامي بعد ذلك. 5

خاتمة: السر الذي لا يُعبّر عنه

تقوم تعاليم القرآن عن الله على وحدانيته وتنزيهه وكماله المطلق، وتحفظ تعاليه عن الإدراك. والله القريب العليم لا يُعرف إلا بكلامه وأسمائه وأفعال سلطانه التي يكشفها بنفسه. واسم الله علم على الذات المعبودة الواحدة التي لا تشاركها ذات أخرى؛ وفي ذاته يبقى السر الذي لم يُعبّر عنه، أي «الغيب». وقد وصفه بعض الدارسين الغربيين بأنه إله شخصي، ولم تستعمل الكلامية الإسلامية لفظ «شخص» عنه، وتشرح المادة الفرق اللغوي بين الكلمتين. 5

الشخصية الإلهية وموقف المؤمن

يقبل المقال مصطلح «الإله الشخصي» بمعناه في اللغات الهندوأوروبية، أي الكمال المطلق: إله قائم بذاته، لا يشاركه أحد في ألوهيته، وهو مصدر كل كمال، متميز تمامًا عن كل مخلوق، ومتعلق به الإيمان والعبادة. والقرآن يعلّم ذلك، مع إبقاء حياة الله الباطنة في سرّها، والتشديد على الكلام الذي يبلغه إلى الإنسان بواسطة الأنبياء، وعلى الموقف الباطني الذي يُطلب من المؤمن. وأمام السر الذي لا يُنال يُطلب من المؤمن الخشية (التقوى) والبر والشكر والتوكل. أما الهالكون فتصير خشيتهم رعبًا من العقاب، وأما الذين يؤمنون بالغيب ويبتغون وجه الله فيجدون فيه الولي والهادي والمأوى الأخير. 6

علم الكلام وتطور العقيدة

بنى الحديث والتفسير على القرآن علمين؛ فعلم الحديث حفظ أقوال الله في رحمته ومغفرته وملكه المطلق، وفي مسؤولية الإنسان والقضاء السابق؛ والتفسير تناول الآيات التي تتحدث عن الله، ولا سيما المتشابهة منها. وأصول علم الكلام، وهي من أصل معتزلي، تقوم على مبدأين: التوحيد، والعدل الإلهي في جزاء الأفعال الإنسانية. وكان المعتزلة يصفون أنفسهم بـ«أهل التوحيد والعدل»، وظلت المدارس اللاحقة تحمل المسائل نفسها بعناوين أخرى: وجود الله وصفاته، وأفعاله. 7

ويتفق المتكلمون على أن القرآن يأمر العقل بالنظر في آيات الكون ليصل إلى الخالق، لكنهم يختلفون في مرتبة هذا الواجب: فعند المعتزلة هو مستقر في طبيعة العقل قبل الشرع، وعند الماتريدية كان العقل يستطيع في الأصل أن يبلغ الله بنفسه، لكن الشرع هو الذي أوصله إليه، وعند الأشاعرة هو تكليف شرعي محض. والحجة واحدة عندهم: فالعالم متناهٍ حادث، وله بداية زمنية، ويحتاج إلى خالق واجب الوجود وحده قديم. وعليه تعد الأشعرية إثبات وجود الله برهانًا عقليًا فرضه نص شرعي. 7

وفي الصفات كان بعض المحدّثين يتمسك بظاهر النصوص، فيرميه خصومه بالتجسيم أو الحشوية. وكان المعتزلة يصرون على التنزيه، فينفون عن الله كل ما يشبه المخلوقات، ويجعلون صفاته عين ذاته. وكان الجهمية قد نفوا الصفات تقريبًا، فلا يُعرف الله إلا بقدرة غامضة. وكانت المدارس السنية تأخذ بالتنزيه أيضًا، فتنفي عن الله أن يكون جسمًا أو جوهرًا أو عرضًا. 7

الخلاصة الكلامية

تبين المادة أن الكلام الإسلامي كان يحاول أن يحفظ الوحدانية من التشبيه ويحفظ الكمال الإلهي من التعطيل، وأن الخلاف بينه كان عن منزلة العقل من الشرع وعن معنى الصفات. 7

موقف الأشاعرة من الصفات

وقف الأشاعرة، في مواجهة الحرفيين والمعتزلة، موقفًا وسطًا لخصوه في مبدأ «بلا كيف ولا تشبيه». فنفي المعتزلة للصفات، في نظرهم، تعطيل لها وجعل لله مفهومًا فارغًا. وقبل الأشاعرة الحقيقة الكاملة للصفات لأن القرآن يخبر بها، لكنهم رأوا أن هذه الحقيقة لا تمس الوحدانية الكاملة لله. وقال بعد الأشاعرة، متابعين الغزالي، إن الصفات ليست الله ولا غيره. وأبقى الخط الحنفي الماتريدي على عبارة قديمة في «الفقه الأكبر» الثاني أن الله «شيء» بمعنى الوجود الحقيقي، وأجاز بعض الكرامية والحنابلة إطلاق لفظ «الجسم» بالمعنى نفسه. 8

قائمة الصفات

القاعدة هي ألا تُثبت صفة لم يصرح بها القرآن، لكن علماء الكلام أجازوا الانتقال من صيغة الفاعل إلى الاسم، فتكونت قائمة للصفات مع الزمن. ومنها صفات الذات: الوجود والقدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس؛ ومنها المعاني المضافة إلى الذات: القدرة والإرادة والعلم والحياة والكلام والسمع والبصر؛ ومنها صفات الفعل: الخلق وإيجاد العالم والأمر والقضاء والقدر والرضا. ويتفق الأشاعرة والماتريدية على أن صفات الذات أزلية، وإن كان متعلقها حادثًا، وأن أغلب الصفات تُدرك بالعقل، أما الرؤية والكلام والسمع والبصر فلا تُعرف إلا بالسمع. 9

الرؤية والكلام

أخذ الحرفيون الأتقياء بالرؤية على ظاهرها، وأنكرها المعتزلة وأوّلوا النصوص. وقال الأشاعرة والماتريدية بالرؤية «بلا كيف»: يرى المؤمنون الله يوم القيامة، لكن رؤية لا تشبه رؤية المرئي المحدود في المكان. وكانت صفة الكلام أكثر الصفات جدلًا: قال المعتزلة إن القرآن كلام مخلوق، لأن الله يتكلم في الزمان. وقال الأشاعرة، بعد التأكيد الذي سُجن لأجله ابن حنبل وجُلد، إن للكلام الإلهي حقيقة نفسية أزلية غير مخلوقة، تتميز عن تعبيرها المخلوق في الكتاب وفي تلاوة الألسنة. وأعاد ابن تيمية إحياء إيمان السلف، ورأى أن هذا الكلام في سره هو التوراة والإنجيل والقرآن. 9

المتشابه من الآيات

الآيات المتشابهة، التي تبدو كأنها تشبّه الله بالمخلوقات، طرحت السؤال: هل تُقبل بالإيمان الخالص أم تُؤوَّل بالتفسير؟ وأخذ القدماء من المحدثين بظاهرها، وفوّضوا معناها إلى الله، فالله يجلس على العرش ويد له، لكن لا يعلم أحد المعنى الذي أراده، وقد نُسب هذا الموقف إلى مالك بن أنس. وأوّل المعتزلة النصوص توسعًا، حتى صارت الرؤية عند بعضهم رجاءً في فضل الرب؛ وكان الزمخشري ممثلهم في التأويل، واستعمل المنهج الفيلولوجي للطبري. وقد اعترض الأشاعرة الأوائل على هذا الاستعمال للعقل في التفسير. 9

أفعال الله: العدل والجزاء

ورث علم الكلام عن الجدل الأول في دمشق مشكلة التوفيق بين القدرة الإلهية والمسؤولية الإنسانية، لأن القرآن يعلّم أن الله قادر، وأن الأعمال الصالحة تُجزى والعصيان يُعاقب. وأثبت المعتزلة الحرية الإنسانية: فالإنسان يفعل بقدرة خلقها الله فيه، والله يعلم هذه الأفعال دون أن يخلقها، ويجزي عليها بعدل تام. والله ملزم بأن يفعل الأصلح، وفي العالم نظام موضوعي، والحسن والقبح من طبيعة الأشياء، والشرع يؤكدهما. ورفض الأشاعرة هذه المحاولة لتبرير الله، فالله عادل لأنه يفعل ما يريد، ولا يُلزمه شيء، والحسن والقبح لا وجود لهما قبل الشرع الإلهي الوضعي. 10

القضاء والذرّية والتوليد

أقر الغزالي والرازي بمعنى عقلي للحسن والقبح، لكن على مستويات مختلفة. فعند الأشاعرة يقدّر الله كل شيء بإرادته الأزلية، ويتحقق قضاؤه بأمره في لحظات منقطعة؛ والعلل الثانية ليس لها تأثير حقيقي، والقوانين الطبيعية «سنة الله» يمكن أن يغيّرها بالمعجزات. ولذلك اعتنق أغلب الأشاعرة نظرية ذرية كونية، أصلها معتزلي، وأبقى عليها الخط الحادثي باعتبارها أفضل تفسير لقدرة الله على العالم. وأهملها آخرون مثل الغزالي والرازي أو عدّلوها كالشهرستاني. 11

الموقف الماتريدي ونظريات الكسب

عند الماتريدية القدر علم أزلي بالصفات الحسنة والقبيحة للمخلوقات، والقضاء إيجادها في الزمن بحكمة وإتقان. وقدرة الإنسان تُكيّف أفعاله بالحسن أو القبح، مع أن الله يخلق أصلها. ويرفض الماتريدية أن يكون الله ملزمًا بالعدل كما يقول المعتزلة، ويقولون إنه فوق كل عدل بحكم علمه وحكمته. وطوّر المتكلمون لاحقًا نظريات أدق لتفسير كيف يكون الفعل البشري خلقًا لله وفعلًا للإنسان معًا: الكسب، والاستطاعة التي يخلقها الله، والتوليد، والتوفيق. 11

التوفيق وحدود التحليل

زاد علم الكلام نظرياته دقة بمفهوم التوفيق، وهو تيسير الله للأعمال الصالحة والإيمان والطاعة، يخلقه في الإنسان بفضله، ونقيضه الخذلان. وقد بدت هذه التحليلات للسلف الأوائل، وللمحدثين الحنابلة والظاهرية، لعبة عقيمة أمام سر الله. 12

ابن حزم والغزالي

رفض ابن حزم، الظاهري، أن يكون للعقل سلطة الفصل في أمور الإيمان، ورأى أن النصوص لا تسمح لا بخلق الإنسان لأفعاله (كما يقول المعتزلة) ولا بالكسب الممنوح من الله (كما يقول الأشاعرة)، لكن نقده للنظريات المخالفة مفصّل. وحلل الغزالي في «الإحياء» الاختيار وعلاقة العقل بالإرادة في الفعل الحر؛ فالله وحده حر تمامًا لأنه يفعل بلا باعث، أما الإنسان فيفعل بالضرورة من جهة أن كل شيء يأتيه من غيره، وبالاختيار من جهة أنه محل الفعل الحر. والكسب مرحلة وسيطة لا تعني المشاركة في الحرية الإلهية. وصار التحليل في المصنفات المتأخرة تكرارًا للصيغ القديمة، وفي أواخر القرن التاسع عشر نصح محمد عبده بترك أسرار القضاء الإلهي. 13

الإلهيات الإسماعيلية

تأثرت الإلهيات الإسماعيلية، التي كانت لها صلات ثقافية كثيرة بالسنة، بخط معتزلي، ومنظومة فيضية أفلاطونية محدثة، منذ أبي عبد الله النسفي في القرن الرابع الهجري. وشددت على السر الذي لا يُدرك في الله، فطورت لاهوتًا سلبيًا: لا يُنسب إلى الله في ذاته اسم ولا صفة، والأسماء القرآنية تدل فقط على أن حامليها صادرون عنه. وجُسّد الأمر والكلمة وفعل الإبداع، فالأزلي هو الأمر والكلام، والمخلوق يصدر عنهما بواسطة العقل الكلي. واستعمل النظام الإسماعيلي التأويل الباطني للآيات، وأثّر في بعض الفلاسفة ومتكلمين سنة. 13

الفلسفة

في الفلسفة صار مصطلح «الإلهيات» يدل على مجموع المسائل الخاصة بالله. وجاءت هذه المسائل من اليونان، ولا سيما من أرسطو، لكنها تشربت في الشرق، عند الفارابي وابن سينا، نفحة أفلاطونية محدثة قوية. وبرهن ابن سينا على وجود الله بحجة الإمكان في العالم، واستطاعت المنهجية الفلسفية المرنة أن تميز الصفات عن الذات الإلهية تمييزًا عقليًا. وصار الله عند الفلاسفة الفكر الذي يفكر في ذاته، والخير الأعلى، والعقل الذي يعقل ذاته ويحبها. 13

إله الفلاسفة

يرى الفلاسفة أن العالم صادر عن الله بفيض ضروري وإرادي، وأنه أزلي في الزمن، ممكن في ذاته واجب بغيره؛ والعناية هي قانون الفيض نفسه، وتريدها المعرفة الأزلية لله، والعلل الثانية تؤثر في معلولاتها بالضرورة، فلا يقوم مشكلة الحرية الإنسانية أمام القدرة الإلهية. وعند ابن سينا تسلسل العقول والعقل الفعال واسطة بين الله والإنسان؛ وانفرد ابن رشد بالعودة إلى علم الله بالفرد في فرديته. والإله الذي يعلنونه، الواجب الوجود، هو الإله الذي يبلغه العقل وفي أعلى الحالات الحدس العقلي، وحاولوا أن يبرهنوا أن إله العقل وإله القرآن واحد. 14

الكلام والفلسفة

احتقر ابن رشد جدل المتكلمين، الذين قال عنهم إنهم فرّقوا الشريعة أجزاء. ومع ذلك كان المعتزلة والأشاعرة، في رأيهم، «رجال دين قبل أن يكونوا فلاسفة»، واختلفت مواقفهم الباطنية. فبدأ المعتزلة من القرآن ومن عدل الله المطلق، لكن اتخاذهم العقل معيارًا للشرع قادهم إلى إله «مبرَّر» أمام العقل البشري، وأدى تنزيههم المفرط إلى تخفيف الصفات الإلهية. وخاض الأشاعرة الجدل فأحكموا المسائل وعقّدوها بلا نهاية، وجمد علم الكلام بعد القرن الخامس عشر في مصنفات نمطية، وكان ذلك من أسباب ما اتخذه محمد عبده من موقف شبه لاأدري. 15

التصوف

لم يكن التصوف مسعى عقليًا بل تجربة روحية، حياة مع الله تُفهم بوصفها تجربة للوحدة، وإدراكًا باطنيًا للتوحيد. فبعض الصوفية أعادوا النظر في أسس العقيدة في زمانهم (الحلاج، والترمذي)، وبعضهم قريب من الاعتزال (الحسن البصري)، وبعضهم أسس مدرسة كلامية (ابن كرّام)، وكثير منهم شيعة، وكثير من صوفية أهل السنة لم يخالفوا أحكام الأشاعرة (المكي، والغزالي في «الإحياء»، وكثير من الشاذلية). ومن القرن السابع والثامن الهجريين تأثر كثيرون بوحدة وجودية ذات أصل أفلاطوني محدث. والمقال يميز خطين رئيسين: وحدة الشهود، التي كان الحلاج مثلها، وفيها يتحقق الاتحاد بالله بشهادته لذاته ولسر وحدته في قلب الصوفي؛ والمحبة (العشق)، التي تقيم الحوار بين القلب المؤمن والله. 15

المراحل الوسيطة ووحدة الوجود

أعطى «إحياء» الغزالي للتصوف حقًا في المعارف الدينية المعترف بها، إذ جمع بين العقيدة الأشعرية المتقدمة والمحبة والتوكل والفضائل الزهدية. وحركة الإشراق بفيضها عند السهروردي الحلبي، وهي تبحث عن وحدة في المعرفة مع إبقاء تعالي الشاهد. وبرزت وحدة الوجود، المنسوبة إلى ابن عربي، حتى صارت هي السائدة في التصوف المتأخر، فالعالم الحادث زائل، والصوفي يفنى (فناء) في الوجود الوحيد الباقي (بقاء)، وهو وجود الله. والروح عندهم فيض مباشر عن الأمر الإلهي، فالتجربة العليا هي تجربة الاتحاد. وعدّ ابن تيمية ذلك أثرًا لابن سينا. 16

السلف والخاتمة

تطابق إيمان الصوفية الأوائل كثيرًا مع إيمان «السلف الصالح»، وهو اختيار لا تصنيف زمني، يعود عند ابن تيمية، وفي الوهابية والسلفية الحديثة. وقد رفضت تيار الأنصاري الصوفي سفسطات الكلام ومحاولة تفسير صفات الله، مع الإيمان بالله العلي الذي لا يكشف عن نفسه أكثر من «أسمائه الحسنى». والموقف الباطني للمؤمن تسليم كامل واثق للنفس إلى الله، القاضي العادل والمعين الأعلى. وهذا، كما تخلص المادة، ما يحمله المسلم في قلبه حين ينطق اسم «الله». وكل عصر ينتج بحثًا جديدًا في الإلهيات، وقد يُنشئ علم كلام جديد يعيد النظر في المسائل بضوء الفلسفات الحديثة، لكن بالعودة الحية إلى الله الواحد الحي رب العالمين ومالك يوم الدين. 17

وتذكر الببليوغرافيا المصنفات الإسلامية التي تُستشهد بها في المقال (البخاري، ومسلم، والأشعري، وابن سينا، وابن حزم، والجويني، والغزالي، وابن رشد، والرازي، وابن تيمية، والتفتازاني، والجرجاني، والسنوسي، والبيجوري، ومحمد عبده) ودراسات الغربيين مثل فنسنك وهورتن وباينز وماكدونالد وغاردي وعناتي وغيرهم. 17

قد يهمك أيضًا

أهل القبلة وعدم التكفير بالذنب· الآخرة: القبر والبعث والحساب· علم آخر الزمان· العقل والقلب· العرش· الدين القيم· الغيب المطلق· كن فيكون: الخلق بالأمر لا بالقالب

المصادر

  1. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 428-429
  2. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 428
  3. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 429
  4. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 429-430
  5. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 430
  6. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 430-431
  7. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 431
  8. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 431-432
  9. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 432
  10. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 432-433
  11. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 433
  12. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 433-434
  13. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 434
  14. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 434-435
  15. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 435
  16. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 435-436
  17. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 436
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «الله». islam.museum، https://islam.museum/ar/concept/allah/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-25.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · JSON

الجناح

الأفكار

العقائد والمفاهيم والعلوم والمذاهب، بلغةٍ واضحة.
ذو صلة

أهل القبلة وعدم التكفير بالذنب

مبدأ الطحاوي في تسمية أهل القبلة مسلمين مؤمنين ما داموا مصدقين بما جاء به النبي، وألا يُكفَّر أحد منهم بذنب ما لم يستحله.