تُحفظ على هذا الجهاز فقط؛ لا يُرسَل شيء إلى أي مكان.
وَعْظ
Wa'z (admonition, fiqh)
الوعظ في اللغة زجر مقترن بتخويف، ومنه النصح والتذكير بالعواقب؛ وفي الاصطلاح التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب. والنصيحة الدعاء إلى ما فيه الصلاح والنهي عن الفساد، وبينهما اشتراك في الدعاء إلى الصلاح. 1
الحكم التكليفي: الأصل فيه الاستحباب، وقال الحصكفي إن التذكير على المنابر والاتعاظ سنة الأنبياء، واستدل الكتاب بقوله تعالى في سورة الذاريات. وقد يكون منهياً عنه إذا هيّج المصيبة فصار من النياحة، أو كان للرئاسة وكسب المال والقبول عند العامة؛ وقال الفتاوى الهندية إنه لا يحل للواعظ أن يسأل الناس شيئاً في مجلسه. 2
شروط الواعظ: أن يكون مكلفاً عاقلاً بالغاً، عدلاً، محدِّثاً بأن يكون مشتغلاً بكتب الحديث يعرف صحيحها وسقيمها، ومفسِّراً مشتغلاً بغريب القرآن ومشكله، ويُستحب أن يكون فصيحاً لطيفاً يكلم الناس قدر فهمهم، وأن يكون ميسِّراً لا معسِّراً. 23
آداب الواعظ: أن يجتنب ما ظاهره خلاف الصواب ولو كان محقاً فيه، لما يترتب عليه من مفاسد، كتوهم الناس الجواز المطلق، ووقوعهم فيه بالتنقيص، وسوء الظن به، وسقوط روايته وشهادته وفتواه؛ فإن احتاج إلى ذلك بيّن أنه ليس بحرام، واستدل الكتاب بحديث سهل بن سعد في صنع النبي ﷺ على المنبر، وبحديث صفية في الاعتكاف، وبشرب علي قائماً. 34
منع من ليس أهلاً للوعظ: الشافعية والحنابلة يمنعون من تصدى للوعظ وليس من أهله، أو كان يكذب، لأنه لا يؤمن الاغترار به. وأما المبتدع فلا يجوز حضور مجلسه إلا لإظهار الرد عليه، واستدل بقوله تعالى في سورة الأنعام. 4
آداب الموعوظ: الإنصات للواعظ وعدم الكلام، فإن لم ينصتوا طلب الواعظ منهم ذلك، واستدل الكتاب بحديث جرير في أن النبي في حجة الوداع أمر بإنصات الناس. 45
الإنصات للواعظ: قال العلماء إن الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين، وإن النبي أمر الناس بالإنصات في خطبة حجة الوداع، وقال سفيان الثوري إن أول العلم الاستماع ثم الإنصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر. 5 ومن آداب الموعوظين: أن يستقبلوا الواعظ، وألا يلعبوا أو يلغطوا أثناء الوعظ، وألا يكثروا السؤال في كل مسألة، فما تعلق قوياً بالمسألة وكان دقيقاً لا يحتمله فهم العامة سكت عنه السامع في المجلس وسأل في الخلوة أو انتظر انتهاء الكلام. 5
أسلوب الوعظ ومنهجه: أولاً، استعمال الألفاظ الظاهرة الدالة على المراد واجتناب الغريب، لحديث عائشة في أن كلام النبي كان فصلاً يفهمه كل من سمعه، وذكر ابن علان تفسير السخاوي. 56 ثانياً، تكرار الكلمات إذا لم تُفهم إلا بذلك أو لمزيد الاعتناء أو لكثرة المخاطبين، لحديث أنس في أن النبي كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً. 6 ثالثاً، مراعاة أحوال الناس، فلا يحدَّث الناس بما لا تطيق عقولهم أو بما يُخاف تحريفه، لأثر علي «حدّثوا الناس بما يعرفون»، ولأثر ابن مسعود «ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». 67 رابعاً، الاقتصاد في الوعظ بين البسط المُملّ والإيجاز المُخلّ، لحديث عمار في أن طول الصلاة وقصر الخطبة من الفقه. 7 خامساً، استحباب تعهّد الناس بالوعظ في أوقات القبول، وألا يعظ كل يوم حتى لا يسأموا، ويجعل لوعظه وقتاً محدداً كيوم الخميس، لأثر ابن مسعود. 78
سادساً، معرفة المنكر الذي يُنهى عنه وحال الموعوظ: أهو ارتكبه عن جهل أو عن علم. فيُنهى بالوعظ والنصح والتخويف بالله من يُقدم على المنكر وهو عالم، أو من أصرّ عليه بعد العلم، بشفقة ولطف من غير عنف، والوعظ في السر أفضل من الإعلان كما نُقل عن أم الدرداء الصغرى. 8
أسلوب النهي عن المنكر في الوعظ: على الواعظ أن يعرف المنكر وحال الموعوظ من جهله أو علمه؛ فمن أقدم على المنكر وهو عالم به، أو أصرّ عليه بعد أن عرفه، يُوعظ ويُخوَّف بالله، وتُورد عليه أخبار الوعيد وسيرة السلف، بشفقة لطف من غير عنف؛ والوعظ في السر أفضل، فإن لم ينفع استُعين بأهل الخير، فإن لم ينفع فبأصحاب السلطان. 8 ومن درجات النهي التعنيف بالقول الغليظ عند العجز عن المنع باللطف وظهور الإصرار والاستهزاء، وكان قصد الآمر الرجوع عن المنكر لا الانتصار للنفس، واستدل الكتاب بقول إبراهيم في سورة الأنبياء. 8
ما ينبغي استعماله في الوعظ من آيات وأحاديث وقصص، وفيه أربعة أنواع: ذكر الآيات المخوفة، وحكايات الأنبياء والسلف، وأن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنب، وذكر عقوبات الذنوب المعيّنة كالخمر والزنا والسرقة والقتل والغيبة. 89
أحكام الوعظ في أبواب أخرى: (أ) وعظ الزوجة إذا نشزت، لآية النساء، وتفصيله في النشوز. 9 (ب) وعظ المتلاعنين: يُسن عند المالكية والشافعية تخويفهما قبل اللعان وعند الخامسة، ويُقرأ عليهما آية آل عمران، ويقال لهما ما قاله النبي للمتلاعنين، وعند الحنابلة يستحب أن يعظ الإمام المتلاعنين بعد الرابعة وقبل الخامسة، ويأمر من يضع يده على فم المتلاعن والمتلاعنة. 910 (ج) الوعظ قبل صلاة الاستسقاء: جمهور الفقهاء يستحبونه. 10 (د) الوعظ بعد صلاة الكسوف: المالكية يندبونه، والحنفية والحنابلة لا خطبة لصلاة الكسوف عندهم، والشافعية يسنون خطبتين. 10
وعظ السلطان: لا خلاف في جواز وعظ السلطان وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إذا كان عادلاً؛ واختلفوا في وعظ الجائر. فالحنفية والشافعية والحنابلة في رواية يجيزون وعظه بالرفق واللين؛ والشافعية وابن الجوزي يمنعون تخشين القول له إن كان يحرّك فتنة يتعدى شرها، ويجيزونه إن لم يعد الشر إلا على الواعظ، واستدلوا بحديث «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر». 11 والمالكية يوجبون وعظ السلطان وتخويفه وتحذيره من العاقبة، وقال أبو عمر إن ذلك واجب على من يجالسه ويمكنه النصح، وقال مالك إذا رجا أن يُسمع. وعند الحنابلة في رواية أن ترك الإنكار على السلطان الجائر أفضل، ونقل عن أحمد أنه لا يُتعرض للسلطان فإن سيفه مسلول؛ وإذا قيل بالإنكار فبالتعريف والوعظ اللطيف، لقوله تعالى لموسى وهارون في سورة طه. 11
وعظ البغاة: إذا بعث الإمام من يكشف لهم الصواب فأبوا الرجوع، فالمالكية والحنابلة يوجبون وعظهم وتخويفهم بالقتال، لأن المقصود كفهم لا قتلهم، فإن أمكن بالقول فهو أولى، فإن فاءوا وإلا قُوتلوا، لقوله تعالى في سورة الحجرات. والحنفية يرون أن يدعوهم أهل العدل إلى العدل، واستدلوا بما روي عن علي في بعثه ابن عباس إلى الحرورية؛ والشافعية يستحبون وعظهم ترغيباً وترهيباً. 12
التكسّب بالوعظ: لا يحل للواعظ أن يسأل الناس شيئاً لنفسه في مجلس الوعظ، لأنه اكتساب الدنيا بالعلم، وإلى ذلك ذهب الحنفية والحنابلة. 12
حضور النساء مجالس الوعظ: الحنفية والشافعية يكرهون حضور الشابة لخشية الفتنة، ويجيزون للعجائز، واستدل الكتاب بحديث عائشة في منع نساء بني إسرائيل المسجد. 12