نظرة سريعة
- الإقليم
- الأناضول والقوقاز والبلقان
- المراجعة
- الاكتمال 5/5 · ساهم في إكماله
على الشاشة
- قيامة أرطغرل· مسلسل · تدور أحداثه في · دراما تاريخية
- المؤسس عثمان· مسلسل · تدور أحداثه في · دراما تاريخية
- يونس إمره: رحلة الحب· مسلسل · تدور أحداثه في · تعبّدي
الاسم
الأناضول، وهو الاسم التركي لآسيا الصغرى في العصور القديمة، شبه جزيرة جبلية في الطرف الغربي من آسيا، تقع بين نحو 36 و42 درجة شمالًا، و26 و45 درجة شرقًا. وقد شكّلت مع البلقان جسرًا بين أوروبا الوسطى وغرب آسيا على امتداد تاريخها. وسمّاها الجغرافيون العرب في القرون الوسطى، والأتراك حتى عهد عثماني متأخر، «بلاد الروم». 1
واستعمل البيزنطيون اسم «الأناطولي» بمعنى «مشرق الشمس» في التقسيم الإداري للأراضي شرقي القسطنطينية؛ وقد ضمّت محافظة الشرق التي أنشأها دقلديانوس وقسطنطين أبرشيات مصر والشرق وبنطس وآسيا وتراقيا. ثم اختفى هذا المصطلح الإداري مع تقسيم الإمبراطورية إلى أقاليم (ثيمات) في مطلع القرن السابع الميلادي. وسمّى ابن خرداذبه ثيمة أصغر حول عمورية وقونية «النطولس» أو ما يقرب منه، وسماها قدامة «النطولك»، واختفى اسم ثيمة الأناطوليكون مرة أخرى مع الفتح التركي. 1
ومع الأتراك صار الاسم «الأناضول»؛ وكان في البداية يعني غرب الأناضول وحده، وهي الولاية العثمانية بهذا الاسم التي ضمّت الإمارات التركية الغربية السابقة. وزال اسم الولاية في إعادة تنظيم الولايات في عهد التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك الحين صار «الأناضول» يعني الشبه الجزيرة كلها تقريبًا حتى خط طرابزون وأرزنجان وبيره جك والإسكندرونة. وفي التركية الحديثة هو الجزء الآسيوي كله من تركيا، بما فيه أقاليم تنتمي جغرافيًا إلى أعالي الجزيرة ومنها إلى أرمينية. وبلغت مساحة الأناضول سنة 1950م نحو 743,634 كيلومترًا مربعًا من مساحة تركيا البالغة نحو 767,000 كيلومتر مربع، وبلغ سكان تركيا 20,934,670 نسمة، منهم 19,308,441 في آسيا. 1
الجغرافيا الطبيعية
الأناضول هضبة مرتفعة تحيط بها سلاسل جبلية طولية أعلى منها شمالًا وجنوبًا. وسلاسل الحدود الشمالية، المعروفة في أوروبا باسم جبال البنطس، سلاسل متوازية مستقيمة ارتفاعها من 1200 إلى 1500 متر، وكثيرًا ما تزيد على 2000 متر، وتعلو جبال زيغانا على 3000 متر ذات تكوينات ألبية. أما الجنوب فنظام جبال طوروس. وتصل السلاسل الشمالية غربًا، عبر الجبال جنوب بحر مرمرة، بجبال البلقان الداخلية الدينارية، وتصل شرقًا بجبال القوقاز الجنوبية وجبال إيران الشمالية، ويبرز في الشرق هضبة جبل آرارات العالية نقطةً متقدمة للأناضول. 2
والمناخ تابع للتضاريس. فالشتاء معتدل على السواحل، ومتوسط يناير أعلى من 5 درجات على ساحل البحر الأسود وأعلى من 8 درجات على الساحل الجنوبي. والصيف حار خانق على السواحل، وجفاف البحر المتوسط في السواحل الغربية والجنوبية يقابله على الساحل الشمالي مطر صيفي. والهضبة الوسطى باردة شتاء، متجمدة في يناير، حارة صيفًا بمتوسط يوليو وأغسطس نحو 24 درجة؛ وهي سهوب أقل مطرًا من السواحل، لكن الشعير والقمح ينموان فيها بلا ري. وليس في الأناضول الوسطى صحراء، رغم ما تُظهره بعض الخرائط. 3
وتابعت النباتات المطر. ففي السواحل الجنوبية والغربية بقي جزء من الغطاء دائم الخضرة لبلاد البحر المتوسط، وحُوّل كثير منه إلى أرض زراعية، وتدهور الباقي إلى شجيرات ومراعٍ فقيرة. وتحمل جبال الحدود غابات جافة من البلوط والصنوبريات على جوانبها الغربية والجنوبية والشرقية، وأُزيل كثير منها للزراعة والرعي؛ وفي الجبال الشمالية القريبة من الساحل تسود الغابة الرطبة من الزان والصنوبر، وهي أقدر على مقاومة الضغط البشري. 3
ويتركز الاستيطان في الأودية الطويلة بين السلاسل الشمالية، حيث الصيف حار والماء يتيح الزراعة: أحواض بولو وغيريدة وتشركش وإلغاز-طوصيا في الجزء الشرقي من بيثينية القديمة؛ وحوض صفرانبولو وقسطموني وبويابات في وسط بافلاغونية القديمة؛ وأحواض الأجزاء العليا من نهر يشيل إرماك (إيريس) حول أماسية وزيلة وتوقات في بنطس القديمة؛ وشرقًا فالوادي الطويل المعروف بكلكيت-جوروه، وهو أكثر من 500 كيلومتر. وقوام الاقتصاد هناك الحبوب والأغنام والماعز، وفي الشرق الأبقار. 3
وينحدر الساحل الشمالي شديد الانحدار نحو البحر الأسود، قليل الخلجان، وشريطه ضيق تقطعه الوديان، وهو مكتظ بالسكان، خصوصًا في الشرق، وتُزرع فيه الذرة والفاصوليا وخاصة البندق حول جيرسون وطرابزون وريزة. وأوسع السهول دلتا نهري يشيل إرماك والقزل إرماك (هاليس)، وهي مستنقعية في بعضها، وشبه جزيرة كوجاإيلي، وسهل تراقيا، وسهول أدابازاري على الساكاريا السفلى. 3
بقية السواحل ومنطقة مرمرة
عدا البوسفور، ليس على ساحل البحر الأسود ميناء محمي من رياح الشمال الغربية سوى سينوب، وهي قليلة الأهمية لضعف ظهيرها. وسامسون أفضل المنافذ بالسكة والطريق إلى وسط الأناضول. ومناطق الفحم والصناعة في زونغولداك وإيرغلي (هيراكليا بونتيكا) تتطور تطورًا كبيرًا، وكانت مناجم الفضة والرصاص والنحاس في جبال زيغانا، في كوموش خانه ومرغول، ذات أهمية في الماضي. وقد أثر هبوط الأرض بين بحر إيجه والبلقان في سلاسل الجبال الشمالية لمنطقة مرمرة، فبقيت تلال وسهول حول بحر مرمرة ذات مناخ متوسطي ملائم. ويُزرع الحرير قرب بورصة، والنبيذ حول تكيرداغ (رودوستو). 3
ولموقعها الفريد نشأت القسطنطينية، إسطنبول، على الجسر بين الأناضول والبلقان، وحافظت على أهميتها آلاف السنين؛ وكانت أهم عصورها تلك التي كانت فيها العاصمة الطبيعية لإمبراطورية تمتد على الجانبين. وهي حتى اليوم بوابة تركيا إلى العالم وأهم مرافئها للواردات. والمضيق ليس حدًّا بين القارات أو الثقافات؛ فالحد الأقرب يوجد في السهوب قليلة السكان والأراضي المحروقة في الداخل. 3
نظام طوروس
نظام طوروس في جنوب الأناضول أعلى كثيرًا من سلاسل الحدود الشمالية؛ فامتدادات طويلة تعلو على 2000 متر، وأحيانًا على 3000 متر، وجبل جيلو داغ المكسوّ بالثلوج جنوب شرق بحيرة وان يبلغ 4176 مترًا. وسلاسله الكلسية منحنية. وغرب خليج أنطاليا تمتد طوروس الغربية، وتُسمّى أحيانًا طوروس الليكية، نحو البحر والجزر؛ وبين خليج أنطاليا وسهل أضنة تكوّن طوروس الوسطى قوسًا كبيرًا، وجناحها الشرقي يُعرف بطوروس الكيليكية. وشرق خليج الإسكندرونة يستمر النظام في سلسلتين متوازيتين: الخارجية من جبال الأمانوس عبر السلاسل جنوب ملاطية ونهر مراد إلى السلاسل جنوب بحيرة وان، والداخلية، التي يُعرف قسمها الغربي أحيانًا بـ«طوروس المضادة»، من أعالي سيحان شمال أضنة إلى منطقة أورميا مارّةً بأعالي الفرات (قره سو) والأراس. وبينهما أحواض مثل إلبستان وملاطية-إلعزيز وجابقجور وبحيرة وان؛ ومجموعها هو طوروس الشرقية، التي تنحني نحو الشمال ويلتقي طرفها الجنوبي بسلاسل الحدود الإيرانية. 3
وبين سلاسل طوروس الغربية والوسطى أحواض طولية، بعضها فيه بحيرات، هي بحيرات بيسيديا وإيسوريا القديمتين، وهي أهم مراكز الاستيطان؛ وفي إسبارطة وبوردور زراعات خاصة قيّمة. والجبال الكلسية قليلة السكان لندرة الماء، ومراعيها الفقيرة التي ترعاها الماعز والضأن صيفًا حلّت محل «الغابة الجافة» القديمة، والاستيطان في طوروس الوسطى محصور في أودية ضيقة قليلة. وطوروس الشرقية أوسع، وفيها أحواض تستطيع أن تحتمل سكانًا أكثر، وسفوحها الجنوبية المتناثرة السكان تُزرع بمطر السماء وحده قرب المراكز القديمة ديار بكر وأورفة (الرها) وغازي عينتاب وحلب. وأفضل هذه السفوح لواء هاتاي حول أنطاكية، حيث يتيح البحر المتوسط القريب زراعة الحمضيات والمحاصيل المتوسطية. 4
والشريط الساحلي لطوروس ضيق، قليل التلال الصالحة للسكن، والملاريا خطر فيه؛ وأكبر الأراضي الزراعية هو سهل أضنة وطرسوس، الذي كوّنته رواسب نهري سيحان (سروس) وجيحان (بيراموس)، وقد زاد زراعة القطن فيه زيادة كبيرة في السنوات الأخيرة. وسهل أنطاليا الجيري أقل ملاءمة، وحافاته تنحدر 30 مترًا إلى البحر. والساحل الجنوبي لا يملك مرافئ آمنة للسفن الكبيرة؛ والإسكندرونة ومرسين تخدمان سهل أضنة ولواء هاتاي وتصدّران خام الكروم من طوروس الشرقية، وميناء فتحية الصغير يخدم الجبال الغربية. 5
الأناضول الإيجية
بين جبال مرمرة شمالًا وطوروس الغربية جنوبًا تقع الأناضول الإيجية، أي منطقة «إيجه» التركية، وهي تقابل تقريبًا المنطقة التي استعمرها الإغريق الأيونيون. وتتغلغل فيها وديان واسعة لنهر بكير (كايكوس) وكدز (هرموس) ومندرس الكبير والصغير (كايستر، مياندروس) نحو 200 كيلومتر داخل شبه الجزيرة، عبر صخور بلورية بين سلاسل يتراوح ارتفاعها بين 1000 و2000 متر. والمنطقة مكتظة بالسكان، تُزرع فيها التبغ والزيتون والتين والعنب، ويُجفف معظمه زبيبًا، وفي العهد الحديث القطن. والساحل متعامد على الجبال وكثير المرافئ، لكن الأنهار الكبيرة تحمل من الطمي ما يملأ الخلجان، فأفسس وميليتوس اللتان كانتا مرفأين صارتا على بعد كيلومترات داخل اليابسة، ولم ينجُ ميناء إزمير من الامتلاء إلا بتحويل مجرى كدز. وإزمير مركز اقتصادي للمنطقة مربوط بالسكة الحديدية، وبرغمة (برغامون) وأفيون قره حصار ودنيزلي مراكز محلية. 5
وفي الشرق تنتهي أودية الأناضول الإيجية عند حاجز مرتفع بين زاوية طوروس وسلاسل الحدود الجنوبية لمرمرة، حول أفيون وكوتاهية وأوشاك. وهذا حاجز الأناضول الغربي، وهو هضاب ترتفع 1200 إلى 1500 متر، تعلوها سلاسل ضخمة كثيرًا ما تزيد على 2000 متر، ثم ينخفض تدريجيًا إلى نحو 1100 متر نحو الشمال الشرقي وأعالي ساكاريا. وهضابه سهوب من الطين والرمل الثالثي، وأُزيلت معظم غاباته. والحبوب وتربية الضأن والماعز معيشة السكان القليلين. 5
الهضبة الوسطى
وسط الأناضول مساحات مستوية واسعة على ارتفاع 800 إلى 1200 متر، تكوّنت بترسيب حديث في قيعان أحواض مغلقة حول قونية، ومنها بحيرة الملح (توز غولو)، وهي مستنقع ملحي مستوٍ ضخم على ارتفاع 900 متر، كثيرًا ما تُرسم خطأً على الخرائط صحراء ملحية. وتوجد مثلها على أعالي ساكاريا وفي مواضع على القزل إرماك، وفيها هضاب عريضة أخرى من رواسب ثالثية أفقية وسهول مستوية. 5
الجبال داخل الهضبة والمرتفعات الشرقية
ترتفع جبال بركانية منفردة بين 500 و1500 متر فوق الهضاب الوسطى، منها بعض البراكين الحديثة الخامدة اليوم: إرجيس داغ (3916 مترًا، وهو الأرغايوس القديم) فوق قيصرية، وحسن داغ (3258 مترًا) قرب نيغده. ويفضّل الاستيطان موضعين: أعلى الهضاب مثل انحناءة القزل إرماك، وسفوح الجبال حيث تنحدر الجداول السريعة. وأكثر المدن المهمة عند سفوح الجبال، مثل أنقرة (أنقيرا) وإسكي شهر وقونية (إيكونيون) ونيغده وقيصرية (قيصرية) وسيواس (سباستيا)، والأراضي حولها سهلة الري. وتعيش السهوب على القمح والشعير والأغنام والماعز الأنقرية، وأقل المناطق استيطانًا أحواض توز غولو وقونية الجافة جدًّا، وهي ليكاونيا القديمة، ذات السهوب المشبعة بالشيح. والمرور عبر الهضبة أيسر منه عبر حدود الجبال، ولذلك ظلت الهضبة قلب الأناضول، وازدادت أهميتها منذ انتقال العاصمة إلى أنقرة ومدّ شبكة الطرق والسكك الحديدية. 6
وتقع الحدود الشرقية للأناضول على الفرات الأعلى، حيث تلتقي سلاسل الحدود الشمالية بطوروس الشرقية عبر جبال حديثة بينهما. وقممها تزيد عادة على 2500 متر، وكثيرًا على 3000، ولا يعيش السكان القليلون إلا في الوديان، وعليها تمر الطرق إلى أذربيجان وإيران، ويحرس أرزنجان وأرضروم هذه الطرق. وشرق خط طول أرضروم يتفرع النظامان ويحيطان بهضبة ترتفع 1500 إلى 1700 متر، أعلى من الهضبة الوسطى، فيها براكين حديثة كبيرة: آرارات (آغري داغ، 5172 مترًا)، وألاغوز (4094 مترًا)، وسبحان داغ (4434 مترًا)، وبحيرة وان المحجوزة بالسدود. وشتاؤها بارد، واستعمالها الرئيسي الرعي. ويُسمّى الإقليم عادةً أرمينية، مع أنه لم يعش فيه أرمن منذ جيل، وسكانه يتكلمون التركية أو الكردية؛ ويقترح المؤلف اسم «مرتفعات آرارات» الحيادي الموافق جغرافيًا لهذا الإقليم الحدودي الشرقي، وهو خارج الأناضول الجغرافي. 7
الحدود قبل الأتراك
نجت معظم الأناضول من الفتوح العربية. وكانت الحدود البيزنطية تمتد من الدولتين المسيحيتين أرمينية وجورجيا شمال الشرق، مارّةً بمواقع كالكالا (ثيودوسيوبوليس، ثم أرزن الروم، أرضروم) وكماخ في بعض الأحيان، إلى طوروس «بلاد الدروب»، ثم إلى البحر المتوسط. وغار العرب في الأراضي البيزنطية كثيرًا لكنهم لم يحتلوها. وكانت مناطق الحدود، منطقة الحصون الحامية (الأواسم) ومركزها منبج أو أنطاكية، وثغور الشام حول طرسوس، وثغور الجزيرة حول ملطية، ساحة حرب شديدة، لكنها بقيت في أيدي العرب في الغالب حتى استعادها نقفور فوكاس (963–969م) ويوحنا تزيميسكيس (969–976م) وباسيل الثاني (976–1025م). وعند وفاة باسيل كانت أغلب أراضي تركيا الحالية بيزنطية، عدا آمد (ديار بكر) وما حولها. ثم أضعفت منافسة الأرستقراطية العسكرية والمدنية بيزنطة. 8
الفتح السلجوقي، المرحلة الأولى
وجد الأتراك من بيت السلاجقة الحدود البيزنطية في إحدى فترات الضعف، فأرسلوا محاربيهم إليها للجهاد، وبلغوا داخل الأناضول البيزنطية: سقطت آني سنة 456هـ (1064م) في منطقة الحدود البيزنطية الأرمينية، وخُرّبت كيليكية، واقتُحمت قيصرية (قيصرية). ورفع الجنود نقفور الرابع ديوجانيس، من الأرستقراطية العسكرية، إلى العرش في ساحة المعركة في يناير سنة 1068م، بعد وفاة قسطنطين العاشر بطل الأرستقراطية المدنية. وانتصر أولًا على الأتراك، حتى اضطر السلطان السلجوقي ألب أرسلان إلى التوجه إليه بنفسه. وفي ملازكرد قرب بحيرة وان، في 463هـ (19 أغسطس 1071م)، هُزم الجيش البيزنطي، وكان أكبر عددًا، بسبب قلة انضباط المرتزقة وخيانة خصوم الإمبراطور. أُسر نقفور لكنه أُطلق بعد صلح لين، وأدت الهزيمة إلى ثورة في القسطنطينية أطاحت به، فقُطعت عيناه ومات في صيف 1072م. 9
ولما سقط نقفور بطلت المعاهدات بينه وبين ألب أرسلان، فجدّد الأتراك الجهاد ضد بيزنطة. وقام به قادة أفراد أكثر من الجيوش السلجوقية النظامية، وأنجحهم ملك دانشمند أحمد غازي، الذي عمل في شمال شرق الأناضول. وجالت عصابات تركية في الريف، وقطعت الاتصال بين المدن، فشلّت الإدارة البيزنطية. فأرسل السلطان ملكشاه، خليفة ألب أرسلان منذ 465هـ (1072م)، أحد أفراد بيت السلاجقة، سليمان بن قتلمش، ليقود الفرسان الأتراك في الأناضول. وساعده الخلاف على العرش في بيزنطة؛ فقد التمس الإمبراطور ميخائيل السابع دوكاس، وبعد تنازله عن العرش سنة 1078م نقفور الثالث بوتانياتس، عونه، فاعترفا بحقوقه في الأراضي التي احتلها الأتراك، وسلّماه مدينتي كيزيكوس ونيقية سنة 1081م. واتخذ سليمان نيقية (إزنيق التركية) مقرًّا له. وأكد الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس، الذي بدأ حكمه سنة 1081م، حق سليمان في إسكان جنده الأتراك في الأراضي المحتلة، مع الإبقاء اسميًّا على السيادة البيزنطية. 10
سلطنة الروم السلجوقية والحروب الصليبية
بعد وفاة سليمان تُركت الأناضول لنفسها مدة. فاستقر فيها قادة أتراك آخرون مع أتباعهم وأقاموا إمارات: ملك دانشمند أحمد غازي في الشمال الشرقي، ومقره سيواس (سباستيا)؛ ومنكوجك غازي ومعه تفريكي (ديفريكي) وأرزنجان؛ وفي الغرب، في إزمير، أمير سماه البيزنطيون تزاخاس. وتنازع أمراء السلاجقة حول أنطاكية، وكانت ما تزال بيزنطية، وقُتل توتوش أخو ملكشاه في معركة قربها سنة 1086م. وكانت الجماعات التركية في أذربيجان قد فتحت مملكة البغراتيين الأرمينية سنة 473هـ (1080م)، فأسس الأمير روبين البغراتي دولة جديدة في كيليكية، وهي مملكة أرمينية الصغرى، عاشت تحت أسرة الروبينيين حتى سنة 1375م. 10
وبعد وفاة ملكشاه سنة 1092م سمح خلفه بركيارق لابن سليمان قليج أرسلان بالعودة إلى الأناضول، فوجد صعوبة في تثبيت حكمه بين الأمراء الأتراك. وفي بداية الحملة الصليبية الأولى هزم الصليبيون والبيزنطيون معًا الأتراك بقيادة قليج أرسلان وملك دانشمند، أو ابنه غازي كوموشتكين، واستولوا على نيقية في 20 يونيو 1097م. وكان نصر الصليبيين في دوريليوم (قرب إسكي شهر اليوم) في 1 يوليو 1097م قد حسم مصير غرب الأناضول وفتح الطريق عبر بقية الأراضي التركية. ودخلوا أنطاكية بعد حصار طويل في 3 يونيو 1098م، فأسسوا فيها إمارة أنطاكية، أول دولة صليبية، تحت السيادة البيزنطية؛ وأُسست كونتية الرها في السنة نفسها. ثم طرد الإمبراطور ألكسيوس الأتراك من غرب الأناضول وأعاده إلى بيزنطة، وعزّز الحدود التي تقطع وسط الأناضول، فأوقف الفتح التركي. 11
ظلت الفتوح التركية محصورة في وسط الأناضول أكثر من قرن. وبقي الغرب كله تقريبًا من دوريليوم، وسواحل البحر الأسود والمتوسط، بيزنطيًا؛ وصارت كيليكية مملكة أرمينية الصغرى؛ وكانت أنطاكية والرها دولتين صليبيتين؛ وكانت آمد (ديار بكر) مقر أتابكة الأرتقيين. وسقطت الرها بيد عماد الدين زنكي أتابك الموصل سنة 1144م، وأنطاكية بيد الظاهر بيبرس سنة 1268م. وتقاسم الأتراك المركز؛ فحفظ قليج أرسلان سهوب وسط الأناضول بقونية عاصمةً له، وحفظ الآخر الشمال الشرقي الجبلي بسيواس وأرزنجان. ونزاع ملطية حسمه قليج أرسلان لصالحه نحو 1104–1106م، لكن محاولته التوسع نحو الموصل في بلاد ما بين النهرين فشلت، ومات في الانسحاب من الخابور سنة 500هـ (1107م). 12
وبقيت سلطنة الروم السلجوقية، أو سلطنة قونية كما سماها الصليبيون، إقليمًا محدودًا في أفقر أجزاء الأناضول. وهزم سلطانها مسعود الأول الصليبيين في معركة ثانية قرب دوريليوم في 26 أكتوبر 1147م، فأجبرهم على سلوك الطريق البيزنطي لا التركي. وتوسعت الدولة حين ضم قليج أرسلان الثاني دولة الدانشمنديين سنة 1174م، وهزم الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنينوس في ممرات فريجيا قرب ميرياكيفالون سنة 1176م. ودخل فريدريك بربروسا الأناضول التركية واستولى على قونية في 18 مايو 1190م، لكن الأمر لم تكن له نتيجة دائمة، فقد غرق في نهر سالف (كاليكادنوس، وهو اليوم غوكسو) في 10 يونيو 1190م. 12
الغزو اللاتيني والدويلات المتنافسة
وفتح صليبيو الحملة الرابعة القسطنطينية سنة 1204م وأقاموا فيها إمبراطورية لاتينية. وأسس البيزنطي ثيودور لاسكاريس إمبراطورية يونانية مضادة في غرب الأناضول، عاصمتها نيقية؛ وأقام الأخوان ديفيد وأليكسيوس من بيت كومنينوس، بمساعدة الملكة تامار ملكة جورجيا، إمبراطورية «الكومنينيين العظام» في طرابزون. واستولى السلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو الأول على أنطاليا سنة 1207م، فحصل مملكته على منفذ إلى البحر المتوسط، لكنه هُزم وقُتل قرب هوناس على يد لاسكاريس سنة 1210م. وحمى لاسكاريس وخلفاؤه الحدود الشرقية لإمبراطوريتهم النيقية بتحصينات منعت الأتراك مؤقتًا من التقدم. 12
وفي سنة 1214م أجبر ابن كيخسرو وخليفته عز الدين كيكاوس الأول طرابزون على التنازل عن سينوب، فحصلت السلطنة على منفذ إلى البحر الأسود، فنشأت صلات تجارية بالعالم الخارجي وازدهار لم يعرفه البلد من قبل. وخلفه أخوه علاء الدين كيقباد، أعظم سلاطين الروم السلاجقة، فوسّع حدوده على البحر المتوسط، إذ استولى على حصن جلونوروس فوسّعه إلى مدينة مرفئية كبيرة، سماها «علائية» (ألانيا اليوم)، وجعلها مقرًّا لشتائه. وفي الشرق انتزع أراضي من الأرتقيين في آمد وحصن كيفا وأجبرهم على الاعتراف بسلطته؛ وضم سنة 625هـ (1228م) إمارة الدانشمنديين في أرزنجان، وفتح أرضروم (1230م) وأخلاط (1231م) وخربوت (1234م). وبلغت الحضارة السلجوقية الرومية وقوتها أوجهما في عهده. وخلفه ابنه غياث الدين كيخسرو الثاني، وتولى سنة 634هـ (1237م)، فضم آمد، وكانت حدود السلطنة الشرقية حينئذ تقارب حدود تركيا اليوم. 12
المرحلة الثانية: المغول والتركمان
غيّر تطوران في منتصف القرن الثالث عشر الأوضاع. فقد وصل الغزو المغولي إلى الأناضول، وهُزم جيش الروم السلجوقي أمام المغول بقيادة بايجو نويان عند كوسه داغ في شرق الأناضول في 26 يونيو 1243م، ونهب المغول قيصرية. ولم تسقط السلطنة، لكنها صارت تابعة للمغول، أولًا لباتو ثم لإيلخانات فارس. وجاء المغول بموجة جديدة من التركمان إلى الأناضول، بعضهم أتباعٌ لهم وبعضهم هُجّر من بلادهم، فقوّوا العنصر التركماني شبه البدوي الموجود فيها. وأهمهم جماعات قرامان بن نورة صوفي، وهو يُرجَّح أنه من أسرة درويشية، الذي أسس دولة على حدود لوكاونيا وكيليكية حول إرمنك (جرمانيكوبوليس القديمة) في سفوح طوروس. وفي سنة 1277م حاول ابن قرامان محمد بيك أن يستولي على السلطنة بمدّعٍ اسمه جمري، فاحتل قونية له، لكن حملة انتقامية مغولية استعادتها، فانسحب محمد بيك إلى الجبال بتركمانه؛ وهُزم جمري على الساكاريا من قوات سلجوقية في محرم 676هـ (يونيو 1277م)، وأُعدم. 13
والتطور الآخر هو استعادة بيزنطة بقيادة ميخائيل الثامن باليولوغوس، لكنها جاءت متأخرة. فقد انشغل الباليولوغيون بشبه جزيرة البلقان في مواجهة اللاتين، ولم يستطيعوا إعطاء الأناضول ما يحتاجه؛ فتآكلت دفاعاتهم، فانفتح الباب لجماعات التركمان تنساب إلى الأناضول بذريعة الجهاد، وتضع يدها على الغرب، الذي كان أغنى من الداخل وطالما أغراهم. فاضطر الباليولوغيون إلى التخلي عن أراضيهم في الأناضول خطوة بخطوة، ولم يلقَ الأتراك مقاومة تُذكر في الأرض المفتوحة. وفي نحو سنة 1300م كان معظم غرب الأناضول بيد الأتراك. 14
الإمارات التركمانية حوالي سنة 1300م
بحلول نحو سنة 1300م ظهرت في الأقاليم المفتوحة عدة إمارات تركمانية، إذ تصرفت الجماعات التركية في الغالب باستقلال تحت زعمائها. وكانت أقواها جرميان في فريجيا، وعاصمتها كوتاهية (قوطايوم القديمة)؛ ويذكر العمري أن أمراء غرب الأناضول كانوا يدفعون لها الجزية أحيانًا، ويقول ابن بطوطة إنهم كانوا يخافونها. ويُرجَّح أن أصولها كردية يزيدية لا تركمانية. وحولها قامت دائرة من الإمارات، بعضها أسسه رجال من جرميان: دنيزلي في بافلاغونية وعاصمتها قسطموني، ومعها سينوب؛ وعثمان في شمال فريجيا حول إسكي شهر وسوغوت، وتوسعت بسرعة حتى بحر مرمرة؛ وقره سي في ميسيا مع بالكسري وبرغامة، وتسيطر على ساحل مرمرة حتى الدردنيل؛ وصاروخان في شمال ليديا مع مغنيسا (منيسا)؛ وآيدين في جنوب ليديا وخلفية إزمير مع تيره؛ ومنتشا في كاريا مع ميلاس وموغلا؛ وتكة في ليكيا وبامفيليا مع أنطاليا؛ وحميد في بيسيديا مع إسبارطة. 15
وفي الوقت نفسه انتهت دولة السلاجقة الرومية. فقد طغى على السلاطين منذ زمن المتولّون المغول المقيمون في سيواس. وبعد وفاة علاء الدين كيقباد الثالث سنة 707هـ (1307م) أو 708هـ (1308م)، آخر السلاطين الصوريين، صارت السلطنة ولاية من ولايات الدولة المغولية الإيلخانية في فارس. فاستغل القرامانيون ذلك، ووسّعوا أرضهم من سفوح طوروس، واستولوا على لارندة (قرمان اليوم) فجعلوها عاصمتهم، ولم يستطيعوا أخذ قونية التي حكمها الوالي الإيلخاني جوبان وابنه تيمورتاش. وفي العشرينيات انتشر الاضطراب في الدولة الإيلخانية إلى الأناضول، فهرب تيمورتاش إلى مصر سنة 728هـ (1328م)، وسيطر القرامانيون على قونية، واحتفظوا بلارندة عاصمة لهم. وفي القرن الرابع عشر امتدت سلطتهم غربًا في جنوب الأناضول، فاحتكوا بالدول التركية الناشئة في الغرب. 16
ومع تدهور الدولة الإيلخانية أعلن الولاة المغول استقلالهم بوصفهم أمراء أو سلاطين للروم، وطلبوا عون سلاطين المماليك. وفي سنة 1375م أنهى المماليك مملكة أرمينية الصغرى؛ فأقامت أسرة تركمانية، هي الرمضانيون، دولة في أراضيها الكيليكية بعاصمة أدنة تحت السيادة المصرية، واستقر الدلغاديريون (ذو القدر) في طوروس الشرقية ومنها إلبستان، تحت السيادة المصرية أيضًا. 16
صعود العثمانيين
وفي الغرب توسعت إمارة الغازي عثمان وأحفاده، أي العثمانيين، على حساب الأراضي البيزنطية. وبعد أن صارت شمال فريجيا وما يصل إلى بحر مرمرة عثمانية، سقطت بروسة (بورصة، 6 أبريل 1326م) ونيقية (إزنيق، 2 مارس 1331م) ونيقوميديا (إزميت، 1337م) بيد أورخان بن عثمان، وصارت بورصة عاصمته. ثم أدى الخلاف على الخلافة في إمارة قره سي المجاورة إلى أن صار الساحل الجنوبي لمرمرة كله عثمانيًا سنة 736هـ (1336م)، مع منفذ إلى الدردنيل. وتزامنت المكاسب الأناضولية، وأغلبها سلمي، مع فتوح في البلقان. 16
ولما تولى مراد الأول سنة 761هـ (1360م) أخذ أنقرة، التي كانت اسميًا تحت الولاة المغول وخلفائهم أمراء الروم في سيواس، وكانت عمليًا يحكمها رؤساء الأصناف من جماعة الأخي وتتمتع باستقلال واسع. ثم حصل على إمارة حميد سنة 783هـ (1381م)، فوسّع الأراضي العثمانية شرقًا وجنوبًا. وضم ابنه بايزيد الأول كل الإمارات التركمانية الأناضولية بعد توليه سنة 792هـ (1389م)، بما فيها قرمان وأراضي الولاة المغول، فجلب ذلك هجوم تيمور؛ وهُزم بايزيد في معركة قرب أنقرة في 19 ذي الحجة 804هـ (20 يوليو 1402م). وأعاد تيمور الحكام الأناضوليين المعزولين، ولم يبق بيد العثمانيين سوى أراضيهم الأصلية وأراضي المغول في الشمال الشرقي. ومن هناك وحّد محمد الأول الدولة ثانيةً، وفي عهد مراد الثاني اندمجت الإمارات الغربية تدريجيًا في الدولة العثمانية، وبقيت قرمان منافسًا وحيدًا لها. وأكمل محمد الثاني، ابن مراد، ضبط الأراضي الأناضولية بعد أن أعطى الدولة مركزًا طبيعيًا بفتح القسطنطينية في 29 مايو 1453م؛ فأنهى إمبراطورية طرابزون سنة 1461م، وإمارة قرمان سنة 1467م، وضمها إلى الدولة. وفشلت محاولة الزعيم التركماني أوزون حسن من الآق قويونلو، أن يُرغم محمدًا على التنازل عن الولايات المضمومة، بهزيمته في معركة تردياز شرق أرزنجان سنة 878هـ (1473م). 17
واكتمل الحكم العثماني في الأناضول شرقًا في عهد سليم الأول، الذي ضم سنة 921هـ (1515م) دولة الدلغاديريين وفتح ديار بكر، وأخضع الرمضانيين في كيليكية، وكسب ولاء الزعماء الأكراد السنة. وفي الشمال الشرقي امتدت حدوده إلى سفوح القوقاز بحملات السلاطين العثمانيين وقادتهم ضد فارس: سليمان سنة 940هـ (1534م) و955–956هـ (1548–1549م)، والصدر الأعظم مصطفى باشا سنة 986هـ (1578م) ضد جورجيا، ومراد الرابع سنة 1045هـ (1634م) ضد إريفان. ومن ذلك الحين صارت الأناضول كلها عثمانية دون منازع، ثم آلت إلى الجمهورية التركية. 18
ولم تطرأ على الحدود في الزمن الحديث إلا تغييرات قليلة. فقد انتقلت كارس وأردهان وباتوم إلى روسيا بمعاهدة برلين في 13 يوليو 1878م، التي أكدت معاهدة سان ستيفانو (3 مارس 1878م)؛ وأعادتها معاهدة بريست ليتوفسك (3 مارس 1918م) إلى تركيا، وأكدتها معاهدة موسكو (16 مارس 1921م) ومعاهدة قارص (13 أكتوبر 1921م)، باستثناء مدينة باتوم وظهيرها الصغير، وهو اليوم أجارستان. وفي المعاهدة الفرنسية التركية في 23 يونيو 1939م تنازلت سوريا عن لواء الإسكندرونة، فضُم إلى تركيا ولاية «هاتاي». 18
التقسيم السياسي في العهد العثماني
وحين اتسعت الدولة العثمانية صار لازمًا تقسيمها إلى أقاليم. وكانت في البداية «سناجق»، أي مناطق يتولاها سنجق بك. وفي عهد السلطان الثاني كانت أربعة: سلطان أونيوجو، وهي الأراضي العثمانية الأصلية حول إسكي شهر وسوغوت؛ وخداوندكار، أي أرض الحاكم، يديرها بنفسه، وفيها بورصة وإزنيق؛ وكوجه إيلي، وهي الإقطاع الذي منحه أورخان لقائده أكجه قوجه، شبه جزيرة بيثينية مع إزميت؛ وقره سي إيلي، الإمارة القديمة مع بالكسري وبرغامة. وفي عهد مراد الأول، لما توسعت الدولة بالفتوح في البلقان وفي أنحاء أخرى من الأناضول، توحدت الأراضي العثمانية في ولايتين على جانبي المضايق، كل منهما بقيادة باشا بلقب بكلربكي: الأناضول (أناطولي، ثم أنادولو) وروم إيلي (رومليا). وقسمت كل منهما إلى مناطق الفرسان الإقطاعيين (السناجق). 18
التقسيم السياسي في العهد العثماني
تابعت التقسيمات السياسية العثمانية نمو الدولة. فلما ضُمّت الإمارات التركية صارت سناجق تحمل أسماءها القديمة، وصارت الأقاليم التي فُتحت في عهد بايزيد الأول ومحمد الثاني وسليم الأول ولايات قائمة بذاتها لا سناجق في ولاية الأناضول. وإلى جانب ذلك كانت هناك أقضية (قضاء) لكل منها قاضٍ، وأقاليم (حكومت) يحكمها سلالات محلية تابعة للباب العالي مباشرة. وقد استقر النظام في عهد سليمان القانوني، فكانت ولايات الأناضول: أضنة؛ والأناضول؛ وجزء من جلدير؛ وديار بكر؛ وأرضروم؛ وقرمان (قونية)؛ وكارس؛ ودولقادرية (مرعش)؛ والرقة (أورفة)؛ وسيواس (وتُسمّى أيضًا الروم)؛ وطرابزون؛ وفان؛ ومن ولاية حلب سناجق أنطاكية (هاتاي) وبيرة (بيرجيك) وكليس؛ وفي الغرب سناجق بيغة وقره سي وسلطان أونيو (أزمير)، إضافة إلى إيجل وألاية على الساحل الجنوبي، وقبرص تحت قيادة قبودان باشا. 19
وظل هذا النظام قائمًا حتى مطلع القرن التاسع عشر، لكن في أوقات ضعف الحكومة المركزية نهض بعض الباشاوات المحليين وأسسوا سلالات مستقلة عُرفوا بـ«أمراء الأودية» (درِه بكي). وكانوا تابعين للباب العالي، وأرسلوا الجند إلى السلطان على كره، وكان حكمهم في الغالب نافعًا لأنهم يحرصون على رخاء أقاليمهم، بينما كان الولاة المرسلون من إسطنبول يتبدلون كثيرًا ويسعون إلى الثراء السريع. وشهد القرن الثامن عشر عدة إمارات من هذا النوع، منها إمارة قره عثمان في منطقة إيجه، وإمارة جبان في وسط نهر قزل إرماك. وألغى محمود الثاني إمارات الدَّرِه بَكِيّ. 20
وفي إصلاحات التنظيمات قُسّمت الدولة على النمط الأوروبي بقانون 8 نوفمبر 1864م: ولايات (فيلايات) وسناجق وأقضية. وصارت سناجق كثيرة من ولاية الأناضول القديمة، ومنذ 1875م سناجق ولاية أرضروم، ولايات ثم قُسّمت إلى سناجق أصغر. وبحسب كوينيه (1890م) تكوّنت الأناضول من ولايات أضنة وأنقرة وأيدين (أزمير) وبتليس وديار بكر وأرضروم ومرعش وأورفة (من حلب)، وأجزاء من إسطنبول، وكستامونو، وخداوندكار (بورصة)، وقونية، وماموريت العزيز (خربوت، منذ 1880م)، وسيواس، وطرابزون، وفان، والسنجقان المستقلان بيغة وإزميت. وبقي هذا التنظيم، مع بعض التغييرات، حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى. 20
وفي الجمهورية التركية أُلغيت الولايات وصارت السناجق ولايات، وسُمّيت في إصلاح اللغة «إيل». وكانت 57 ولاية في أكتوبر 1935م، ثم استُحدثت ولايات أخرى من أقضية الولايات المجاورة؛ وصارت هاتاي الولاية الثالثة والستين سنة 1939م، وأُضيفت أوشاك سنة 1953م بوصفها الرابعة والستين. وفي 1954م كانت لتركيا 64 ولاية، منها أربع فقط في أوروبا، وأكثر من 523 قضاءً. ولأغراض جغرافية قُسّمت الولايات إلى ثماني مناطق: ساحل البحر الأسود، وسواحل مرمرة وإيجه، والساحل المتوسطي، وتركيا الأوروبية، وغرب الأناضول، ووسط الأناضول، وجنوب شرق الأناضول، وشرق الأناضول. 21
السكان
كانت الأناضول قد تهلّنت منذ زمن طويل عند الفتح التركي. وقد امتصّت الشعوب الأناضولية القديمة في العهدين اليوناني والروماني، واكتملت العملية بالتنصر؛ ولم يبقَ من تلك الشعوب إلا بقايا كاللازيين في الجبال القريبة من القوقاز، حيث بقيت بعض الجماعات الدينية القديمة طوائف. وكانت الأناضول عند مجيء الأتراك يغلب عليها الكلام باليونانية والمذهب الأرثوذكسي البيزنطي؛ ولم يبقَ منفصلًا عنهم دينيًا وغير متهلّن إلا الأرمن في الشرق، وهم من المونوفيزيين الغريغوريين، وكان التجار منهم قد وصلوا إلى العاصمة غربًا حتى قبل الأتراك. 22
وجاء الأتراك بالإسلام، وهو دين جديد. وفي البداية ربما كان المسلمون أقلية بين اليونانيين، لكنهم بوصفهم الطبقة الحاكمة في الأراضي المفتوحة نشروا دينهم. ولجأ كثيرون من السكان القدماء، الذين انقطعوا عن مركزهم الروحي في القسطنطينية، إلى الإسلام فاندمجوا في الأتراك، وكانت العملية بطيئة في البداية. ولما مرّ ماركو بولو بالأناضول سنة 1272م لم يبدُ أن السكان تتركوا. وتبيّن وثائق بطريركية القسطنطينية أنه في القرن الرابع عشر، مع توطن أعداد أكبر من الأتراك، تراجعت الأرثوذكسية وفقدت الأرض طابعها اليوناني، بالهجرة والاندماج معًا؛ وكانت المناطق الساحلية الغربية، وطرابزون، أشد تمسكًا بالثقافة اليونانية والمسيحية، بينما كانت الداخل أقل تهلّنًا فتغيّر أكثر. وكان تيمور قاسيًا على المسيحيين أينما حل. 22
وبعد فتح القسطنطينية منح محمد الثاني الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية مكانة مستقرة في الدولة العثمانية لأسباب سياسية، وجعلها ركنًا للدولة إلى جانب الإسلام. فتحررت الجماعات المسيحية اليونانية والأرمنية من عزلتها الروحية، وما زالت قائمة حتى اليوم. ونظام الملل، الذي تمتعت بمقتضاه الجماعات الدينية غير المسلمة باستقلال كبير، حماها من الانكماش، ونشأ بين الجماعات «نظام تعايش». 22
السكان في الأزمنة المتأخرة
شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر إحياءً للهلينية الأناضولية، وكان الأرمن في القرن التاسع عشر ما يزالون يُسمّون «الأمة الأمينة» (ميلت صادقة) أي الموالية للدولة. وتطابقت اللغة والدين في الغالب، إلا في وسط الأناضول حول قونية وقيصرية، حيث تبنّى اليونانيون التركية لغة للتعامل والبيت، واستعمل الأرمن التركية في المعاملات مع إبقاء الأرمنية لغة البيت. وإلى جانب الأتراك المستقرين كانت هناك جماعات بدوية وشبه بدوية من المسلمين بلغات وأعراق مختلفة: أتراك وأكراد وشركس. والبدو الأتراك، اليورُك والتركمان، أصولهم موضع خلاف، وأغلبهم من العلويين أو من ذوي الميول الشيعية. والأكراد أغلبهم سنة يعيشون في منطقة مغلقة في الجنوب الشرقي؛ والشركس أغلبهم هاجروا من القوقاز بعد التوسع الروسي فيه. ويعيش في تركيا كلها مهاجرون مسلمون عائدون، «المهاجرون»، خاصة من البلقان، ويندمجون في المجتمعات المحلية. 23
وتدهورت العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في القرن التاسع عشر مع تدخل الدول الغربية في شؤون تركيا. فبموجب معاهدة كوتشوك قينارجه (1774م) ادعت روسيا الحماية على الأرثوذكس في تركيا، وأثارت فيهم مشاعر معادية للأتراك، وانتشرت القومية بين المسيحيين من أوروبا الغربية. فتحوّل النفور التركي إلى كراهية، وكان الأرمن أشد من شعروا بها، لجوارهم لروسيا وشكّ الدولة في خدمتهم لها. وأفضى الإلحاح على إصلاحات معاهدة برلين (1878م) إلى صدامات دامية مع الأكراد في 1894–1896م. 24
وفي الحرب العالمية الأولى، بعد أن غزا جيش قوقازي روسي منطقة فان، تذكر الموسوعة أن السكان الأرمن نُقلوا قسرًا إلى بلاد ما بين النهرين، وأن كثيرين منهم هلكوا، وذلك وفق ما رأى الرأي العام التركي مقابل ولاء مزعوم لروسيا؛ وهاجر الباقون بعد الحرب. وفي 1919م احتل اليونانيون، بتأييد بريطانيا، إزمير، وتقدموا حتى الساكاريا سنة 1921م؛ فهزمهم الأتراك بقيادة مصطفى كمال، وانسحب معهم معظم السكان اليونانيين. وبمعاهدة 30 يناير 1923م استُبدل الباقون بالمسلمين في اليونان، عدا أتراك تراقيا الغربية ويونانيي إسطنبول. فصارت الأناضول نحو 90% تركية و99% مسلمة، وأُتيح للجماعات المسلمة غير التركية الصغيرة، عدا العرب على الحدود السورية، أن تندمج في الحياة التركية، وأن يندمج الأكراد عبر الخدمة العسكرية والمدارس. 24
إحصاء كوينيه نحو 1890م
تعطي الموسوعة التركيب الديني للأناضول في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، استنادًا إلى ف. كوينيه، الذي عمل على الأرقام الرسمية في السالنامات الإمبراطورية والولائية، إذ لم يكن هناك إحصاء رسمي. والأرقام تقريبية، فطريقة العد لم تكن واحدة في كل الولايات، وبعضها يذكر التفصيل بين الذكور والإناث وبعضها الإجمالي فقط. وعلى أرقام كوينيه بلغ عدد السكان 12,254,459 نسمة، منهم 9,676,714 مسلمًا (78.9%)، و2,577,745 غير مسلم (21.1%)، و2,410,272 منهم مسيحيون بمختلف الكنائس. وبلغ الأرمن (الغريغوريون والكاثوليك والبروتستانت معًا) نحو 1,142,775، متركزين في الولايات الشرقية أرضروم وبتليس وسيواس، وكانوا أقلية في كل مكان إزاء المسلمين. وبلغ الأرثوذكس نحو 1,042,612، منهم نحو 25,890 من السريان الأرثوذكس، وتركز اليونانيون مع الكاثوليك الشرقيين في منطقة إسطنبول وولايات خداوندكار وأيدين وطرابزون. وأُعطي بين المسلمين تفصيل جزئي للأكراد والعرب والشركس والأتراك، وذُكر منفصلًا نحو 533,677 من أتباع الطوائف الإسلامية، وغالبهم شيعة ويزيدية. 25
التعدادات الجمهورية
أجرت الجمهورية تعدادات رسمية في سنوات 1927 و1935 و1940 و1945 و1950م، وسُمي الأخير مؤقتًا. وبلغ مجموع سكان 1945م نحو 18,790,174 نسمة (منهم 1,496,612 في تركيا الأوروبية و17,293,562 في الأناضول)، ومجموع 1950م 20,934,670 نسمة (منهم 1,598,255 في تركيا الأوروبية و19,336,415 في الأناضول). وبلغ عدد سكان إسطنبول وأنقرة سنة 1950م أكثر من 100,000 نسمة، وتراوح عدد سكان أسكي شهر وغازي عينتاب وقيصرية وقونية وأرضروم وسيواس بين 50,000 و100,000. وكان الاستيطان أكثف في الشرائط الساحلية الغربية وفي لواء هاتاي وسهل الفرات، وهي مناطق تنتمي جغرافيًا إلى شمال سوريا، وأخفّ في السهوب الوسطى والشمال الشرقي الجبلي. وتعرّف الموسوعة البلدة بأنها ما له إدارة بلدية، بحسب قانون 1930م، وفي الواقع شملت مراكز أقضية لا يتجاوز سكانها بضع مئات. 25
ويعطي تعداد 1945م اللغات والأديان. فكانت التركية اللغة الأم لـ16,598,037 نسمة (88.34%)، ولغة غير تركية لـ2,192,006 (11.66%). وبلغ الناطقون بالكردية 1,469,570، وبالعربية 235,668، والباقي بالشركسية والأرمنية واليونانية واللازية والجورجية والألبانية والبوسنية والإسبانية اليهودية. وكان الإسلام دين 18,497,801 نسمة (98.45%)، و292,152 (نحو 1.55%) غير مسلمين، منهم 202,044 مسيحيين من طوائف شتى، و76,965 يهوديًا، ونحو 12,000 بلا دين. ويتركز الأكراد في الولايات الجنوبية الشرقية، حيث يشكلون الغالبية في آغري وبينغول وبتليس وديار بكر وهكاري وماردين وموش وسعرت وفان؛ وكان العرب أكثر من الأتراك في بعض الجنوب فقط، وأكثرهم في لواء هاتاي، نحو 100,000 مقابل 150,000 تركي تقريبًا. ويعيش اليونانيون والأرمن واليهود في إسطنبول تقريبًا وحدها، مع نحو 7,000 يوناني في جناق قلعة ونحو 12,000 يهودي في إزمير. وتذكر الموسوعة أن التغيير منذ أرقام كوينيه في التسعينيات هائل، بسبب الحرب العالمية الأولى وما تلاها مباشرة. 26
المواصلات
كانت الحركة في الأناضول محلية في الغالب. وفضّل التجار الذين يسافرون من إسطنبول شرقًا الطريق البحري إلى طرابزون، وفي العصور الوسطى مرفأ أياس عند مصب جيحان، وعند العثمانيين مرفأ بيأس في خليج الإسكندرونة، وفي الحديث الإسكندرونة، ومنها تمتد قوافل الطرق الرئيسية إلى داخل آسيا. وكانت الطرق العابرة تؤدي دائمًا من إسطنبول أو إليها، فهي العاصمة الكبرى حتى حين لم تكن عاصمة سياسية للأناضول. وكانت طرق العهد التركي ثلاثة أنواع: الطرق العسكرية، وطرق القوافل، والطرق البريدية. وجميعها تتبع الطبيعة، وتتجنب السهوب الداخلية، وتمر بمحاذاة حواف السهوب حيث ترعى الدواب وتقوم المدن، وتلزم داخل الجبال الحدودية. 27
وكان الطريق العسكري الرئيسي، الذي سارت عليه جيوش السلاطين ضد فارس والقوقاز في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يصنع قوسًا كبيرًا جنوب السهوب الوسطى: من أسكدار عبر إزميت وإسكي شهر وأق شهر إلى قونية، ومنها عبر أرغلي ونيغدة وقيصرية إلى سيواس، ثم عبر أرزنجان وأرضروم نحو الشرق. وسلك سليم الأول، لما زحف على سوريا، طريق قيصرية ثم جبال طوروس الداخلية إلى إلبستان ومرعش. وكان الطريق من أرغلي عبر بوابة كيليكية (كولك بوغازي) إلى أضنة وسوريا يتجنبه الناس عادةً، خاصة في النقل الثقيل، لسهولة إغلاق ممر كولك؛ ففي سنة 1638م أرسل مراد الرابع المدفعية اللازمة لفتح بغداد عن طريق البحر إلى بيأس، ونقلها براً من هناك. 27
طرق القوافل والبريد
إلى جانب الطريق العسكري، كان أهم طريق للقوافل يمتد قطريًا من أسكدار عبر غبزة، ثم يعبر خليج إزميت إلى إزنيق، ويتبع الطريق العسكري عبر إسكي شهر إلى قونية وأرغلي، ويمر بجبال كيليكية (بوابة كولك) إلى أضنة، ثم إلى سوريا أو بلاد ما بين النهرين. وكان الطريق من أنطاكية إلى سوريا هو الطريق الذي يسلكه الحجاج عبر دمشق إلى مكة والمدينة. وكان هناك طريق شمالي للقوافل من أسكدار عبر إزميت وبولو وتوشيا إلى أماسية، ثم عبر توقات وسيواس إلى أرضروم وشرقًا، ومن ديار بكر إلى الموصل وبغداد، وهو «طريق بغداد» من أسكدار. وكان طريق وسط يتفرع من الطريق القطري في قونية ويعبر السهب مارًّا بأق سراي إلى قيصرية وسيواس، وفي عهد القرامانيين والعثمانيين كان يمر من لارندة أو أولوقشلة عبر نيغدة إلى قيصرية. وكانت طرق البريد ثلاثة أذرع: الوسطى هي الطريق القطري بفروعه حتى دمشق، واليمنى شبكة غرب الأناضول، واليسرى الطريق الشمالي إلى أرضروم. وكانت هذه مسالك لا طرقًا مبنية، تصطف عليها الخانات والآبار والجسور التي أقامها المحسنون. 28
السكك الحديدية والطرق
بدأ بناء السكك الحديدية بامتياز منحته الدولة سنة 1856م لشركة بريطانية لخط من إزمير إلى أيدين، افتُتح بعد عشر سنوات. وفي أواخر العهد العثماني افتتحت شركة بريطانية خطوطًا من إزمير إلى أيدين وديناري وأوديمش وإيردير؛ وشركة فرنسية بلجيكية خطوطًا من إزمير إلى مانيسا وأفيون وبالكسري، وخطًا ضيقًا من موداني إلى بورصة؛ وشركة ألمانية، هي خط الأناضول، من حيدر باشا إلى إزميت وإسكي شهر وأنقرة وقونية، وخط بغداد الذي امتد عبر أضنة إلى حلب ونصيبين. وكانت مرسين-أضنة بريطانية. فكانت الشبكة متمركزة حول إزمير لتفتح زراعة الغرب، وخطٌّ قطري يصل العاصمة بالولايات العربية. وفشلت خطط للسكك في البحر الأسود وشمال شرق الأناضول بسبب المعارضة الروسية. وأُممت السكك عند قيام الجمهورية سنة 1920م، ومُدّت الشبكة من أنقرة بعد 1922م: أنقرة–قيصرية، وسيواس، وأرزنجان، وأرضروم بحلول 1939م، وخطوط في الجنوب والشرق إلى ملاطية وديار بكر وكورتالان وزونغولداك وغازي عينتاب. 29
وأدى ازدياد النقل بالسيارات إلى إغلاق بعض الخطوط المحلية، وتوسعت شبكة الطرق، التي بُنيت جزئيًا بمساعدة أمريكية، وصارت فيها خطوط حافلات كثيرة. والأنهار الأناضولية غير صالحة للملاحة، إلا الأنهار الكبيرة قرب مصبّاتها، وكان الكلك من جلود منفوخة يُستعمل في دجلة. ولا توجد قنوات صناعية؛ وقد نُظر مرتين في ربط بحيرة سابانجا بنهر الساكاريا وخليج إزميت بقناة، سنة 999هـ (1590–1591م) و1064هـ (1653م)، لكنها لم تتجاوز المراحل الأولى. 30
المرافئ
والملاحة البحرية ليست يسيرة هي الأخرى؛ فالساحلان الشمالي والجنوبي قليلا المرافئ الطبيعية، وخلجان الساحل الغربي تنطمر عند مصبات الأنهار. وإلى جانب إزمير، أهم المرافئ، توجد على الساحل الغربي موانئ صغيرة لا تستعمل إلا للملاحة الساحلية، مثل فوجة (فوكيا، التي كانت منافسًا جديًا لإزمير في العصور القديمة والوسطى)، وبودروم (هاليكارناسوس)، وفتحية (ماكري). وعلى الساحل الشمالي كانت سينوب، وهي صعبة الوصول لجبال ظهيرها، وسامسون ذات أهمية. 31
المرافئ الجنوبية والبحر الأسود والتجارة
وصارت سامسون، في السهل بين مصبّي القزل إرماق واليشيل إرماق، أهم من سينوب، لا سيما في القرن التاسع عشر، ولها تجارة مع شبه جزيرة القرم المقابلة. وعلى الساحل الجنوبي أنطاليا (أتاليا القديمة، وساتاليا عند الصليبيين) وألانيا (غالونوروس في العهد البيزنطي، وكانديلور عند التجار الأوروبيين في العصور الوسطى) ذات أهمية منذ العصور الوسطى، ومرسين منذ بناء مرفئها سنة 1832م. وكانت المرافئ الوحيدة التي تصل الأناضول بتجارة القارة في «قاعدة» شبه الجزيرة: طرابزون على البحر الأسود، وعلى البحر المتوسط أياس (لايازو عند الصليبيين) وبيأس في العهد العثماني وإسكندرونة، وكانت القوافل من طرابزون تتجه إلى أذربيجان وفارس، ومن مرافئ المتوسط إلى شمال سوريا والجزيرة والعراق. 31
الزراعة
كانت الأناضول دائمًا بلدًا زراعيًا، وبقيت كذلك رغم بدايات التصنيع. فحيثما صلحت الأرض لأكثر من الرعي كان المحصول الرئيسي الحبوب، وتُزرع الفواكه والخضر على السواحل وقرب الأنهار حيث تُسقى الحدائق بالدواليب المائية. وتشتهر مناطق البحر الأسود بالفاكهة، وتُعد تفاح أماسية مشهورًا في البلاد كلها، ويُقال إن جيرسون (كيراسوس) الموطن الأصلي للكرز؛ والبندق في مناطق كثيرة. وعلى ساحل إيجه التين والزيتون والبطيخ والتوت والكروم. وكانت غابات البحر الأسود، ولا سيما «بحر الغابات» (أغاج دنيزي) قرب سبانجا، تكفي حاجة الخشب للبناء والوقود والفحم المحلي، وجزءًا من حاجة العاصمة. والسهوب الوسطى تصلح للماشية والأغنام والماعز الأنقرية، التي يُطلب صوفها (الموهير) بشدة. وخيل الأناضول مشهورة منذ العصور الوسطى، وكانت مزرعة العزيزية في فريجيا تربي الخيل لفرسان الدولة العثمانية. وتتخصص شمال غرب الأناضول في دود القز بفضل زراعة التوت، وبورصة مركز الحرير ونسجه. 32
التعدين والحرف
كانت مناجم الفضة في كموش خانه بين طرابزون وأرضروم، وفي حاجي كوي قرب أماسية، أقدمها، وكانت هناك دور ضرب العملة الفضية. ووُجد النحاس في كوره بين إينبولو وكستامونو، وفي إرغاني ماعدن قرب ديار بكر. وقرب إسكي شهر وحدها في العالم يوجد حجر الميرشام (زبد البحر)، وكان مطلوبًا جدًا في القرن التاسع عشر للغلايين وما شابهها، لكن إنتاجه تراجع اليوم. والفخار، الذي أُدخل من فارس منذ العهد السلجوقي، بلغ ذروته في أبنية الروم السلاجقة في قونية. وفي عهد سليم الأول أُعيد الصناع من تبريز بعد حملته الفارسية سنة 1514م، فاستقروا في إسطنبول وإزنيق؛ وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت إزنيق مركز الفخار العثماني الكلاسيكي بالأزرق والأخضر والأحمر البولي، لإنتاج بلاط المساجد وقصر طوبقبو؛ وأشهر ما صُدّر منه «صحون رودس». وأُنشئت مصانع فخار في عهد أحمد الثالث في إسطنبول وغيرها. والسجاد والبسط أكثر المنسوجات تميزًا، صنعها الأتراك في أوشاك وكولا وغوردس وغيرها، بعضها على التقليد الفارسي. والسجاد الذي عُرف في أوروبا باسم «سميرنا» صُنع في الحقيقة في منطقة أوشاك. والبروكار المنسوج بخيوط الذهب والفضة صُنع في بورصة للبلاط. وكان نسج الكليم والحصر التي تفرش أرض المساجد في الشتاء مهمًّا أيضًا. 33
الطوائف الحرفية والاقتصاد الحديث
كانت الحرف في المدن منظّمة في طوائف (إصناف) أشبه بطريقة درويشية، تحفظ التقاليد والجودة، وتحمي أعضاءها عند النكبات، وقد تُجبر الحكومات نفسها. وكانت تحت إشراف المحتسب، وهو تابع للقاضي. وبدأت الطوائف تتفكك في القرن التاسع عشر حين فتحت التنظيمات الطريق للإصلاح التجاري على النمط الغربي وللقوانين الغربية. وأُلغيت رسميًا سنة 1910م و1913م؛ وحلّت محلها تنظيمات حديثة، جُمعت في نقابات سنة 1943م. وتحسنت الزراعة، كالري الذي أوصل الماء إلى سهل قونية، وبناه خط بغداد بين 1907 و1913م، وأُدخلت زراعات جديدة كالقطن في سهل كيليكية. ومنذ قيام الجمهورية بُذلت جهود مقصودة لتقريب الأناضول اقتصاديًا من الدول الأوروبية. 34
الصلات
قد يهمك أيضًا
العصر المغولي وما بعده· عثمان بن أرطغرل· يونس إمره· الدولة العثمانية· قيامة أرطغرل· المؤسس عثمان· يونس إمره: رحلة الحب
المصادر
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 483
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 483-484
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 484
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 484-485
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 485
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 485-486
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 486
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 486-487
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 487-488
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 488
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 488-489
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 489
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 489-490
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 490
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 490-491
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 491
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 491-492
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 492
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 492-493
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 493
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 493-494
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 494
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 494-495
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 495
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 495-496
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 496-497
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 497
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 497-498
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 498
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 498-499
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 499
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 499-500
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 500
- Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 500-501
اقتبس هذه الصفحة
مساهمو islam.museum. «الأناضول». islam.museum، https://islam.museum/ar/place/anatolia/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-25.