ألبانيا (أرناؤوطلق)

Albania

بلاد ألبانيا، وتسمى في العثمانية أرناؤوطلق؛ بلد على البحر الأدرياتيكي في جنوب شرقي أوروبا، ولغته من أصل هندو أوروبي لا يُعرف لها أدب قبل سنة 1496م، وفيها لهجتا الگيغ والتوسك، ويتكلمها نحو 1,500,000 نسمة في ألبانيا و700,000 في كوسوفو-ميتوهيا 1.

العمق

نظرة سريعة

الإقليم
الأناضول والقوقاز والبلقان
المراجعة
الاكتمال 4/5 · ساهم في إكماله

نظرة عامة

ألبانيا، وتسمى في الاستعمال العثماني أرناؤوطلق، بلد يطل على البحر الأدرياتيكي في جنوب شرقي أوروبا. وتتناول المادة لغتها وأدبها وجغرافيتها وسكانها بالترتيب. 1

اللغة

الألبانية لغة هندو أوروبية، ولا توجد لها سجلات أدبية قبل سنة 1496م، لكن الإيليرية القديمة والإبيروسية القديمة، كما تُستنتج من أسماء الأشخاص والأماكن، يُعدّان نموذجين أوليين للهجة الشمالية (الكيغ) والجنوبية (التوسك). ومفرداتها الأصلية قليلة، والمستعار منها كثير؛ فالعجلة والعربة والمحراث، ومصطلحات القرابة، ليست من أصلها؛ وجاءت من اللاتينية حياة المدن وبناء الطرق والبستنة والقانون والدين والعلاقات الأسرية، وقد تخفّت كثيرًا بتحولات الأصوات؛ ومصطلحات الطقس الأرثوذكسي يونانية، وأسماء الأطعمة والثياب وأجزاء البيت والمصطلحات الإسلامية جاءت عبر التركية. ويتكلم الألبانية نحو 1,500,000 نسمة في ألبانيا، و700,000 في منطقة كوسوفو-ميتوهيا في يوغوسلافيا، ونحو 40,000 في إبيروس. وتبقى أشكال قديمة منها في جزيرتي هيدرا وسبيتسي اليونانيتين، وفي صقلية وكالابريا، حيث استقر منفيو التوسك بعد الفتوح التركية. وتختلف لهجة الكيغ، وهي لهجة الشمال وتشمل كوسوفو-ميتوهيا والعاصمة تيرانا، عن التوسك، صاحبة الأدب الأوسع، في استعمال صيغ التصريف بدل المصدر وفي أمور أخرى. 1

الأدب

منذ القرن الثالث كانت الكنيسة الرومانية تحتفظ بأسقفية في شكودرا شمال ألبانيا، وصارت أول مركز ثقافي؛ ومن ذلك قداس الأسقف يوحنا بوزوك سنة 1555م، وأعمال بودي وبوغداني في القرن السابع عشر. وكان النشاط الأدبي، الذي تسامح معه الأتراك في الشمال الكاثوليكي، يُقمع في الوسط المسلم والجنوب الأرثوذكسي، لكنه نما في مستعمرات المنفيين في صقلية وكالابريا. وبدأ ماترانغا، أحد أحفاد المنفيين، كتابة الترانيم على إيقاعات شعبية سنة 1592م، واستمر بها برانكاتو (1675-1741م) والكالابري فاريبوبا (ولد 1725م). وتحوّلت الحركة إلى الأدب العلماني بأغاني الشعب ورابسوديات دي رادا (1813-1903م)، وهو داعية متحمس لتحرير ألبانيا. وأنشأ الإخوة الفرشيري الثلاثة، عبدل وسامي ونعيم، وكلهم من التوسك، رابطة في بريزرن سنة 1878م، وسعوا بعد تسوية سان ستيفانو إلى الحكم الذاتي الألباني والحرية الأدبية. وبعد سنوات من النشاط في إسطنبول، حيث انضم إليهم المعجمي ومترجم الإنجيل كريستوفوريدي (1827-1895م)، اضطروا إلى المنفى، فكوّنوا في بوخارست جمعية أدبية وطبعوا الكتب الألبانية منذ 1885م. وكانت الكتب المطبوعة في المنفى تُهرَّب إلى ألبانيا بالقوافل. وأعاق غياب المركز الأدبي والأبجدية الموحدة الحركة، حتى حلّ خط ثنائي محل تهجئة سامي الصوتية. وبعد استقلال نوفمبر 1912م اجتمعت التيارات المختلفة. وفي الشمال الكاثوليكي ضم الشعراء والكتاب شيروكا (1847-1917م)، وخانوني (1863-1915م)، وميجيدا (1866-1937م)، والهاجي فيشتا (1871-1940م)، وبرينوشي (1885-1946م)، وكوليقي (ولد 1903م)؛ وفي التوسك دريندوفا (ولد 1872م) وبورادتشي (ولد 1899م). وانتقل كونيتزا (1875-1943م) وغيره إلى بوسطن، حيث أُسست جمعية «فاترا» ومجلتها «ديلي» سنة 1912م. 1

الجغرافيا

تقع ألبانيا بين خطي عرض 39 درجة و38 دقيقة و40 درجة و41 دقيقة شمالًا، وعلى محور شمال جنوب 20 درجة شرقًا من غرينيتش. ومساحتها 11,097 ميلًا مربعًا (28,748 كم²)، وتحدها يوغوسلافيا واليونان والبحر الأدرياتيكي. وطولها 207 أميال، يضيق إلى 50 ميلًا عند بيشكوبي ويتسع إلى 90 ميلًا عند بحيرة برسبا الصغرى. وتمتد سلاسل الحجر الجيري امتدادًا لجبال الدينار، وأعلى أجزاء الأرض في الشرق، إذ تبلغ نحو 7,000 قدم. وأكبر السهول الغربية المنخفضة، وبعضها دون مستوى البحر، سهل ميزيقيا الخصيب. ويبدأ نهر درين، أطول أنهارها، من بحيرة أوخريد، ويصب في الأدرياتيكي تحت شنجين؛ ويقسم نهر شكومبي، وهو سيل شتوي، البلاد إلى منطقتين متساويتين تقريبًا: كيغنيجا وتوسكيريا. وأعلى قممها طومور قرب برات (2,396م). وقد جعل تجريد الغابات البلاد قاحلة وعرة. ودرس هو ميناؤها الرئيسي، وفلورة ذات ميناء طبيعي جيد، وساراندا ميناء صيد، وشنجين يشحن الخام. وتُعطى العاصمة تيرانا نحو 100,000 نسمة، وشكودرا 35,000، وكوريتشا 25,000، ودرّس 16,000، وفلورة 15,000، وجيروكاستر 12,000. وتربط سكة حديد طولها 80 ميلًا تيرانا بدرّس وبيقين وإلبسان، وأغلب المدن تُقصد بالطرق. والمناخ أوروبي في المرتفعات، شبه استوائي في الجنوب الغربي، والغطاء النباتي متوسطي. وأكثف الغابات في ماموراس قرب كروّيا. 1

السكان

أحصى تعداد 1955م 1,394,310 نسمة في ألبانيا، مقابل 1,003,097 سنة 1930م. ويعيش ألبان أيضًا في يوغوسلافيا (750,000 بحسب تعداد يوغوسلافيا سنة 1948م)، وفي اليونان (بين 30,000 و60,000 تقديرًا)، وفي إيطاليا (بين 150,000 و250,000 تقديرًا)، وقُدّر عدد الألبان بالمولد في العالم بنحو ثلاثة ملايين. وأحصى تعداد 1930م 45,000 من الفلاخ، و35,000 من السلاف، و20,000 من الأتراك، و15,000 من اليونانيين في ألبانيا. وتقسم المادة الألبان إلى قسمين: الكيغ شمال نهر شكومبي، والتوسك جنوبه، وكان الأتراك يسمّونهما كيغاليك وتوسكاليك. ويختلف الكيغ عن التوسك في اللهجة والنظرة والسلوك الاجتماعي، ويُعتقد أنهم حفظوا السمات القومية أنقى. وكانت الجبال القاحلة لا تكفي سكانًا متزايدين؛ فإذا فتك الوباء بالماشية هاجر الناس أو زحفوا على السهول المجاورة، وكانوا يخرجون عادة مرتزقة أو رعاة أو مزارعين. 1

دائرة المعارف الإسلامية: الهجرة والاستيطان

منذ منتصف القرن الرابع عشر هاجر الألبان، تحت ضغط الصرب أو مرتزقة لأمراء الإقطاع في اليونان، فاستقروا في إبيروس وثيسالية وموريا بل وفي جزر بحر إيجه. وفيها تحوّل معظمهم تدريجيًا إلى اليونانية، أو انتقلوا لاحقًا إلى جنوب إيطاليا تحت الضغط العثماني. وكانت لا تزال في ثيسالية حوالي سنة 1466م مناطق ألبانية في مدنها، و24 قرية (كاتون) ألبانية في ليفاديا (ليباديا)، و34 في إستيفا. ولما توفي إسكندر بك سنة 1468م انسحب بعض أتباعه إلى الجبال أو ذهبوا إلى مملكة نابولي؛ وفي 1478م و1481م و1492م ذهب مزيد من الألبان إلى جنوب إيطاليا وصقلية، حيث حفظوا لغتهم وعاداتهم إلى اليوم. وفي القرن الخامس عشر نقل العثمانيون بعض أصحاب التيمار الألبان من الأسر الإقطاعية، مازيراكي وهيكال، إلى أماكن أخرى. ولم يُسجل من التوطين التركي الكبير في ألبانيا إلا عدد قليل من المنفيين من قونية، يُسمَّون الكونيجي، وقبيلة اليوروك في قودجاديلك على جبال شرقي ديبرا، أُقيمت لحراسة طريق رومللي-ألبانيا. 2

وجاء التوسع الألباني الثاني الكبير في رومللي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى سهول يقوفه (ياكوفا) وبريزرن وإيبك (بيتش) وكالكانديلن (تيتوفو) وكوسوفو، خاصة بعد الهجرة الجماعية للصرب من هذه المناطق سنة 1690م. وكان هذا الاستيطان في الغالب نتيجة نظام المقاطعة الأرضية، إذ استأجر الألبان قطعًا صغيرة من كبار أصحاب المقاطعات واستقروا فيها مستأجرين دائمين. أما الفلاخ (الفلاش) في ألبانيا فقد عاشوا حياة رعوية في جبال شمال ألبانيا جنبًا إلى جنب مع الألبان منذ الغزو السلافي في القرن السابع، وشاركوا في التوسع الألباني من القرن الخامس عشر فصاعدًا. ويذكر السجل العثماني سنة 835هـ (1431م) الفلاخ وقراهم (إفلاك قلوني) في جنوب ألبانيا، خاصة شرقي كانينا. 2

دائرة المعارف الإسلامية: القبائل الجبلية

تُسمى القبائل الألبانية شمال نهر درين «مالي سور» (أهل المرتفعات). وحوالي سنة 1881م كان فيها تسع عشرة قبيلة، فيها 35,000 كاثوليكي رومانى، و15,000 مسلم، و220 أرثوذكسيًا؛ وأشهرها الهوتي، والكليمنتي، والشكريلي، والكاستراتي، والكوتشاج، والبولاتي، في الجبال شرقي شكودرا. وفي أثناء الفتح العثماني لألبانيا بين 1385م ونهاية القرن الخامس عشر، انسحبت العشائر المتمردة مرة أخرى إلى أوعر المرتفعات، وتزامنت غاراتها على السهول مع ضعف السيطرة العثمانية في القرن السابع عشر، فصارت «رعب رومللي». وقد احترم العثمانيون التنظيم القبلي واستقلال هذه القبائل، لأنها كانت تسيطر على الممرات الجبلية المهمة من رومللي إلى ألبانيا، فكلّفوها بحراستها وأعفوها من الضرائب في مقابل ذلك. ويذكر سجل سنة 1496م (أرشيف رئاسة الوزراء، إسطنبول، طابو دفتر 26) أن ناحية كليمنتي، وهي خمس قرى، كانت تدفع خراجًا وإسبنديه، وتُعفى من الديواني وغيره من الضرائب، وتصبح حارسة للدربندات (الممرات) في أرض بترشبان وطريق ميدون-كوتشا-بلافا. وفي القرن السابع عشر تسبب الكليمنتي في متاعب بغارات على رومللي وتعاونهم مع قبائل مونتينيغرو المتمردة. 2

وجنوب درين عاشت قبيلة المرديتي، وعددهم 32,000 نسمة سنة 1881م، وكلهم كاثوليك رومانيون. وكانوا مقسمين إلى خمسة أفخاذ تسمى البيارق، هي أوروشي وفاندي وسباشي وكوشنيني وديبري. ونال الهوتي، لخدماتهم ضد البنادقة سنة 1696م، المرتبة الأولى بين الأفخاذ، وكان بيرقهم يتقدم بقية البيارق. وتذكر المادة أن نظام البيارق نفسه مؤسسة عثمانية، أي راية السلطة تُمنح لزعماء عسكريين. وكان لكل فخذ بيرقدار، أي حامل الراية، وهو زعيم وراثي، وتُقرر شؤونه في مجلس الشيوخ الوراثيين؛ وكانت الأفخاذ الخمسة تجتمع سنويًا في أوروش، ويتولى بولوكباشي يعينه الوالي العثماني تسيير الشؤون بين الإدارة والقبائل. وزعم قادة المرديتي أنهم من نسل ليكي دوكاجيني، الذي قام بدور بارز في نضال إسكندر بك ضد العثمانيين، ويُعتقد أنه دوّن العرف القبلي المسمى «قانون ليكي دوكاجينيت». وكانت القبائل ترسل إلى الجيش العثماني قوة مساعدة، فردٌ من كل بيت، وكانت هذه العادة تُطبق أيضًا على اليوروك والكرد. ومن أواخر القرن السادس عشر احتاجت الدولة إلى مزيد من الجند في حروبها الطويلة، فزادت أهمية الألبان المساعدين، خاصة في الحروب المحلية ضد الجبل الأسود. وكان المرديتي يُعدّون أشجع جنود رومللي، لكن هيغارد (1855م) وصفهم بأنهم «أكبر اللصوص في العالم». وحين حاولت الإدارة التنظيمية سنة 1855م نزع سلاحهم وتجنيدهم في الجيش النظامي ثاروا وأربكوا منطقة زادريما، فتخلّت الحكومة عن المحاولة في العام التالي. وأدى زعيم المرديتي برنك بيب دودا دورًا بارزًا لاحقًا في حركة الاستقلال الألباني (1908م). و«جمهورية المرديتي» التي أُعلنت تحت رعاية يوغوسلافيا سنة 1921م انهارت في العام التالي. 2

دائرة المعارف الإسلامية: الدين

أحصت الإحصاءات الإيطالية سنة 1942م عدد السكان 1,128,143: منهم 779,417 مسلمًا، و232,320 أرثوذكسيًا، و116,259 كاثوليكيًا. والمجموعة الكاثوليكية المهمة الوحيدة في منطقة شكودرا، وتعيش مجتمعات أرثوذكسية كبيرة في مناطق جيروكاستر وكورتشا وبيرات وفلورة، وينتشر المسلمون في البلاد، وأكثرهم في الوسط. وكانت ألبانيا تابعة لبطريركية القسطنطينية سنة 732م، وانقسمت بين روما والقسطنطينية سنة 1054م، فصارت الشمال تابعًا لروما. وقوّى النورمان والأنجوينيون الكاثوليكية؛ وكانت أنتيفاري مقر رئيس أساقفة ألبانيا، ودوراتزو مقر الرئيس اللاتيني؛ أما الأرثوذكس فكانوا تابعين مباشرة لأسقفية أوريد. وقد آثر العثمانيون الأرثوذكسية على الكاثوليكية، حتى قبل أن يعيدوا بطريركية القسطنطينية سنة 1454م، لكن الباب العالي تسامح مع الكنيسة الكاثوليكية لأسباب سياسية، وتأرجح الأمراء الألبان بين الشرق والغرب حسب الظروف السياسية. وكان المهاجرون الألبان الأرثوذكس إلى جنوب إيطاليا يحتفظون بكنيسة يونانية موحدة تعترف بسلطة البابا. وأحصى الدليل السنوي العثماني لسنة 1895م في ولاية يانيا (إبيروس وألبانيا جنوب نهر ديفول) 223,885 مسلمًا، و118,033 يونانيًا، و129,517 أرثوذكسيًا ألبانيًا، و3,517 يهوديًا، و93 كاثوليكيًا فقط. وكان بعض من عُدّوا يونانيين ألبانًا أرثوذكس تيوّنوا عبر المؤسسات الدينية والتعليمية اليونانية منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وبعد استقلال ألبانيا اعترف البطريركية أخيرًا سنة 1937م بكنيسة أرثوذكسية ألبانية مستقلة. 2

وكان أول من أسلم من الألبان الأمراء الإقطاعيون الذين يحملون التيمارات من العثمانيين. ولم يكن الإسلام شرطًا للاحتفاظ بالتيمار، بل كفى الولاء للدولة العثمانية، واستمر منح التيمار للمسيحيين طوال القرن الخامس عشر، وإن لم يبق في آخره إلا قليل من أصحاب التيمار المسيحيين بسبب التحول الطوعي. وكانت إلبسان، التي بناها محمد الثاني سنة 870هـ (1466م)، مركزًا إسلاميًا منذ البداية، وكذلك يني شهير في ثيسالية. أما عامة الناس فقد أسلموا ببطء: ففي بداية القرن السادس عشر كانت في سناجق إلبسان وأوهري وأولونيا وإسكندرية نحو ثلاثة آلاف أسرة رعية مسلمة فقط، وقدّر مصدر كاثوليكي من نحو سنة 1622م أن واحدًا من كل ثلاثين ألبانيًا فقط مسلم. وفي القرن السابع عشر حاول البنادقة والنمساويون إثارة تمرد بين الألبان الكاثوليك والصرب الأرثوذكس، الذين استاؤوا من زيادة الجزية. وفي 1614م طلب رجال الكنيسة في اجتماع بكوتشي المساعدة من البابا؛ وحوالي 1622م وصل أول المبشرين الفرنسيسكان إلى ألبانيا وجنوب صربيا. وتعاون الألبان الكاثوليك والصرب مع البنادقة سنة 1649م، ومع النمساويين في 1689-1690م، فقرر الباب العالي الرد بالمثل 2

دائرة المعارف الإسلامية: الأسلمة والبكتاشية

هرب المسيحيون في سهول بيتش وبريزرن وياكوفا وكوسوفو، الذين كان بعضهم ألبانًا، من الضغط العثماني بالهجرة الجماعية أو باعتناق الإسلام؛ وصار كثيرون منهم مسيحيين مستترين، يُسمون محليًا «لارامونه» أي المتلون. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر سار تألبن هذه السهول وأسلمتها جنبًا إلى جنب. وتلقى الإسلام دفعة جديدة في عهد البوشاتليين وعلي باشا التبلني، الذي أجبر، حسب شهود عيان معاصرين، عددًا من القرى على الإسلام. ويُعتقد أنه كان بكتاشيًا بنفسه، وبلغت البكتاشية في عهده أوج انتشارها في ألبانيا. وفي عهد الملك زوغو قُدّر أتباعها بنحو 200,000، ولها تكيات مزدهرة في تيرانا وأكتشاحصار (المركز القديم للبكتاشية) وبيرات وجبل طومور، وتنظيم مركزي في العاصمة. وفي مؤتمر كورتشا سنة 1919م سعى البكتاشية إلى جماعة مستقلة عن السنّة، ولم يتحقق ذلك إلا في ظل النظام الشيوعي سنة 1945م. ولعب الإسلام دورًا أساسيًا في تعثمن الألبان، وكان الألبان المسيحيون يسمّون مواطنيهم المسلمين أتراكًا. كما حمى الإسلام الألبان من الذوبان في جيرانهم اليونانيين والسلاف. ويُقال إن المعتقدات الدينية البدائية بقيت تحت قشرة المسيحية والإسلام، خاصة في الجبال. 3

دائرة المعارف الإسلامية: العهد الإيليري والروماني

الأصل الإيليري للشعب الألباني مقبول عمومًا، أما صلاته العرقية بالتراقيين والإبيروسيين والبلاسجيين فما زالت موضع جدل. وتعرفت القبائل الإيليرية على الثقافة اليونانية أولًا عبر المستعمرات اليونانية على الساحل الألباني في القرن السابع قبل الميلاد، وأهمها أبيدامنوس قرب دوراتزو (دوريس). وشكّل الإيليريون أول تنظيم سياسي مستقل لهم في القرن الثالث قبل الميلاد. وفتحهم الرومان سنة 167ق.م، وظلوا قرونًا تحت تأثير روماني قوي. وبدأ الطريق الروماني نحو الشرق، الفيا إغناتيا، من دوراكيون وتبع وادي شكومبي. وذكر بطليموس لأول مرة بين القبائل الإيليرية الألبانويي وعاصمتهم ألبانوبوليس قرب كروا. وفي القرن السابع أنهى الغزو السلافي لألبانيا رومنة الألبان، فانكفأوا إلى جبال الشمال، وعاشوا حياة رعوية هناك نحو نصف ألفية. وفي القرنين التاسع والعاشر حكمت الإمبراطورية البلغارية جنوب ألبانيا، بما فيها دوراكيون، وفي أواخر القرن الثاني عشر احتل الصرب بقيادة نيمانيا الشمال. وتركت المعايشة الطويلة مع السلاف الزراعيين أثرًا ثقافيًا عميقًا في الألبان. واستعاد الإمبراطور باسيليوس الثاني الحكم البيزنطي في الجنوب، وفتح دوراكيون سنة 1005م. وفي منتصف القرن الحادي عشر، حين ضعفت السيطرة البيزنطية على الولايات، نزل الألبان من جبالهم؛ وتسميهم المصادر المعاصرة أربانينسيس أو ألبانينسيس، وباليونانية ألبانوي، وفي المصادر السلافية أربانساي. واستعمل العثمانيون أولًا الصيغة اليونانية أرفانيد، ثم صيغها التركية أرناود وأرناوت. 3

دائرة المعارف الإسلامية: القوى الوسيطة والفتح العثماني

سقطت دوراكيون في يد النورمان سنتي 1081م و1185م، وفي يد البنادقة سنة 1204م، ثم آلت إلى ثيودور أنجيلوس، مستبد إبيروس (1215-1230م). وفي سنة 1272م احتل شارل أنجو دوراكيون وبقية الساحل الألباني، ولقّب نفسه «ملك ألبانيا»، فبدأ صراع طويل بين بيزنطة والأنجويين. وعرف الأتراك الأناضوليون ألبانيا أول مرة سنة 737هـ (1337م) بتحالفهم مع الإمبراطور البيزنطي أندرونيكوس الثالث، الذي دخل ألبانيا بجيش فيه جنود أتراك. وسرعان ما احتل ستيفان دوشان ألبانيا (كروا سنة 1343م، ووسط ألبانيا 1343-1346م)، مما يبدو أنه سرّع هجرة الألبان إلى اليونان. وبعد انهيار إمبراطورية دوشان سنة 1355م ظهر في كل أنحاء ألبانيا أمراء إقطاعيون من أصول سلافية أو ألبانية أو بيزنطية؛ وكانت أسرة بلشا في الشمال، وأسرة توبيا في الوسط، أقواهم. وسيطرت البلشيون على الساحل من دوراتزو إلى كاتارو، وحاولت السيطرة على منطقة واسعة حتى بريزرن؛ وصدمتهم اصطدامات مع ملك البوسنة ومع الصرب. فلما تعرّض كارلو توبيا في دوراتزو لتهديد بلشا لجأ إلى العثمانيين طلبًا للعون سنة 787هـ (1385م)، فهُزم بلشا الثاني وقُتل على يد جيش عثماني في سافرا على نهر فيوسه في 12 شعبان 787هـ الموافق 18 سبتمبر 1385م. واعترف الأمراء الألبان، بمن فيهم ورثة بلشا، بسيادة السلطان؛ وأعلن الدوكاغينيون في أليسيو لراغوزا سلامهم مع العثمانيين سنة 789هـ (1387م). ولما أفزع التقدم العثماني البنادقة أرسلوا دانيال كورنارو إلى مراد الأول لحماية توبيا، وفي الوقت نفسه تفاوضوا مع توبيا لاستلام المدينة، وبدأ التنافس الطويل بين البنادقة والعثمانيين على ألبانيا. 3

وانتصر كفاليا شاهين، قائد الثغر، في غاراته على البوسنة، لكن البوسنيين هزموه قرب ترينيه في 27 أغسطس 1388م. وبعد الانتصار العثماني في سهل قوصوة سنة 1389م جعل الأتراك من أوسكوب (سكوبيه) مركزًا حدوديًا قويًا بتوطين أتراك من سارخان بقيادة باشا ييغيت حوالي 793هـ (1391م)، وأبقى العثمانيون الأمراء المحليين إلى جانبهم بضمان أراضيهم تيمارات. واستولى البنادقة على أليسيو ودوراتزو (1393م) وديريفاستو (1396م)، إذ تخلّى عنها أمراؤها مقابل معاش سنوي. وتعاون ديميتري يونيما وقسطنطين بلشا وغيرغ دوكاغين مع شاهين ضد البنادقة. وبدأ النظام العثماني بالليواء (الليوا) والتيمار أولًا في منطقة بريمدي وكورتشا، حيث توجد سجلات الموظفين العثمانيين من عهد بايزيد الأول. وقد سبقت هذا حملات عثمانية في ألبانيا سنة 796هـ (1394م) و799هـ (1397م)، ومنحت أكتشاحصار (كروا) إعفاءً ضريبيًا في الفترة نفسها. وقاتل جند ألبانيون بقيادة عدة أمراء في معركة أنقرة سنة 804هـ (1402م)، وبعد انهيار إمبراطورية بايزيد سنة 1402م اعترف كثير من الأمراء الألبان بالسيادة البندقية. ولما توفي غيورغ ستراتسيميروفيتش سنة 1403م استولى البنادقة على جزء من تركته، وكفاح ابنه بلشا ضد البنادقة بدعم من ستيفان لازاريفيتش وفوك برانكوفيتش الصربيين. واكتمل الفتح العثماني الحقيقي بالحرب مع البنادقة، من شمال إبيروس حتى كروا، وتكوّنت ولاية أرفانيد-إيلي أو أرناود-إيلي حوالي 818-820هـ (1415-1417م). 3

ويُظهر سجل التيمار العثماني لسنة 835هـ (1432م) الأوضاع التي جاء بها الفتح؛ فهو يسمي النواحي والأسر الإقطاعية التي كانت تابعة للعثمانيين حوالي 819هـ (1416م)، ومنها يوان-إيلي (أرض أسرة قاسترييتي)، وبلشا-إيلي شرق قافايه وجنوب شكومبي، وغيونوماييمو-إيلي شمال بيقين، وباولو كورتيك-إيلي في وادي جيليما. 3

دائرة المعارف الإسلامية: نظام التيمار ومسح سنة 1432م

أبقت بعض الأسر الإقطاعية المسيحية على جزء من أراضيها تيمارات، وكانت هذه التيمارات تمثل 16% من أصحاب التيمار في ولاية أرفانيد-إيلي. ولم يكن اعتناق الإسلام شرطًا لحيازة التيمار. وكان الجمهور التركي في الولاية من العسكريين ورجال الدين فقط، ولم يتجاوز الأتراك أصحاب التيمار ورجالهم نحو 800؛ وقُسّم السنجق كله على نحو 300 صاحب تيمار يسكنون القرى أو القلاع. وصارت أرجيروكاسترو (جيروكاستر) مقر سنجق بك، وكان في كل مركز قضاء شُباشي وقاضٍ. وعاملت الدولة العثمانية الأراضي الزراعية كلها تقريبًا بوصفها ملكًا لها، وهذا ما يحتاجه نظام التيمار، فشعر الفلاحون بأنهم خاضعون لحكومة مركزية غير شخصية، لا لأمراء إقطاعيين قريبين. وفي الشمال أيد العثمانيون أولًا بلشا الثالث، ثم بعد وفاته سنة 824هـ (1421م) ستيفان لازاريفيتش الصربي ضد البنادقة، الذين اضطروا سنة 826هـ (1423م) إلى إعادة دريفاستو وأنتيفاري وبودوا إلى ستيفان. وفي الجنوب توفي كارلو توكو سنة 832هـ (1429م)، فاستغل مراد الثاني الخلاف بين ورثته فاستولى على يانينا في محرم 834هـ (أكتوبر 1430م). ثم جرى مسح جديد للأرض والسكان في ألبانيا، في ربيع 835هـ (1432م)، أحكم السيطرة العثمانية، وتعتبره المادة النقطة الحقيقية لبدء المقاومة الألبانية الطويلة في العقود التالية. 4

ورفضت قرى في المرتفعات، في كورفيليش وبزورشيك، أن تُسجَّل، وقتلت في بعض الأماكن أصحاب التيمار العثمانيين. واضطر كبار الأمراء، مثل إيفان (يوان) كاستريوت في الشمال وأرانيتيس كومنينوس في منطقة أرجيروكاسترو، إلى التخلي عن أراض واسعة لتوزيعها على السباهيين العثمانيين تيمارات. وحمل أرانيتيس السلاح، وحاصر تودور زينيبيسي أرجيروكاسترو؛ وشجع ألفونسو الخامس ملك نابولي والبنادقة والمجر الثوار، الذين هزموا علي بن إفرينوس حاكم ألبانيا عند ممر بزورشيك. وانضم أمراء مسيحيون في وسط ألبانيا وشمالها إلى الثورة. وفي سنة 837هـ (1434م) تكاتفت قوات رومللي بقيادة سنان بك، الحاكم العام لرومللي، لإنهاء الثورة، التي كانت تبعث في المجر أملًا بحملة صليبية جديدة، لكن أرانيتيس فرّ إلى الجبال. وتبين السجلات اللاحقة في دفتر أرفانيد-إيلي أن الثورة لم تؤثر كثيرًا في السيطرة العثمانية على البلاد، فبقي معظم أصحاب التيمار العثمانيين والمسيحيين في تيماراتهم، وتعاون المرتفعون في الغالب مع الأسر الإقطاعية التي كانت لهم بها علاقات مصاهرة. 4

دائرة المعارف الإسلامية: إسكندر بك والانتفاضة الألبانية

منذ سنة 847هـ (1443م) تولى إسكندر بك، صهر أرانيتيس، قيادة الثورة؛ وأعطت طاقته وجرأته، والوضع الدولي في ذلك الوقت، الحركة طابعًا دوليًا. وتذكر المادة أنه بعيدًا عن الأسطورة التي نشأت حوله، فإن أصل ثورته ودوافعها لم تكن تختلف عن دوافع الأمراء الألبان الآخرين. وعُيّن ساباشيًا على أكتشاحصار (كروا) حوالي 842هـ (1438م)، وعُزل سنة 1440م. وكان يريد أن يسترد كروا وأراضي أبيه كلها، ويمتلكها أميرًا إقطاعيًا لا صاحب تيمار. وحالف أسرًا إقطاعية أخرى، هي التوبيون والبلشيون والدوكاغينيون والدوشمانيون ولِكا زكاريا وأرانيتيس، في لقاء أليسيو في 1 مارس 1444م، لكن فكرة ألبانيا موحدة تحت زعيم وطني كانت بعيدة عن الواقع؛ فلم يسيطر إلا على شمال ألبانيا، وبقيت الوسط والجنوب تحت السيطرة العثمانية، وحاول الساباشيون وأمراء السناجق المتمركزون في أرجيروكاسترو وأوخريد وبلغراد (بيرات) قمعه بقوات محلية. وكانت أغلب المعارك التي وصفها مارينو بارليتسيو معارك محلية، ولم تكن قوات إسكندر تتجاوز 3,000 رجل. وبموجب معاهدة 26 مارس 1451م صار تابعًا لألفونسو الخامس ملك نابولي، وسلّم كروا لرجال الملك؛ وتبعه الجنوب، فاجيناتيا وفالونا وكانينا، وخوّل الملك أرانيتيس أن يأخذ البيعة من أمراء ألبان آخرين، فصار زينيبيسي وغيره أتباعًا لألفونسو، وكان لكل تابع معاش سنوي بين 300 و1400 دوكا. وذكرت المادة أن النظام الأراغوني بدا للأمراء الإقطاعيين الألبان أفضل من النظام العثماني، لكن وثيقة أراغونية معاصرة تقول إن العامة لم يكن لديهم شكوى تُذكر من الإدارة العثمانية. وتحدى إسكندر بك مراد الثاني سنتي 1448م و1450م ومحمد الثاني سنة 1466م؛ وسماه البابا «بطل المسيح»، وجعله القوميون في القرن التاسع عشر البطل القومي الألباني. 4

دائرة المعارف الإسلامية: الفتح العثماني لألبانيا

خلال الحرب العثمانية البندقية (1463-1479م) صارت ألبانيا أحد أهم مسارح العمليات. فاستولى العثمانيون على كروا ودريفاستو وأليسيو وياباليك سنة 1478م، وعلى سكودرا سنة 1479م، ودوراتزو سنة 1501م؛ وأليسيو التي فقدوها في حرب 1499-1503م استعادوها سنة 1503م. وبعد فشلهم في أنتيفاري ودولسينيو استولوا عليهما سنة 1571م، فأتموا فتح ألبانيا. وحتى حوالي 870هـ (1466م) كانت ألبانيا العثمانية سنجقًا باسم أرفانيد (أو أرناود)-إيلي. ولما أقام محمد الثاني إلبسان سنجقًا جديدًا سنة 1466م أُعيدت تنظيم المنطقة، وأُنشئ سنجق أولونيا في الجنوب وأوهري في الشرق، وتكوّن سنجق إسكندرية (سكودرا) في الشمال سنة 1479م. وتذكر المادة أن الحكم العثماني خلق حتى نهاية القرن السادس عشر فترة سلام وازدهار، تكيّفت فيها معظم الأسر الإقطاعية القديمة مع النظام العثماني، وكان أحد أرانيتيس واسمه علي بك يحوز تيمارًا كبيرًا حول كانينا وأرجيروكاسترو وبلغراد. 4

دائرة المعارف الإسلامية: المدن والتجارة

كانت المدن الألبانية، وعددها 19 في السناجق الألبانية الأربعة، بلدات سوق صغيرة يتراوح سكانها بين 1,000 و4,000. وصارت أولونيا (أفلونا) وحدها مركزًا تجاريًا ذا شأن، بين 4,000 و5,000 نسمة. ولتشجيع التجارة أسكنت الحكومة فيها جالية يهودية كبيرة من اللاجئين من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر. ويُظهر قانون نامة أولونيا أن الأقمشة الأوروبية المستوردة من المخمل والديباج والموهير والقطن والسجاد والتوابل والجلود كانت تأتي من بورصة وإسطنبول، وأن بعض أهل أولونيا كان لهم شركاء تجاريون في أوروبا، وأن القطران والملح المنتجَين قرب المدينة كانت تشتريهما الوكالات الحكومية بأسعار ثابتة. وكانت ضريبة أولونيا وحدها لخزينة السلطان نحو 32,000 دوكا ذهبية في السنة، وكانت فيها حامية وأسطول صغير دائم. 4

دائرة المعارف الإسلامية: الضرائب، والطبقة الحاكمة الألبانية، وثورات القرن السابع عشر

لم يغيّر العثمانيون الضرائب تغييرًا جذريًا عما كانت تدفعه ألبانيا للبيزنطيين والصرب. فكان الإسبنديه، الذي يُرجَّح أنه ضريبة صربية، يُدفع من كل ذكر بالغ مسيحي بمقدار 25 أقجة، وكانت الضرائب العثمانية الأساسية الفُشت، أي ثُمن المحاصيل الزراعية تقريبًا، والجزية. وبقيت بعض الرسوم البيزنطية، ودفعت العادة الألبانية «العادات» أمورًا أخرى. وكانت كل هذه الضرائب ما عدا الجزية، التي تذهب إلى خزينة السلطان، مخصصة لأصحاب التيمار. ولم تكن نسبة الضريبة أخف مما كانت عليه، لكن العثمانيين ألغوا العمل الجبري وحددوا مسبقًا ما على كل فلاح من الضرائب؛ وكان قانون نامة سنة 1583م يمنع التجاوزات، كالعمل الجبري، وأخذ الأرض بغير حق، وطلب النقد بدل العُشر الذي يُدفع عينًا. وكان للألبان مكانة بارزة في الطبقة الحاكمة للإمبراطورية؛ فيُعرف على الأقل ثلاثون من الصدور العظام بأنهم ألبان، منهم كديك أحمد، وكوجه داود، ودوكاجينزاده أحمد، وكوجه سنان باشا. وكان الألبان دائمًا كثيرين في جيش القابوقولي، الذي كان نظام الدَّوشِرمة، المطبق في ألبانيا كما في البوسنة، يمدّه بالجند. وأضعف الإمبراطورية تغيّران في أواخر القرن السادس عشر: تفكك نظام التيمار، فتكونت الضياع الكبيرة في الولايات، واختلّ النظام المالي، فاحتاجت الدولة إلى ضرائب جديدة ورفعت الجزية، وكانت الضربة شديدة على المسيحيين. وظهر السخط في تمرد الجبليين الكاثوليك في القرنين السابع عشر والثامن عشر وتعاونهم مع القوى المعادية. فقد صارت ضريبة الكليمنتي، التي كانت 1000 أقجة، تافهة مع انخفاض قيمة الأقجة، فأرادت الحكومة أن تفرض عليهم الجزية 1000 قطعة ذهبية، فأدى ذلك إلى ثورة قبائل شمال ألبانيا، الذين أغاروا على سهول رومللي حتى فيليبي؛ فأرسل الباب العالي جيوشًا لإيقافهم وبنى قلعة جديدة قرب كوسينيه، وأخمد دوجه محمد باشا ثورتهم الجديدة سنة 1638م. 5

ومع ضعف السلطة المركزية بدأ الجبليون يتسللون إلى رومللي، بل إلى الأناضول، منذ أوائل القرن السابع عشر. ففي القرن الثامن عشر استخدم الباشوات والبكوات والأعيان في كل مكان هؤلاء الجبليين، الذين اشتهروا بأنهم أفضل المرتزقة، وكانوا منظمين في بولوكات من نحو 100 رجل بقيادة بولوك باشي، وهو مقاول حرب يرتب كل شيء لرجاله مع صاحب العمل؛ ومثال محمد علي في مصر يبيّن دور هذه البولوكات. وانضم كثير من الألبان أيضًا إلى العصابات الجبلية في رومللي، وتسمى داغلي أشكيانه أو كيرجعلي. وفي الفترة نفسها أفضى تأجير الأراضي الأميرية في السهول إلى نشأة طبقة كبيرة من ملاك الأراضي الغائبين، سعوا إلى المقاطعات أكثر فأكثر. ومن هؤلاء أسرة البوشاتلي في الشمال، في أرض الكيغ، وعلي باشا التبلني (1744-1822م) في الجنوب، في منطقة التوسك، وكانا مستبدين شبه مستقلين. وبنى محمد باشا البوشاتلي الأول سلطته بالاستيلاء على مقاطعات كبيرة وبالتحالف مع الجبليين، فأُرغم الباب العالي على تعيينه والياً على إسكودرا سنة 1779م. وبعد وفاته سنة 1796م دفعت محاولة الباب العالي استعادة هذه المقاطعات ابنه كرا محمود باشا إلى التمرد. وكان لعلي باشا نحو 200 ضيعة (تشيفليك)، ولم يتحدَّ الباب العالي تزايد قوة البوشاتليين وعلي باشا، إذ كانا يحدّان من سيطرة الأعيان المحليين، وكانت منافستهما تُوازن أحدهما بالآخر. وأقام علي باشا عبر أبنائه، الذين عيّنهم ولاة على تساليا وموريا وكارلي-إيلي، دولة شبه مستقلة في ألبانيا واليونان؛ فلما تحرك الحكم المركزي ضده سنة 1820م تمرد، وحرّض اليونانيين على الثورة. ولم تنته قوة آخر البوشاتليين، مصطفى باشا، إلا سنة 1832م على يد الجيش المُصلَح للسلطان محمود الثاني. وسبب سياسة التنظيمات المركزية متاعب مع القبائل المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال ألبانيا. 5

دائرة المعارف الإسلامية: رابطة بريزرن والطريق إلى الاستقلال

تأسست «رابطة الدفاع عن حقوق الأمة الألبانية» في بريزرن في 13 يونيو 1878م، لتؤثر في قرارات مؤتمر برلين، وكان لها أثر كبير في الميلاد اللاحق للدولة الألبانية. وبتشجيع من الحكومة العثمانية قاومت الرابطة الجبل الأسود واليونانيين للإبقاء على الولايات العثمانية الأربع: يانينا وإسكودرا ومناستير وكوسوفا. فلما اتجهت نحو ألبانيا مستقلة ذاتيًا أرسل الباب العالي جيشًا وفرّق الرابطة سنة 1881م. وشجعت النمسا-المجر وإيطاليا الحركة الألبانية لمد نفوذهما في ألبانيا، بينما كانت روسيا تؤيد مطالب الجبل الأسود الإقليمية. وسعى عبد الحميد الثاني إلى كسب الدعم الألباني بتجنيد الألبان في حرسه ومنحهم امتيازات خاصة، لكن المثقفين الألبان، بالتعاون مع الاتحاديين الشباب في باريس وغيرها، كانوا يتطلعون إلى ألبانيا مستقلة ذاتيًا. وسنة 1908م ساعد موقف الألبان ضد عبد الحميد في اجتماع فريزوفيك على نجاح الثورة. وفي البرلمان العثماني انضم نواب ألبان مؤثرون، مثل إسماعيل كمال وإسعد توبتاني وحسن بريشتينا، إلى حزب الحرية والائتلاف، الذي طالب باللامركزية في مواجهة سياسة العثمنة المركزية لحزب الاتحاد والترقي. وبعد مؤتمر مناستير (نوفمبر 1908م) قامت انتفاضة بين الجبليين الألبان قاوموا بها محاولة الحكومة جمع أسلحتهم. وفي 4 سبتمبر 1912م قبلت الحكومة العثمانية الجديدة مطلب الألبان بالإدارة الذاتية، لكن حرب البلقان غيّرت كل شيء؛ ففي نوفمبر 1912م أعلن إسماعيل كمال استقلال ألبانيا في أفلونا (فلورا). وأعلن مؤتمر لندن ألبانيا إمارة ذات حكم ذاتي تحت ضمانة الدول الست في 29 يوليو (وتطبعها المادة 1923م، ولم تُتحقق السنة على صورة الصفحة). وغادر الأمير الذي انتُخب حديثًا، فيلهلم فون فيد، البلاد في 3 سبتمبر 1914م. 5

دائرة المعارف الإسلامية: الدولة الألبانية المستقلة، 1920-1939م

في الحرب العالمية الأولى طالبت صربيا بسكودرا ودوراتزو. وأمام تهديد بلادهم بالتقسيم عقد الزعماء الألبان مؤتمرًا في لوشنيا في 31 يناير 1920م، وطالبوا بالاستقلال؛ فتشكّلت حكومة وطنية في تيرانا، وطردت الفرقة الألبانية الحزبية الإيطاليين من فلورا. واعترفت إيطاليا باستقلال ألبانيا بمعاهدة تيرانا في 3 أغسطس 1920م. وعاشت الدولة الصغيرة في سنوات استقلالها الأولى (1921-1924م) حياة برلمانية مضطربة، إذ اصطدم بيكوات الملكية الزراعية المسلمون في السهول الغربية والوسطى بحزب الشعب بزعامة فان س. نولي. وأجبرت ثورة رئيس الوزراء أحمد زوغو على الفرار إلى يوغوسلافيا، لكنه عاد بدعمها إلى الحكم في 24 ديسمبر 1924م. فأعلنت جمعية تأسيسية الجمهورية، وعينت زوغو رئيسًا لها. ثم وقّع معاهدات متعددة مع إيطاليا (12 مايو 1925م، و27 نوفمبر 1926م، و22 نوفمبر 1927م، ومارس 1936م) وضعت البلاد عمليًا تحت الحماية الإيطالية، وفي سبتمبر 1928م أُعلن زوغو ملكًا على الألبان. وفرّ من البلاد قبل يوم من الغزو الإيطالي في 6 أبريل 1939م. وتختم المادة بقائمة مراجعها، وهي موقعة من خليل إينالجيك. 5

المصادر

  1. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 699-700
  2. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 700-701
  3. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 652-654
  4. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 654-655
  5. Gibb, H. A. R. (1960). Encyclopaedia of Islam, new edition. Brill (Leiden). , vol. 1 p. 655-657
اقتبس هذه الصفحة

مساهمو islam.museum. «ألبانيا (أرناؤوطلق)». islam.museum، https://islam.museum/ar/place/albania/. CC BY-SA 4.0. آخر تحديث: 2026-10-25.

حسّن هذه الصفحة على GitHub · أبلغ عن خطأ · JSON

الجناح

المكان

المدن والمواقع والطرق على خريطةٍ تتحرك عبر الزمن.